الصفحة الرئيسية
مركز زايد للتراث والتاريخ
الكنايات الشعبية الملاحية
تعريف الكنى لغوياً
تفسير ألفاظ تم ذكرها في الأمثال
الامثال الشعبية التدوين والتحليل
لمحة جغرافية عن الإمارات
الخصائص الصوتية للهجة
التسهيل والإهمال
الألغاز الشعبية في الإمارات
ملامح من تراث الإمارات
المصطلحات في العيالة الإماراتية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 11
عدد المواد : 2124
عدد المشاهدات: 167492
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المواد التراثية
 
 
الصفحة الرئيسية » صورة النوخذة في الرواية الإماراتية الحديثة
المادة :: المقدمة
يلمس قارئ الرواية الإماراتية والفن القصصي عامة وضوح الخصوصية المحلية فيه، وعمق الانشداد لموروث بيئته وطقوسها الاجتماعية التي ظل هذا الإبداع منشداً لها، متألماً ملتاعاً تارة، ومبتهجاً مستأنساً أخرى. وهو أمر أكسب النصوص السردية نكهة خاصة وقسمات متمايزة. وإذا كانت بيئة البحر، بأفقها الشاعري واتساع مداها وثراء تنوعها، الحاضن الرحب، لمختلف تلك التجليات، والذاكرة الاولى لهذا المجتمع، فإن من غير المستغرب ان تحتل تلك البيئة، هذا الحيز المهم وأن تعبر عن عالم علاقاتها الاجتماعية ورموز ذلك العالم. ولعل من بين أبرز رموز مجتمع الأمس شخصية (النوخذة) التي كانت تمثل لونا من ألوان السلطة الاجتماعية والاستغلال الطبقي بحق فئة عريضة من العاملين في البحر، فكأنها بذلك تشبه سلطة الاقطاعي وما تركته في حياة الناس من آثار، كان لها صدى عميق في نفوس المبدعين الإماراتيين ولا سيما كتاب القصة والرواية، والذين ما انفكوا يعبرون عن واقع العلاقات الاجتماعية في تلك المرحلة بطرق مختلفة وألوان شديدة التنوع والطرافة. إن تقديراً موضوعياً ودقيقاً للحاضر المعيش، لا يمكن له أن يتحقق من دون تسليط ضوء على صفحة الأمس القريب، بغية إنتاج وعي حقيقي به، ولا سيما عند جيل شبابنا الحالي، فضلاً عما يمكن ان ينطوي عليه ذلك الماضي من دروس، ويكشف عنه عن معاناة وقسوة. ولقد رأينا في النهاية ان من المفيد إقامة الدراسة التي خصصناها لتناول صورة (النوخذة) في الخطاب الروائي الإماراتي، على فصلين وتمهيد، حاولنا في مجال التمهيد تقديم عرض مكثف للواقع الثقافي والتعليمي في الإمارات، قبيل حدوث النهضة الإبداعية وذلك في محاولة للوقوف على التشكلات الاولى لهذه الانطلاقة الإبداعية وتلمس أثر تلك التحولات في النهضة الأدبية عامة والسردية منها على نحو خاص. أما الفصل الاول فقد اختص، كما ألمحنا من قبل، بالوقوف على موضوعة (النوخذة) وارتباطها بالبيئة الإماراتية، وموقع الحرفة في المجتمع، وما تنطوي عليه من أهمية وتعبر عنه من دلالة، مستفيدين في ذلك مما كتبه المعنيون وأهل التخصص في هذا المجال، وهو مبحث شكل توطئة مناسبة للخول إلى عالم الدراسة التطبيقية لهذه (الثيمة)، التي احتلت الفصل الثاني من الدراسة. وإذا كانت الدراسة قد اتخذت من النصوص الروائية منطلقا لها، في الفهم والتحليل والحكم، فإنها لم تستطع إغفال الصلة بين الموضوعة الروائية ومرجعيتها الاجتماعية، التي شهدت تجلياتها الواضحة في رؤية الكتاب الإماراتيين، آملين ان نكون قد أسهمنا في إضاءة جانب مهم من جوانب الخطاب السردي الإماراتي الحديث، وأسلوب تعبيره عن الارتباط بجذوره الاجتماعية وذاكرته التاريخية.
المادة :: التمهيد - الواقع الثقافي الاماراتي ودوره في تشكل السرد القصصي

تعد الحركة الثقافية على الدوام أحد أبرز المؤشرات المهمة لأي حراك اجتماعي أو تغيير تشهده الدول والمجتمعات البشرية.
وعلى الرغم من سرعة تنامي الحركة الثقافية في دولة الإمارات، حتى أنه ليصعب قياسها بالعمر الزمني الذي مرت به الدولة، فإن هذه الحركة استطاعت عبر هذا الزمن القصير من إحداث تغيير واضح في نظرة المجتمع نحو جملة من المفاهيم والعادات والأفكار.
من ذلك ظهور هامش جدي للاهتمام بمظاهر الحياة الثقافية وأنشطتها، إذ أصبحت الثقافة تشكل جزءاً لدى كثير من المنشغلين بالشؤون الرسمية والخاصة، جنباً إلى جنب مع الاهتمام بمظاهر الحياة المادية.
إلى جانب هذا فقد أسهمت الحركة الثقافية في تغيير نظرة المجتمع نحو التعليم والمرأة.
إن التحولات المتأخرة نسبيا، التي طرأت على المجتمع الإماراتي، لم تكن في صورة انتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث حسب، بل كانت انتقالا (من مجتمع يعيش في عزلة تامة عن العالم بفعل سياسات الاحتلال البريطاني إلى مجتمع بدأ يخلص نفسه من أسر تلك العزلة) على حد تعبير إحدى الباحثات.

مرحلة الأدب الشفاهي : وهي المرحلة التي ساد فيه الأدب الشفاهي المجتمع الإماراتي، وكان البحر والانشطة الاقتصادية المرتبطة به يشكلان فيها المصدر المعيشي الأساسي لأفراد المجتمع الإماراتي عامة.
ينسحب الأدب الشفاهي على كثير من الاشكال الادبية التي تستخدم الكلمة المنطوقة كالحكايات الشعبية والأمثال والازجال والاشعار والرقص و (الخراريف).
ومن المعروف ان هذه الفنون والمظاهر الادبية الشفاهية كانت تعكس علاقة الإنسان الإماراتي بمحيطه الذي يعيش فيه، ومستوى الوعي الذي يمثله هذا الأدب. لذا كان الشاعر في هذه الانماط يتحدث عن قلة الرزق وصعوبة الحياة، وكان رواي (الخراريف) يروي قصصا ترتبط بمنط الحياة نفسه.
لقد تنوعت أنماط القصص الشعبي والحكايات الشفهية في تلك المرحلة ما بين قصص دينية وأخرى تراثية، سعت إلى تأصيل ما في التراث العربي من قيم أصيلة كالكرم والمروءة والشجاعة والفروسية، فضلا عن القصص الاجتماعية المرتبطة بفضاء البحر والصحراء على نحو خاص، أطلق عليها جميعا اسم (الخروفة).
والخروفة (بتشديد الراء وضمها) مشتقة من الخرافة. وتعني الكلام المستملح المكذوب. وهي الاسم المحلي الذي يستخدمه سكان الإمارات للدلالة على الحكاية الشعبية التي تصور عالما يمزج بين الواقع وما يجازوه من احداث لا تقع ضمن منطقة المألوف، مستهدفة تأكيد قيمة أخلاقية أو عظة في حياة الناس.
من هنا فقد مارست الحكاية الشعبية الشفاهية، بأنماطها المختلفة، الدور الذي تقوم به أجهزة الإعلام في أيامنا هذه، محققة بذلك الترابط الاجتماعي والتواصل فيما بين الناس، بعضهم مع بعض، سواء على مستوى الأسر، أو المتلقيات أو المجالس الشعبية ( النسائية والرجالية)، مجسدة أنماطاً مختلفة من المضامين والرموز، تبعاً لاختلاف بيئات تلك الحكايات وشرائحها الاجتماعية المختلفة، إذ ضمت الحكايات الشعبية المتداولة في المجتمع الإماراتي حكايات الجن والسحرة وأخرى عن الصحابة والصالحين والصوفية، فضلا عن حكايات البطولة والأبطال.
ولم تخل هذه الحكايات من أنماط عرضت لما يجري في الحياة اليومية للناس من احداث ووقائع ومن حكايات عن الأسفار إلى الهند وأفريقيا، فضلا عن حكايات المجانين والمخطوفين. أما الأمثال الشعبية فكانت تعبيراً صادقاً عن مشاكل الحياة وطرائق التفكير، وألوان العيش التي شهدها الإنسان الإماراتي في حياته العامة، بطريق التصريح أو التلميح.
ولا ريب في أنه كان للشعر في مجتمع الإمارات مكانة خاصة، فلم تكن ثمة مناسبة أو حدث يقع إلا وكان للشاعر فيهما حضور، يتجلى في إلقائه قصائده في مجلس الشيوخ، مما أكسبه مكانة اجتماعية وتأثيراً واضحاً في المجتمع آنذاك.
لقد كانت المجالس الشعبية المسائية التي شهدها المجتمع الإماراتي تقوم بدور المنتديات الأدبية، وكان معظم ما يلقى في هذه المجالس من قصائد مرتبطا بفعاليات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومتصلا اتصالا وثيقا باهتمامات إنسان الإمارات في البر والبحر.

