| المادة :: تعريف التراث الشعبي |
تمهيد
يشكل تراث الشعوب الإطار التاريخي الذي تنطلق منه حضارة أي شعب، فهو بمثابة الوعاء
الذي يجمع بين جنباته الحصيلة الإنسانية لكافة جوانب تطور هذه الشعوب ونموها .. من
هذا المنطلق يهدف الباب الاول من هذا الكتاب إلى صياغة إطار نظري عام حول تفسير
مصطلح التراث بشكل عام والتراث الشعبي بشكل خاص باعتباره يمثل مدخلا لرصد الحياة
الشعبية في دولة الإمارات التي ما زلنا نحيا كثيراً من مظاهرها، كما سيتطرق لتفسير
بعض المصطلحات التي لها علاقة بوجه أو آخر بالتراث الشعبي كالفلكلور أو الموروثات
الشعبية أو المأثورات الشعبية، وسنرى هل بالإمكان استخدامها كبديل لمصطلح التراث
الشعبي أم إنه يوجد اختلاف بينها؟....
كما سنتعرف على أهم مجالات التراث الشعبي، وذلك بتقديم عرض موجز عن كل مجال وأهم
العناصر التي يحتويها متخذين من تراث دولة الإمارات حالة تطبيقية على ذلك وهذا ما
سيرد في الفصل الاول، أما بالنسبة للفصل الثاني من هذا الباب فهو معني بتتبع أهم
الجهود الذي بذلت في المحافظة على التراث في دولة الإمارات سواء على المستوى الرسمي
أو المستوى الشعبي. |
|
| المادة :: أولاً : ما المقصود بالتراث والتراث الشعبي بشكل خاص ....؟ |
تعد كلمة تراث من الكلمات الشائعة الاستخدام في اللغة العربية الفصحى وفي
لهجاتها المختلفة فالتراث في اللغة هو كل ما يخلفه الرجل لورثته أي لأبنائه وأهله
من بعده وهو متوارث وقابل للإيراث من بعده بحكم التقادم والانتقال. كما وردت كلمة
تراث في القرآن الكريم وذلك في قوله سبحانه وتعالى وتأكلون التراث أكلا لما
وتحبون المال حباً جما ، كما وردت في قوله سبحانه وتعالى ثم أورثنا الكتاب ..
ذلك هو الفضل الكبير ويتبين لنا من كلا الآيتين ان للتراث شقين شق مادي كما ورد
في الآية الاولى وشق روحي فكري كما ورد في الآية الثانية، كما أتت كلمة تراث في
أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أقوال الصحابه والمحدثين، إضافة إلى ورودها في
الشعر الجاهلي، يتضح من هذه الامثلة ان كلمة تراث كلمة أصيلة مستمدة من ينبوع
الحضارة العربية والاسلامية، هذا على الصعيد اللغوي، اما على الصعيد الثقافي
والحضاري فالتراث كما يعرفه محمد أركون بأنه سنة الآباء، وإطار من الاحكام
والشرائع، ومعلومات عملية تجريبية شعبية، ومجموعات أدبية فكرية علمية مكتوبة .. من
هذا التعريف يتبين لنا ان التراث يحمل بين طياته موروثات مادية ملموسة نلتمسها في
أسلوب الحياة وأدوات وأساليب الانتاج وفي غيرها من الاشياء المحسوسة، وموروثات
فكرية وجدانية متجسدة في القيم والعادات والتقاليد ... الخ.
اما التراث الشعبي على وجه التحديد، فليس هناك اتفاق واحد على تفسيره، وذلك شأنه
شأن معظم مصطلحات العلوم الاجتماعية التي تتأثر بالخلفيات العلمية والسياسية
والحضارية للعلماء القائمين عليها. ولكن هذا لا يمنع من عدم وجود اتفاق عام حول أهم
موضوعات التراث الشعبي، فهناك شبه إجماع أكاديمي على أهم ملامح وأسس وموضوعات
التراث الشعبي، ويعرف التراث الشعبي بصفة عامة بأنه (العادات والتقاليد والقيم
والفنون والحرف والمهارات وشتى المعارف الشعبية التي أبدعها وصاغها المجتمع عبر
تجاربه الطويلة والتي يتداولها افراده ويتعلمونها بطريقة عفوية، ويلتزمون بها في
سلوكهم وتعاملهم حيث إنها تمثل أنماطا ثقافية مميزة تربط الفرد بالجماعة كما تصل
الحاضر بالماضي).
والملاحظة الجديرة بالذكر في هذا المقام، هو انه في أحيان كثيرة ترد إلى مسامعنا
مصطلحات تراثية كالفلكلور، والمأثورات الشعبية، والموروثات الشعبية، والسؤال هنا هل
هذه المصطلحات مرادفة لمصطلح التراث الشعبي؟، وهل بالإمكان استخدامها كبديل لمصطلح
التراث الشعبي ....؟
|
|
| المادة :: (أ) الفولكلور |
| الفلكلور يعد من المصطلحات التي دخلت حديثا إلى اللغة العربية، فهو في الواقع ترجمة لمصطلح انجليزي ظهر في القرن التاسع عشر، ويعني بالعربية الفصحى (حكمة الشعب)، حيث يشير الشق الاول من الكلمة (فلك) إلى الشعب، بينما يشير الشق الثاني من الكلمة (لور) إلى مجموعة المعارف والتقاليد المكتسبة عن طريق الخبرة، ويستخدم المصطلح في بعض الاحيان وبالتحديد في الثقافة الفرنسية للتعبير عن أشياء غير جادة أو استهزائية – عندما يقال على سبيل المثال هذا من باب الفلكلور أي من باب الطرافة. |
|
| المادة :: (ب) المأثورات الشعبية |
| المأثور لغة هو المنقول قرنا عن قرن، وقد استحدث هذا المصطلح من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، كما أقره مجمع اللغة العربية، وهو في الواقع استحدث كترجمة لمصطلح الفلكلور، ولكن يؤخذ على هذا المصطلح انه يركز بشكل ملحوظ على الآداب الشفاهية ويغفل جوانب أخرى من التراث سنذكرها لاحقا. |
|
| المادة :: (ج) الموروثات الشعبية |
| تتمثل الموروثات في كل ما خلفه لنا الآباء والاجداد من تراث سواء المتمثل في جانبه الفكري ام المادي وهي بذلك تتفق لغوياً مع مصطلح التراث. ولكن الفرق يكمن في ان التراث لا زال يؤدي دوره الوظيفي في يومنا هذا بعكس الموروثات الشعبية التي يفترض انها فقدت دورها الوظيفي. |
|
| المادة :: من خلال العرض السابق ( أ ، ب ، ج ) |
| يعتبر مصطلح التراث الشعبي أجدر بالاستخدام في ادبيات التراث من المصطلحات التراثية الأخرى، وهذا ما توصل إليه أ.د. سيد حامد حريز في إحدى أبحاثه المعنية بدراسة التراث الشعبي. حيث أكد على أهمية استخدام مصطلح التراث الشعبي عن بقية المصطلحات التراثية الأخرى وذلك لعدة أسباب، كما أوضحها سيد حريز فهو مستمد من اللغة العربية الفصحى كما أنه مرتبط بالحضارة العربية والإسلامية فهي قد وردت في الشعر الجاهلي، وفي بعض آيات القرآن الكريم، كالآيات التي تطرقت لذكرها سابقا، كما وردت في بعض اقوال الرسول صلى الله عليه وسلم. أضف إلى ذلك اشتمالها على مجلات التراث المختلفة سواء المتمثلة في جانبها المادي ام المعنوي بعكس عبارة الفنون الشعبية التي تقتصر على الجانب المعنوي فقط. |
|
| المادة :: مجالات التراث الشعبي |
لم يتفق الباحثون بعد على تصنيف موحد لمجالات التراث الشعبي ولا تكاد تجمعهم
وجهة نظر واحدة في هذا المجال ... وقد آثرنا في هذا البحث ان نعتمد التصنيف الذي
استحدثه الدكتور محمد الجوهري فقد رأى ان يقسم موضوعات التراث إلى أربعة اقسام جاءت
على النحو التالي :
1. الادب الشعبي.
2. العادات والتقاليد.
3. المعتقدات والمعارف الشعبية.
4. الثقافة المادية والفنون الشعبية |
|
| المادة :: أولا : الأدب الشعبي |
في الواقع لا يزال تحديد الأدب الشعبي أمراً يختلف عليه النقاد ودارسو الأدب.
ففريق منهم يرى أن الادب الشعبي لأي أمة هو أدب عاميتها التقليدي وبالتالي هو الأدب
الذي يوصف بالأدب الشفاهي، المتوارث، المجهول المؤلف، وفريق منهم يرى الأدب الشعبي
بأنه هو نفسه ادب العامية سواء أكان شفاهياً أو مكتوباً مجهولاً ام معروف المؤلف،
حديثاً أم متوارثاً، ولكن من الملاحظ في مراجع الأدب الشعبي ان معظم هذه المراجع
تتفق على ان الادب الشعبي تدخل ضمنه كل فنون القول التي توارثت مشافهة : اللغة
المحلية وعلوم صناعتها، الأشعار، الأزجال، الأحاجي، الخرافات، السير، الملاحم
والحكايات، ثم الأمثال .. وسنعرض من خلال الأسطر التالية بعض فنون الأدب الشعبي.
1- الشعر
لقد ذكرنا الشعر في المقام الاول وذلك لتأثيره الجلي في نفوس الناس فالشعر يصل
للعامة والخاصة من الناس وهو بذلك يعتبر من أكثر عناصر الأدب الشعبي انتشارا،
وتداولا بين أفراد المجتمع، سواء أكان في الماضي أم في الحاضر حيث استطاع هذا الشعر
بالفعل ان يفجر إبداعات أدبية رائدة في المنطقة ساهمت في إثراء التراث الشعبي. أضف
إلى ذلك نفسية العربي وتكوينه الحضاري الذي يضع الشعر في مرتبة سامية، ومن أهم
أغراض الشعر وموضوعاته. الشعر الاجتماعي، البداوة، الغوص، البحر، النصائح، الحكمة،
الفخر، الذم، شكوى الزمان، الوصف، الغزل وغيرها من المواضيع المهمة التي ساهمت في
الواقع في خلق اتجاهات فكرية جديدة في المنطقة، ونحن بهذا الحديث عن الشعر نكون قد
فتحنا المجال للشعر النبطي وتأتي الابيات التالية كمثال على هذا النوع من الشعر :
إذا بغيت إنك تصاحب صاحب لا تصاحب إلا جيد الاطباع
حتى إذا ضاق المجال ايثيبك بمـدافـع ومنـافـع وأفـــزاع
أما بالنسبة لتصنيف الشعر النبطي، فقد كثرت الاجتهادات وتنوعت حول تصنيفه، ومن بين
هذه الاجتهادات رأي الدكتور (أحمد امين المدني) الذي ضمنه كتابه (الشعر النبطي)،
حيث يرى ان هناك ستة أنواع للشعر النبطي وهي على التوالي : القصيدة، المربوع،
التغرودة، الرزحة، العازي، العيدان.
وللشعر نوع آخر وهو المتمثل في الشعر التقليدي أو المقفى وهو ما درج العرب على نظمه
قبل الاسلام واستمر حتى يومنا هذا، ومنه قول الشاعر زهير بن ابي سلمى :
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
2- الأهازيج الشعبية
تعتبر الأهازيج سجلا حافلا للاغاني التي كانت تردد على ضفاف الخليج العربي في شتى
المناسبات، فإذا رجعنا لاصل كلمة هزج نرى ان المراجع بينت لنا ان الهزج قديم في
الادب العربي (وهو في معظم معانيه يعني الغناء) الفرح، لكننا لو أمعنا النظر في هذا
الضرب من الفنون في الخليج نلاحظ أنه متنوع لدرجة كبيرة، وهذا نتيجة طبيعية فرضته
طبيعة البيئة التي امتزجت فيها فنون البحر والغوص بفنون الزراعة والرعي فلكل بيئة
ضرب معين من الأهازيج ولكل مناسبة كذلك.
أما عن أهم الوظائف التي تقوم بها الاهزوجة في حياة الفرد في تلك الفترة، فقد كانت
في الواقع تقوم بوظيفة نفسية بالدرجة الأولى، فالفرد كان يرددها للترويح عن النفس
وعن ضغط الحياة لهذا نلاحظ ان الأهازيج شغلت حيزاً مهما في الأدب الشعبي. أما عن
وظيفتها في يومنا هذا فيمكننا القول ان الأهازيج الشعبية تعتبر المرآة التي تعكس
لنا واقع الشعب في تلك الفترة، وهذا ما تدل عليه نصوص تلك الاهازيج فقد تنوعت هذه
النصوص ما بين نصوص معاناة من الحياة اليومية أو نصوص أماني ومنها تلك النصوص التي
كانت ترددها الأم على أطفالها، ومن بين هذه النصوص تلك الأهزوجة التي تقول :
لإ إلـــــــــــــه إلا الـــــــــلــــــــه
لإ إلــــه إلا الــــلــــه أتحــرســــك
فـي منــامـــك أو لـيـلـة عــرســــك
وابعون الله لا شر لا سو يقدر عليك
أما في الفترات التي يعم فيه الرخاء فينعكس مسار الاهزوجة فتختلف النصوص من حيث
المقصد والخلجات النفسية وهذا ما يثبت صحة حديثنا الذي ورد سابقا، في اعتبار ان
الاهزوجة هي الصورة الحقيقية لحياة الناس في تلك الحقبة من الزمن.
ويعد كتاب على إبراهيم الدرورة بمثابة الدليل لجمع ما تشتت من الاهازيج في الخليج
ومن الامثلة على الأهزوجة الشعبية ما كان يردده آباؤنا أثناء الغوص..
اللهم صلي وسلم عليه .. بيت الرسول مكة
يا مدينة مكة .. يا مدينة بيت رسول الله .. هو لو يالله هولو يا هولو.
3- الأمثال الشعبية
ما ينبغي توضيحه أولا في هذا المقام، ان المثل الشعبي يرتبط بالكلام العادي أو
اللغة المحلية الدارجة وهذا ما جعله أكثر أنواع الأدب الشعبي انتشارا بين الناس،
فالمثل الشعبي هو التعبير اللفظي المختصر والمتداول بغير تبديل أو تغيير في لفظه
الحرفي، وعادة ما يتضمن حكمة أو موعظة أو نصيحة فهو في كثير من الاحيان يكون
مستخلصاً من الحكم والتجارب في الحياة كالمثل الذي يقول (إذا فات الفوت ما ينفع
الصوت) فهذا المثل على سبيل المثال يضرب في الندم على شيء فات، والأمثال عادة ما
تكون ذات ارتباط قوي بالبيئة وبالإنسان، فهي في الواقع انعكاس للبيئة الطبيعية
والاجتماعية والاقتصادية المعاشة وهذا ما يكشفه لنا اختلاف صياغة بعض الامثال عن
بعضها بعضاً على الرغم من أنها تؤدي إلى نفس المعنى كالمثل الذي يقول (اللي ما يعرف
الصقر يشويه) هذا ما أفرزته لنا البيئة البدوية، نلاحظ في المقابل في البيئة
الزراعية المثل القائل (اللي ما يشوف من لغربال يبقى أعمى).
أما عن الدور الذي تعلبه الامثال في الحياة اليومية للفرد، فهي بمثابة الدليل لرصد
أحداث الحياة، كما أنها تلعب دوراً كبيراً في حياة الأفراد عن طريق تأثيرها النفسي
عليهم، فهي كفيلة بخلق اتجاهات فردية إيجابية وذلك بما تحمله الأمثال الشعبية
المحلية من قيم اجتماعية سامية كالمثل الذي يقول (من زرع في غير بلاده لا له ولا
لولاده) فهذا المثل ينمي روح الوطنية في قلوب الناس.
من هذا تعد الأمثال الشعبية من أهم وأفضل المصادر والوثائق التاريخية الحقيقية
الهامة والضرورية لمعرفة نفسية أي شعب في أي رقعة على خارطة الأرض، وليس هذا فحسب
بل هي تساعدنا على معرفة تطوره الفكري والذهني والحضاري والأخلاقي على مر العصور.
باختصار يمكن القول عن المثل كما ورد على لسان ابن عبد ربه، بأنه هو وشي الكلام
وجوهر اللفظ في كل زمان ومكان وعلى كل لسان فهو أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة لم
يسر شيء سيرها ولا عم عمومها (فقيل أسير من مثل).
4- القصص المنثور :
ويشتمل هذا القصص المنثور على ثلاثة أنواع هامة هي الأساطير الشعبية، الحكايات
الشعبية، السير الشعبية. وفي بحثنا هذا سنتناول بالشرح فقط الحكايات الشعبية والسير
الشعبية، أما بالنسبة للأساطير الشعبية فهي على الرغم من انها تحتل مكانة متميزة في
الادب الشعبي العالمي إلا انه في تراث دولة الإمارات نلاحظ أن هذا النوع من الادب
لا يحتل هذه المكانة لذلك سنستبعد ذكره في هذا المقام.