بدايات الصحافة الإماراتية وتطورها : ترجع البدايات الأولى للصحافة اليومية المطبوعة في الإمارات إلى السبعينيات، إذ اقتصر الأمر قبلها على متابعة النخبة من مثقفي الإمارات للصحف العربية (كالمنار) و(العروة الوثقى) و (الرسالة) و(الثقافة المصرية)، إلى جانب الصحف العراقية والكويتية، التي كانت تصل الإمارات عن طريق البحرين، أو على أيدي التجار الذين كانوا يجوبون موانئ الهند وشرق أفريقيا، وايضاً من خلال رحلات الحج. وهو الأمر الذي يؤكد واقع الاتصال الوثيق بين مثقفي الامارات وانفتاحهم على ثقافات الدول العربية، وارتباطهم بأمتهم العربية والإسلامية.
ويرجع أحد الباحثين المحاولات الصحفية الاولى في الإمارات إلى صحيفة (عمان) الصادرة عام 1920، التي أصدرها ابراهيم بن محمد المدفع في إمارة الشارقة، إذ كانت تكتب بخط اليد وتوزع على بعض الشخصيات، ممن يعرفون القراءة، لقراءتها. وفي ذلك يشير محرر صحيفة (عمان) يقوله :
كانت تأتينا الصحف من مصر والعراق والكويت مرة كل عدة أشهر، فنتابع الأخبار من خلالها، ونعكسها في صحيفة عمان، وإلى جانب الاخبار العربية كنا نكتب اخبار البلد والاسعار والمناظر المؤذية وحكايات البدو وأخبار الغواصين والتجار.
قام ابراهيم المدفع بإصدار صحيفة جدارية أخرى باسم (صوت العصافير) عام 1933، على إثر توقف صحيفة عمان، اتسمت بنقد الاوضاع المحلية والتدخل الاجنبي في البلاد، إذ كانت تكتب بخط اليد وتعلق على باب مجلسه ليقرأها كل من يمر بها.
أما في مدينة العين بإمارة أبوظبي، فقد أصدر مصبح بن عبدالله الظاهري صحيفة جدارية منذ منتصف العشرينيات، عرفت باسم (نشرة النخي) واستمرت حتى اواخر الخمسينيات، كما ظهرت في دبي في عام 1955 مجلة الاتحاد البريدي.
ويعود تاريخ ظهور أول مطبعة في الإمارات إلى عام 1958. وهي المطبعة التي أنشأها محمد الرضوان في دبي. تبع ذلك ظهور نشرة الديار عام 1962، ومجلة العلم نور المدرسية.
وتعد مجلة (أخبار دبي) أول مطبوعة منتظمة الصدور في الإمارات. وهي المجلة التي أصدرتها دائرة الإعلام التابعة لبلدية دبي أنذاك، تلاها صدور صحيفة الاتحاد في أبوظبي عام 1969، التي بدأت دورية أسبوعية، أعقبها ظهور أول جريدة يومية منتظمة في الإمارات، هي جريدة الخليج عام 1970. وفي العام نفسه صدرت مجلة (الشروق) التي كانت المجلة السياسية الاولى في البلاد.
لكن مجلة (الأزمنة العربية) التي أسسها غانم غباش عام 1969 تظل المجلة الأكثر تأثيرا في الوسط الادبي واستقطابا لجمهرة الادباء والمثقفين الإمارتيين.
ولا ينبغي إغفال دور جريدة البيان التي ظهرت عام 1980م، ومجلتي شؤون ادبية ودراسات ادبية الصادرتين عن اتحاد الكتاب وادباء الإمارات – الاولى عام 1986/1987م والثانية عام 1991م.
من هنا يمكن القول ان التشكلات المهمة في المجالات الأدبية والصحفية والاجتماعية قد بدأت مع مرحلة الخمسينيات والستينيات، ثم ما لبثت ان تصاعدت حتى بلغت مرحلة ازدهارها في السبعينيات، ممثلة في تلك الطفرة الهائلة التي حدثت في المجتمع الإماراتي بعد اكتشاف النفط والتي توجت بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971م.
لقد شهدت المرحلة السابقة ظهور عدد من الرموز الثقافية من رجال العلم والدين والثقافية والتعليم، إلى جانب عدد من الشعراء والكتاب المبدعين. ففي عام 1960 أقيم أول مهرجان أدبي في دبي، دعي إليه معظم الحكام، وتراوحت فقراته بين الشعر والمسرح.
وكانت الشارقة قد عرضت من قبل، في عام 1957 تحديدا، اول مسرحية في تاريخ الإمارات هي (جابر عثرات الكرام)، فضلا عن المهرجانات السنوية التي كانت تقيمها مدرسة الأحمدية في دبي، وتتخللها بعض الانشطة الثقافية.
على هذا النحو انخرطت نخبة من المثقفين الشباب في الإمارات، يحدوهم وعيهم الثقافي القومي في عدد من اللجان والجمعيات الثقافية أو الأندية الرياضية التي أسست آنذاك، وبدأت نشاطاتها في شكل إصدار عدد من الصحف الجدارية والنشرات التي كانت تطبع على (الاستنسل)، وكان لها دور فيما تمخض عنها من كتابات قصصية وروائية، منذ أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بشكل خاص، على أيدي مجموعة من الكتاب.
ولا ريب في أنه كان لظهور الصحافة في الإمارات أثر واضح، تمثل في زيادة الوعي القومي والفكري في البلاد. ولعل من مظاهر هذا الوعي ظهور عدد من الاندية الرياضية التي لم تقتصر أنشطتها على الجوانب الرياضية حسب، بل امتدت إلى الانشطة الثقافية التي شهدت ولادة عدد من المجالات والنشرات التي لن تلبث ان تشهد ظهور أولى المحاولات القصصية، نذكر منها محاولات عبدالله صقر احمد، الذي يرى عبدالحميد احمد انه كان اول من حاول الكتابة القصصية، ممثلة في قصته (قلوب لا ترحم) المنشورة في نشرة نادي النصر الرياضي.
واذا كانت بدايات هذه الانشطة والمظاهر الثقافية لم ترتق في مستواها إلى الحد الذي يمكن ان تشكل فيه حركة ثقافية محددة الملامح، فإن مرحلة السبعينيات، بما شهدته من زخم دعم واضح باتجاه التنمية والثقافية في عدد من الجوانب، جعلها تفرز طائفة من الكتاب والادباء الذين حملت كتاباتهم ملامح واضحة في مختلف جوانب الأدب والفكر والإبداع، لتتحول الحركة الثقافية في هذا البلد فيما بعد من حركة متلقية لنتاجات الآخرين إلى (حركة محلية مؤسسية، تقدم إبداعها وإنتاجها للآخرين). على حد تعبير باحثة إماراتية.
ويمكن القول إن الرعيل الاول من الادباء والكتاب الذين ظهروا في الساحة الثقافية الإماراتية إنما كانوا من شباب الاندية الذين نشروا نتاجاتهم الادبية ومقالاتهم النقدية والاجتماعية في مجالات الشعر والقصة، ومنهم عبدالله صقر الذي مر ذكره، فقد أصدر اول ديوان له في عام 1973/1994 بعنوان (اغتراب في زمن مسلوب)، ومجموعة قصصية عام 1975 بعنوان (الخشبة)، حاولت بعض الظروف دون وصولها إلى القراء.
وعلى إثر نشوء الصحف والمجالات وتطور الاهتمام بالكتابة القصصية ترسخت النتاجات الادبية وظهر عدد من الكتاب أمثال : على عبيد ومظفر الحاج ومحمد علي المري، وعبد العزيز خليل، وعبد الحميد أحمد ومريم جمعة فرج، الذين نشروا كتاباتهم في تلك الفترة.
وما كان لهذا الذي تحقق أن يتم لولا جهود التنمية الثقافية التي حظيت باهتمام رسمي وشعبي واسع، تمخض عنه قيام عدد من المؤسسات التي زودت عدداً غير قليل من ابناء البلد بالموارد والخبرات الثقافية. فعلى سبيل المثال بلغ عدد الصحف اليومية الصادرة في دولة الإمارات في عام 1998 ثماني صحف، وعدد المجالات الأسبوعية والشهرية مائة وثلاثين مجلة، في حين بلغ عدد المكتبات العامة خمسا وأربعين مكتبة.
لقد كان لنشوء الصحافة المحلية دور واضح في التمهيد لظهور الرواية الإماراتية وغيرها من الأشكال الأدبية الحديثة، من خلال ما هيأته تلك الصحف والمجلات من فرص لنشر المواد الأدبية المتنوعة، من قصة ومقال وحوار. إلى جانب احتضان الصحافة العربية النصوص الإبداعية التي كتبها كتاب إماراتيون. وهو ما جعل المشهد الثقافي الإماراتي مرتبطا بمحيطه الثقافي العربي.
ولا يخفى ما للوافدين العرب، من دور في تفعيل المشهد الثقافي الاماراتي، وتطوير حركته، وذلك من خلال المشاركة التي تحققت على ايدي المثقفين منهم، وما قدموه من انشطة، وحققوه من تفاعل، ضمن أطر الاتحادات والمؤسسات الثقافية، تمخض عنه ظهور أنماط سردية حديثة في هذه الفترة القياسية من عمر المسيرة الأدبية في دولة الإمارات.
وتعد رواية (شاهندة) الصادرة عام 1970، للكاتب راشد عبدالله اول عمل روائي يصدر لكاتب من الإمارات، باتفاق جميع دراسي المسيرة القصصية في الإمارات.
والرواية على مستوى المصطلح الفني الدقيق تعبر في تقديرنا أصدق تعبير عن مرحلة الصراع بين فني الرواية والحكاية الخرافية في السرد الإماراتي الحديث، إذا ما نظرنا إليها في ضوء العناصر البنيوية للحكاية الخرافية لدى بروب. فهي تحفل بكثير من عناصر هذه الحكاية، من وجود شخصيات خيرة وشريرة مثلا، وشخصيات مساعدة للشخصيات الخيرة، وحضور عقبات وأهوال تعترض طيرق البطل، ومن محاولات سيطرة عناصر الشر على عناصر الخير، فضلا عن تخلص الشخصيات الخيرة، بطريق المصادفة أو بالطرائق الأقرب إلى السحر، مما تتعرض له من عقبات ومخاطر، إلى جانب كثرة المفاجآت، وافتقار كثير من أحداث الرواية إلى المسوغات المقنعة. تبع عبدالله راشد عدد من كتاب الرواية الإمارتيين نذكر منهم : علي محمد راشد وعبدالله الناوري ومنصور عبدالرحمن ومحمد عبيد غباش والدكتور سلطان القاسمي ومحمد حسن الحربي، وعلى ابو الريش، وكريم معتوق ومانع سعيد العتيبة وثاني السويدي وأمنيات سالم.
ومن الملاحظ على الرواية الإماراتية أنها شديدة الالتصاق ببيئتها، فلقد استلهمت خصوصيات الواقع السياسي والاجتماعي، وعبرت عن مفردات المكان ومظاهر الحياة، فيما بين الماضي والحاضر، مجسدة قيمها ومفاهيمها وعاداتها ومعتقداتها والمهن والحرف التي كانت سائدة فيها في تلك المرحلة.

بدايات التعليم وتطوره : كان التعليم في دولة الإمارات، شأنه شأن الدول العربية والإسلامية تعليما دينيا، ارتبط بالواجب الديني في بداياته، اذ كانت المساجد مقرا للعبادة والدراسة معا، فقد انتشر نظام الكتاتيب آنذاك، وهو نظام يقوم بدور الاشراف فيه من يقومون بمهمة التعليم، ويطلق في الإمارات اسم (المطاوعة) و(المطوعات)، جمعا لكل من (المطوع) و (المطوعة).
ومع بدايات القرن العشرين بدأت بعض المدارس الصغيرة المتفرقة في الظهور، لتقوم بمهمة التدريس على مستوى المرحلة الابتدائية.
يرجع ظهور هذه المدارس التي شكلت بداية مرحلة التعليم شبه النظامي، إلى ازدهار الاقتصاد المحلي وانتعاشه إثر رواج تجارة اللؤلؤ آنذاك. فلقد دفعت الحماسة بعض التجار إلى بناء عدد من المدارس وتمويلها، مستقدمين لها المدرسين من الدول الخليجية المجاورة.
لقد شهدت إمارة الشارقة ظهور أولى المدارس شبه النظامية، تلتها إمارة دبي، ثم أبوظبي.
لكن هذه المدارس لم تدم طويلا، فقد أغلق بعضها إثر انهيار تجارة اللؤلؤ من جهة، وما خلفته الحرب العالمية الثانية من نتائج سلبية على المجتمع من جهة أخرى.
ومنذ بداية الأربعينات شهدت الإمارات البدايات الاولى للتعليم النظامي الذي كان لبعض الدول العربية إسهام فيه، سواء في شكل مساعدات أو بعثات من كل من الكويت وقطر ومصر على نحو خاص.
ويمكن القول ان التعليم قد حقق قدراً من التطور، وشهد نوعا من الاستقرار منذ عام 1953 وحتى قيام دولة الاتحاد عام 1971، لتظهر ملامح النظام التعليمي الحديث فيه، من حيث تصنيف مراحله ووضوح مناهجه واستقرار أنظمة الامتحانات فيه، مودعا بذلك نظام (المطاوعة) التقليدي.

المادة :: الفصل الأول - مكانة النوخذة ودوره في المجتمع الإماراتي

(النوخذة) أو (النوخذا) من ناو – خدا تعني الإله الجديد أي إله أو رب السفينة. وهي لفظة فارسية هندية وجمعها (نواخذا). ويرى آخرون أنها فارسية تطلق على صاحب السفينة مثلما تطلق على صاحب كل صنعة أو عمل، فقد ورد في مروج الذهب للمسعودي قوله : ( وذكر جماعة من نواخذة هذا البحر من السيرافيين والعمانيين، وهم أرباب المراكب .... إلخ).
ترجع أهمية (النوخذة) في حياة المجتمع الاماراتي والمجتمع الخليجي عامة، إلى ما كان يحتله من مكانة خاصة، إذ كان واحدا من اهم عناصر مهنة الصيد والغوص على اللؤلؤ آنذاك. فقد كان يتصدر أولوية النشاط الاقتصادي، ويتربع على قمة هرم التراتيبة الاجتماعية، غير بعيد عن فئة كبار التجار من ممولي رحلات الغوص.
من هنا فليس غريبا ان يصبح (النوخذة) بؤرة دلالية ورمزاً تتجمع حوله مختلف موحيات النشاط الاجتماعي، السلبية منها والإيجابية، ويسعى القاصون إلى توظيف دوره بمختلف الصور والأشكال في الخطاب السردي.
اما الفئة الاخرى، صاحبة المصلحة الأساسية في علاقاتها بفئة (النوخذة) فهي فئة الغواصين والسيوب الذين يمثلون المنتجين المباشرين، ويتحملون في العادة أشد الاعباء وأكثرها ثقلا ومشقة، ولا يحصلون إلا على فتات عائد مجهودهم الموسمي، بسبب من طبيعة العلاقة المجحفة بينهم وبين فئة (النواخذة)، مما يجعل الثروة تتركز في أيدي بعض أفراد المجتمع، ليتزايد التفاوت الطبقي بين العاملين في مهنة البحث عن اللؤلؤ والإتجار به.
ولعلنا لا ندرك أهمية الدلالة التي يحتلها (النوخذة) في قلب هذا النشاط الاقتصادي ما لم نعرف أن صناعة اللؤلؤ والأنشطة المصاحبة لها كانت تشكل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي في الإمارات قبل ظهور النفط، اذ كانت صناعة اللؤلؤ تستوعب بصورة مباشرة وغير مباشرة حوالي 85٪ من جملة القوى العاملة، وتسهم في حوالي 80٪ من الدخل القومي للبلد.
والحق فإن مهنة ركوب البحر كانت عماد حياة الناس والعمود الفقري للأنشطة الاقتصادية الدائرة في البلد، إذ إن جميع المهن الاخرى ارتبطت بحياة البحر بشكل أو بآخر، سواء في ذلك صيد السمك أو صناعة المراكب الخشبية، أو الحدادة أو السقاية أو الحواية أو الصيدلة التي تمثلت في استخلاص شحوم الأسماك لطلي المراكب الخشبية وتشحيمها، فضلا عن العقاقير الخاصة بعلاج بعض امراض الغواصين.

لقد استقطبت شخصية (النوخذة) اهتمام كتاب القصة الإماراتيين حتى احتل نشاطها وعلاقاتها بالشرائح الاجتماعية الاخرى ولا سيما فئة الغواصين، حيزا غير قليل من المعالجات السردية. بل ان العلاقة المجحفة والتسلطية فيما بينهما قد دفعت عددا من الشعراء الإماراتيين إلى التعبير عنها فيما كتبوا من قصائد. فما البواعث الحقيقية وراء بروز هذه الظاهرة في الخطاب السردي؟
قبل الإجابة عن مثل هذا السؤال، لابد لنا من تعرف واقع العلاقة فيما بين شريحتي (النواخذة) من جهة والعاملين في السفينة، من غواصين وسيوب وأشباههم من جهة أخرى.
ينتمي الغواصون والسيوب كما هو معروف إلى فئة الفقراء الذين لا يملكون إلا قوة عملهم، بالغ السوء والمشقة، ذلك الذي يكاد يمثل لونا من ألوان العبودية. فقد كان الغواص يغطس مدة تتراوح أحياناً بين أربعة وخمسة أشهر في قاع البحر الهائج البارد الممتلئ بحيوانات مفترسة أو لاهبة للجلد، بإفرازاتها المحرقة السامة، وما يتعرض له الغواص من أمراض، فقد كان يغطس من طلوع الشمس ليستمر حتى مغيبها صيفا، تحت لهيب الشمس الحارقة، مع قلة في الاكل والنوم. وغالبا ما كان طعامهم يقتصر على وجبة واحدة هي وجبة العشاء، فلا فطور ولا غداء. أما هذه الوجبة فتتكون من الارز وأحيانا السمك، ان كان ثمة صيد. وقد يتخلل ذلك أحيانا تناولهم للتمر والماء.
من هنا فقد كان متوسط المفقودين والميتين منهم يصل إلى أكثر من 30٪ في كل عام. أما ملابسهم فلم تكن تتعدى الإزار. وقد كان كثير من الغواصين يموتون في أثناء الغوص، بسبب التعب حينا، والامراض الصدرية كالسل حينا آخر، فضلا عما يتعرضون له من امراض جلدية.
أما ما يتقاضاه الغواصون لقاء جهدهم في الغوص على اللؤلؤ، فلم يكن يتجاوز ثلث قيمة ما يستخرجونه، في حين يحصل (النوخذة) على الثلثين، اذ كان (النوخذة) يقوم باستبعاد مصاريف (الزاد) الذي تم استهلاكه في الرحلة بعد البيع، واستبعاد خمس العائد كأجر للسفينة، ثم يقوم بتوزيع ما تبقى على العاملين من غواصين وسيوب وأرضفة بنسبة 3 : 2 : 1 على التوالي، على ان يحسب (النوخذة) لنفسه نصيب غواص واحد.
من هنا كان أكثر العاملين في هذه المهنة الصعبة في حالة مديونية دائمة لـ (النوخذة)، حتى أنه كثيرا ما كان يقوم بالاستيلاء على المسكن الوحيد الذي يملكه الغواص إذ ما توفى الاخير دون ان يدفع الديون التي عليه.
وإذا كان بحارة السفينة والغواصون يحصلون في بعض المواسم على أرباح ما، فإنهم في مواسم الشتاء لا يكادون يعملون أو يعودون وعليهم جملة من الديون التي يقيدها عليهم (النوخذة) في دفاتره، وكثيرا ما كانت تتراكم عليهم في المواسم غير الموفقة، ليظل هؤلاء مرهونين له، غير قادرين على مغادرته إلى غيره، قبل ان يسددوا ما بذمتهم إليه، ويحصلوا على ورقة مخالصة منه.
ولا ريب في أنه ليس ثمة أقدر من الأديب والمبدع في التعبير عن صورة العلاقات الإنسانية التي سجلتها صفحة وجدانه، أو احتفظ بها وعيه واستقطبها عالم اللاوعي عنده، في شكل حكاية أو خبر أو مشاهدة عيانية.
ولعل مما ساعد على ذلك مرحلة التحول المفاجئ والسريع، الذي طال المجتمع الخليجي عامة ومجتمع الإمارات خاصة، عقب ظهور النفط، وانتقل بهذا المجتمع من شكله القبلي إلى شكل الدولة المؤسساتية، وبأشكال البنية الاقتصادية من نمط إنتاجها الواضح المحدد إلى أنماط من التحول المستمر المتذبذب، غير الواضح وغير المستقر، والقائم في جزء منه على دور هامشي واستهلاكي، تداخلت فيه الفئات الاجتماعية، واختل فيها توزيع الثروات الجديدة بين فئات المجتمع وأفراده.
يضاف إلى ذلك ما تبع مرحلة التحول من انفتاح واسع على العالم، بثقافاته ومنتجاته وقيمة، السلبية والإيجابية. وهو انفتاح عمق من حالة التداخل وعدم الاستقرار.
ومن الطبيعي ان يصاحب هذا التحول في البنية الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية ظهور جملة من المشكلات الاجتماعية التي اهتزت معها ثوابت النسق القيمي التي ألفها المجتمع حقبة طويلة، مما أدى إلى بروز حالة من الصراع بين قيم الأمس وقيم التحول والاستهلاك الجديدة.