(أ) الحكايات الشعبية :
قبل ان نوضح الأهمية التي تعلبها الحكاية الشعبية، لا بد لنا أولا ان نتطرق لتحديد
مسمى الحكاية، فالحكاية مشتقة من الحكي، ويعرف الحكي بأنه الطريقة التي تتحول بها
تجربة ما إلى إفادة كلامية، ومن ثم فإن الحكاية هي وسيط لتوصيل التجربة، وهي أعلى
مرحلة من (الجملة) فبينما تصل الجملة الكلمات بعضها ببعض نجد الحكاية تربط وتصل
أفعالا وأحداثا، وفي دولة الإمارات نلاحظ أن الحكاية تسمى (سالفة) وهذه التسمية
تؤكد معنى الحدث الذي وقع في سالف الزمن .. ومن ملاحظة سجل الحكايات، يتبين لنا ان
الحكايات الشعبية أو القصص الشعبي ينقسم إلى عدة أنواع، وان كل نوع له شكل ومحتوى
يختلف فيهما عن أي نوع آخر، ولكن ما يهمنا في هذا المقام، ان نعدد أهم أنواع القصص
الشعبي، وهي تنقسم إلى سبعة أقسام كما صنفتها. نبيلة ابراهيم :
1. الحكاية الخرافية لا سيما تلك التي تتضمن الحكايات السحرية حكايات الجان كحكاية
(أم الدويس) في مجتمع الإمارات، وملخص هذه الحكاية ان ام الدويس تصور على انها
إمرأة قبيحة يدها على شكل المنجل تقتل بها ضحاياها من الذكور بعد ما تظهر لهم في
شكل إمرأة جميلة جذابة تغريهم وتخدعهم ثم تقتلهم.
2. حكاية المعتقدات وهي معتقدات ترتبط بالقوى الخارقة كالخالق عز وجل، وبالملائكة
وبأنهم رمز للخير والنقاء، وكذلك المعتقدات المرتبطة بالشياطين وبأنهم رمز للشر
والفساد، وكذلك هناك المعتقدات المرتبطة بالقوى الطبيعية كالشمس والقمر والنجوم
بأسمائها ودلالات ظهورها وارتباطها بالأحوال الجوية.
3. حكايات التجارب اليومية وهي حكايا مستمدة من حياة الناس وما فيها من حوادث تدعو
لأخذ العبرة والدرس.
4. الحكايات التاريخية وهي تحكي لنا أحداثا تاريخية وقعت في زمن أجدادنا.
5. قصص الحيوان وهو قصص رمزي، يقصد به الكشف عن عيوب الإنسان، من خلال حديث الحيوان
أو الطير مثل الغراب، ومكر الثعلب، وعن النسور ... الخ.
6. الحكايات الهزلية وتهدف إلى إشاعة روح النكتة والفكاهة وتأخذ أحياناً طابع النقد.
7. القصص الديني وهي القصص الواردة في القرآن الكريم، وقصص الصحابة والتابعين
والأولياء الصالحين.
ومن خلال دراسة بعض الحكايات التي اطلعنا عليها نلاحظ ان الحكاية الشعبية كانت ولا
تزال تلعب دوراً هاماً وحيوياً في التنشئة الاجتماعية، كما تساهم بدور جلي في
العملية التربوية، وذلك كون هذه الحكاية تعتبر مصدرا من مصادر نقل المعرفة والخبرة
والتجربة الإنسانية والقيم والمعتقدات السائدة في المجتمع الشعبي، وذلك كله في إطار
زمني يجمع ما بين الترفيه والتعليم. ولابد لنا ان نذكر في هذه المقام جهود مركز
التراث الشعبي لمجلس التعاون حيث قام هذا المركز مشكورا بجمع أهم الحكايات الشعبية
المنتشرة في الخليج العربي وإصدارها في مجلدين وهو ما زال يتابع نشاطه إضافة إلى
قيام المجمع الثقافي بإصدار كتاب بعنوان (حصاة الصبر) لأحمد راشد ثاني، وهو بمثابة
الجزء الاول من ضمن مشروع جمع الحكايات الشعبية في الإمارات، ولابد من التنويه بجهد
مركز زايد للتراث والتاريخ الذي أعد دورة تدريبية لجمع الحكاية الشعبية وطرق نقلها
وتدوينها.
(ب) السيرة الشعبية :
تعد السيرة من أكثر فنون الادب الشعبي العربي انتشارا، وتشكل السيرة الشعبية قسما
قائما بذاته من الادب الشعبي، الذي يطلق عليه في وقتنا الحاضر اسم (الادب العامي).
أما بالنسبة لموضوعاتها فهي تدور في كثير من الأحيان حول البطولات والفروسية كما
ترتبط عادة بسيرة بطل معروف أو فارس مغوار كسيرة عنترة بن شداد وسيرة أبو زيد
الهلالي، أما عن الأسلوب المستخدم في السيرة فهي تجمع ما بين أسلوب النثر والشعر.
كما أنها في أحيان كثيرة تبدأ وتنتهي بأبيات شعرية أو جمل غنائية موسيقية تجعلها
مألوفة لدى المستمع .. وقد أفرز لنا الأدب الشعبي العربي من تاريخه العريق ست سير
شعبية وكل هذه السير تدور حول البطولات وأنماط من الفروسية العربية الأصيلة
وموضوعات اجتماعية وأخلاقية مختلفة، ومن أهم هذه السير سيرة سيف بن ذي يزن، وسيرة
الظاهر بيبرس، وسيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة حمزة العرب أضف إلى ذلك سيرة عنترة
بن شداد وسيرة الهلالي.
5- الألغاز الشعبية :
اللغز في اللغة هو الكلام المعمى أو الخفي، فاللغز من ألغز الكلام وألغز فيه عمي
مراده وأضمره على خلاف ما اظهره. ومن بين التعريفات الموضوعية التي وردت في هذا
الشأن، تعريف ابن رشيق فقد عرف اللغز فقال (أن يكون للكلام ظاهر عجب غير ممكن أو
باطن ممكن غير عجب). أما عبدالله الطابور في كتابه الألغاز الشعبية في الإمارات فقد
عرف اللغز بأنه هو جنس من الادب الشعبي يتكون من مجموعة من الألفاظ والكلمات
الجميلة التي تحمل معنيين في آن واحد، معنى مضمر أو خفي، يبحث عنه السامع، ومعنى
آخر ظاهر يورد في حيثيات الكلام وألفاظه البائنة المعرفة.
وتختلف مسميات الألغاز من دولة لأخرى ففي الإمارات يطلق عليه اسم لغز، بينما في
دولة الكويت تسمى (الغطاوي)، بمعنى ان الجواب في اللغز مغطى أو مخفي. بينما في
السعودية نلاحظ انه يطلق عليه اسم (الحجايا) أو (الغبايا). أما في العراق فتسمى
(حزورات) أو (أحازير). إلا أن الملاحظة المهمة أنه ولو اختلفت التسميات في الالفاظ
والمعاني فإنها جميعا تعبر عن مفهوم واحد وهو الإغماض والإخفاء والسؤال.
وتقوم الألغاز الشعبية بعدة وظائف منها على سبيل المثال الوظيفة الترفيهية،
فالألغاز وسيلة مبسطة محببة في وسائل التسلية والترفيه والترويح عن النفس خاصة بعد
عناء يوم طويل شاق من العمل. كما تقوم بوظيفة تربوية وتعليمية وذلك لما تتطلبه من
جهد عقلي متمثل في التأمل ودقة الملاحظة وإدراك العلاقات والمقارنة بين الأشياء.
إضافة لهذه الوظائف تقوم كذلك الألغاز بوظائف اجتماعية ونفسية، فالمباريات اللغزية
تتيح لأفراد الجماعة على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعية فرصة للتخاطب الجماعي
بينهم، فهي من هذه الناحية ذات وظيفة اجتماعية، أما بالنسبة للوظيفة النفسية، فهذه
المباريات اللغزية تتيح الفرصة لتقوية الإحساس بالتفوق والرضا عن الذات (عند النجاح
في معرفة الحلول).
والألغاز على نوعين منها العامي أو الشعبي ومنها الألغاز الخاصة التي ارتبطت بالشعر
والموال في صياغتها اللفظية وتداولها، أما عن طريقة صياغة الألغاز فهي تتخذ طابع
التركيز الشديد.
من خلال العرض السابق لأهم مجالات الأدب الشعبي، عرضنا لأهم هذه المجالات ولم نعرض
لمجالات اخرى، لان مجالات الادب الشعبي مختلفة ومتنوعة من بيئة لأخرى، وهذا ما يفسر
لنا اختلاف تصنيفات الادباء في هذا المجال، فكل كاتب يعكس واقع بيئته المعاش،
ولكننا على كل حال تطرقنا لعرض أكثر أنواع الادب الشعبي شيوعاً ولربما يتفق معظم
الكتاب على هذا التصنيف ... من الملاحظ كذلك بعد عرض عناصر الأدب الشعبي ان هذه
العناصر تلتقي في بعض النقاط فلاحظنا ان مؤلفي هذه العناصر سواء أكانت الأهازيج أم
الامثال ام القصص ام الالغاز .. الخ، مجهولة المؤلف وبما أنها لم تنتج عن طريق شخص
معين فهي بالتالي إنتاج شعبي مشترك، وبما أنها أنتجت من قبل جماعات شعبية بسيطة غير
ملمة بالقراءة والكتابة فهي نتيجة طبيعية انها ستعتمد على التعبير الشفاهي أو
القولي، إضافة إلى ذلك تداول هذه العناصر وانتشارها بين مختلف الأجيال.
|
|
| المادة :: ثانياً : العادات والتقاليد |
قبل ان نوضح ما المقصود بهذا المصطلح وما هي محتوياته لابد أن نبين أولا ما
انتهى إليه الدكتور محمد الجوهري بانه لا يوجد ميدان من ميادين التراث الشعبي بعد -
الادب الشعبي – حظي بمثل ما حظي به ميدان العادات الشعبية من العناية والاهتمام وما
يثبت لنا صحة كلام الدكتور الجوهري ذلك الكم الهائل من الدراسات الفلكلورية
والسيولوجية من ناحية، وفي عمليات الجمع والتسجيل من ناحية أخرى لدرجة انه بات من
المستحيل على باحث واحد ان يلم بهذا المجال إلماماً كاملا، ولا غرو في ذلك فالعادات
والتقاليد الشعبية تقدم لنا صورة متكاملة عن حياة أي مجتمع فمن خلالها يمكن لنا فهم
ثقافة المجتمع وواقعه المعاش.
أما عن ماذا نعنيه بالعادة الشعبية فهناك العديد من التعريفات في هذا الموضوع إلا
أن معظم هذه التعريفات أجمعت على ان العادة هي نمط السلوك الذي يرتضيه الفرد
أو الجماعة لأنفسهم فيميل إلى الثبات بمرور الوقت بل وللانتقال الوراثي فمن خلال
هذا الانتقال بين عدة أجيال تتوسع العادات والتقاليد وتنمو ومن ثم تكتسب سلطانا في
المجتمع. ومن خلال خلاصة هذه التعريفات المقدمة لمصطلح العادة الشعبية نستطيع ان
نستنج أهم خصائص العادة الشعبية.
(1) نلاحظ أن العادة هي فعل اجتماعي بالمقام الاول حيث إنها تظهر للوجود حينما
يرتبط الفرد بآخرين ويأتي أفعالا تتطلبها منه الجماعة.
(2) نلاحظ كذلك أن العادة لا بد لها من ينبوع تراثي يدعمها ويغذيها عبر عدة أجيال
ومن هنا فهي تاريخية الطابع.
(3) تمتلك العادة قوة معيارية وظاهرة تتطلب الامتثال الاجتماعي بل الطاعة الصارمة
في معظم الأحيان، والفرد الخارج عن العادة هو شاذ اجتماعي يستحق العقاب.
(4) ترتبط العادة في معظم الاحيان بمواقف واحداث الحياة فهي لابد لها من وجود موقف
حتى تظهر للوجود كالزواج مثلا.
(5) تتخذ العادة صورا عديدة تظهر في تلك التنويعات اللانهائية من العادات في كافة
مجالات الحياة وتزداد تنوعا تبعا لتباين السن والنوع والمهنة وما إلى ذلك من أمور.
أما بالنسبة لتصنيف العادات والتقاليد الشعبية فهي في الواقع خضعت لمجموعة من
التصنيفات كتصنيف الكسندر كراب وتصنيف دورسون، والتصنيف الذي قام به محمد الجوهري
وزملاؤه، ولكننا في هذا المقام سنأخذ بتصنيف الدكتور الجوهري لأنه قام بالفصل بين
العادات والتقاليد وما بين المعتقدات.
فقد ضم التصنيف الموضوعات التالية :
(1) عادات دور الحياة البشرية وهي تنقسم بدورها إلى مجموعة من المراحل :
(أ) الميلاد : الحمل، الوضع، الوليد وكيفية الاهتمام به، السابعة، تنشئة الطفل،
الختان.
(ب) الزواج : الخطوبة، الزواج في المدن، زواج أهل البادية، زواج أهل القرى.
(ج) الوفاة : طقوس الدفن، العزاء، زيارة القبور.
(2) الأعياد والمواسم والشهور الدينية وهي متعددة وتختلف من منطقة لأخرى إلا أنه من
ابرزها ...
(أ) الأعياد الدينية : مثل رأس السنة الهجرية، وشهري رجب وشعبان، وشهر رمضان
المبارك، والعيد، والحج.
(ب) المناسبات الوطنية: ذكرى تأسيس الاتحاد، وذكرى جلوس صاحب السمو رئيس الدولة.
(ج) المواسم الزراعية: كمواسم التلقيح والتبشير للنخلة وغرسها وما يصاحب ذلك من
اشعار وأناشيد جماعية وقد اختفى اغلبها مع اساليب الزراعة الحديثة ودخول الميكنة.
(3) الفرد في المجتمع المحلي وتشمل :
(أ) المراسيم الاجتماعية كمراسيم استقبال الضيف والعلاقات بين الكبير والصغير، وبين
الغني والفقير ... الخ.
(ب) العلاقات الأسرية، وفيها يوضح مركز الأب والابناء والام والعلاقة بين الاكبر
والاصغر.
(ج) العادات المتعلقة بالطعام : سواء بالمجتمع العائلي لتناول الوجبات الرئيسية
الثلاث وما يتبعها من عادة شرب الشاي والقهوة، كذلك ولائم الضيوف التي تقام في
حفلات الختان والافراح والولادة، وفي المآتم كل حسب البيئة التي يعيشها، حيث تختلف
بعض العادات في البيئة الصحراوية عن البيئة الساحلية. |
|
| المادة :: ثالثاً : المعتقدات والمعارف الشعبية |
قبل كشف النقاب عن أهم المعتقدات السائدة في المجتمع الإماراتي لابد لنا أولا ان
نتطرق لتفسير مصطلح المعتقد ... ما هو المعتقد الشعبي؟ وما هي أهم موضوعاته؟
تعتبر المعتقدات الشعبية ظاهرة طبيعية لكل شعوب العالم، وتتعدد أشكال وصور وطبيعة
هذه المعتقدات من بيئة لأخرى، فمنها ما يسرد على شكل حكايات وقصص وأساطير ومنها ما
يقام له الطقوس والاحتفالات، وفي أحيان كثيرة تصبح المعتقدات على شكل أعراف
تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل وتصبح جزءاً من عقيدة هذه الاجيال. والسؤال الآن ما
هو المعتقد؟ يعرف المعتقد بأنه (مجموع المعلومات والمعارف المتراكمة في أذهان الناس
عن حياتهم والبيئة المحيطة بهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض، والتي تشكل الإطار المرجعي
لكل مظاهر سلوكهم..). أما محمد الجوهري فيرى المعتقدات والمعارف الشعبية بأنها (مجموعة
المعتقدات التي يؤمن بها الشعب فيما يتعلق بالعالم الخارجي والعالم فوق الطبيعي).
نستشف من هذا التعريف ان هناك معتقدات مترسخة في أذهان الناس ومن الصعب جداً التخلص
منها وذلك لتسليمهم بصدق ويقين هذه المعتقدات، ومن أهم الموضوعات التي يمكن أن
تندرج تحت هذا الميدان، نجد تلك المعتقدات الدائرة حول الطب الشعبي، والكائنات فوق
الطبيعية، والقوى الطبيعية كالمعتقدات المتعلقة بالأجرام السماوية، والأرواح وغيرها
من المعتقدات التي سنحاول من خلال الأسطر التالية إعطاء نبذة عنها.
1- الطب الشعبي :
يعرف الطب الشعبي بأنه التطبيب من الامراض أو الاعراض الصحية والنفسية عن طريق
الأعشاب والأدوية الشعبية أو الممارسات التقليدية والتي امكن التعرف عليها منذ
القدم بواسطة مطببين محليين أو شيوخ دين .. وفي الواقع هناك عدة مسميات للطب الشعبي
مثل الطب المحلي أو التقليدي أو البديل .. ونلاحظ أنه في دولة الإمارات وعلى الرغم
من التحسن الكبير في الخدمات الصحية إلا أن الطب الشعبي لا يزال يستخدم عند قطاع
واسع من الناس، وهذا ما أثبتته إحدى الدراسات العلمية.
أما عن مجالات الطب الشعبي كما حددها الطابور، هي كالآتي :
(أ) العمليات الطبية (الكي، الحجامة، الختان، التجبير، علاج الجروح، الولادة ..).
(ب) الطرق والوسائل العلاجية (المسح والترفيع، الخويه، التخبي، التقميع، العزل عزل
المريض، العلاج بالماء).
(ج) الوصفات الدينية (المحو، علاج العين، علاج المس).
(د) الأدوية الشعبية (أدوية نباتية، خلطات ومركبات، أشربة وأوراق).
2- القوى الطبيعية :
وهي المتعلقة بالأجرام السماوية سواء أكانت الكواكب أو النجوم أو الشمس أو القمر
بأسمائها ودلالات ظهورها، وارتباطها بالأحوال والتغيرات الجوية وحساب المواقيت
والمناسبات الدينية وغيرها.