وإذا كان لكل مرحلة تاريخية منطقها الاقتصادي وعلاقاتها الاجتماعية ونسقها القيمي، فإن لكل هذه المراحل شعريتها لدى المبدعين الذين وجدوا انفسهم – وهم الاكثر حساسية ووعيا بين افراد هذا المجتمع – منخرطين تاريخيا ضمن حركة لا واعية، في السعي لاكتشاف شعرية الواقع الجديدة ومباهجها، مدفوعين ببوصلتهم الابداعية نحو مواجهة اسئلة التحول بصورة إبداعية مختلفة. وهو ما نحاول تلمس أبرز مظاهره في هذا البحث.
من الطبيعي ان يكون ضحايا مرحلة التحول السريع هذا، عدد غير قليل من الافراد الذين انخفض بعضهم وارتقى بعضهم إلى مواقع مختلفة، وان يكون من بين من قضت هذه المرحلة على أحلامهم الوردية وقيمهم الشعرية عدد لا بأس به من الأدباء، ولا سيما من عاصر منهم مظاهر مرحلتي ما قبل التحول وما بعده، ولم يتمكن من التكيف مع قيم المرحلة الجديدة.
ولعل هذا هو ما يفسر احتلال الماضي مساحة واسعة من الرواية الإماراتية وطغيان (ثيمة) الإعلاء من صورته وقيمه في الخطاب السردي عامة، واتجاه حركة الشخوص فيه نحو قيم الأمس التي افتقدتها، والتعبير عن مشاعر الحنين والتفجع، ضمن معالجات شفافة، لم تخل من النظر إليه بغير قليل من البراءة والتعاطف والنقاء. وهي معالجة سببها النظر إليه بوصفه تعويضا عن مرحلة الحاضر المادي الطاحن المتذبذب، ونفيا لصورة المجتمع الاستهلاكي الجديدة.
إن التعلق بصورة الماضي لدى كتاب القصة الاماراتيين يكتسب مشروعيته في ظننا من واقع ألفتهم قيمه، وخبرهم مظاهره، مثلما يعود في جانب منه، إلى واقع الصدمة التي أحدثتها مرحلة التحول في نفوس كثير منهم، لتجعلهم بين رافض ومحايد ومتوجس وحائر.
ولاشك في ان توفر خطاب السرد الإماراتي على تصوير الماضي ينطوي على قيمة الانشداد إلى تراث الامس القريب، وتعميق الوعي بجذور المجتمع، ضمن حركة إعادة انتاج الرؤية وتشكيلها إبداعيا، وهي قيمة تحسب للخطاب السردي الإماراتي الفتي الذي لازمه الطابع الواقعي منذ بواكيره الفنية الاولى.
لكن الخطاب السردي الإماراتي لم يكن ليعدم معالجات تناولت مظاهر العلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم الجديدة في مرحلة ما بعد النفط، بوجهيها السلبي والإيجابي، ولا سيما تلك التي تعبر عن حالة تحول مفصلي في حياة المجتمع الخليجي، مجسدة بذلك لحظة الصراع الدرامي. وهو أمر يمكن له ان يتطور ليواكب واقع المجتمع، في تحوله من وسائل الانتاج البسيطة إلى مجتمع الانفتاح والأخذ بأساليب التكنولوجيا والمكننة الحديثة، كلما امتد بالكتاب الزمن وشهدت حياتهم تخلصا من شباك العلاقات الاجتماعية التي ألفوها، ومنظومة القيم التي درجوا عليها، ليحل منطق الواقع والتصالح العقلي معه، بدلا من الانشداد الوجداني لمجتمع الامس وثوابت الماضي. وهو نزوع فطري مفهوم في واقع الدراسات السيكولوجية.
وإذا كان الإبداع عامة والأدب القصصي على نحو خاص، كان عل مر التاريخ، منحازا لفئة الضحايا والمقهورين والمهمشين، وساعيا إلى إدانة مظاهر الظلم والاستغلال وامتهان كرامة الإنسان، فإن من الطبيعي ان يجد الخطاب السردي الإماراتي في (النوخذة) رمزا للعتو والتسلط والعبودية، من واقع ما كان يوقعه بالفئة الكادحة (الغواصين) من ممارسات لا تختلف كثيراً عن ممارسات سلطة الإقطاعي المستغل (بكسر الغين) بحق الفلاح أو السيد بحق عبده.
من هنا ربما تبدو الرواية الإماراتية اكثر قدرة على التعبير عن هذا الملمح الملحمي للصراع بين الفئات الاجتماعية، بحكم خصائصها الفنية التي تتيح لها، من واقع الخصائص الفنية لهذا الجنس الأدبي، توفرا على معالجة موضوعة الصراع واستيفاء جوانبها المختلفة، بغية إدانة مرحلة من مراحل القهر والاستغلال، ممثلة في رمزها الأكثر دلالة عليها (النوخذة).
ثمة إلى جانب الخصائص الفنية التي تجعل من الرواية الأداة الاكثر قدرة على التعبير عن واقع التحولات الاجتماعية الكبرى، في امتدادها الأفقي الملائم لتناول الظاهرة، في اتساعها وتطورها، ظروف موضوعية تتصل بعلاقة هذا الجنس الأدبي بالواقع.
فإذا كان الشعر قد نجح تاريخيا في ان يكون خير معبر عن الارتباط العضوي بين ارتباط الجزء بالكل، والتوحد بين الفرد والجماعة، فإن واقع الحياة المعاصرة الذي نتج عن تقسيم العمل وأدى إلى سيادة قيم المجتمع الاستهلاكي، وضعف علاقات النسيج الاجتماعي، وتصدع الوحدة فيما بين الفرد والمجموع، وما رافق ذلك ونتج عنه من شعور الفرد في ظل هذه التحولات المعاصرة من شعور بالاغتراب والضعف والتشيؤ، كل ذلك جعل من الرواية الفن الأقدر على التعبير عن انكسار السياق التتابعي للحظة الزمنية في حياة الشخوص، ومظاهر التفتت والتناثر التي برزت على جدث قيم التكافل والتماسك والوحدة في المجتمع القديم، ليصبح فن الرواية حقا نثر الحياة الحديثة.
والحق فإن بروز مشهد الماضي واضحا في الخطاب السردي الإماراتي، لم يكن وليد باعث عجز الكتاب عن التوافق مع لحظة التحول الهائل المفاجئ، في مجتمع الإمارات، واستشعارهم آثار الصدمة، وتفلت ثوابت الأمس بين أيديهم، فلقد كان هذا البروز جزءا من حالة المواجهة التي على العمل الإبداعي النهوض بها، للكشف عن لحظات الخلل والأزمات والتحولات الهشة وهيمنة قيمها على مصير الإنسان، بغية سلبه مقومات فكره وتزييف وعيه الحضاري.
وقد يكون بروز هذا المشهد ضربا من الهروب من سطوة الحاضر وأجوائه الخانقة للروح، ليكون بذلك معادلا موضوعيا لتحقيق حالة التوازن الإنسانية والقدرة على الاستمرار.
إلى جانب هذا، وربما قبل ذلك كله، فإن لتصوير الماضي إبداعيا وظيفة تاريخية وحضارية كبرى، تتمثل في تعميق وعي الفرد بماضيه واستبطان خصائصه الجوهرية ضمن حركة ربطها بالحاضر المعيش، وإعادة إنتاجها في أطر إبداعية أكثر رحابة وسموا.
من هنا يبدو خطل النظرة التي ترى في معالجة صور الماضي في الخطاب السردي الإماراتي، ضربا من سيادة الاتجاه الواقعي في لمحاكاة إيقاع ذلك الماضي وتصوير وقائعه ومجرياته حسب.
إن تطورا كهذا يغفل ولا شك البعد الرمزي الملازم للفن القصصي والفن بعامة.
نحسب ان للمظاهر السلبية وعير المحسوبة، التي رافقت مرحلة التحول التاريخي السريع، وجها إيجابيا وفضيلة، قطف ثمارها الخطاب السردي الإماراتي، الذي جاء انكبابه على تصوير الماضي واغترافه منه رد فعل لما اصطدم به من تحولات مفاجئة، إذ خلافا لمراحل تطوير الفن القصصي في كثير من الأقطار العربية التي شهدت معالجات تجريدية وتناولا نمطيا أغفل محمولات المتن الحكائي المعيشة، ليضيع معها هذا الفن سيماءه الخاصة وملامحه المحلية، جرياً وراء وهم العالمية، التي لم تكن لتتحقق ما لم يكن ذلك الإبداع مضمخاً بعناصر وعيه بالموجودات، احتفظ الخطاب السردي الإماراتي بهويته الخاصة.
إن (الإنسانوية) لا تخرج المحلي من محليته كما يذهب إلى ذلك بحق أحد الدارسين، فالمبدع يحتمي دائماً بإشراقات ذاته، إذ تشع تجلياته داخل نصه حين يعيد إنتاج هواه ونفسه، ويتجلى وجده حين يصفو ويشف. فيقطر هواه، من أرضه ومنبته، محققاً امتيازه وتمايزه في آن معاً.
لكن ذلك لا ينبغي ان يقودنا إلى الفهم الخاطئ الذي يقول ان محض العكوف على البيئة المحلية وتصويرها من شأنه ان يحقق شروط التمايز وينتقل بالأدب المحلي أو الإقليمي إلى مصاف الأدب العالمي، ذلك أن للعالمية شرطها الإبداعي المتمثل في التوظيف الفني العميق لأكثر التجليات دلالة وثراء وخصوصية، مع قدرة على استخدام التقنيات الحداثية في مجال السرد.
من هنا فإن الابداع الاصيل هو ذلك الذي (ينبثق من اصغر مكان في الوطن ليصل إلى ابعد مكان في العالم حاملا معه رائحة وبصمة مكانه وزمانه وإنسانه).
إن بين تصوير جوانب البيئة المحلية واستلهام وقائعها التاريخية وتجسيد واقع علاقاتها وأحداثها والارتقاء ببنية الخطاب السردي إلى مستوى عالمي، مسافة تفصل بين ما هو محاكاة لذلك الواقع وبلورة لأبرز خصائصه ضمن إطار بعيد تشكيله من منظور فني.
على هذا النحو فإن الخطاب السردي يتحصن ويرقى كلما تخصب بميثولوجيته، ورموزه، وسرديات تاريخه (قصصه، سير أبطاله وبطولاته)، مثلما يتحصن ويرقى كلما نجحت نصوصه في اقتناص ما يجري على الأرض أو يسري في الروح، مما هو مألوف ويومي وعادي في حياتنا.
لقد أثبتت السيرورة التاريخية ان عبارة – الأدب ابن بيئته – ما تزال تحتفظ بقدر غير قليل من الصدق، على الرغم من التبدلات الكبيرة في الذائقة النقدية وتقاطعات مناهجها واختلاف مدارس علم الجمال وتحولات الرؤى الفلسفية. وإذا صح هذا (فإن السرد القصصي بوجه خاص هو أكثر أجناس الأدب ولغاته لصوقا بالبيئة وصدورا عنها وانغراسا في تربتها وفضائها ومعترك أحيائها، وذلك بحكم طبيعته التشخيصية والمحاكاتية التي ترصد سيولة اليومي والمعيش، وتخترق أنسجة الجسم الاجتماعي ودفائنه).
ولا شك في ان كتاب القصة الإماراتيين كانوا على صواب حين سعوا بجد إلى تعميق الطابع المحلي، الذي لخصه أحد النقاد في نجاح بعضهم في تبيئة الفضاء السردي والاشياء والشخوص والاصوات، والحفر في تضاريس الروح واستشفاف الألم الإنساني العميق. وهم بهذا يمثلون رافداً أصيلاً ومتمايزا من روافد الطيف السردي العربي الحديث.
اتجهت الرواية الإماراتية إذن، إلى تصوير واقع البيئة الاجتماعية قبل مرحلة التحول، فتوفرت على أبرز مشاهدة (بيئة البحر)، تلك البيئة ومهنتها التي كانت الاوسع انتشارا والأكثر اهمية في حياة أهلها الذين مارسوا حيواتهم على ظهور مراكب البحر، بمختلف شرائحهم الاجتماعية، بدءاً (بالنوخذة)، الرمز الأكثر حضورا ودلالة وثراء إبداعيا، مرورا بالغواصين والسيوب والصيادين والمجدفين والتباب والسبيل، وانتهاء بمهن السقاية والحواية والصيدلة والحدادة وصناعة المراكب.
هكذا استطاع سكان الإمارات الافادة من موقعهم على شاطئ الخليج العربي، ليتجاوزوا التشكل الطوبوغرافي بوصفه قدراً محضا، وليعملوا على استخدام هذا الشريان المائي الهام في (نقل التجارة في المنطقة الممتدة من البصرة في أقصى الشمال الخليج إلى كراتشي، وخورميان وبومباي على الساحل العربي للهند، ثم كالكوت على الساحل الشرقي للهند، فضلا عن موانئ جنوب الجزيرة العربية وموانئ شرق افريقيا على سواحل الصومال وزنجبار وجزر القمر).
وإذا كانت حرفة الغوص قد تعرضت للانتكاس بعد تراجعها امام تصنيع اللؤلؤ تجاريا بأسعار زهيدة، فإن سكان الامارات قد وجدوا في حرفة صيد الاسماك مصدر رزق يومي لحياتهم. بل ان اهمية هذا الشريان قد تجددت إبان الحرب العالمية الثانية، حين ازدادت الحاجة إلى النقل التجاري، واستخدام قباطنة الإمارات سفنهم وزوارقهم في نقل التموين اللازم لجنود الحلفاء، في شكل بضائع عديدة، كالتمور والموز والتوابل والملح والشاي والزيوت والسمك المجفف والفحم والأسمنت والأقمشة والحبال وغيرها.
وقد كان من الطبيعي ان تختلف اتجاهات الرواية الاماراتية ما بين أساليب محاكاة تقليدية واخرى تعبيرية، حاولت الإفادة من التقنيات الحداثية المختلفة في مجال فن السرد، فتباينت قيمة كل منها بمقدار ما أصابته من نجاح وتجويد.
ولعل الجانب التطبيقي الذي سنقف فيه على واقع معالجة الروائيين وكيفية توظيفها لعناصر البناء السردي لإنتاج الدلالة الفنية، كفيل بإبراز ذلك كله.