3- معتقدات لها طبيعة وظروف خاصة :
هذه النوعية من المعتقدات لها صور وأشكال مختلفة، وأصبحت متوارثة بين افراد المجتمع
جيلا بعد جيل، وفيما يلي نماذج منها :
(أ) المعتقدات الخاصة بسقوط الأسنان، فكانت عندما تسقط الأسنان اللبنية للأطفال،
كان الأهالي يخافون على أبنائهم من العبث بها أو بلعبها، فنتيجة لذلك ابتكر الأهالي
عرفاً وهو ان يقوم الأطفال بالتخلص من اسنانهم التي سقطت بحذفها نحو قرص الشمس
ويقولون (هاج ياعين الشمس ضرس الحمار وعطيني ضرس الغزال).
(ب) التحذير من التصفير ليلا لأن ذلك سيخرج الثعبان، وهذا أيضاً اعتقاد خاطئ ليس له
أساس من الصحة.
(ج) المعتقدات والسلوكيات التي أوجدتها النساء فيما يختص بعملية الإنجاب، كالإعداد
لمقدم الطفل، ورعاية الحامل من التعب والإرهاق والحسد، كذلك الولادة وما تتضمنه من
استعدادات خاصة وأدعية تتعلق بتسهيل الطلق على المرأة ومساعدتها على الوضع، وإعداد
بعض الوصفات الغذائية لرد العافية للنساء بعد الولادة، كما تتضمن هذه المعتقدات
الحفاظ على صحة المولود وبقائه، والاحتفاء بمقدمه مثل أهمية التكبير في أذن الطفل
اليمنى حال ولادته، وإقامة الصلاة في اليسرى وذلك لينشأ مسلما واعتقادهن في ذات
الوقت ان الآذان والإقامة تحميه من الحسد والجن، كذلك وضع المصحف والحرز تحت رأسه،
وغيرها الكثير من المعتقدات. |
|
| المادة :: رابعاً : الثقافة المادية والفنون الشعبية |
أولاً : الثقافة المادية
نستطيع القول ان التراث المادي يعتبر من أهم مجالات التراث الشعبي والسبب يرجع في
ذلك كون هذا المجال مرتبطاً ارتباطاً مباشرا بالاحتياجات اليومية في الحياة العامة
ولكن وعلى الرغم من أهميته إلا إنه لم يحظ كثيراً باهتمام الأكاديميين مقارنة ببعض
ميادين التراث الشعبي الأخرى كالأدب الشعبي والعادات والتقاليد .. ولكننا وقبل أن
نحدد ما المقصود بالثقافة المادية، لابد أن نتطرق اولا لتحديد مفهوم الثقافة،
فالثقافة بشكل عام هي (مجمل الموروثات الإنسانية المادية منها وغير المادية محكومة
بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية المحيطة بها وتدخل فيها كذلك الممارسات
اليومية التي تكيف الحياة عامة والسلوك على وجه الخصوص). من خلال هذا التعريف نلاحظ
ان الثقافة المادية ما هي إلا جزء من الثقافة العامة وتعرف الثقافة المادية بأنها (الشيء
الملموس والمحسوس بوجه عام أو بمعنى آخر هو تحويل المادة الخام إلى شكل محدد يخدم
غرضا لدى الإنسان)، يتضح لنا من خلال هذا التعريف ان محور الثقافة المادية يعتبر
محوراً أساسياً في الفلكلور الإماراتي وذلك لأنه يشكل جانب الإبداع في هذه الثقافة
الشعبية، فهو يغطي جميع إبداعات الفنون التشكيلية والتطبيقية التي منها على سبيل
المثال الصناعات اليدوية بمختلف أنواعها والتي سنحاول ان نتطرق لتقديم شرح مبسط عن
أهم أنواعها ...
(1) الصناعات اليدوية
(أ) المصنوعات الجلدية : وهي التي تعتمد على جلود بعض الحيوانات مثل البقر والغنم
ومن أهم هذه الصناعات صناعة قرب الماء وقرب الحليب وصناعة النعال والحقائب وجلود
الطبول.
(ب) الصناعات الصوفية : مثل صناعة الخيام والبشوت وبعض الملابس الشتوية والسجاد
وغيرها.
(ج) الصناعات الخشبية : مثل الصناديق والأسرة وبقية أثاث البيت الخشبي وصناعة السفن.
(د) صناعة الفخار : وقد مارسها غالبا أهالي الجبال لتوفير الطين ومنها أواني الشرب
والصحون وغيرها.
(هـ) الصناعات الحديدية : مثل صناعة السيوف والخناجر وصناعة قضبان النوافذ والأدوات
والأواني المنزلية وأدوات العمل وغيرها.
(و) صناعة السعف : مثل صناعة المهفه (مروحة يدوية)، وصناعة الحصير، السرود (يفرش
تحت مائدة الأكل)، المغطى (يستخدم غطاء للمائدة)، المكناس .... الخ.
(2) الخياطة والتطريز وأدوات الزينة :
(أ) الخياطة والتطريز : وتشمل نقوش الملابس النسائية وخياطتها مثل (المخور والمزراي
والتلي) وغيرها كما تشمل ملابس الرجال والصغار.
(ب) أدوات الزينة : وهي التي تهتم بها المرأة سواء في يومها العادي أو عند خطوبتها
أو زواجها أو زياراتها العائلية أو في المناسبات كالأعياد والافراح .. ومن أنواع
الزينة الحناء وصناعة صبغة الشعر وصناعة الكحل العربي .. وغيرها ..
وبعد هذا العرض السريع لأهم الصناعات التقليدية التي يزخر بها التراث الإماراتي لا
بد لنا من إيضاح نتيجة مهمة في هذا المضمار كشفت عنها إحدى الدراسات التي قام بها
مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية فقد بينت هذه الدراسة عن وجود 23 حرفة
شعبية يدوية ما زالت تمارس داخل مجتمع الإمارات وتمثل مورد رزق للعديد من الناس،
وفي دراسة أخرى كشفت عن وجود 30 حرفة من الحرف النسائية التقليدية لا زالت تمارس في
الدولة، وبهذه النتائج التي توصلت لها هذه الدراسات نتوصل إلى ان دولة الإمارات تعد
اليوم في طليعة الدول الخليجية من حيث الاهتمام بالحرف والصناعات التقليدية الشعبية.
كذلك مما يكشف لنا عن وجود الثقافة المادية في دولة الإمارات تلك الحصون والقلاع
والبيوت القديمة أضف إلى ذلك الافلاج التي شقت المياه.
ثانياً : الفنون الشعبية
تعد فنون الاداء الشعبي من الميادين الأساسية المؤلفة للتراث الشعبي، فقد احتلت
مكانة خاصة في حياة الآباء والأجداد وفي حياتنا كذلك نحن اليوم، فهي لا زالت تواكب
مسيرة النمو الوجداني والعاطفي للإنسان في الإمارات وتعبر كذلك عن شجونه وأحاسيسه،
إضافة إلى ذلك فإن محور الفنون الشعبية يعد من أوسع محاور التراث الشعبي وذلك
لاشتماله عل ثلاثة فنون يعد كل منها عالماً قائماً بذاته (فن الموسيقى الشعبية، فن
الغناء، فن الرقص)، إضافة إلى فن الألعاب الشعبية .. وسنتطرق أولاً لتحليل الفنون
الشعبية في الإمارات ومن ثم سننتقل لمناقشة محور الألعاب الشعبية.
1. الفنون الشعبية
وتشمل هذه الفنون (فن الرقص وفن الموسيقى والغناء) ولقد تعمدنا جمع هذه الفنون في
نقطة واحدة وذلك لكونها لا تأتي إلا مجتمعة، فيؤدى الرقص بمصاحبة الغناء على أنغام
الموسيقى، وتنقسم هذه الفنون في دولة الإمارات في الواقع إلى قسمين رئيسين فنون
أصلية وفنون وافدة للمنطقة.
(أ) الفنون الأصلية.
وهي التي بدأت أولا كنوع من الهواية وذلك للتعبير عن السعادة والفرحة أو التنفيس عن
صعوبات الحياة وكذلك لشغل وقت الفراغ فقد كان الأفراد يمارسونها في المناسبات
المختلفة، كالأعراس والختان والاعياد وغيرها من المواسم الاجتماعية والدينية، لكنها
في وقتنا الحاضر نلاحظ أنها اقتصرت على حفلات الأعراس والمناسبات الوطنية فقط ..
وهي كذلك تختلف باختلاف البيئة في دولة الإمارات فنلاحظ ان فنون أهل البحر تختلف عن
فنون أهل البادية .. فمن أهم الفنون البحرية (العيالة، المالد، الأهل، العرضة،
الدان، تقصيرة، هولو، العرضة على السفينة، النهمة، الخطيفة).
أما بالنسبة لأهل البادية (الونة، الرزيف، الحربية، الطازج، العازي، التغرودة،
السامري، الردحة، ورقصة المناهيل).
(ب) الفنون الشعبية الوافدة
وهي التي وفدت للمنطقة نتيجة للاتصال التجاري مع الدول المجاورة لا سيما مع افريقيا
وايران والهند وغيرها من الدول فقد ذابت هذه الفنون في الفولكلور المحلي بعد أن
لاقت استحسان أهل المنطقة، وتعتمد هذه الفنون الوافدة على الآلات الموسيقية الوترية
وآلات النفخ التي لم تكن معروفة في الفنون العربية الأصيلة، ومن أهم هذه الفنون
الوافدة فن ( الليوه، الهبان، النوبان الفجرى، مكوارة سومة .. وغيرها).
ومن الملاحظ في دولة الإمارات حالياً ان الفنون الشعبية تحظى باهتمام بالغ من قبل
المؤسسات التراثية سواء الرسمية منها أو الأهلية وذلك كون هذا الجانب من أكثر جوانب
التراث حيوية، ولن نتتطرق في هذا المقام لمناقشة أهم الجهود المبذولة في هذا
المضمار وذلك لانفراد الفصل الثاني بمناقشة هذا الموضوع.
2. الألعاب الشعبية :
يعتبر اللعب غريزة انسانية لدى الاطفال فهو ذو أهمية لا تقل عن الغذاء والهواء،
وذلك لما تتمتع به الالعاب من مزايا إيجابية فهي تعد أهم الوسائل الترفيهية
المتوفرة في ذلك العصر، وبجانب هذه الوظيفة الترفيهية تبرز وظائف أخرى لا تقل عنها
أهمية، فهناك الوظائف الاجتماعية والنفسية والتربوية التي تقدمها الالعاب ليس
للأطفال فحسب وإنما للكبار ايضا. وفي دولة الإمارات العربية يوجد الكثير من الألعاب
الشعبية التي ابتدعها الشعب وحافظ عليها حتى أصبحت تشكل جزءا من ثقافته الشعبية،
وقد كان يمارسها الأفراد على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم الاجتماعية.
أما عن أهم الألعاب الشعبية التي كانت تمارس في السابق، فكانت متنوعة ومختلفة وذلك
بحسب اختلاف عمر الإنسان حيث كان لكل فئة عمرية نوعية من الألعاب التي تناسبها،
فألعاب الاطفال كانت تختلف عن العاب الكبار التي كان يغلب عليها طابع الهدوء
والاتزان والتفكير كما في لعبة الشطرنج على سبيل المثال. كما يمكننا تصنيف الالعاب
حسب الجنس فألعاب الصبية التي تعتد على القوة الجسمية والعضلية كانت تختلف عن ألعاب
الفتيات، كما يمكن تصنيف الألعاب الشعبية من حيث عدد لاعبيها إلى ألعاب فردية وأخرى
جماعية. ولن نتطرق لتفصيل هذه الألعاب وذلك لانفراد فصل مستقل في الكتاب لمناقشتها.
رؤية تقييمية :
من خلال التحليل السابق لأهم مجالات التراث الشعبي، تتضح الأهمية الكبيرة التي
يعلبها التراث الشعبي في حياة الشعوب، فكل عنصر من عناصر التراث الشعبي، بل كل قطعة
أدبية شعبية أو معتقد شعبي أو مثل أو حكاية أو أهزوجة لها وظيفتها المعينة، فهذه
العناصر كما بينا سابقاً تسعى لترسيخ القيم والمعارف الثقافية من خلال الأمثال
والحكم والشعر، كما تساهم هذه العناصر التراثية بالتعبير عن أحوال شعوبها النفسية
والعاطفية سواء في المناسبات السعيدة أو الحزينة وذلك من خلال الموسيقى والأغاني
الشعبية والتقاليد والعادات المختلفة التي ترافق كل حالة من حالات الإنسان النفسية
والعاطفية. كما يقوم التراث بوظيفة نقدية تربوية فالمجتمع أحياناً يوظف بعضاً من
عناصر تراثه الشعبي في نقد السلوكيات التي تتعارض مع فلسفة المجتمع وكل ذلك يتم
بطريقة غير مباشرة عن طريق النادرة والنكتة والحكاية.
ومما يجدر لفت الانتباه إليه أن موضوعات عناصر التراث الشعبي تشكل فيما بينها وحدة
متآلفة ومتداخلة وعليه فإنه من الصعب الفصل بينها في عالم الواقع، وإنما قصد من
التحليل والتصنيف الذي ورد في ثنايا الفصل، إبراز كل مجال على حدة وتوضيح أبعاده
المختلفة وذلك تسهيلاً للقارئ أو المطلع ... ولنأخذ مثالا على ذلك إحدى المهن
الشعبية المنتشرة بكثرة آنذاك في مجتمع الإمارات ألا وهي مهنة الغوص، فإذا حللنا
مهنة الغوص ولاحظنا مدى انطباق صحة الشرط الذي افترضناه في تكامل لوحة عناصر التراث
الشعبي، نلاحظ الآتي ... مهنة الغوص من المهن العريقة في التراث الإماراتي، كان
ممارسوها يرددون أثناء عملية الغوص العديد من الأهازيج الشعبية، ومنها على سبيل
المثال الأهزوجة التي يخاطب فيها الغواصون النوخذة :
والله يخليك، نوخذه بيت مكة يوديك. نوخذه
نلاحظ أن هذه الأهزوجة مستمدة من الادب الشعبي، كما ترتبط بهذه المهنة العديد من
الفنون الشعبية البحرية كفن الأهل والعرضة والدان والتقصيرة والهولو ففي فن الهولو
على سبيل المثال يبدأ النهام الغناء قائلا :
هولو .. يا سيد المرسلينا
هـولــو .. واشـفــع لــنـا
هـولــو .. فـي كـل حينـا
كما ترتبط بمهنة الغوص بعض من مظاهر الثقافة المادية كصناعة السفن وأدوات الغوص
والصيد كالشباك (القرقور، الليخ، السنارة، البلاوة ... الخ). يتبين مما سبق أن جميع
مجالات التراث الشعبي تشكل فيما بينها مجموعة من الحلقات المترابطة التي تشكل لنا
في النهاية صورة عن واقع الحياة الشعبية في المجتمعات التقليدية والتي من بينها
مجتمع الإمارات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآِن هو كيف وصلت لنا هذه المفردات التراثية اليوم
ولقد مرت عليها أحقاب من الزمن، هذا ما يقودنا للحديث عن حملة التراث وهم الذين
يحفظون لنا التراث ويروونه، وبعض أدبيات التراث اعتبرت حملة التراث أحد مجالات
التراث الشعبي .. أما بالنسبة للسؤال عن من هم حملة التراث، ففي الواقع يأتي على
رأس هؤلاء : المعمرون وكبار السن (الشواب) والشعراء والمطاوعة ورجال البحر والغوص
.. فهؤلاء يعتبرون في الواقع هم حفظة التراث الذين يتولون نشره ونقله فهم بمثابة
مرجع للتراث، ولكن لا بد أن نضع في الاعتبار عند تعاملنا مع هؤلاء الرواة عوامل
الأمزجة المختلفة لهذه الأجيال المتعاقبة فالأفراد عادة يميلون للانتقاء فيما
يسمعونه أو يبصرونه من ممارسات وهذا ما يفسر لنا التباين بين التراث الذي يحمله
أبناء الجيل الواحد، كذلك للوسط المحلي وللبيئة تاثيرها الجلي على حملة التراث.
|
|
| المادة :: خاتمة الفصل الأول |
ناقش هذا الفصل الذي يعد مدخلا لدراسة التراث الشعبي موضوعين رئيسين :
الموضوع الاول متمثل في تقديم تعريف لمصطلح التراث الشعبي، ولماذا آثرنا استخدامه
على بقية المصطلحات التراثية الاخرى كالفلكلور والمأثورات الشعبية.
أما الموضوع الثاني فهو متمثل في مناقشة مجالات التراث الشعبي، وقد بينا ان
الدارسين لم يتفقوا بعد على تقسيم معين لهذه المجالات، إلا أننا في هذه الدراسة
اعتمدنا التقسيم الذي استحدثه الدكتور الجوهري والذي تأخذ به معظم الدراسات
التراثية وقد ناقشنا هذه المجالات مع تقديم أمثلة تطبيقية عليها من التراث
الإماراتي، وذلك مساهمة منا في إحياء تراث هذه الدولة وحث الاجيال الصاعدة على
استيعابه وفهمه وممارسته في بعض أوجه الحياة. |
|
| المادة :: الفصل الثاني - مظاهر الاهتمام الرسمي والشعبي بالتراث الشعبي في دولة الإمارات |
تمهيــد :
تركز البحث في الفصل السابق على تحديد مفهوم التراث والتراث الشعبي على وجه التحديد،
فعرفنا ان التراث الشعبي هو كل ما ورثناه عن الآباء والأجداد، من عادات وتقاليد
وقيم آداب وفنون وحرف وشتى المعارف الشعبية التي أبدعها وصاغها المجتمع عبر تجاربه
الطويلة والتي يتداولها أفراده ويتعلمونها بطريقة عفوية، فهي في الأخيرة تعد أنماطاً
ثقافية مميزة تصل الحاضر بالماضي. وبمعنى أدق نستطيع القول ان التراث الشعبي يساهم
بشكل أو بآخر في صياغة هوية المجتمع وشخصيته الحضارية.
ونلاحظ في عالم اليوم تزايد الاهتمام العالمي بالتراث الشعبي سواء على مستوى كل
دولة على حدة أو على المستوى الإقليمي أو على مستوى دول العالم مجتمعة، ويتبين لنا
هذا من خلال المؤتمرات والندوات التي تعقد بين الحين والآخر، وكذلك من خلال
الدوريات المتخصصة في هذا المجال، كذلك نستشف هذا الاهتمام من خلال وجود المؤسسات
الرسمية والشعبية من منظمات ومجالس ومراكز متخصصة في الشؤون التراثية، فإذا أخذنا
دولة الإمارات على سبيل المثال نلاحظ أن هناك مجموعة من المؤسسات الرسمية والجمعيات
الشعبية التي تهتم بحفظ التراث وتدوينه ويأتي على رأسها مركز زايد للتراث والتاريخ
ومركز الدراسات والوثائق التابع للمجمع الثقافي ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث،
وإذا وسعنا من نطاق الدائرة قليلا لنضم دولة مجلس التعاون الخليجي يأتي مركز التراث
الشعبي لدول الخليج العربية والذي يتخذ من الدوحة مقراً له، كذلك دارة الملك عبد
العزيز في المملكة العربية السعودية، وفي الكويت مركز الوثائق التاريخية، وفي
البحرين فهناك مركز الوثائق والدراسات، ودائرة التراث في سلطنة عمان، أما على
المستوى العربي فهناك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة
الدول العربية (أليكسو)، وعلى مستوى الدول الإسلامية تطالعنا المنظمة الإسلامية
للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) التي تتخذ من الرباط مقرا لها وكذلك مركز
الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إيرسيكا) الذي يتخذ من استانبول مقراً
له، أما على المستوى العالمي فتبرز لن المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)
التي تنتهج خطة عمل تتلخص في ان الثقافة والتراث مقتنيات عالمية وعلى دول العالم
مجتمعة حفظها وصيانتها والاهتمام بها .. وهذه الأمثلة التي أوردناها هي على سبيل
المثال وليس على سبيل الحصر، وكذلك لا نستطيع ان نفصل عمل هذه المنظمات عن بعضها
حيث ان الجهود تأتي في كثير من الاحيان مشتركة فتراث أي قطر لا يمكن ان ينشأ بمعزل
عن تراث الإقليم الموجود فيه وكذلك هذا التراث الذي يعتبر في النهاية جزءا من
التراث العالمي. |
|
| المادة :: لماذا الاهتمام بالتراث الشعبي ....؟ |
لماذا هذا الاهتمام بالتراث الشعبي؟ والسعي لتدوينه وحفظه وإقامة المراكز
المتخصصة لهذا الغرض، وقيام المؤتمرات وتقديم الابحاث العلمية المتخصصة لذلك. ما هي
الاهمية التي ينطوي عليها حفظ التراث الشعبي في حياة الأمم في وقتنا الحاضرة؟ وما
هو دوره كذلك مستقبلا؟، وما هي الأسباب التي تقف وراء ازدياد اهتمام دول العالم في
يومنا هذا بحفظ تراثها وتدوينه؟
تنطلق أهمية التراث من كونه يشكل الهوية الثقافية التي تميز أي شعب عن غيره،
فالهوية ما هي إلا تراكمات تفاعل الإنسان مع المتغيرات البيئية الاجتماعية
والثقافية التي تشكل لنا في الأخيرة ما يسمى بالتراث. إضافة إلى ذلك يعد التراث
الشعبي مصدراً مهماً لمعرفة العصور السابقة ودليلا حيويا على مراحل تطورها، كما
يوضح لنا تركيب الامة الاجتماعي والاقتصادي ومؤشر تقدمها الحضاري، بل ان أهمية
التراث تمتد إلى أكثر من ذلك، حيث يعتبر ذاكرة التاريخ الحية، وحلقة الوصل بين
الماضي والحاضر، وهذا ما يؤكد لنا بأن فهم التاريخ وأحداثه لن يكتمل بدون دراسة
التراث والتاريخ، فإذا كان التاريخ هو ذاكرة الامة، فالتراث روحها، فإذا حدث ان فقد
شعب من الشعوب شيئاً من تاريخه المكتوب، فيكون الاعتماد في هذه الحالة على
الممارسات التراثية السائدة في المنطقة للكشف عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي
والفكري والسياسي لذلك الشعب، وهذه النقطة الاخيرة تصدق كثيرا على الحالة في دولة
الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص والخليج العربي بشكل عام.
كما للتراث أهمية أخرى لا تقل أهمية عما ذكرناه، فقد دلت دراسات تراثية أجريت في
العديد من الأقطار العربية على أن التراث الشعبي تظهر أهميته في أوقات الأزمات التي
تمر بها الدول كوجود خطر خارجي – على سبيل المثال – يهدد كيان الدولة وفي هذه
الحالة يمتلك التراث الشعبي من القدرة على تمكنه من استنفار وحشد طاقات الشعب
وتأمين تكاتفها لمواجهة مثل هذه الأخطار، فالمجتمع شأنه شأن الكائن الحي الذي يتأثر
سلبا وينتفض لدخول أي جسم غريب عليه، وعندئذ يسعى لحماية نفسه بالانكماش والاتجاه
إلى داخله، وتجميع قواه استعدادا للدفاع.
ولكن التساؤل المهم الآن الذي يطرح نفسه، لماذا ارتفعت اصوات المنادين بحفظ التراث
وتدوينه خاصة في السنوات الأخيرة من عمر الدولة؟ في الواقع ثمة أسباب مهمة توجب
الاسراع بتدوين وتوثيق التراث، فمن خلال قراءة نقدية لأوضاع الدولة بعد ظهور النفط
خاصة في خلال الثلاثة عقود الأخيرة، نلحظ جملة من المتغيرات التي طالت معظم جوانب
الحياة، وإن كان التغير ضرورياً ولابد منه، إلا أنه يجب ان لا ينال من هوية وشخصية
المجتمع، كما قال أحد الفلاسفة، (سأفتح نافذتي مشرعة أمام كل هواء نقي، ولكن لن
اسمح للريح في أن تبعثر أوراقي الخاصة) ... والمتتبع للعوامل التي يخشى من نتائجها
تشويه شخصية وملامح المجتمع، سوف يلاحظ انها تشمل متغيرات كثيرة، إلا أن من أبرزها
وأكثرها وضوحاً :
1- الانفتاح العشوائي على أساليب حياة مختلفة وعلى مجتمعات وثقافات أخرى، فلم تشهد
دولة في حجم الإمارات انفتاحا اقتصاديا واجتماعيا مذهلا كالذي هو قائم الآن على
ارضها والذي كان من نتائجه، إفراز واقع سكاني جديد معقد وصعب أصبح فيه أبناء
الإمارات يمثلون أقلية في مجتمعهم، إضافة إلى إفراز واقع ثقافي جديد ايضا نلمس فيه
ابتعاده نوعا ما عن الموروث الشعبي الذي يعد في الواقع أحد أوعية الثقافة الجادة،
ورافد التنمية الثقافية في المجتمع.
2- النزعة الاستهلاكية التي بدأت تجتاح مجتمع الإمارات خلا الثلاثين سنة الأخيرة،
هذا التغير السريع على المستوى المادي لم يستطع أن يواكبه تغير على المستوى الفكري
والقيمي، وكان من نتيجة ذلك بروز هوة ثقافية واضحة قد تؤدي أو قد أدت بالأحرى إلى
قدر من الاضطراب في القيم وحدوث تباعد بين الأجيال المختلفة حتى بين أفراد الاسرة
الواحدة.
3- التدفق الحر للمعلومات في اتجاه واحد وهيمنة وسائل الإعلام والتثقيف والترفيه
الحديثة على حساب الوسائل التقليدية، الأمر الذي يؤثر على صياغة وجدان الاجيال
الناشئة في المجتمع رجال المستقبل، بل من الممكن ان يتخطى ذلك فيسهم في تشكيل الرأي
العام للراشدين من أفراد المجتمع.
4- فكرة النظام العالمي الجديد أو ما يسمى (بالعولمة) وهو تحويل العالم إلى قرية
كونية صغيرة تذوب فيها ثقافات الشعوب، وتضمحل لغات أمم، وتنصهر موروثات ومعالم دول،
لتظهر معالم المجتمع الكوني بثقافاته وموروثاته الجديدة، وبمفاهيمه ونظرياته
الحديثة.
إن جملة هذه العوامل وغيرها الكثير افضت – بلا شك – إلى المزيد من ضمور الثقافة
الشعبية عموما، والتراث الشعبي على نحو خاص، لكن ما يدعو للتفاؤل في مجتمع
الإمارات، الموقف الرسمي والشعبي في التعامل مع كل ما يمت إلى التراث بصلة. |
|
| المادة :: الموقف الرسمي |
يتمثل الموقف الرسمي للقيادة السياسية في دولة الإمارات والتي يأتي على رأسها
صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – الذي يحرص بشكل
دائم على الحفاظ على التراث الشعبي، ودعم الجهات والأنشطة التي تعنى بإحيائه وذلك
من منطلق المحافظة على أصالة المنطقة وإبراز هويتها وخلق شخصية وطنية متميزة لابن
الإمارات .. ونلمس هذا الاهتمام من سموه من خلال الأقوال التي يرددها دائما، ومنها
على سبيل المثال ... (لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي
يحق لنا ان نفخر به ونحافظ عليه ونطوره، ليكون ذخرا لهذا الوطن وللأجيال القادمة).
وهذا ليس بغريب على شخص سموه، فهو عامل نشط فعال في إحياء التراث الشعبي وذلك بحكم
نشأته البدوية وتبنيه شخصيا لأسلوب الحياة التقليدية الأصيلة وإلمام سموه بالمعارف
الشعبية المتصلة بالحياة البدوية كرياضة تربية الصقور على سبيل المثال والتي يقول
عنها .. (إن هذه الرياضة وسيلة للتخلص من هموم العمل اليومية وجلي النفس، فضلا عن
أهميتها في اكتساب مهارات بدنية واجتماعية). والأمر لا يقتصر فقط على هذه الرياضة
بل يمتد ليشمل رياضة تراثية أخرى كالفروسية وسباقات الهجن والسباقات البحرية.
إن هذا الاهتمام من قبل سمو الشيخ زايد بالتراث الشعبي وكذلك إخوانه حكام الإمارات
قد ترجم إلى واقع عملي ملموس من خلال الشروع في إنشاء الهيئات والمؤسسات والاندية
والقرى العاملة في مجال التراث، والأمر لا يقتصر فقط على ذلك بلد أمتد هذا الاهتمام
ليشمل الناحية البحثية وذلك من منطلق تأصيل المنهج العلمي في مجال موضوعات التراث
الشعبي، كإنشاء العديد من المراكز البحثية – سيرد ذكرها لاحقاً – التي سعت لإصدار
العديد من الأبحاث والدوريات المحكمة، وتنظيم العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية
كالمؤتمرات التي احتضنها مركز زايد للتراث والتاريخ والتي كان من اهمها مؤتمر مناهج
توثيق التراث الشعبي في دولة الإمارات.
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد ان الاهتمام بالتراث الشعبي من قبل القيادة
العليا لم يقتصر فقط على النطاق المحلي بل سعت هذه القيادة لنشره على النطاق
العالمي وذلك من خلال المشاركة في أجنحة المعارض الدولية، إضافة لتنظيم بعض
الرياضات التراثية في عدد من عواصم العالم كسباق الهجن الذي تم تنظيمه في خلال
الأعوام 1998، 1999، 2000 في كل من ألمانيا واستراليا وكان ذلك برعاية اتحاد سباقات
الهجن، وكذلك سباقات الخيول التي يتم تنظيمها بشكل دوري في كل من باريس ولندن
وامستردام بهدف التعريف بالحصان العربي ودوره في التاريخ والحضارة العربية.
مما تقدم يتبين مدى اهتمام القيادة السياسة في دولة الإمارات برعاية التراث الشعبي
والعمل على إحيائه ونشره لأهميته في الحفاظ على الشخصية الثقافية والحضارية
المتميزة لمجتمع الإمارات. |
|
| المادة :: الموقف الشعبي |
يتمثل الموقف الشعبي في الإسهامات التي تصدر من قبل جمعيات الفنون الشعبية
المنتشرة في أرجاء الدولة، ويحسب لهذه الجمعيات بأنها تعتبر أول مبادرة جادة لعرض
التراث الشعبي. وسنتعرض لدورها أكثر من موضع آخر من البحث.
وقبل ان نرصد مظاهر الاهتمام بتدوين التراث والجهات القائمة على ذلك، لابد ان نتعرف
على المراحل التي مر بها تدوين التراث الشعبي .. في دولة الإمارات، وهو كما نعتقد
مر بثلاث مراحل رئيسية :
1- مرحلة السبعينات : وهي مرحلة تأسيس وبداية ظهور بعض المؤسسات الرسمية مثل
الدوائر واللجان وافتتاح بعض المتاحف كمتحف العين ودبي، كما ظهرت بعض فرق وجمعيات
الفنون الشعبية الأهلية كالفرقة الشعبية التي تأسست في الشارقة عام 1974، ويلاحظ
على هذه الفترة أنها مرت على نفس الوتيرة حتى نهايتها، كما غلب على هذه الفترة كذلك
اختفاء الدراسات والبحوث والدورات الدراسية فقد كانت شبه معدومة.
2- مرحلة الثمانينات : الملاحظ على هذه المرحلة كذلك متابعة ما بدئ به في المرحلة
الاولى من حيث الاستمرار في إنشاء المؤسسات الرسمية وزيادة عدد ظهور الفرق الشعبية
وظهور جمعيات مهتمة بإحياء التراث الشعبي، وازدياد عدد المتاحف التراثية، وفي هذه
المرحلة بدأت الإرهاصات الاولى لظهور المراكز البحثية المتخصصة في مجال التراث،
وبدأ الاهتمام بإعداد البحوث والدراسات المتخصصة في هذا المجال من قبل عدد من
الباحثين من المواطنين والوافدين ويذكر في هذا الصدد الباحث فالح حنظل.
3- مرحلة التسعينات : وتعتبر هذه الفترة بحق فترة الاهتمام الرسمي والشعبي بالتراث
في مجتمع الإمارات، ويرجع السبب في ذلك إلى ازدياد جملة التحديات التي تعرضت وما
زالت تتعرض لها الدولة سواء أكانت تحديات اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية كما أشرنا
إليها في مطلع هذا الفصل، مما أدى إلى ازدياد دعم الدولة مادياً ومعنوياً للجهود
الشعبية في هذا المضمار للحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية لمجتمعنا، ويغلب على
أنشطة هذه الفترة الطابع العلمي وهو الذي يميزها عن الفترات السابقة، ومن أبرز
نشاطات هذه الفترة إنشاء المراكز البحثية المتخصصة التي اعتبرت نشاطاتها تتويجاً
لتأصيل البحث العلمي في الأعمال التراثية، فعلى سبيل المثال مركز زايد للتراث
والتاريخ، ومركز الدراسات والوثائق التابع للمجمع الثقافي، كما شهدت هذه الفترة
كذلك نشر العشرات من الكتب والدراسات التي تتناول شتى جوانب التراث الشعبي لمجتمع
الإمارات، إضافة إلى إصدار العديد من الدوريات المتخصصة في الشؤون التراثية وكمثال
على ذلك مجلة تراث التي تصدر عن نادي تراث الإمارات، وكذلك مجلة آفاق الثقافة
والتراث التي تصدر عن مركز جمعة الماجد، كذلك مجلة الفن والتراث الشعبي التي تصدر
عن جمعية النخيل للفنون الشعبية، وغيرها العديد من المجلات التراثية. كما تميز هذا
العهد بعقد العديد من المؤتمرات والندوات والحلقات التدريبية الخاصة بالتراث الشعبي.
أضف إلى ذلك إقامة القرى التراثية التي تعد شكلا من أشكال المتاحف المفتوحة،
والاهتمام بالمتاحف وعمل الترميمات وأعمال الصيانة للمباني التقليدية وهذا كله يصب
في إطار الاهتمام بتدوين التراث المادي الذي يعد أحد الأفرع الرئيسة للتراث الشعبي.
وفي إطار إبراز دور الأفراد والمؤسسات في هذا المجال، سنعتمد التقسيم الذي أورده
الأستاذ ناصر العبودي في الورقة التي طرحها في ندوة التاريخ والتراث الشعبي في دولة
الإمارات حيث حدد المهتمين بحفظ التراث وتدوينه في ثلاث مجموعات هم كالآتي :
1. على مستوى الافراد.
2. على مستوى المؤسسات الشعبية.
3. على مستوى المؤسسات الرسمية وهي تنقسم بدورها إلى :
أ- مؤسسات خدمية.
ب- مؤسسات بحثية. |
|
| المادة :: أولاً : على مستوى الأفراد |
ظهرت في بادئ الأمر فكرة تدوين التراث وحفظه من الضياع على أيدي مجموعة من
الأفراد، لذلك نستطيع القول ان الافراد هم أول من نادى بضرورة الاهتمام بالتراث
الشعبي، ويمكن لنا ان ندرج اربعة فئات رئيسية تحت مستوى الافراد المعنيين بحفظ
التراث وهم كالآتي : فئة كبار السن المخضرمين ممن عاصروا فترة ما قبل النفط، وفئة
المتعلمين وخريجي الجامعات، وفئة الهواة، وفئة المثقفين العرب الذي كان لهم دور جلي
في هذا الميدان.