المادة :: الفصل الثاني - التوظيف الفني لشخصية النوخذة ودلالاتها السيميولوجية في الرواية الإماراتية

في رواية (شاهندة) وفي واحد من ابرز مفاصل التحول في بنية الحدث السردي، نقف عند تجمع البحارة العاملين على سفينة حسين، في حال من الاضطراب والتوتر، بغية حسم مسألة اختيار الربان الذي سيقودهم.
يتعرف القارئ ملابسات الحدث وتحولات بنيته السردية، من خلال عيني الراوي وأسلوب سرده المعروف بـ (الراوي العليم)، إذ يقدم لنا مشهد إصغاء حسين للرجال العاملين عنده، وما أفضى اجتماعه بهم من نتائج.
لقد كان بحارة حسين منقسمين إلى طائفتين، الاولى : وهي التي لم تكن لديها مصلحة وراء معارضة رغبة حسين في اختيار (نوخذة) بديلا لـ (نوخذة) علي. والثانية : وتمثل الطائفة الاكبر التي كانت تعارض تعيين (شهداد) نوخذة عليهم، لا لشي إلا لكونه عبدا وغريبا. وفي هذا خروج على أعرافهم الاجتماعية التي ألفوها وقيمهم التي تأبى تأمير العبد على السادة وخضوعهم لأوامره.
وبغض النظر عن الدوافع التي كانت وراء اختيار (شهداد) ربانا جديدا، ومدى اقتناعنا بها، من واقع البنية السردية ومنطق علاقات الشخوص فيها، فإن الرواية نجحت من خلال تقنية الحوار السردية، في الوصول بالطائفة المعارضة من البحارة إلى الاقتناع بخطوة حسين وبأهلية (النوخذة) الجديد، بعدما تبين لهم، من واقع مقارنة سلوكيهما تميز معدن (شهداد) وكونه أرحم عليهم من ربانهم القديم. وهي نظرة تستند إلى موقف واقعي.
لقد عرى الحوار على لسان أحد البحارة قهر (النوخذة) علي لهم، واستغلاله إياهم، وتمييز نفسه منهم، عن طريق الممارسات الاستعلائية، غير العادلة وغير الإنسانية التي كان يمارسها بحقهم، فضلا عن ممارسته ضروبا من السادية في معاقبة البحارة، من جراء قيامهم بأفعال، هي دون ما كان يبيحه لنفسه.
ففي الوقت الذي تعرض فيه البحارة لمحنة قلة الماء والزاد وهم على ظهر البحر، وفرض (النوخذة) على عليهم الاكتفاء بفنجان ماء واحد في اليوم، كان يبيح لنفسه الأكل والشرب من غير حساب. وحين فكر احد البحارة في الحصول على بعض التمر وشيء من الماء، تحت وطأة الجوع والعطش، كان عقاب (النوخذة) له جائرا، ساديا وغير إنساني : (جاءوا بالرجل فوق السفينة، وأمر بربطه في الساري، وجمع الرجال .. ليشهدوا هذا المشهد اللعين .. ثم أمر بجلده وقد جلد أمامهم .. ثم أمر بكيه بالنار .. فجاء ذلك الرجل الأسود .. بقطعة حديد حمراء لصقها (كذا) بجسد الرجل .. وهو يصرخ حتى لم يستطع الصراخ .. ثم أمر (النوخذة) بربط بعض الحجارة في رجليه .. وألقوه بعدها بالبحر ).
وعلى الرغم من تأثر حسين وحزنه لما سمعه أول مرة، من تفاصيل أفعال (النوخذة)، وتذكير الرجل البحارة بموقف الإضراب عن الطعام والشراب، وبالحزن الذي سيطر عليهم يومها، فإن أصوات بعض الرافضين واصلت الحجاج والتساؤل عن كيفية تولية قيادة سفينة غوص لعبد مملوك، مما أكسب المشهد السردي بعدا دلاليا ومنحه سمة درامية، فضلا عن إكساب الحدث مسوغات الإقناع التدريجي لدى الفئة المعارضة، بعد سقوط جميع أعذارها.
ويتابع الروائي، ليقص علينا، من خلال صوت الراوي العليم قيام الرجل ثانية برواية جانب من صور فساد ذمة (النوخذة) السابق وغشه البحارة، وإثرائه على حساب جهدهم المضني، وذلك حين عثروا على اللؤلؤة – الدانة (الكبيرة) في واحدة من الرحلات الموفقة، ذات مرة ليدعي فيما بعد انها سرقت منه، على الرغم من بروز مظاهر الثراء المفاجئ عليه بعدها.
لكن هذه الاحاديث التي جعلت بعض البحارة يميلون إلى جانب المؤيدين لاختيار (شهداد) ربانا عليهم، وحدت بحسين إلى إلى إدانة (النوخذة) السابق، وتقرير تنحيته عن مهنته، ظلت تشهد رفضا من لدن آخرين على تولي العبد مهمة القيادة.
وكيما يصل الروائي بتطور الأحداث إلى نهايتها الطبيعية، وجدنا الراوي العليم يحكي لنا على لسان بحار آخر، قصة تنجح في تزكية (شهداد) النوخذة الجديد هذه المرة، كاشفا عن معدنه المتمايز الأصيل، في مقابل الإزراء بموقف (النوخذة) علي وإدانته، حاسما بذلك النزاع، ومضطرا الجميع أمام صدق وحرارة ما قص عليهم إلى التسليم بالأمر الواقع.
دارت حكاية البحار حول تعرضهم يوما إلى هول هبوب عاصفة قوية، في ظل قيادة (النوخذة) على الذي اكتفى بالتوجيه، ليلوذ ناجيا بنفسه، شأن سواه، مما سببته الريح الشديدة من ارتفاع الامواج واقتلاعها حبال السفينة جميعا واثنين من الرجال:
(ماذا فعل بقية الرجال؟ ... بل أقول ماذا فعل الربان ؟ ... كلهم هربوا إلى بطن السفينة بما في ذلك النوخذة، كلهم فيما عدا رجلا واحدا ظل على السطح والسفينة تراقصها العواصف حتى وصل إلى السكان، وأمسك بزمام السفينة، وأخذ يكافح في توجيه السفينة في صمت وشجاعة، ونحن جبناء في باطنها نتوقع الموت بين لحظة وأخرى يومها كنت انظر إلى وجوه الحاضرين فأشهد الخوف والذعر من الموت لقد شاهدت في باطن السفينة الرجال وهم مستسلمين (كذا) واستطاع هذا الرجل بعد ساعات ان يصل بالسفينة إلى بر الأمان .. هذا الرجل هو شهداد ...).
لقد وظف الروائي الحوار بطريقة جعلت منه تقنية فنية أسهمت في تطور بنية الحدث، مثلما أسهمت في التأثير في ذوات الشخوص وتغيير مواقفهم شيئا فشيئاً، دونما افتعال أو قفز فوق منطق الاحداث أو منطق الرواية، خلافا لما رآه أسامة فوزي، إذ لا يكفي الصراع حول قيمة منافية للمجتمع القول باستحالة تغلبها. وتبقى العبرة في طريقة المعالجة الفنية والمنطق الداخلي في تصوير كيفية حلول القيمة الغريبة محل القيمة المألوفة حلولا مقنعا، من واقع البنية الفنية ونمو نسيجها السردي. وهو هنا لم يتحقق إلا بعد صفحة من الحوار والمحاججة وحساب مصلحة الجماعة واتضاحها شيئا فشيئا.
لكن الروائي لا يكتفي بتوظيفه الناجح لعناصر البنية السردية باتجاه نمو الاحداث وتطورها نحو نهايتها التي لم تكن لتخلو من غرابة، إذ نجد طغيان صوت الراوي العليم ونبوه عن النسيج السردي، من خلال لغة خطاب مؤدلج اكثر من كشفه رؤية الشخوص ومواقفهم التي عبرت عنها حواراتهم السابقة :
(في هذا المساء كان بعض الرجال يريدون ان يقولوا كل ما لديهم عن ذلك الرجل .. فإنهم في عرض البحر عبيد .. وعلى الشاطئ فقراء .. يسرق هو وغيره مجهودهم خلال شهور الغوص، ان كل الذين يتحدثون هم الذين يغوصون إلى أعماق الخليج، يتعرضون لحافة الموت وأحياناً الموت نفسه، ويخرجون باللؤلؤ فيأخذه النوخذة علي .. ويباع بأسعار رخيصة .. ويأخذ منهم ما عليهم من ديون وهي في الأساس ديون وهمية ويظلون على هذا الحال جيلا بعد جيل).

لا يبدو صوت الراوي هنا أنه يمكن ان يضيف جديداً إلى وعي القارئ، أكثر مما أفصح عنه البناء الفني لنسيج الاحداث وتطورها فيه. ومن هنا مصدر عبئه على النسيج الفني وثقله عليه، ولا سيما أنه يأتي في شكل وصف مباشر.
في رواية (شاهندة) نجح الروائي في تقديم صورتين متمايزتين للـ (نوخذة) وقيمتين متضادتين، أمكن لهما التعايش في مرحلة تاريخية واحدة، وفي ظل علاقات اجتماعية محددة ومنظومة قيم مشتركة، لينأى بذلك عن الموقف العام للروائيين الإماراتيين، الذين آثروا الكشف عن الوجه الاستغلالي الكريه للـ (نوخذة) في محاولة منهم لتهميشه وإدانته.
إن (شهداد) النوخذة هنا يمثل الصورة النقيض لـ(علي)، النوخذة السابق، قيمة ومشاعر وسلوكا. وإن انتصار صوت الانحياز لـ (شهداد) العبد، إنما يأتي هنا تعبيرا عن صوت الشريحة المستغلة المتضررة ورغبتها في قيادة (شهداد)، العبد الغريب، صاحب السلوك الإنساني، على قيادة (علي) ابن بيئتهم الحر، سفينتهم ومصدر حياتهم ورزقه.
ولعل هذا لم يكن ليتحقق لولا وجود شخصية واعية كشخصية حسين، الذي أدار الازمة على سطح السفينة بحكمة ورجاحة عقل.
ان الروح الديمقراطية التي انطلق منه حسين في مناقشة الآراء المختلفة واتخاذ مصلحة المجموع أساسا لإقرار (النوخذة) المناسب، على الرغم من اصطدام هذا الخيار مع الأعراف الاجتماعية، ان ذلك كله أكسب شخصية حسين ملامح شديدة الخصوصية والاختلاف عما عكسته النصوص الروائية الإماراتية من صور ودلالات سلبية. أضف إلى هذا أن (النوخذة) الذي تسلم قيادة السفينة في رواية (شاهندة) إنما كان (نوخذة) منتخبا من رجال السفينة وبحارتها، الذين فرضت القيم الإنسانية ومصلحة المجموع تنصيبه (نوخذة) بدلا من (النوخذة) علي الذي أثبت البحارة فساد ذمته وسوء معاملته لهم.