بالنسبة لفئة كبار السن وهم في الواقع شخصيات من اصحاب الخبرة الحياتية لاقت
إصداراتهم قبولا من قبل أفراد المجتمع، والسبب يرجع في ذلك، إلى ان معظم هؤلاء
الافراد عاصروا جانباً من الحياة الماضية، فكتبوا من خلال معايشة ورؤية مباشرة،
ويطالعنا في هذا الصدد الوالد محمد الجروان صاحب كتاب (أميرة الصحراء) وايضاً
الشاعر المعروف الراحل حمد بوشهاب صاحب المساهمات والجهود الحافلة والجلية في جمع
وتوثيق تراثنا من الشعر الشعبي وأيضاً معالي الشيخ محمد بن أحمد الخزرجي صاحب كتاب
(العادات والتقاليد في دولة الإمارات العربية المتحدة).
أما بالنسبة للفئة للفئة الثانية وهي فئة المتعلمين فإن مساهماتهم تتمثل معظمها في
الجمع والتوثيق والبحث الوصفي الميداني، وتبرز لنا في هذا الصدد مجموعة من الأعمال
للأستاذ محمد ناصر العبودي وكذلك أعمال أخرى مثل (الإمارات في سفينة الماضي)
للأستاذ نجيب الشامسي وأيضاً كتاب (الألعاب الشعبية) لعبدالله الطابور وغيرهم
العديد من الباحثين.
أما بالنسبة للفئة الثالثة وهي المتمثلة في فئة الهواة سواء في جمع أو حفظ بعض
القطع الأثرية المحلية المتوارثة وذلك من خلال إقامة معارض ودور خاصة لهذه الأعمال
القيمة، وعادة ما يتجه لهذه الهواية من فئة الموسرين ماديا وذلك لما تتطلبه من
نفقات خاصة ويبرز لنا في هذا المجال مجموعة من أبناء الإمارات فهناك الوالد المرحوم
محمد بن مطر السويدي صاحب أكبر متحف نموذجي شامل وحافل في دبي، وكذلك السيد جمعة
الماجد الذي قام بتأسيس مركز بحثي علمي متخصص يبحث في علم المخطوطات والشؤون
التراثية والذي يعتبر أحد المراكز البحثية المتخصصة في الدولة، وسيأتي ذكره لاحقاً.
أما من جيل الشباب المهتمين بهذا المجال يبرز لنا سعادة احمد بن حسين لوتاه ورجل
الأعمال محمد بن عبد الجليل الفهيم الذي اقام في أبوظبي معرضا للمقتنيات النادرة.
أما بالنسبة لجهود الباحثين العرب، فلهم كل التقدير والامتنان لاهتمامهم وحرصهم
بتدوين جزء من تراث المنطقة ومأثوراتها الشعبية، وذلك لأنهم أيقنوا ان هذا التراث
المحلي جزء لا يتجزأ من التراث العربي الإسلامي ومن هؤلاء الدكتور فالح حنظل الذي
صدر له أكثر من عشرين مؤلفا عن تراث وتاريخ الإمارات ويبرز لنا على قائمة هذه
الأعمال (معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات) الذي جاء في حوالي 700 صفحة والذي
استغرق من المؤلف مدة ست سنوات من العمل والجمع والتدوين، وتبرز أهميه هذا المعجم
في كونه يثبت ان لهجة أهل الإمارات تحتوي على الكثير من الفصيح، كما يعتبر هذا
المعجم بوابة لمن يريد أن يخوض غمار جمع مواد التراث الشعبي، وهناك أعمال لباحثين
آخرين مثل الدكتور غسان الحسن الذي ألف (الشعر النبطي في منطقة الخليج والجزيرة
العربية) وغيرهم، أما بالنسبة لجهود الأكاديميين فتبرز لنا أعمال الدكتور السيد
حريز الذي قام بدراسة نقدية لتراث الإمارات خلال العقد الأخير من القرن العشرين وهي
بمثابة مرجع مهم لتقييم مسيرة تدوين التراث في الإمارات خلال العشر سنوات الأخيرة،
إضافة لأعمال آخرين من الأكاديميين العرب.
مما تقدم تعرفنا على أهم الفئات التي تشكل الاهتمام الفردي بحفظ التراث وتدوينه،
وسنناقش في الفقرة التالية أهم أشكال هذا الاهتمام، وفي الواقع فقد اختلفت تلك
الجهود من فئة لأخرى كما لاحظنا سابقاً، ولكن تدور معظم هذه الجهود حول إصدار الكتب
والنشرات والكتيبات التراثية وإعداد الأبحاث العلمية ولكن هذا الجانب اقتصر على
الأكاديميين كما رأينا سابقا، كما يترجم هذا الاهتمام أحيانا إلى إعداد برامج
إذاعية وتلفزيونية على سبيل المثال البرامج التي يقدمها عبيد راشد صندل، وأحيانا
نرى المعارض والقرى التراثية المختلفة، وأحياناً نلاحظ الاهتمام بالتراث عن طريق
القيام بتسجيل المرويات على أشرطة كاسيت وفيديو بهدف حفظها.
|
|
| المادة :: ثانيـاً : على مستوى المؤسسات الشعبية |
يمكن لنا ان نذكر في هذا الإطار، جمعيات الفنون الشعبية المنتشرة في معظم أرجاء
الدولة إضافة إلى ذلك جمعيات النهضة النسائية وبعض المراكز التنمية الاجتماعية. أما
بالنسبة لسير عمل هذه الجمعيات فهي في الواقع تخضع لإشراف وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية، كما أنها تلقى بعض الاهتمام والتوجيهات من وزارة الإعلام والثقافة.
وتضطلع جمعيات الفنون الشعبية بأنشطة عديدة منها على سبيل المثال المشاركة في
الاحتفالات الوطنية كما تشارك في فعاليات الرياضات التراثية الأصيلة كسباق الهجن
وفي السباقات البحرية، كما نرى دورها يبرز بفاعلية في أسابيع الترويج السياحي وفي
الأسابيع الثقافية والمهرجانات الفنية المختلفة سواء التي تقام داخل الدولة ام
خارجها، كما تقوم هذه الجمعيات بإقامة بعض المتاحف الفنية التراثية، ويمتد نشاط
بعضها في أحيان كثيرة لإصدار الكتيبات التراثية، إضافة لتنظيم بعض الدورات
التدريبية لطلبة المدارس وعقد المحاضرات ودعوة كبار المهتمين بالتراث الشعبي.
وتعتبر جمعية الشارقة للفنون الشعبية أول جمعية أهلية تأسست لإحياء التراث
والفلكلور الشعبي وكان ذلك في عام 1974 وبعد ذلك توالى تأسيس مثل هذه الجمعيات في
مختلف أرجاء الدولة إلى ان بلغ عددها في الوقت الحالي 29 جمعية متوزعة في مختلف
إمارات الدولة، وتصدرت إمارة رأس الخيمة باقي الإمارات في عدد الجمعيات حيث بلغ
عددها تسع جمعيات وقد كانت أول جمعية تأسست في رأس الخيمة جمعية شمل للفنون والتراث
والمسرح وكان ذلك في عام 1981، وتأتي إمارة الشارقة وإمارة أبوظبي في المرتبة
الثانية وذلك برصيد خمس جمعيات لكل منهما، وقد كانت جمعية الشارقة للفنون الشعبية
أول جمعية تأسست – كما سبق الإشارة إليها – أما في إمارة ابوظبي فقد كانت جمعية
ابوظبي للفنون الشعبية أول جمعية تأسست وكان ذلك في عام 1978، وبالنسبة لإمارة دبي
فقد تبوأت المركز الثالث وذلك بواقع أربع جمعيات، وقد تأسست فيها أول جمعية عام
1977 وكانت جمعية دبي للفنون الشعبية، أما عجمان وأم القيوين والفجيرة ففي كل منها
جمعيتان، وقد كانت جمعية عجمان للفنون الشعبية أول جمعية تأسست وكان ذلك في عام
1976، أما في إمارة أم القيوين فقد كانت جمعية الفنون الشعبية في عام 1977، وجمعية
الفجيرة للفنون الشعبية في إمارة الفجيرة ف ي عام 1978.
وسنأخذ نادي تراث الإمارات كمثال على هذه الجمعيات الشعبية لنتناوله بشيء من الشرح
والتفصيل وذلك لنبين دور مثل هذه الجمعيات الشعبية في خدمة التراث.
|
|
| المادة :: نادي تراث الإمارت |
يعود إنشاء نادي تراث الإمارات إلى عام 1993 بفضل توجيهات صاحب السمو الشيخ زايد
بن سلطان آل نهيان – رئيس الدولة حفظه الله – وقد تم إشهاره عام 1997 بمرسوم أميري،
كهيئة مستقلة تابعة لحكومة أبوظبي، برئاسة سمو الشيخ سلطان بن زايد، نائب رئيس مجلس
الوزراء.
وفي الواقع وقع اختيارنا على نادي تراث الامارات بالذات وذلك لضخامة هذه المؤسسة
الشعبية حيث تتبعها لوحدها عشر إدارات مختلفة كلها تصب جميعا في حماية التراث ونشره
خاصة بين جيل الشباب وتشمل هذه الإدارات :
إدارة الأنشطة والفروع : وهي المسؤولة عن قيام وتنظيم البرامج والمناشط والدورات
المختلفة للطلبة والاعضاء لممارسة هواياتهم التراثية.
إدارة العلاقات العامة والإعلام : وهي الإدارة التي تتولى كافة مهام العلاقات
العامة اللازمة للإعداد والتنسيق لمختلف أنشطة النادي إضافة للاتصال بالعديد من
الجهات ذات العلاقة وذلك كله بقصد بناء العلاقات والترويج للنادي وأنشطته. كما تصدر
عن هذه الإدارة مجلة (تراث) وهي مجلة شهرية تعنى بتراث الإمارات والتراث بصفة عامة.
مركز زايد للتراث والتاريخ : وسيأتي ذكره لاحقا.
وحدة التنمية الإدارية : وهي الإدارة التي تسعى لتطوير ورفع كفاءة الموظفين وذلك
من خلال عقد البرامج والدورات المطلوبة.
إدارة الشؤون المالية والإدارية.
مدرسة الإمارات للشراع.
إدارة الجزر والقرى التراثية : إيمانا من نادي تراث الإمارات بأهمية مزاولة
الأنشطة الرياضية والتراثية وتعليمها للشباب، فقد قام بتأسيس محمية طبيعية وهي
المتمثلة بجزيرة السمالية، فهذه الجزيرة التي تبلغ مساحتها 35 كم مربع، والتي تقع
على بعد 12 كم شمال شرق مدينة أبوظبي، تعد المقر الرئيسي لمزاولة الانشطة التراثية.
وقد تم تأهيلها لهذا الغرض عن طريق تزويدها بكافة الملاعب الرياضية على اختلاف
أنواعها، إضافة لميادين الرماية مع ملحقاتها، كما تم كذلك إضافة عدد من الرياضات
المختلفة مثل القوارب الشراعية والقوارب الرملية.
وقد توجت هذه الإدارة أعمالها التراثية مؤخرا بافتتاح القرية التراثية على كورنيش
ابوظبي التي تعتبر شكلا من أشكال المتاحف المفتوحة التي تتوافق مع طبيعة الحياة
التقليدية في هذه المنطقة.
لجنة البحوث البيئية في جزيرة السمالية : وقد انشئت في عام 1996 وذلك بهدف
المحافظة على الحياة الفطرية والنباتية والحيوانية في جزيرة السمالية، والعمل على
المحافظة على التوازن البيئي فيها، وقد امتد نشاط هذه اللجنة ليشمل إعداد مجموعة من
الدراسات والأبحاث عن الحياة الطبيعية في الجزيرة، وذلك المساهمة في إنشاء المشاريع
البيئية والحيوية، كما امتد نشاط هذه اللجنة للمشاركة في المحافل والفعاليات
البيئية المحلية والدولية.
إدارة السباقات والأنشطة البحرية : وهي الإدارة التي تشرف على تنظيم السباقات
البحرية وقد نظمت هذه الإدارة ما يقارب (11) سباقا بحريا، شارك فيها (919) قاربا
متنوعا ما بين القوارب التراثية وقوارب التجديف والقوارب الشراعية.
رابطة هواة الفلك : تأسست هذه الرابطة عام 1998 وذلك بهدف ربط علوم الفلك
التراثية بعلوم الفضاء الحديثة، كما تهدف هذه الرابطة إلى تعريف الطلاب بالدور
المتميز الذي لعبه العرب في هذا الميدان، كما تهدف إلى تعريفهم بمواسم الزراعة
والحصاد ومواعيد سقوط الامطار وهبوب الرياح، وتملك الرابطة في سبيل تحقيق هذه
الاهداف العديد من الأجهزة الفلكية المتطورة والمواد الإعلامية وكتب الفلك.
هذا بالنسبة للإدارات التي تتبع النادي، كما يتبع هذه المؤسسة الشعبية خمسة فروع
منتشرة بين أرجاء مدينة أبوظبي، وهذه الفروع هي : البطين، السمحة، الزعفرانة، العين،
والفرع النسائي في ابوظبي، وتقدم هذه الفروع أنشطة تراثية متنوعة تناسب جميع
المستويات العمرية وتشمل الأنشطة التعليمية، والسباقات، والدورات التدريبية،
والمؤتمرات، والمعارض والمهرجانات الثقافية إضافة إلى الانشطة الثقافية والاجتماعية
والرياضية.
عموماً، يحسب لهذه الجمعيات الشعبية بأنها تعد أول بداية جادة لعرض التراث الشعبي
للأجيال الناشئة، ومن خلال مسيرتها العملية نلاحظ أنها قطعت شوطا كبيرا في مجال
إحياء التراث الفلكلوري ونقله للأجيال الناشئة، وخلق حلقة من التواصل ما بين الجيل
السابق الذي عاصر المرحلة الماضية وأخذ من ملامحها وبين الاجيال الحديثة، إلا أنه
يؤخذ على هذه الجمعيات إهمالها الجانب البحثي وعدم استطاعتها تلبية احتياجات من
يريد ان يبحث أو ان يكتب في تراث الإمارات، وإن بدأ يطرأ عليها نوع من التغير في
الفترة الأخيرة، حيث لاحظنا أن بعض هذه الجمعيات الشعبية أنشأت مراكز بحثية كنادي
تراث الإمارات وبعض الجمعيات بدأت تصدر بعض الكتب المضطلعة بالشؤون التراثية كجمعية
النخيل للفنون الشعبية، فضلا عن إصدار المجلات التراثية .
|
|
| المادة :: ثالثاً : على مستوى المؤسسات الرسمية |
وهي تنقسم بدورها إلى قسمين : مؤسسات خدمية وأخرى بحثية
أ- المؤسسات الرسمية البحثية
تزايدت في الأونة الاخيرة المراكز العلمية المتخصصة في البحث في الشؤون التراثية
وهذا مؤشر إيجابي نحو تأصيل البحث العلمي في الأعمال التراثية.
|
|
| المادة :: مركز زايد للتراث والتاريخ |
يشكل مركز زايد للتراث والتاريخ إضافة جديدة للثقافة والمعرفة وللباحثين في
التراث والتاريخ، حيث يعتبر هذا المركز دعامة من دعامات الجهد المبذول للحفاظ على
تراث الآباء والأجداد ولكن بنهج علمي رصين وذلك من خلال اتباع المنهج العلمي في
إعداد مثل هذه الدراسات، وهو بذلك يقوم بسد العجز القائم في معظم مؤسسات الدولة
الضالعة بالاهتمام بتدوين التراث بطريقة علمية.
أما عن نشأة هذا المركز فهو امتداد لنادي تراث الإمارات، وقد أنشئ في عام 1998 ويعد
وحدة تنظيمية ذات طابع علمي تابعة لنادي تراث الإمارات، أما بالنسبة لنظامه الإداري
والمالي فهو يتمتع باستقلالية في هذه الناحية وذلك في حدود اللوائح المنظمة له.
ويصب الهدف الرئيسي للمركز في كونه يوجه العناية اللازمة إلى البحث العلمي في مجال
التاريخ والتراث الوطني لدولة الإمارات إضافة للتراث الخليجي والعربي كما ان له
اهتماما خاص بإعداد الدراسات والبحوث الخاصة بالتراث الشعبي في الدولة وتوثيقها وما
إعداد هذا الكتاب إلا ترجمة فعلية لهذا الهدف، بالإضافة إلى أهداف اخرى مثل إعداد
دورات تدريبية، وإنشاء مكتبة مرجعية تتوافر فيها أمهات الكتب والمراجع والمصادر
وبخاصة في مجال التاريخ والتراث، كما يهدف المركز لمد جسور التعاون مع المنظمات
الدولية والمؤسسات العلمية والمراكز البحثية ذات الاهتمام المشترك وذلك بهدف
الاستفادة وتبادل الخبرات بين هذه المراكز، كما يسعى المركز إلى إقامة المؤتمرات
والمنتديات الفكرية والندوات، إضافة إلى إصدار الكتب وتحقيق المخطوطات.
وقد ترجم المركز الكثير من هذه الأهداف لواقع ملموس، فقد قام بعقد العديد من
المؤتمرات أهمها تلك التي تخدم قضية التراث مثل (الملتقى الخليجي الاول للتراث
والتاريخ الشفاهي) الذي عقد في 21-23 مارس 1999، أما المؤتمر الثاني فقد كان تحت
عنوان (مناهج توثيق التراث الشعبي في الإمارات والخليج العربي) والذي عقد في 26-28
مارس 2000م. إضافة لعقد العديد من الندوات والمحاضرات والدورات التدريبية في هذا
المجال، أضف إلى ذلك الإصدارات التي قام المركز بإصدراها والتي وصلت قرابة 70 كتاباً
في التراث والتاريخ.
|
|
| المادة :: جامعة الإمارات العربية المتحدة |
أولت جامعة الإمارات اهتماما خاصا بالتراث بصفة عامة والتراث الشعبي بصفة خاصة،
وقد كان تأسيس مركز بحوث التاريخ والتراث الشعبي نقطة البداية لدور الجامعة في مجال
الاهتمام العلمي بالتراث الشعبي، كما يتضح لنا هذا الاهتمام من خلال طرح بعض
الكليات لمساقات تعنى بالتراث، ومن بين هذه الكليات، كلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية، وكلية العلوم، وكلية الزراعة، وكلية التربية، إضافة إلى كلية الهندسة.
ومن خلال قراءة متعمقة في خطط هذه الكليات، نلاحظ أن كلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية، أخذت على عاتقها الدور الأكبر في هذا المجال ويتضح لنا هذا جليا في
الاهداف التي حددتها الكلية لنفسها ويمكن لنا أن نحددها في النقاط التالية :
1. تنمية الدراسات التي تتصل بالحضارة العربية الإسلامية، ويبدو هذا واضحا من خلال
المساقات التي تطرحها بعض الاقسام في الكلية فقسم التاريخ طرح مساق (تاريخ الحضارة
العربية والاسلامية)، أما قسم الاجتماع فمساقه متمثل في (رواد الفكر الاجتماعي
العربي والإسلامي)، أما قسم الاتصال فقد طرح مساق (الاتصال في التراث العربي
والاسلامي)، أما قسم العلوم السياسية فقد طرح مساق (الفكر السياسي الإسلامي).
2. إحياء التراث العربي الإسلامي، والكشف عن مظاهر الإبداع فيه، ووصله بالحاضر
والمستقبل، ويبدو لنا تحقيق هذا الهدف واضحا كذلك من خلال بعض المساقات التي تطرحها
بعض اقسام الكلية فنلاحظ ان قسم اللغة العربية طرح في هذا المجال المساق المتمثل في
(قراءات في التراث النقدي البلاغي)، وكذلك قسم التاريخ طرح مساق (فن العمارة
والزخرفة الإسلامية).
3. إعداد جيل واعٍ بتراثه الوطني، مدركا لقيمه، ساعيا للحفاظ عليه، ويبدو لنا هذا
جليا في المساقات التي يطرحها قسم الاجتماع وهي المتمثلة في مساق (التراث الشعبي)
و(التراث الشعبي في مجتمع الإمارات) و(تدريب عملي في جمع وتوثيق التراث الشعبي)،
وكذلك قسم التاريخ من خلال مساقه (آثار دولة الإمارات العربية المتحدة والخليج
العربي).
كما نلاحظ ان هذا الاهتمام امتد ليشمل كلية الهندسة كذلك، فهي مضطلعة بالتراث
المادي بالتحديد، وهو المتمثل في التراث المعماري، مثل مساقات (العمارة الإسلامية)
و(التراث المعماري بدولة الإمارات).
وقد كان لكلية الهندسة بادرة جادة في هذا المجال، عندما قام مجموعة من طلاب الكلية
بإعداد وتوثيق معماري كامل لاثنين وعشرين مبنى تقليديا في مناطق عديدة في الدولة
وذلك من خلال إعداد دراسة تحليلية كاملة عن المبنى وذلك في إطار التطبيق العملي
لمساق التراث المعماري في الدولة، فهذا المشروع القيم الذي أشرفت عليه د. أمل
القبيسي يهدف إلى إيجاد نوع من الترابط الوثيق بين الطلبة وتراثهم، كما يعتبر هذا
المشروع بمثابة حجر الأساس في الطريق لبناء موسوعة عن التراث المعماري لدولة
الإمارات بأسلوب علمي رصين يفيد أي باحث أو دارس أو راغب في التعرف على هذا التراث
العريق.
كما لا يمكننا ان نغفل دور الكليات الأخرى في هذا المجال، فهي تقوم بطرح مساقات تصب
كلها في خدمة التراث المحلي والعربي والإسلامي، وللجامعة نشاطات أخرى كذلك كعقد
العديد من الندوات والمؤتمرات التي تخدم قضايا التراث المحلي والعربي والإسلامي، من
خلال الطرح السابق، نلاحظ أن جامعة الإمارات تسهم إلى حد كبير في خلق جيل مدرك
لأهمية التراث الشعبي وقادر على التعامل معه بصورة منهجية علمية صحيحة.
|
|
| المادة :: مركز الوثائق والبحوث |
يعد هذا المركز من أقدم المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات، إذ يرجع تاريخ
إنشائه إلى عام 1968، وهو يتبع حالياً ديوان رئيس الدولة ومقره أبوظبي وذلك بعد ان
تولت عدة جهات رسمية الإشراف عليه، ويهدف المركز إلى جمع وتوثيق المادة المكتوبة عن
دولة الإمارات بخاصة ومنطقة الخليج بصفة عامة، وهو بذلك يعد واحداً من أكبر مراكز
الوثائق على مستوى منطقة الخليج العربي، ومن أهم الأقسام التي يحتويها المركز، قسم
المكتبة والدوريات التي تحتوي على العديد من الكتب التاريخية إضافة للكتب التي
تتناول تاريخ المنطقة وكذلك بعض المخطوطات القديمة، وهناك قسم الترجمة الذي يهتم
بترجمة الوثائق المتعلقة بدولة الإمارات ودول الخليج، وفي المركز قسم خاص بالتوثيق
المعاصر حيث يضطلع هذا القسم برصد جميع الأحداث المعاصرة التي تشهدها الدولة، إضافة
إلى قسم خاص بنشاط المرأة في دولة الإمارات.
أما عن أهم أنشطة المركز، فنلاحظ أن المركز قد قام بتأسيس عشرة أرشيفات للدول
الأجنبية التي ارتبط تاريخها بالمنطقة، إضافة لإصداره مجموعة من الكتب المهمة عن
تاريخ المنطقة ككتاب (قصر الحصن وحكام آل فلاح) وكتاب (الآثار في دولة الإمارات).
|
|
| المادة :: ندوة الثقافة والعلوم |
وهي عبارة عن مؤسسة ثقافية علمية تأسست في عام 1987 في دبي، أما عن أهم أهدافها
وأنشطتها، فهي مهتمة بأمور الثقافة والمشاركة في فعاليات وأنشطة ثقافية وعلمية
متعددة، وذلك بهدف تعزيز مسيرة الثقافة والعلم بدولة الإمارات، والسعي الدؤوب
لترسيخ القيم والمفاهيم الثقافية السامية، كما تحرص هذه المؤسسات على توطيد الصلات
والعلاقات الإيجابية الفاعلة مع المؤسسات المماثلة سواء أكانت على مستوى البيئة
المحلية أو البيئة العربية، وربط جهود الندوة مع جهود الجهات الأخرى. ومن أبرز
إصداراتها في مجال تدوين التراث كتاب (الإمارات في ذاكرة أبنائها) الذي أتى في
ثلاثة أجزاء وكان من عمل أحد أبناء الإمارات وهو الأستاذ عبدالله عبد الرحمن آل
رحمة.
|
|
| المادة :: مجمع زايد لبحوث الاعشاب والطب التقليدي |
يعتبر العلاج بالأعشاب أحد المعتقدات والموروثات الشعبية المهمة ليس على مستوى
المنطقة فحسب وإنما على المستوى العربي والإسلامي، فهناك الكثير من المواد التراثية
الطبية المهمة التي وردت في مصنفات علماء العرب والمسلمين، لذلك يساهم الاهتمام
بهذا الجانب في تدوين جزء مهم من تراثنا القيم، وقد استوعبت القيادة السياسية في
دولة الإمارات أهمية هذا الموضوع وترجم هذا الاستيعاب إلى إنشاء الصرح العلمي الذي
يطلق عليه اسم (مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي)، فقد تم إنشاؤه بناء على
توجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وذلك في
نوفمبر من عام 1996. وكان الهدف الرئيسي منه هو الاستفادة من هذا الإرث القديم في
مجال التطبيب وتطويره وذلك عن طريق ربطه بالعلوم والتقنيات الحديثة، فالمجمع أنشئ
ليكون مجمعا متكاملا للعلاج والبحث وتصنيع الأدوية الطبية العشبية من النباتات في
دولة الإمارات.
|
|
| المادة :: المؤسسات المعنية بحفظ المخطوطات العربية والإسلامية |
بالإضافة إلى هذه المؤسسات البحثية التي تعنى بالتراث وتساهم بشيء أو بآخر في
توثيقه وحفظه، هناك كذلك مؤسسات بحثية لا تقل أهمية عنها، وهي تساهم في حفظ
المخطوطات العربية والإسلامية التي تعتبر أحد الروافد المهمة لتراثنا العربي
والإسلامي، وإحدى الركائز التي قامت عليها حضارة العرب والمسلمين، بل امتدت أهميتها
للأقاليم المجاورة وأخص بالتحديد أوروبا فقد استفادت أوروبا من هذا التراث الغني
وخاصة في عصر النهضة الأوروبية عند بداية تأسيس الحضارة الغربية، وذلك عن طريق
قيامها بترجمة وتحقيق الكثير من مواد هذا التراث المخطوط، في مختلف جوانبه سواء
أكانت الفكرية منها أو العلمية أو الادبية أو الفنية. والشاهد على ذلك ما توافرت
عليه المكتبات الكبرى المنتشرة في أنحاء العالم سواء تلك التي في لندن أو باريس أو
نيويورك أو في هولندا أو في غيرها من العواصم العالمية من نوادر المخطوطات العربية
والإسلامية.
وعلى الرغم من أهمية هذه المخطوطات لكونها أقوى ميراث ثقافي كتاب في التاريخ إلا أن
الوعي باهميتها لا يزال قاصرا عند العرب مع الأسف، وان بدأ يطرأ عليه نوع من التغير
في الفترة الأخيرة، فقاموا بإنشاء المراكز التي تعنى بتحقيق وحفظ المخطوطات وفي
دولة الإمارات بدأ ظهور المراكز التي تعنى بالتراث الفكري المخطوط ويأتي في طليعة
هذه المراكز مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، أما في إمارة ابوظبي فهناك
قسم المخطوطات الموجود في المجمع الثقافي وكذلك مركز زايد للتراث والتاريخ الذي
سبقت الإشارة إليه. وسنقدم في الأسطر التالية نبذة مختصرة عن جهود كل مركز في هذا
المضمار :
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث
ترجع بدايات تأسيس هذا المركز إلى عام 1988 حيث بدأ في تلك الفترة وضع النظام
الأساسي واللوائح الداخلية، ولكن نشاطه الفعلي بدأ في عام 1993، أما عن أهم أهداف
المركز فهي تدور حول حماية التراث الوطني من الاندثار والضياع في خضم هذا التطور
الحاصل في كل مناحي الحياة الإنسانية. ويقوم المركز بترجمة هذا الهدف إلى واقع
ملموس من خلال إفراد قسم خاص لهذا التراث الوطني الذي يحتوي على الكثير من الوثائق
التي تعتبر في الواقع سجلا تاريخياً وتوثيقياً عن المنطقة، إضافة لاحتوائه على أهم
موروث فكري وهو المتمثل في المخطوطات، حيث يحرص المركز على اقتناء المخطوطات ذات
القيمة العلمية الكبيرة، ولا يتوقف عمله على مجرد الاقتناء فقط وإنما يمتد لصيانة
هذه المخطوطات وترميمها وحفظها وذلك عن طريق إنشاء شعبة خاصة للترميم. كما قام
المركز بفهرسة هذه المخطوطات وذلك عن طريق نموذج خاص بالمركز حيث يتضمن هذا النموذج
كل المعلومات التي تهم الباحث عن هذا المخطوط، مثل عنوانه، اسم مؤلفه، بدايته
ونهايته، قياسه وتصنيفه حسب الموضع .. الخ، كما قام المركز في هذا الإطار بإقامة
دورة تدريبية عن صناعة المخطوط العربي الإسلامي وذلك بالتعاون مع جامعة الإمارات
العربية المتحدة والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.
المجمع الثقافي (قسم المخطوطات ومصوراتها) :
يعتبر هذا القسم من الاقسام الحديثة في المجمع الثقافي حيث أخذ شكله النهائي عام
1988، وقد انشئ في الواقع للعناية بالكنوز التراثية المخطوطة ومصوراتها. وقد شرع
القسم في تحقيق هذا الهدف من خلال مجموعة من الأنشطة، فقد قام باقتناء أهم
المخطوطات بحيث بلغ إجمالها قرابة الأربعة آلاف مخطوطة، موزعة على مختلف العلوم
كعلوم القرآن الكريم والحديث واللغة العربية والفقه والطب والزراعة والحساب ... الخ،
إضافة للمصاحف الشريفة التي يوجد منها قرابة (50) مصحفاً، ولقد زود المجمع قسمه بكل
الوسائل والتجهيزات التي تساعد المحقق والباحث في تحقيق أهدافه، من مصادر وفهارس
وكشافات وأدوات بصرية وتصويرية .. الخ.
ب- المؤسسات الخدمية :
يقصد بها المؤسسات الرسمية التي تقدم خدماتها للجمهور، فنتيجة لعدم وجود جهة رسمية
واحدة أساسية تكون مهمتها حفظ التراث على نطاق الدولة بشكل عام، نلاحظ نتيجة لذلك
قيام بعض الجهات الرسمية بالاهتمام بالتراث في نطاق اختصاص كل منها ... فيبرز لنا
في هذا المجال عدة جهات رسمية، مثل وزارة الإعلام والثقافة، البلديات المنتشرة في
أرجاء الدولة، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ... وسيتم عرض نبذة عن دور كل منها
من خلال الأسطر التالية :
1. وزارة الإعلام والثقافة : وقد أفردت للتراث قسما ضمن الإدارة الثقافية، أما عن
اهتمامها بهذا الجانب فنلاحظ انه يتركز معظمه على الجانب الفني وهو المتمثل في
الفنون الشعبية من حيث دعمها للفرق الشعبية، كما تساهم الوزارة في نشر الفنون
الشعبية المحلية والتعريف بها على نطاق الدول وذلك من خلال المشاركة في المهرجانات
العربية والدولية، إضافة لهذه الأنشطة تقوم الوزارة كذلك بطبع بعض الكتب التراثية
وكتب الشعر الشعبي. أما بالنسبة للإذاعة والتلفزيون فلهما بعض الاهتمام بهذا الجانب
ولكن طغى الفن والشعر الشعبي على الروافد الأخرى.
2. دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة : أنشئت هذه الدائرة بموجب مرسوم أميري صدر
من قبل صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة عام 1981، وذلك
للإشراف على تسيير البنية الثقافية والعمل على تنسيق ورعاية مختلف الأنشطة الثقافية
والفكرية والفنية والأدبية التي ظهرت في إمارة الشارقة في تلك الفترة.
وفي إطار المحافظة على التراث وبثه للأجيال الناشئة أنشأت دائرة الثقافة والإعلام
إدارة التراث التي قامت بتنفيذ مجموعة من المشروعات الحيوية في هذا المجال والعديد
من المتاحف التي تعتبر نقلة نوعية خاصة لاطلاع ابناء الوطن على ماضيهم وحاضرهم
ومستقبلهم، ومن هذه المتاحف متحف التاريخ الطبيعي ومتحف الآثار ومتحف الشارقة
للتراث والمتحف الإسلامي وغيرها من المتاحف المنتشرة في مختلف إمارة الشارقة.
3. البلديات : تقوم البلديات في هذا الإطار بإنشاء وإدارة المتاحف التراثية،
فالمتاحف لها أهمية كبرى في توثيق التراث وخاصة في جانبه المادي، لأنها في الواقع
تجسد مظاهر حية من التراث الشعبي والآثار التاريخية للبلاد، ولذلك نلاحظ أنها تسهم
بشكل أو بآخر في رفع درجة الوعي التراثي والأثري لدى المواطنين، وتنمي الشعور
الوطني والاعتزاز بالهوية.
وفي إطار اهتمام الدولة بتوثيق التراث المادي نلاحظ أنها شرعت في تأسيس العديد من
المتاحف في مختلف أنحاء الدولة متبوعة بتأسيس إدارات الآثار والسياحة والتي تشرف
على هذه المتاحف، فيطالعنا في هذا الصدد أول المتاحف التي انشئت في الدولة في كل من
مدينة العين وإمارة دبي وكان ذلك في عام 1971، وبعد ذلك توالى إنشاء المتاحف في
مختلف إمارات الدولة، ففي عام 1987 افتتح متحف رأس الخيمة، اما في عام 1991 فقد
شهدت الدولة ولادة متحفين هما متحف عجمان ومتحف الفجيرة، وفي عام 2000 افتتح متحف
أم القيوين الوطني. كذلك في العام نفسه افتتح متحف المحطة في الشارقة ويكتسب هذا
المتحف أهمية خاصة لكونه شيد على ارض منطقة كانت هي أول مطار أقيم في الدولة فلذلك
يعتبر هذا المتحف شاهدا على حقبة سياسية واجتماعية من تاريخ الإمارات. والملاحظ على
معظم متاحف الدولة انها اتخذت من الحصون التاريخية مقرا لها، فنرى على سبيل المثال
متحف رأس الخيمة الذي افتتح في مبنى الحصن الذي ينتمي للقرن الثامن عشر، كذلك متحف
عجمان الذي أقيم في حصن عجمان القديم الذي يرجع بناؤه إلى مطلع القرن الثالث عشر
الهجري، أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وكذلك متحف دبي الذي أنشئ في حصن الفهيدي
والذي تأسس كذلك في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
وهذا بلا شك يعتبر توثيقاً لتاريخ وتراث الإمارات. كما تحمل هذه المتاحف رسالة
ضمنية تؤكد من خلالها ان الصلة بين التاريخ والتراث متلازمة أبدا فإذا كان التاريخ
هو ذاكرة الأمة فالتراث روحها، كما تؤكد هذه المتاحف أنها معنية بحفظ وتوثيق جزء
مهم من تراثنا وتاريخنا وهو المتمثل في الجانب المادي منه.