المادة :: ساحل الأبطال

تنفرد رواية (ساحل الأبطال) للروائي عبدالله راشد، من بين الروايات الإماراتية الحديثة التي تناولها البحث، بتقديمها صورة إيجابية للـ (نوخذة)، قيما ومواقف سلوكية.
تبدو علاقات (النوخذة) صالح في هذه الرواية، مع البحارة العاملين معه، علاقات إنسانية، أساسها الود والتعاون والاحترام، فنحن لا نشهد في هذه الرواية مثلا علاقات فوقية أو ممارسات قهر للإرادة أو استغلال لثمرات جهود العاملين على ظهر السفينة.
من هنا لم يكن غريبا ان ينفتح المشهد الروائي الأول عن تقدم (النوخذة) صالح العاملين على السفينة عقب أذان الصلاة ليؤمهم، أو محادثته بود لهم، وتفقدهم، سائلا إياهم ومطمئنا على أحوالهم.
ولعل هذا ما يفسر حلول بعض الألفاظ واللوازم اللغوية الجديدة في معجم الخطاب الدائر بين البحارة و(النوخذة). وهي لوازم لم يكن مألوفا ورودها في لغة (النوخذة) لدى سائر الروائيين، فضلا عن أنها ذات دلالة واضحة على حميمية العلاقة الإنسانية فيما بينهما :
(بعد ذلك دخل الربان كابينة القيادة، وكان هناك خميس السكوني الذي يمسك بدفة السفينة ..
- كيف حالك خميس ؟
بخير يا عمي.
- كم بقى على البر؟
لقد أقتربنا يا عمي وربما نصل ....
وقد لا يكون غريبا ان تبدو العلاقة على هذا النحو فيما بين (النوخذة) صالح وبحارته، وهو الشخصية الوطنية، ذات الحس المرهف تجاه وطنها، مما جعل صالحا يحمد الله على عودته إليه في واحدة من رحلاته، من دون ان يمنع عينيه عن ذرف دموعها والتعبير عن مشاعره بلغة رائقة :
(( الحمد لله الذي وهبني العمر لأراك ثانية يا وطني )).
لقد دفع هذا الحس الوطني الاصيل بصالح إلى الانخراط في صف الكفاح الوطني، تفكيرا واعدادا ومشاركة، لمجابهة محاولات الاجنبي تهديد الأمن الوطني، وذلك عقب عودته من رحلته البحرية مباشرة.
لقد بدا (النوخذة) صالح شديد الحماسة في الذود عن وطنه، والاستعداد للدفاع عنه بالروح. وهو أمر قاده إلى اقتراح خطة مباغتة أسطول الاعداء التي اخذ بها رجال المقاومة فيما بعد، إلى جانب اختياره مسؤولا عن حماية السفن وتوجهها. كما قاده هذا الحس إلى ان يختاره الشيخ حسن مندوبا مفاوضا عن رجال المقاومة أمام الأسطول البريطاني، فضلا عن اختياره لتنفيذ عملية انتحارية، من بين عشرين مقاتلا، ضد مواقع العدو.
ولعل من بين أهم ما أدى اليه حسه الوطني هو إصابته في احدى مرات الهجوم عليهم، ليتحامل على نفسه بالزحف، في وقت كانت يده وساقه تنزفان دما.
وتطوي رواية (ساحل الابطال) سيرة (النوخذة) صالح بعد هذا السجل الوطني المشرف، حين يستشهد برصاص الاعداء في اثناء تنفيذه وصحبه، العملية الانتحارية التي اختير لها مع ثلة من الوطنيين :
(في أثناء المعركة اصابت رصاصة قلب صالح فسقط على الأرض مضرجا بدمائه، أسرع إليه ابنه ليسعفه ولكن الجرح كان بالغا، فظل صالح ينزف بغزارة ...).
إن شخصية كشخصية (النوخذة) صالح، تمتلك هذا الحس الوطني، لابد من أن تكون على قدر من التفهم لحقوق الوطن، وحرص على علاقاتها مع أبناء هذا الوطن، بعيدا عن ضروب الجشع والاستغلال. وهو أمر جعلها متصالحة مع نفسها ومع الآخر، منسجمة في ذلك مع مبادئها الوطنية وقيمها الاجتماعية. وفي هذا يكمن سر إيجابيتها.

المادة :: احداث مدينة على الشاطئ

تجهد رواية (أحداث مدينة على الشاطئ) عبر بنيتها السردية في تسليط الضوء على (ثيمتها) المركزية (مدينة المريبضة)، راصدة مظاهر تحولات هذه القرية الصحراوية الواقعة على ضفة الخليج، في سلوك أناسها وعلاقاتهم الاجتماعية بعد أن شهدت ظهور بيوت الإسمنت والسيارات المختلفة وضياع ملامح الناس وتبدل قيمهم.
في مقابل هذا التتبع التاريخي (الأفقي)، ثمة حرص من الراوي على النفاذ إلى واقع القوى الاجتماعية الممثلة للقرية، وتعرية مظاهر التحكم الاجتماعي والقهر الطبقي (العمودي)، الذي تنهض حياة أهالي (المريبضة) على وفق قانونه الخفي.
من هنا وجدنا البنية السردية للرواية تقدم رؤية (بانورامية)، تمتد معالجتها إلى ما يزيد على جبلين، وتتلفع بطابع اجتماعي وهموم طبقية، لتنتهي إلى مواقف سياسية تتكلل بالتمرد والتكتل ومقاومة سلطة الأمير الجائر المستغل، وإن لم تنته الاحداث الفعلية في الرواية لصالح الثائرين.
ينجح الروائي محمد حسن الحربي في الجمع بين عدد من التقنيات الحديثة في بنيته السردية، من مثل التعبير بالسرد تارة والوصف أخرى والرمز ثالثة، أو في استخدام الحوار والنجوى الداخلية (المونولوج)، وفي المزاوجة بين أكثر من مستوى سردي، من خلال الانتقال عبر الضمائر.
ففي واحد من مشاهد الوصف المكثفة التي تحفل بها البنية السردية، ينجح الراوي في اختزال عدد من الدلالات الاجتماعية والأبعاد الطبقية التي يريد الإحياء بها عبر شريط الوصف الآتي :
( المباني الطينية، لا ترتفع كثيرا عن الأرض، أغلب البيوت في (المريبضة) من دور واحد، إلا بيوت بعض الموسرين مثل بيت النوخذة راشد الحلي، الذي أضاف دورا آخر إلى بيته العام الماضي، فبدا مرتفعا قليلا عن بقية البيوت، إلا أنه في طرف المدينة توجد مبان مرتفعة، مبان لها أكثر من دور واحد، بعضها ثلاثة أدوار، يسكنها المقربون من الامير، وهي تحف بالقصر مثل السور، وبها شوارع معبدة بالقار والزفت ..).
يكتسب مشهد الوصف هنا وظيفة مهمة، تلك هي التصاق البنية السردية وتضمخها بالهم الاجتماعي، فضلا عن تعميقها وعي القارئ بالتراتبية الطبقية التي تقوم عليها حياة أهالي المدينة. وهي وظيفة ستجد في الاحداث اللاحقة للرواية ومصائر شخوصها ما يعمق مضامينها.
ان في أحشاء مشهد الوصف جرثومة التحولات التي ستنشغل بها البنية السردية فيما بعد، كاشفة عن مظاهرها في علاقات الناس وسلوكهم. فهذه المدينة التي بدت يوما وكأنها أسرة واحدة، تحتضن قصر الامير الرابض على قلوب أهل (المريبضة)، والمائل رمزا للتسلط والظلم، مثلما تحتضن البيوت المنيفة لحاشيته والمقربين إليه، المستفيدين من خدمات التحول ومظاهر البذخ ومنها بيت (النوخذة).

إلى جانب هذه المباني التي ليس بينها تمايز كبير، تنام أغلب مباني (المريبضة) على هيئة البؤس والتواضع، إذ لا تكاد بيوتها تتجاوز الدور الواحد، ولا بناؤها مادة الطين، كاشفة بذلك عن واقع التناقضات الطبقية وحجم التباين الاجتماعي.
وإذا كان مشهد الوصف هنا يقدم لنا من خلال عيني الراوي المحايد، مستثمرا بعض المعطيات الحديثة في السرد، تلك التي تجعل منه متماهياً في النسيج السردي، غير محسوس ولا ناب، فإننا في موضع سردي آخر سنشهد إمعانا في تخفي الراوي واتخاذه من حكايات الناس المترددة وأقوالهم مادة للسرد، فكأنه بذلك ينتقل من حضوره غير المباشر إلى دوره الجديد، بوصفه شاهدا ينقل، عبر مسافة بينه وبين من يروي عنه، ما يقع عليه نظره فقط.
لكن هذا المروي السردي غير منفصل عن الشبكة الدلالية للسرد، وإن اتخذ هذه المرة شكل الإيحاء الدال :
( بعض من تحلق حول الجثة قالوا ان كبير الحراس، قال ان الطلقات التي أطلقت على "ابو سعيد" جاءت من جهة بيت النوخذة راشد).
إن بقاء (النوخذة) في موضع الظل من البنية السردية للرواية، وإمساك الرواي عن زجه في حركة الصراع الدائر والآخذ في النمو شيئاً فشيئاً، إن ذلك كله قد تبدد في ذهن القارئ ليحل محله عنصر الشك والتساؤل، من جراء عبارة واحدة في الملفوظ السردي، لم تبد بريئة هذه المرة وهي تشير إلى جهة بيت (النوخذة).
لقد فشلت محاولة الثائرين في التخلص من الأمير، وأجهضت مؤامرة قتله، التي أعدها كل من (سليمان العبدالله) و(حمد بن خميس) و(حماد السلمي)، لتنتهي الرواية باستقرار بضع رصاصات في جسد الأخير.
وإذا كان موقف البنية السردية يأتي مع لحظة مصرع (حماد السلمي)، بوصفه الحدث الروائي الأخير، المعبر عن استمرار حالة الصراع، والمرافق لولادة (حصة) لطفل مشوه، فإن الإشارة إلى اتجاه إطلاق الرصاص جاءت مكملة موحيات التوظيف الرمزي، ومعمقة الإحساس باصطفاف (النوخذة) في صف رمز القهر والتحكم بمصير أهالي المريبضة (الأمير وحاشيته)، دونما تورط الراوي في التعبير المباشر عن الإدانة. بل ان الراوي هنا إنما يتخفى عبر أكثر من وسيط، اذ هو لا ينقل عن كبير الحراس رواية القتل مباشرة، إنما ينقل (إمعاناً في التخفي والبعد عن التدخل)، عمن نقل عنه، ممن تحلقوا حوله من جمهور أهالي المدينة.
( بعض من تحلق حول الجثة قالوا ..... ).
ولعل هذا الإيحاء الذي أريد له ضم (النوخذة) إلى صف الأمير وحاشيته بعد ان أمسكت الرواية من قبل عن ذلك، لم يكن هذا الإيحاء ليصل إلى القارئ، لولا تلك الرؤية الاجتماعية التي تلفعت بها الرواية وتغلغلت في ثنايا لغة الراوي على امتداد البنية السردية المعبرة عن تاريخ الصراع والتحولات الاجتماعية في مدينة المريبضة، بؤرة الاستقطاب السردي جميعاً.