كما لا يمكن ان يفوتنا في هذا المقام عمليات الترميم المستمرة التي تقوم بها
البلديات للمباني التاريخية المنتشرة في ارجاء الدولة وتشمل هذه المباني البيوت
القديمة والقلاع والحصون، وفي الواقع تعتبر عمليات الترميم أصدق معيار يدل على
اهتمام الدولة بإحياء التراث ونشره. كما يمكن ان نعتبره جزءا من العمل السياحي التي
تعتمده الدولة في التعريف بنفسها للشعوب الأخرى.
4. وزارة العمل والشؤون الاجتماعية : اهتمت بالتراث من عدة نواح، فهي تشرف على عمل
جمعيات الفنون الشعبية، كما أنها تهتم بالتراث عن طريق إنشاء مراكز التنمية
الاجتماعية التي تسعى من خلالها إلى تدريب المرأة على أعمال التراث التي كانت تمارس
في الماضي.
|
|
| المادة :: رؤية تقييمية |
بينت هذه الدراسة التي تناولت مظاهر الاهتمام بالتراث الشعبي في دولة الإمارات
ان ازدياد الوعي بأهمية التراث وحفظه جاء من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية
الكبيرة التي مرت بها الدولة وخاصة في العشر السنوات الأخيرة، وهذا الوعي في حد
ذاته عامل مهم في إحياء التراث الشعبي وحمايته، إلا أن هذا الاهتمام كان له جذوره
مع مطلع السبعينات من خلال المساهمات الفردية المبكرة، ومن ثم من خلال الجهود
الشعبية والأهلية التي بدأت في عقد الثمانينات، ولكن عقد صحوة التراث الذي بدأت
تتدخل فيه مؤسسات الدولة لحماية هذا التراث وحفظه من خلال إنشاء بعض المراكز
البحثية والعلمية، إضافة لإنشاء المؤسسات والأندية التراثية كان ذلك في فترة
التسعينات.
وإلى جانب هذه المؤسسات تبقى كذلك مؤسسة مهمة تساهم بشكل رئيسي في تشكيل هوية
وصياغة ثقافة أفراد المجتمع وبالتالي الحفاظ على جزء من التراث من الاندثار، تتمثل
هذه المؤسسة في الأسرة، فالأسرة كانت ولا زالت تشكل البيئة الرئيسية لثقافة الطفل،
فمن خلالها يتلقى الطفل الجزء الأساسي من عاداته وتقاليده ويتم تناقلها بشكل مبسط
وتلقائي، كما تساهم في حفظ المأثورات الشفاهية عن ظهر قلب وبشكل سريع إضافة إلى
تلقين الطفل الكثير من المعارف الشعبية المتداولة في المجتمع، إلا أن هذه السلوكيات
للأسرة كانت تمارس قديما، أما في الوقت الحاضر نلاحظ أنه لم يبق منها إلا النزر
القليل. لذلك تؤكد من خلال هذه الورقة العلمية على أهمية دور الأسرة في هذا المجال
وأنها تأتي في مقدمة المؤسسات سواء أكانت الشعبية منها أم الرسمية في الحفاظ على
هوية المجتمع من خلال تلقين الجيل الناشئ الجوانب الإيجابية من التراث الشعبي
الموروث، لان هناك جوانب سلبية أثبت الإسلام والعلم الحديث بطلانها منها على سبيل
المثال تناقل بعض العادات والتقاليد السيئة (العيب والحرام) على الرغم من تنافيها
مع مبادئ الشريعة، إضافة لبعض المعتقدات الدينية الخاطئة (كالأضرحة والأعمال
السحرية)، كذلك الإيمان المطلق بأن جميع حالات عدم التوفيق بسبب (العين والحسد)،
وغيرها من المعتقدات والممارسات السلبية التي لابد من تفاديها.
وفي محاولة لتقييم الجهود المبذولة من قبل الأفراد والمؤسسات الرسمية البحثية في
هذا المجال، نلاحظ أن معظم الجهود منصبة على دواوين الشعر النبطي ولقد كشف عن ذلك
إحصائية تقريبية للموضوعات التراثية التي جمعت عن طريق الأفراد والمؤسسات في
الإمارات ولقد قام بهذه الإحصائية الأستاذ عبدالله الطابور، فقد بينت هذه الإحصائية
ان موضوع دواوين الشعر النبطي احتل المركز الاول وذلك برصيد 58 عمل موزعة ما بين
جهود الافراد التي بلغت في هذا المجال 45 عملاً وجهود المؤسسات التي بلغت 13، أما
الحديث عن بقية أصناف التراث الشعبي وأنماطه فنلاحظ أن هناك نقصا واضحا في جمع بقية
المواد التراثية كالحكاية الشعبية والسير والتراجم الشعبية والحرف والصناعات وغير
ذلك من مواضيع لم تظهر في دراسات جادة وإنما جاءت بتعاريف ضيقة وكان معظمها من قبل
جهود أفراد.
أما الملاحظة على المراكز والمؤسسات الرسمية القائمة على هذه الأعمال، فنلاحظ ان
معظم الجهود صادرة من المراكز البحثية، ولا نرى للمؤسسات الخدمية ذلك الدور الكبير
في هذا المجال، إلا أن الملاحظة الجديرة بالذكر في هذا المقام، أن تلك الجهود الذي
ذكرت من خلال ثنايا البحث في مجال حفظ التراث ستبقى مشتتة ما لم تقترن برؤية علمية
واضحة وشاملة ومتكاملة للتراث عن طريق إيجاد جهة مركزية واحدة تقوم بالإشراف
والتوجيه العلمي الدقيق.
|
|
| المادة :: الباب الثاني (الأدب الشعبي في الإمارات) |
تمهيد
الأدب الشعبي هو كل ما أنتجته الذاكرة الشعبية من أدب جرى حفظه في الصدور وسار نطقه
على الألسن، لا يعرف من هو صاحبه أو من أبدعه. وهو الأدب المتداول بين عامة الناس
الذي ظل متوارثاً أباً عن جد منذ قديم الزمان. ومن ألوان الأدب الشعبي في الإمارات
الأمثال والألغاز الشعبية والحكايات (الخراريف) والأغاني أو الأهازيج والمواويل
والنكت، والمدائح الدينية مثل (المالد) أي الاحتفال بمولد الرسول الأعظم، وحفلة ختم
القرآن الكريم، وهناك نوع من الأدب يعرف مؤلفه إلا أنه يسمى أيضاً بالأدب الشعبي
مثل الشعر النبطي بأنواعه وأوصافه، وأهازيج أهل البحر، وأدب الغوص والأسفار، وهذا
اللون من الأدب يأخذ طابع الحياة الشعبية ويستمد وحيه الفني من البيئة التقليدية.
وقد أطلق الدارسون والباحثون على الأدب الشعبي أسماء عدة، منها الأدب المحلي local
Literature، ويسمى أيضاً الأدب الشفهي Oral Literature، أو الفن اللفظي Verbal Art،
أو الأدب التعبيري Expressive Literature، وكلها مسميات تعطي دلالة على المفهوم
العام للأدب الشعبي.
وقد قسم العديد من الدارسين الأدب الشعبي إلى مجموعة من الاقسام أهمها :
الشعر الشعبي – الحكايات الشعبية – الأغاني الشعبية – أهازيج الطقوس الدينية –
الألغاز – الأساطير – الأمثال – النكتة – النداء والسيرة – التمثيلية التقليدية.
وفي دولة الإمارات يتنوع الأدب الشعبي حسب البيئات الأربع التي يعيش فيها شعب
الإمارات، وحسب المجموعات التي تقطن في تلك البيئات. لأن من خصائص الأدب الشعبي انه
نتاج التفاعل الاجتماعي والتجاذب الفكري واللغوي للجماعات التي تقطن في بيئة واحدة.
ويتميز الأدب الشعبي في دولة الإمارات بخصوصيته وتنوع أشكاله نظراً لتعدد اللهجات
واختلاف نمط الحياة. فمثلاً، في المدن الساحلية حيث يقطن (الحضر) يستمد الناس
حياتهم ولهجتهم وأدبهم وفنونهم من البيئة البحرية، أما في الصحراء فيعيش (البدو)
سكان الصحراء الذين يتميزون بلهجتهم وتوجههم البدوي وطابعهم الصحراوي الخاص. وفي
الريف نجد (البيادر) وهم المزارعون أو الفلاحون الذين يرتبطون بالارض والري
والزراعة والفلاحة، ويأخذون من الحياة الريفية التي يتفاعلون في داخلها مع كافة
ألوان وفنون الثقافة الشعبية الريفية الخاصة. وفي الجبال يقطن (البداة) ولهؤلاء نمط
حياتي يستمد ملامحه وخصائصه من البيئة الجبلية، كما عند جماعات الشحوح والحبوس.
إذاً، للأدب الشعبي في الإمارات لونه الخاص وطابعه المميز، الذي يأخذ لون البيئة،
واللهجات الدراجة المستخدمة لدى الجماعات المختلفة، والأدب في مجتمع الإمارات يعبر
عن فنون الكلام بلغة راقية محلاة بنغم موسيقي جميل، وبإيقاعات بسيطة تأخذ الطابع
المحلي بخصوصيته ومعتقداته وتوجهاته.
|
|
| المادة :: تعريف الأدب الشعبي في الإمارات |
يحتوي الأدب الشعبي على فنون الكلام الأدبي، وهو يتميز بلونه الخاص المستمد من
المجتمع المحلي، فمثلا في الامارات تختلف (الخروفة) أي الحكاية التي تروى للاطفال
في روايتها من منطقة إلى اخرى في داخل دولة الإمارات، كما نجد اختلافا كبيرا في
روايتها بين دول الخليج الاخرى، وذلك ناتج عن اختلاف البيئة واللهجات وطريقة القول
والاسترسال. وإلى جانب (الخروفة) توجد (السالفة) أو القصة، وهي متنوعة في مضامينها
ولونها. والسالفة تختلف عن الخروفة في سردها، فالخروفة تأخذ الشكل الروائي البسيط،
وهي بذلك لا تصلح لأن تكون رواية أدبية إذا ما تم توظيفها في هذا المجال، أما القصة
فتندرج تحت اللون القصصي الأدبي لما فيها من الوصف والاسترسال والتصوير الشيء
الكثير. وعلى ضوء ذلك يمكننا القول إن الأدب الشعبي هو : الإبداع الفني الجمعي
المأثور الذي يتوسل بالكلمة، أي يعتمد على النسيج الكلامي سواء كان روائياً أو
هزجياً أو غنائياً أو لفظياً.
والأدب الشعبي يجسد ملامح الحياة الاجتماعية بعاداتها، وتقاليدها، ومعتقداتها،
وتفكيرها وتوجهها الديني، وطابعها المحلي، ومهنها وحرفها وصناعتها، وغير ذلك من
أمور حياتية يصاحب ممارستها الغناء والحداء، أو تأتي أحياناً على شكل أمثال وألغاز
وأقوال وحكم مصاغة في جمل مترابطة صوتيا تعطي السامع نشوة عند سماعها.
إذاً، فالأدب الشعبي في الإمارات يأخذ خصائصه وسماته المحلية من أربع لهجات : (لهجة
أهل المدن) و(لهجة البدو في الصحراء) و(لهجة المزارعين في الريف) و(لهجة البداة في
سكان الجبال). وإذا درسنا اختلاف اللغات واللهجات وما تحتويه من مفردات لغوية
وصوتية سوف نكتشف ان اللهجات نشأت داخل بيئة مثالية، وفي محيط إنساني متكامل
ومترابط ومتفاعل، وإذا ما دققنا في أدبنا الشعبي سوف نرى أنه في منشئه وتطوره أدب
عربي قح يستمد جودته من فنون اللغة العربية وخصائصها، ويعبر عن الإنسان العربي
وتفكيره. أي أنه أدب عربي في نشأته وجذوره البعيدة.
|
|
| المادة :: الفصل الأول - الشعر الشعبي |
الشعر النبطي :
الشعر النبطي هو الشعر العامي أو الشعر الشعبي الدارج الذي ينظم بلهجة عامة الشعب،
ويتميز الشعر النبطي الإماراتي عن غيره من الأشعار بلغة جميلة تتجسد في أكثرها
الفصحى بألفاظها الواضحة. وقد ظهر الشعر النبطي منذ قديم الزمان.
ويستمد هذا اللون من الأدب وجوده من لهجة أهل الخليج العربي وهي (النبطية) أو
العامة. والنبطية أو النبط هم جماعة أو اقوام كونوا الحضارات الاولى في المنطقة
ويعرفون بالأنباط، واليهم تنسب اللهجة الدارجة لأهل المنطقة، لذا يسمى هذا النوع من
الشعر الشعبي بالشعر النبطي نسبة إلى هؤلاء القوم.
ومن حيث النشأة يجب ان نميز بين الشعر النبطي (البدوي) والشعر النبطي الحضري.
فالأول ظل محافظاً على لهجته ولكنته العربية الأصيلة، اما الثاني فقد ادت عوامل
كثيرة مثل مخالطة العجم إلى دخول ألفاظ جديدة – ربما تكون هجينة – ولكنات غير عربية
إليه.
وقد عرف أحد الباحثين الشعر النبطي فقال : (إن الشعر النبطي هو شعر الأنباط العرب)،
وذكر أن هذا اللون من الشعر نشأ في منطقة الخليج العربي، وأطراف نجد، وسواد العراق،
حيث التقارب الواضح في لسانية سكان هذه المناطق، مما أثر على الشعر وألوان أخرى من
الأدب الشعبي.
لذا يمكن تعريف الشعر النبطي بأنه : (شعر تقليدي يقال باللهجة العامية الدارجة ..
وهو من حيث أسسه الفنية شديد الشبه بالشعر العربي الفصيح التقليدي).
أما خصائص الشعر النبطي من حيث اللغة فإن لغة الشعر النبطي هي اللهجة البدوية عامة
والنجدية خاصة، إلى جانب ذلك فإن القصيدة النبطية هي قصيدة تقليدية، ويتضح ذلك في
التزامها بشكل القصيدة العربية القديمة من حيث الوزن والقافية والجرس الموسيقي.
إذاً، لغة الشعر النبطي قريبة من الفصحى من حيث الأوزان التقليدية المنسوبة للخليل
بن أحمد، مع اختلاف بسيط في تفعيلاتها وأوزانها المبتكرة في بعض الأحيان. ونظرا
لتعدد الإبداعات الشعرية في هذا اللون من الأدب الشعبي فقد سمي بعدة مسميات أطلقها
شعراء النبط أنفسهم، وهي مسميات مجردة تشير إلى رؤية الشاعر الفنية لاشعاره الخاصة،
ومن هذه الاسماء مثلا الاشعار، والجيل أو القول والمقال، أو القيفان وتعني القوافي،
والافنان أي الفنون، والمثل أو الامثال، والأناشيد، والنظم، والقصيد، والمزمل،
والمعاني، والنثر، والمباني، والأبيات.
ويرتبط الشعر النبطي بالبيئة، ويلتصق بها ويعبر عن صورها وملامحها. لهذا نستطيع ان
نميز بين الشعر النبطي عند البدو والشعر النبطي عند الحضر وغيرهم من سكان المدن
الساحلية حيث تظهر عند كل واحد منهما خصائص هذا الشعر ومميزاته البنائية واللغوية
وتركيبه الفني.
وسوف نورد نماذج من الشعر النبطي لعدد من الشعراء المعروفين في دولة الإمارات،
إضافة إلى أشعار وقصائد نبطية متداولة لا يعرف قائلها وأصبحت مع مرور الزمن أشعارا
تراثية أو شعرا شعبيا غير معروف قائله.
وفي هذا اللون من الشعر نجد قصائد الغزل والمدح والهجاء والوصف وشعر المراسلات
والألغاز والشعر الديني والنصح، والشكوى، والرثاء، والعتاب، والشعر القصصي والشعر
الوطني والشعر القومي وقصائد قيلت في البحر والغوص والصقور والإبل والصحراء والفخر
والبطولات والاجتماعيات وغيرها من المضامين الشعرية التي يحتويها الشعر النبطي.
وتسمى القافية التي تستعمل في الشعر النبطي (ناعشة) وهي قافية الشطر الأول و(قارعة)
أو (جارعة) أو (كارعة) وهي قافية الشطر الثاني أو عجز البيت، وتكون قافية للقصيدة
كلها.
ويمكن ان تؤدى على أبيات الشعر النبطي أغان وألحان، نذكر منها : الهجيني أو (الهييني)،
والحربية والردحة والونّة والتغرودة والصخري. ولكل نوع نغم معين من اللحن الذي يميز
بعضه عن الآخر. وتتنوع القصيدة حسب القوافي، مثل (القصيدة المهملة) التي يتكون
البيت الواحد فيها من شطرين، ويحافظ فيها الشاعر على قافية واحدة (القارعة).
والنوع الثاني (القصيدة المثولثة أو الثلاثية) وتكون القصيدة مكونة من ثلاثة أشطر
ويلتزم فيها الشاعر بقافية موحدة في الشطر الاول والثاني، وبقافية أخرى في الشطر
الثالث وقد تتغير القافية في البيتين الاول والثاني في القصيدة في حين تبقى القافية
في الشطر الثالث كما هي.