المادة :: تـل الصنم

تقوم البنية السردية لرواية علي ابو الريش (تل الصنم) على اتخاذ النكرات والمهمشين والضعفاء من ذوي العاهات، شخصيات أساسية فيها، ترتقي إلى مستوى البطولة المضادة والشخصيات المحورية. وهي تقنية لها امتدادها في الأعمال السردية الأخرى للروائي، مثلما لها دلالتها الواضحة، من واقع رؤيته الادبية والفلسفية التي يصدر عنها، وتسعى نصوصه جميعا إلى التعبير عنها.
ينطلق الروائي في جل أعماله القصصية من موضوعة الصراع، الذي يأخذ في بعض الاحيان صورة ملحمية بين شخوص نصوصه والمجتمع.
ولعل من أبرز ملامح هذا الصراع لدى الروائي ان نتائجه غالبا ما تأتي في الضد مما يريده شخوصه الإيجابيون، ويسعون إلى النضال من أجله، معمقة بذلك حالات الانكسار والإحباط، ومفضية بهم إلى الموت في أحيان اخرى، فضلا عما تخلفه من مشاعر الكراهية والألم.
إن هذه الرؤية التي تحمل دلالة تشاؤمية في جانب منها تنبثق لدى الروائي من واقع المرحلة التاريخية التي يحرص على تجسيدها في لحظة من لحظات التحول التاريخي للمجتمع، مثلما تنبثق من حالة عدم التكافؤ في المواجهة بين شخوص بنيته السردية، الذين لا يملكون سوى نقائهم وصدقهم ووعيهم من جهة وبين قوى التحكم ورموز القهر والتسلط في المجتمع الاستهلاكي الطاحن من جهة أخرى.
من هنا لم تكن الشخصيتان المحوريتان في الرواية (الضرير ومعتوه)، ومثلهما الشخصية الثالثة المهمة (الأعرج)، بحاجة إلى حمل أسماء تدل عليها، بعد ان غدت ملامحهم (عاهاتهم)، صفات شديدة الدلالة على تمايزهم وإيجابيتهم.
وإذا كان (معتوه)، الشخصية المحورية الأولى التي تستقطب اهتمام الراوي وتستحوذ على الجانب الاكبر من البنية السردية، فإن شخصية (الضرير) لا تقل أهمية عنها، إذ تبدو صنوها والعراب الذي لا غنى لمعتوه عنه، مما يفسر التصاقه به وإصغائه له.
في جانب ما من تطور الأحداث في البنية السردية يتخذ (الضرير) دور الراوي، بهدف تعمق المضمون الاجتماعي للرواية، إذ ندرك من خلال انثيالات وعيه (مونولوجه) وتدفق ذاكرته، ان الأهوال التي ينوء بها كاهل (معتوه) وسخرية الآخرين منه، تلك الأهوال التي جعلته ضحية من ضحاياهم، ليست أكثر من الأهوال التي تعرضت لها شخصية أخرى ليس لها حضور في الزمن المعيش (الحاضر)، إذ يتم استدعاؤها من الماضي لتعميق رؤية الراوي وتهيئة القارئ لاستنباط الدلالة المرادة.
هكذا نتعرف إلى (الأعرج)، الشخصية المشابهة لـ (معتوه)، بوصفه ضحية لنقائه ولقيم البطولة التي دفعته إلى فقد الساق، إثر استنجاد الزملاء به لإنقاذ زميلهم الغواص الذي أفلت حبل الشد، ليجد نفسه مدفوعا إلى الغوص في الأعماق ومناولة حبله زميله ثم الصعود به إلى السطح، في واحدة من أكثر المغامرات جرأة، تلك التي رأى فيها زملاؤه ضربا من ضروب الأعاجيب والسحر.
لكن الأعرج الذي تصاب ساقه بمرض خبيث، يضطر معه إلى بترها، لم يلق من زملائه سوى النفور والتنكر، بعد أن أصبح بساق واحدة.
ومع هؤلاء الشخوص، وعلى رأسهم يقف (النوخذة) عبيد، الذي يتنكر له ولمواقفه البطولية، متخليا عنه، لافظا إياه، كما يلفظ الفم النواة، بعبارات صلفة حادة كنصل السكين :
( وفي مقدمة هؤلاء كان النوخذا عبيد المترف، يقول له بصلافة أرباب العمل أنت الآن لا تصلح للسفر، والغوص بحاجة إلى رجال أكفاء قادرين على مقارعة البحر ... ).
لم يكن تخلى (النوخذة) عن غواصه الشجاع الذي فقد ساقه صادرا عن موقف شخصي، بقدر ما كان تعبيرا عن موقف تاريخي يبدو فيه (النوخذة) رمزا طبقيا كريها، وتجسيدا للقيم النفعية، في ظل علاقات اجتماعية تفتقر إلى العدل والتكافل.
من هنا تكتسب شخصية الأعرج وجهين متلازمين أولهما : الوجه الذي يبدو فيه ضحية تاريخية من ضحايا الصراع الاجتماعي، وثانيهما : الوجه الرمزي الذي يرتقي به إلى مستوى المثال. وهو وجه كفيل بإسقاط الوجوه المقابلة الأخرى التي تبدو كأوبئة ونقاط سود.
ولعل هذا هو ما يفسر حنق الراوي على التاريخ، حين تستعيد ذاكرته ماءها الملحي:
( الأعرج ضحية وغيره ضحايا، انزووا في غياهب النسيان، والتاريخ أحيانا يكون متآمرا إلى حد الصلافة " ..... " الماضي هذا قارب ملقى على "سيف" الأطفال والتائهون يعبثون به ولا يديرون الرأس نحو تاريخه، لان التاريخ نفسه تلحف خجلا ونام مستكينا معلنا الضراعة .. ).
ويتجاوز حنق الراوي على التاريخ بوصفه شاهدا على الحنق على أناسه، إلى الحد الذي يعلن فيه عن كراهيته لهم :
( كيف يمكن للنوخذة ان يسترد خيبته أمام الاعرج؟ كيف يمكن لزملائه الآخرين الذين حركتهم دوافع الغطرسة " ... " فمي ما عاد يميز الحلو من المر، لماذا؟ لأن ما يدور في الخلد شل الحواس، وأيقظ الكراهية فقط .. ).
وشأن معظم النهايات التي تنتهي إليها مواقف شخوص الراوئي، المتمثلة في حالات الإحباط والعجز عن تغيير نتائج الصراع لصالحها، فإن الراوي يبدو مشلولا هنا، وان احتفظ على مستوى الوعي بإمكانات خبيئة ترهص بمواقف واعدة: ( ... بقي الاعرج التاريخ المشرق، وبقوا هم نقطة سوداء تشرق على الجبين كالمرض الخبيث .. ولكن من يملك الشجاعة في بتره؟ " .... " ما يدور في الخلد شل الحواس، وأيقظ الكراهية فقط .. يقال إنها سلاح البائسين، والعاجزين، لكني لست عاجزا، في داخلي طاقة لو تحركت ستلهب العالم وتدمر الأشياء، إنني أريد فقط إحراق الاعشاب السامة، يا إلهي، الأعرج هذا فجر الكون في لحظة .. بل فجرني .. أجل أنا قنبلة موقوتة .. ).
لقد بدا الآخرون في نظر (الضرير) سادرين في غيهم وضلالهم، متوهمين أنهم على صواب، وأنهم يسيرون في طريق النجاة، لكنهم في الحقيقة كانوا يسيرون في اتجاه الهاوية. فما بطل الرواية في نظر (الضرير) سوى ذلك الطائر الذي تمرد على سربه الساذج الذي كان تائهاً معرضا (للعصف والقصف).

واضح ان الرؤية التاريخية التي تعبر عنها الرواية والبعد الاجتماعي الذي يصدر عنه الراوي فيما بعد، هما مصدر الفرز الواضح لدى الراوي بين المضطهد والضحية، السيد والمسود. وهو أمر انتهى إلى التأثير في ذات الراوي وأسهم في إعادة تشكيل وعيه لمصلحة القوى المستقبلية في حركة التاريخ والقيم النموذجية فيه، حتى بدت شخصية الراوي ممتلئة بإمكانات التمرد على الواقع، وجاهزة لتغييره، بنزع الشر منه بطريقة إنسانية خالية من العنف.
على هذا النحو تتجلى وظيفة الراوي (الضرير)، في التوحيد فيما بين الوقائع المتباعدة، لتقديمها ضمن نسق رؤية كلية، تعمق الدلالة المقصودة من وراء العلاقات الاجتماعية التي يمثلها طرفان، أحدهما : بائع لجهده الإنساني ضمن شروط امتهان إنساني واستغلالي بشع (الغواص) وثانيهما : متسلط على مقدرات الآخر، مستلب لإرادته، وعابث بمصيره ومستقبله (النوخذة)، الذي سمم صورة الماضي وترك في ذاكرة أناسه ندوبا وأرواحهم جروحا غائرة.