والنوع الثالث القصيدة المضمومة أو الملمومة : وهي ان يلتزم الشاعر بقافيتين الاولى
في الشطر الاول (الناعشة) والثانية في الشطر الثاني من البيت إلى نهاية القصيدة (القارعة)
مثال على ذلك هذه الأبيات للشاعر (جمعة بن عدل الرميثي) :
التي يقول فيها
فاض فن الشعر من كثر الفكور وانكشف عن مغطى ما يبات
في ضميري مثل ما وصف البحور وانتحى به صوب ذخري في الأوقات
هم هل اليودات في كل الامور يدهم زايد صدام العايلات
أما النوع الرابع فيسمى (القصيدة المروبعة)، وفيها يتكون البيت الواحد من أربعة
اشطر تتوحد القافية في الثلاثة اشطر الاولى، وتختلف في الشطر الأخير، مثال ذلك :
بايت أسادي
بغزل الفوادي
وعفت الرقادي بزود الظويل
وظالت حشوده
وفاضت عدوده
ومن بار يوده امسوى وييل
نزل من زماني
حسين المعاني
بعينه رماني ولا له مثيل
والنوع الخامس (القصيدة المنسوبة) وهي أن يبدأ فيها البيت بالكلمة التي تورد في
نهاية الشطر الأخير من البيت الذي قبلها، مثل هذه الابيات للشاعر (محمد عبدالله
القاضي) :
روحي منه يا صاح
أذابت قلبي الصاحي
ولا طاوعت نصاحي وسمعي فيك ما يوحي
يوحي لك ويصحي لك
وقد عاينت نصحي لك
ألا يا شوق ما حيلك بمن خليت مطروح
مطروح طرق واطرق
بطرفه جادني مطرق
وبقى بالمطرق واطرق يمره كل مشفوح
مشفوح على خله
وعقله بان به خله
على السادات والخلة صفقت الجال والصوح
صوح الشوق لي ضامي
ورض الحال وعظامي
إلا ما فيك للضامي نقد من طاح مجروح
والنوع السادس : (القصيدة الألفية)، وهي التي تبدأ أول كلمة في بيتها الاول بحرف
الألف، والبيت الثاني يبدأ بحرف الباء. وهكذا إلى نهاية الحروف الهجائية وقد ينتقل
الشاعر من حرف إلى حرف في بداية كل بيتين في القصيدة. وقد تكون القصيدة الألفية
مهملة أو مضمومة أو مثولثة أو مروبعة. ومن الأمثلة عليها هذه الأبيات للشاعر (محمد
بن حمد الفرنكح) حيث يقول :
الف يولف كل هجس بهمي الصدر ميراده وهو المصدارا
والباء براني حب ظبي سمي منها لعظام مداخله باسعارا
والتاء ترى شر الليالي عمي كم فرقت بين جار وجارا
والثاء ثلاث سنين قلبي ظمي محبتك يا سيد العذارى
وهناك نوع آخر من القصائد النبطية يسمى (القصيدة المبنية)، وهي التي يبنيها الشاعر
على أسماء أيام الأسبوع، أو عدد أيام الشهر أو السنة أو النجوم، ويعتبر هذا النوع
من القصائد نادراً لدقته وقوة بيانه.
ومن خصائص الشعر الشعبي انه يعنى بالصناعة اللفظية إضافة إلى ان له أوزانه وفنونه
الخاصة. فهو وإن مال في الوزن إلى بحور الخليل بن أحمد، إلا أن رواد الشعر الشعبي
القدامى وعلماءه، أعرضوا عن عروض الخليل لقصورها عن وزن أشعارهم كلها، واخترعوا
بدلا منها اربعا وعشرين عبارة إيقاعية انتزعوها من مقاطعهم الذائعة الصيت. وكانوا
في ذلك يحققون حلما لابن قزمان، حيث سميت هذه العبارات العروضية بالسنج أو (الصنج=
عيار الميزان)، ثم أضيفت لها موازين أخرى ساعدت على تطور القصيدة النبطية أكثر من
غيرها.
ومنذ القدم ظهر في الإمارت عدد كبير من شعراء النبط، ولكن لم يجمع إلا القليل من
قصائد شعراء النبط الكبار المعروفين التي ظلت متداولة بين الرواة من كبار السن، وظل
إبداع هؤلاء الشعراء مجهولا لدينا حتى أن أسماءهم اختفت لقلة ما وصلنا عنهم.
صدرت منذ منتصف التسعينيات بعض الدواوين لكبار الشعراء، إلى جانب ما جمعه الشاعر
حمد بن خليفة أبو شهاب في ديوان أسماه (تراثنا من الشعر الشعبي)، ويعتبر من المصادر
المهمة عن الشعر الشعبي لاحتوائه على عدد لا بأس به من قصائد شعراء النبط المشهورين
في الإمارات. وسنورد أبياتاً من قصائدهم منهم : محمد بن أحمد الفرنكح المري، وحمد
بن علي المدحوس، وحسين بن ابراهيم المناعي، ومحمد بن حسين المناعي، وأحمد بن علي
المناعي، ومحمد ابراهيم الكوس، وناصر بن محمد الشامسي، وخلفان علي بن غيث، وبطي بن
سهيل، وحمد بن سرحان، وأحمد بن عبدالرحمن ابو سنيدة، ومبارك بن حمد العقيلي،
والشاعر الشيخ خليفة بن شخبوط آل نهيان، والشاعر الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان،
والد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والشاعر عبدالله بن
سلطان بن سليم، والشاعر سالم بن فارس المزروعي، والشاعر سيف البلى، وعبيد كبريت،
وراشد السمن، وعلي بن حميد، وحمد بن محمد بن صراي، وسيف ضاعن وغيرهم من الشعراء
الذين لا يتسع المجال لذكرهم.
نماذج من الشعر النبطي :
من أشهر شعراء النبط في الإمارات الماجدي بن ظاهر الذي عاش قبل قرنين من الزمان،
وانتقل إلينا شعره عن طريق الرواة والشعراء من البدو والحضر، ولكن أكثر من يحفظ
شعره هم أبناء قبيلة (المرر) الذين يروون حياة بن ظاهر ويرددون قصائده وكذلك بدو
مناطق الحمرانية والخران والذيد وفلج المعلا.
وفي قصائد ابن ظاهر رسم جميل للبيئة. فهو يصور المكان والأحداث تصويرا رائعا في
قصائده، ويصف المنطقتين الشمالية والجنوبية من رأس الخيمة إلى الظفرة وليوا مما يدل
على أصالته الوطنية في الإمارات كلها حيث عاش وتنقل بين مناطقها. وتشير الروايات
إلى أنه ولد في الخران، وهي بلدة صغيرة يوجد فيها قبر شواهده من صخور الجبل، هو قبر
ابن ظاهر. حيث يروى ان ابن ظاهر اختار ان يدفن في هذا المكان بعد ان اجرى عدة تجارب
على الرمال. إذ دفن كومة من الصوف وبعد عام عاد ليحفر فاستخرجها فوجدها لم تتغير،
أي لم تتحلل، عندها أوصى بأن يدفن في هذا المكان. وقد تنقل بن ظاهر في مضارب البدو
وجرب حياة البحر وصنع قارباً صغيرا من نوع (شاشة). وفي أرض الإمارات كله تفجرت
قريحته .. إذ يقول ذاكرا اخلاقه وصفاته النبيلة :
يقول المايدي أبيات شعر يداد الجيل عدلات المباني
مدارات تكن للعارفين عروف الجيل فطن في المعاني
ولما قال لي في الوجه ذم هذرني في القفا لما شناني
فلا ذميت لي يوم صديج ولا أشني عدو ما شناني
أخاف من الرواة السامعين وقول الناس شان الله افلاني
ولا يافيت خل لي امود ولا صافيت حد ما اهتواني
ولكني إذا مني بليت فلا البلوى يجوز إلها التواني
أنا والله مانا بالعيول على الهدران كود إلي بلاني
بخال من مساعيه النموم يصبح بالعلوم أو بالمشاني
فلا يهواه لي يوم صديج ويفرح بي إذا شوقي يفاني
ففي هذه الأبيات التي تنطق بالحكم والمواعظ والتجارب والصدق والعفاف. يكشف الشاعر
عن خصاله الحميدة وصفاته النبيلة وطيب معدنه ومحافظته على الصداقة، وعدم سماع
الكلام الذي ينقله الرواة والواشون.
وفي أبيات أخرى يورد ابن ظاهر الكثير من الوصايا النبيلة التي يدعو للتمسك بها
فيقول :
يقول الفهيم المايدي إلي بنا والأمثال ما بين الرواة اتقال
بوصيك عن كثر الكلام المخالف وما جاك من كثر الحديث أقوال
وان يتك عويا من سفيه فخلها وان يات من غير السفيه فسال
ولا ينقل المنقال رجل ابجيد ولا يشرب الدهن المذاب إريال
ومن لا يداري علة الهون أول تباطا بها زادت عليه أعلال
ومن لا عطى الحجام رضوة مزاهد احتاج إلى بذل الطبيب إبمال
ومن لا سعى للظل لي عاد مبرد الشمس صالاها بغر إظلال
وكم مستظل زال عنه إظلاله وكم جالس في الشمس ياه إظلال
ومن لا على الراحات يدد نعاله وطا الشوك والرمضا بغير انعال
ومن لا تغاضى عن خطايا رجاله شكا الضيم مهضوم بغير ارجال
ففي هذه الابيات يعدد بن ظاهر تجاربه في الحياة، ويصف الناس الذين لا يعرفون طبائع
البشر، وهو يصور الأحوال التي تصادف الإنسان فيقدم النصح والإرشاد على شكل وصايا
ويدعو إلى الاستفادة منها حتى لا يقع في الأخطاء التي تؤدي إلى الهلاك والخسران
المبين.
ومن الشعراء القدامى الشاعر (علي بن محمد محين الشامسي). الذي ولد في بلدة الحيرة
بالشارقة، وتوفي عام 1247هـ / 1831م. وله العديد من القصائد التي تحتوي على الحكم
والأمثال، ومنها هذه الأبيات التي يقول فيها :
طرق العلا لا تستخف إبشانها اعرف قبل تدبيرها ميشانها
انظر ابعين القلب فيها قبل ما تنظر ابعين الرأس في ميشانها
ان القلوب إذا عمين عن الهدى ما يهتدي الطرق الرشاد اعيانها
وان ابصرت عين الفؤاد من العمى شافت ووافق شوفها لعيانها
ومن لا يدبر في الأمور أيقظته والقابس القالات قبل اتيانها
تدابرت عنه الأمور أو فتحت عليه أبواب البلا بيبانها
يا سامع فالشعر بضعه حكمه تفهم له العقال مع فطانها
إن كنت ذا مال وصاحب ثروة وتخشى على نعمتك من دبرانها
فأد واجبها وأظهر شكرها وحدث ابها واعرف ترى نقصانها
فعل المعاصي والربا ثم الزنى ومنع الزكاة إلي حضر ميحانها
في هذه الابيات يشير الشاعر إلى طرق العلا والسداد، ويقول ان العلا يحتاج إلى يقظة
واستقامة. ويتحدث عن تجاربه في الحياة، فيقدم الوعظ والوصايا من خلال قصائده. فهو
عندما يقول (انظر بعين القلب) فإنه يعني النظر الواعي والتدبر في أمور الحياة بعقل
وفطنة. ويؤكد على ان الأموال يجب ان تصان بالصدقات والزكاة، وعدد أسباب زوالها فقال
إن المعاصي كالربا والزنى ومنع الزكاة هي من الأسباب التي تؤدي إلى زوال النعم.
ومن الشعراء الكبار يعقوب بن يوسف الحاتمي الذي ولد في أم القيوين وتوفي عام 1309هـ
/ 1891م، ونورد من قصائده هذه الأبيات .. إذ يقول :
إيقول يعقوب الحاتمي ولد يوسف
أبيات شعر م الضمير امتثالها
إذا الجيل هاج أو عن من جاش ظامري
تساعده ما يات تزالزال ايبالها
تسجى أنهار مع بحور تلاطمت
لي من ترضف مويها مع شمالها
إن قال حد إيروم بحصي مثايلي
لراضين السبع يحصي إرمالها
اختار منها بعض ما شئت وانتحي
وتهدي إلى من يرتعي من أمثالها
ومن الشعر النبطي قصيدة للشاعر الشيخ (صقر بن خالد القاسمي) حاكم الشارقة سابقا،
يرثي فيها ابن عمه الشيخ (حميد بن عبدالله بن سلطان القاسمي) حاكم رأس الخيمة
الأسبق. ومن هذه القصيدة اخترنا بعض الأبيات التي تتداعى لها مشاعر الرثاء على شكل
معان معبرة عن الأسى والحزن .. يقول الشاعر :
النفس يا خالد تناهت همومها
والعين عيت عن مطاييب نومها
والقلب هاجه لاعج الوجد والأسى
والكبد ما زالت تكابد إغمومها
والروح فيها حسرة ليس تنقضي
كلما مضى يوم تجدد إهمومها
والصبر صده صادع البين وانصرف
وابقى الجزع للنفس دايم ايسوقها
وفي لون آخر من الشعر النبطي نورد بعض الأبيات للشاعر (سعيد بن عتيج الهاملي) من
إمارة أبوظبي، وهي قصيدة غنائية جميلة عن الغوص وأهوال البحر يتحدث فيها الشاعر عن
محبوبته، وقد تم تلحينها مؤخراً وغناها أحد المطربين المحليين. يقول فيها الشاعر
سعيد بن عتيج :
صاح ابزقر لمنادي بخطوفه يوم السفن بتشل
غمس على لفوادي بالكوفه ولا وادعه بالحال
وين اقمري لمجادي ماتشوفه لي نوره معتزل
لي مسقني ودادي بكفوفه عله عقب النهل
اللي قبل متبادي لا حوقه ان ميحن لقذل
هو جاعد الأنهادي لي شوفه ينماز أو يعتزل
لو لي وجف لمعادي بسيوفه عن الوصل بوصل
وللغزل سجل حافل في الشعر النبطي المحلي بالإمارات. ومن الشعراء الكبار الذين
ابدعوا في هذا المجال (راشد بن سالم الخضر) الذي ولد في عجمان عام 1905م وتوفي عام
1980م، ومن قصائده الغزلية هذه الأبيات التي يقول فيها :
ونيت يوم الليل عسعس ونات ما بي عوق لضراس
بي من هوى بوجيد والعس دعج النواظر تقطع الماس
وده على لفواد طمس غض غضيض بالنحس داس
سيد الجواري البيض كنس فيه الملاحة جملة أجناس
أخضر حمر أبيض أمعطلس يخجل عويد البان ليماس
ظبي الوطن يمشي دلع بس بثويب وخمار على الراس
لحظة سحر والا امسدس والا السطيح ابجفن حراس
والصبح من ثغره اتنفس وأعذب رضاب إمبين للعاس
في مهجتي خبه تبهنس واشغلت به عن جملة الناس
ومن الشعراء النبطيين الشاعر (عبدالله بن محمد بن عسكر)، الذي ولد وعاش في إمارة
رأس الخيمة في العشرينيات، وهو من الشعراء الكبار، وله الكثير من القصائد
الاجتماعية والغزلية، ومنها نورد هذه الأبيات التي يعاتب فيها صديقه :
مالي نظر في يلست الدار ينقل درك عقوى قصب زور
لو في السفينة صار ما صار هذا وراع الصدق معذور
يا صاحب زلات لكبار أوقات لك من غير محذور
ومن الشعراء (جمعة بن عدل بن جمعة الرميثي) الذي ولد في جزيرة الحنورة بأبوظبي سنة
1899م. وهو من الشعراء المشهورين بقصائد الغزل العذري، ومن قصائده الغزلية نقتطف
هذه الأبيات :
بايت اسادي
بغزل الفوادي
وعفت الرقادي بزود الظويل
وظالت حشوده
وفاظت عدوده
ومن بار يوده إمسوي وييل
وييل لفلايه
حدر من العلايه
وجا في منايه وغبي النخيل
مهب الشمال
لفانا عدال
وانا اغتث بالي بحلو اليديل
يديله يثني
بطيب يبني
وهو ممحني ولا له مثيل
انا يا منايه
تزايد وزايه
وعندك دوايه وثيب العليل
ومن الشعراء (محمد بن حمد الفرنكح المري) الذي ولد بمدينة أبوظبي سنة 1945م، وله
العديد من القصائد، ومنها هذه القصيدة التي يمدح فيها صاحب السمو الشيخ زايد بن
سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وقد اخترنا منها هذه الابيات :
أبدى بذكر الله في كل حزات
ذكر العظيم الحي دوم ابتدي به
اللي سمك سبع العروش الرفيعات
وارض رساها بالجبال الصليبه
محصي جميع الحي واجثاث الأموات
في لوحة ما فاتها من كتيبه
من بعد ذكر الله بألف لي أبيات
في مدح شيخ يملك الناس طيبه
زايد من اللي كاملين الخصيلات
نور الشعوب وبدرنا نقتدي به
مقدم حرار محزمه في العضيلا
تكفي الإشارة لو الاسم ما أحكي به
وانتم هل العليا على كل حالات
غبة بحور مغرقات صعيبه
الأيمان تعطي من قلوب صخيات
من وجدها تعطيه طالب نصيبه
خيالكم يوم السنين الشديدات
بسيف ورمح ما بينجي صويبه
وأخباركم عند القبايل مقيمات
ومتورخه في كل صفحة تجيبه
|
|