المادة :: ثنائية مجبل بن شهوان
يقدم على ابو الريش روايته (ثنائية مجبل بن شهوان) من خلال تقنيتين يزاوج فيما بينهما، هما تقنية تقديم الوقائع السردية من خلال عيني الراوي المشارك الذي يسرد لنا الوقائع عبر رؤية الراوي المفارق لمرويه، موحداً بين الشخصية المحورية والراوي من جهة، وتقنية تقديم تلك الوقائع من خلال عيني الراوي العليم من جهة أخرى. إلى جانب استخدامه تقنية الاصوات الخارجية التي تدخل طرفا في محاورة الراوي، لكشف بعض ملامحه وتنمية خط الصراع الداخلي (النفسي) له، متحولة بذلك إلى عنصر من عناصر البنية السردية. تشغل شخصية (النوخذة) مساحة واسعة من اهتمام الشخصية المحورية في هذه الرواية حتى لتكاد تستولي على وعيها، معمقة الإحساس بمركزية الموضوعة لدى الروائي. وهي الموضوعة التي ستستمر معه في روايته اللاحقة، متخذة موقعا متميزا في البنية السردية، مع قدر من التنويع في التناول. يجهد الروائي في هذه الرواية في توظيف الوقائع السردية لتقديم رؤية تاريخية واعية لشخصية (النوخذة)، من حيث ظهورها والاشتراطات التاريخية التي أفرزتها، مما لم نألفه في رواياته من قبل، على هذا النحو من التفضيل. فلقد كان لامتلاك النوخذة الوسيلة الإنتاجية (القارب)، عقب الحرب العالمية الثانية، بداية للتمايز الطبقي، والسعي لاستثمار جهود البحارة وقوتهم فيما بعد، ولتعميق وسائل هذا الاستغلال بصورة غير المشروعة، بغية الاستئثار بثروات البلد ونهبها لمصلحته الذاتية. يكشف لنا تلك الوقائع من زاوية نظر الراوي المشارك إذ تبدو أشبه بالشريط السينمائي الذي يمتد أمام ناظري الراوي الذي تبدو هذه التقنية معه أنسب إلى دوره بوصفه شاهداً على التاريخ. ( فهذا الرجل، كما أنه تورم في زمن الازدهار، فهو أيضا كان سيد الثروات والمصائر في زمن الشح والفقر، وبحكم ما كان يملكه من شخصية متسلطة، استغل هذا السوط في استئجار من يحيطونه بالخدمة، وإدخالهم في أعماق الخنادق المحفورة بأظافر الفقراء، لجلب المزيد من الذهب والفضة، والأواني الفخارية التي اكتنزت بها الأرض .... (كان) .... يحرض أتباعه في البحث والتقصي، مقابل عطايا زهيدة، كانوا يجوبون المكان، ويحيطونه برعاية تامة، فرحين بما يجلبونه من ثروة، وما يقدمونه لسيدهم من حصيلة يوم التعب، ومصبح يلاحقهم بنظرات الرضا، يثني على هذا، ويوبخ آخر، سعيا منه لمزيد من الجهد .. وما إن حلت كارثة الحرب العالمية الثانية، حتى انتفض هذا الرجل، نافخا صدره المزهو، بثروة لا تقدر بثمن .. ). هكذا أصبح لمصبح بن غفلان أسطول بحري بعد ان لم يكن لديه سوى قارب واحد يخوض به عباب البحر بين الهند وفارس وشرق أفريقيا. ولا يكتفي الراوي بالكشف عن مصادر ثراء هذه الشخصية، بل يذهب إلى إيضاح دورها في خدمة ذوي المآرب لتحقيق أهدافهم في الحصول على ما يحتاجونه من ثروة. أما مكانة النوخذة وسطوته على رعاياه والعاملين من حوله، فقد جسدتها البنية السردية للرواية من خلال عدد من الوسائل السردية، كمناداته بلفظة (عمي) خلال أحاديثهم معه. لقد بدا الرجل مهيبا من أتباعه، مطاعا، يهرع الجميع لتنفيذ ما يريد بإشارة منه، حتى وإن استدعى ذلك الوقوف إلى جانبه ضد فرد ضعيف منهم. ولا تختلف نساء العاملين معه عن ازواجهن، إذ نراهن يدعون له بالصحة وبطول العمر، شاكرات له أفضاله، وما له عليهن من أياد بيض، متحدثات عن سيرته، وساعيات إلى التقرب منه، لعرض بناتهن عليه، علّه يختار إحداهن زوجة له، على الرغم من سمعته السيئة وكونه زير نساء. ولا تقف علاقة (النوخذة) برجاله عند حدود الاحترام المطلوب، بل تتجاوزه إلى الطاعة العمياء، والصبر على سومهم صنوف الذل والاحتقار والاستغلال، و عدم الوقوف بوجه أية ممارسة ظالمة له على فرد منهم، فقد كان (يصفع أحد تابعيه، بيد غليظة يدور لها رأسه. كما أن مجرد رفع سبابته كفيل بخض الافئدة، بالخوف وجعل الفرائص تهتز رعبا، من دون ان يجد الآخر سوى النبس بلهجة ذليلة، (حاضر عمي)، على الرغم من عدم ارتكاب الاخير ما يمكن ان يكدر سيده. إنه الفارق ما بين الكبير والصغير، على ما يرى الراوي). وربما جاوزت الطاعة شخص النوخذة لتتصل بزوجته أو أبنائه فقد ( كان يكفي أحدهم زجرة تصدر من مصبح بن غفلان، أو حتى من زوجته أو أحد أبنائه، ليركن التابعون إلى سكون رهيب ... ). ويتفجر وعي الراوي الذي يسعى إلى تقديم صورة جلية لشخص (النوخذة)، من خلال عدد من المشاهد واللقطات السردية التي تلتئم، لتنضم إلى بعضها مكملة رتوش الصورة. يتفجر هذا الوعي عن حادثتين لهما دلالتهما المهمة في سياق الكشف عن ممارسات القهر والتعسف التي يلحقها بالعاملين معه. وأولى هاتين الحادثتين، تلك التي يرويها الراوي الذي كان واحدا من هؤلاء البحارة العاملين معه، وتدور حول تنفيذ البحارة أمرا له بشد وثاق رفيقهم، وانهياله بالضرب بقسوة على جلده بعصا غليظة، كاد معه أن يلفظ أنفاسه، وطلبه منهم فيما بعد ان يلقوه في البحر، لا لشيء إلا لأنه اقترح في لحظة تعطل القارب وعصف الخطر بهم وتهديد راكبيه، ان يرموا ببعض حمولة القارب لإنقاذ الراكبين وتفادي المصير المحتوم. ولولا تدخل الراوي نفسه آنذاك لكان نفذ أمره بإلقائه في البحر. أما الحادثة الثانية فتدور حول واقعة رمي أبي عبد الرحمن السيلمة، أحد البحارة العاملين تحت أمرة (النوخذة) في البحر، يقدم الراوي المشهد من خلال منظور سردي أخر هو منظور الراوي العليم، إذ يبدو لنا المشهد من خلال وعي عبد الرحمن السيلمة (ابن القتيل) وعبر عينيه اللتين ينجح الراوي في التسلل إليهما مبتعثا من جديد شريط الذكرى : ( .. يتذكر عبد الرحمن السيلمة، يدير هذا الشريط، يتذكر والده، المتوفى منذ سنوات، وهو في رحلة تجارية ضمن أسطول مصبح بن غفلان، يتذكر عبد الرحمن السيلمة، يتذكر كيف قصت عليه ان قصة غياب أبيه، الذي أصيب بمرض الجدري، ورمي في عرض البحر، ليواجه قدره، بين غضب الاسماك المفترسة، التي هي كذلك أصابها من حظ تلك الحرب المدمرة، فكانت تلتهم الاحياء، والاموات بلا رحمة ... ). لم تكن لأرواح البشر العاملين، كما يتضح من سرد الراوي، أية أهمية لدى (النوخذة) تصوير شخصية أبى مجبل على نحو مماثل لشخصية (النوخذة). فكما كان (النوخذة) بمارس أساليب القهر ومسخ الإرادة الإنسانية والامتهان بحق الرجال العاملين معه، تبدو شخصية (عفصان)، والد الراوي، شخصية تسعى إلى إفراغ حقدها في الابن وأمه، وممارسة شتى ألوان القمع والإذلال بحق شخصيهما الضعيفين. يبدو ذلك لنا من خلال بنية سردية، يتماهى بها الراوي بمرويه، في محاولة للتعبير عن حدة الإحساس، وتعميق أثره في القارئ : ( أبي كان يحب في أمي، ضعفها، مصبح بن غفلان كان يحب في تابعيه خوفهم منه ). من هنا فقد بدت صورة الأب في عيني الأبن (مجبل) صورة منكفئة، كريهة، مرتبطة بالرمز السلبي الذي تمثله شخصية (النوخذة) مصبح بن غفلان، الذي تمتلئ نفس الشخصية حقدا عليها. لقد كان يغذي هذه العلاقة الملتبسة الشائهة، بين الأبن وأبيه، تلك المعاملة غير السوية التي كان الاب يفصح عنها تجاه ابنه، من دون ابنته التي خصها بحبه وحنانه، في وقت كانت تقف أمه ضعيفة، عاجزة عن فعل شئ ما لتصحيحها، برغم رفضها الداخلي معاملة أبيه له : ( كان يغرقني دائما بالتوبيخ، والتأنيب، في مقابل ذلك، كان يبدو إنسانا آخر مع أختى عفراء، كان يغدقها (كذا) بالدلال، ويخصها برعاية فائقة، كنت اشعر بالغصة والغبن، وكانت امينة تبادلني الشعور، لكنها لم تستطع فعل أي شيء لرفع المعاناة عن كاهلي ..). تنكمش زاوية الرؤية في هذا النص والنص الذي يليه من رؤية ذات أفق غير محدود لدى الراوي العليم، بل ومن رؤية الراوي المشارك إلى رؤية أشد ضيقا والتصاقا بالراوي. إنها رؤية الراوي المتماهية بمرويه، وذلك حين يبدو وهو يتحدث عن تجربته الذاتية مع أبيه. وهو تحول فني يبدو من منظور السرد مسوغا تماما، مع استخدام (أنا) المتكلم المناسب لسرد التجربة الذاتية. ومثلما خضعت أمه لامتهان أبيه وبطشه بها، خوفا من الاستغناء عنها، وهي المحتاجة إليه، الضعيفة التي لا حماية لها، خضع البحارة والعاملون مع (النوخذة) لممارسات الذل والاستغلال التي كان يمارسها الأخير بحقهم، موقنين بأن ذلك لن يدوم إلى الابد : ( فهي لو تصرفت خلاف ذلك مع هذا الرجل الباطش، لما بقيت معه، يوما واحدا، لذا فهي (كذا) أيقنت ان الخضوع، لرجل كهذا، اقرب طريق للفرح المؤجل ... كذلك الاتباع كانوا يخفضون رؤوسهم، راضين بما يفعله غفلان، ليس لأنهم يجهلون مدى فداحة جبروته، لكنهم كانوا يفعلون ذلك، لانهم يعلمون ان هذا الجبار، لن يخلد على الأرض، وأن بطشه ما هو إلا طغيان مؤقت، يليه الخلاص ). ويبدو لنا جانب من ملامح البنية الموازية للشخصيتين ممثلا فيما يفعله كل منهما، كما تراه عينا الراوي في هذه الصورة : ( غفلان يفتك بأتباعه، وشهوان يكيل غضبه على أمينة، وعلي، كنت أعجب منه، حينما يرفع يده ليصفعني دون ذنب ارتكبته، كنت أشعر بالألم ). إن ثقل وطأة ممارسات كل من الاب والنوخذة على وعي مجبل هو ما جعلها تبدو أشبه بالكابوس المهيمن على ذهنه، على امتداد مساحة البنية السردية للرواية. لقد بدت الشخصيتان حاضرتين في ذهنه، كناية عن استمرار أثر الشر وقوة حضوره في النفس، حتى بعد زوال مسببه وانتهاء دوره التاريخي والواقعي في آن معاً. وهو ما يؤكد فداحة الخسارة وعمق المأساة التي منيت بها الشخصية. ولعل هذه المأساة الأليمة التي تتخذ شكل الحقيقة، لم يكن مجبل على استعداد للتسليم به أو إعلانها من دون صراع وشك وتجربة مضنية، وهو ما يفسر لجوء البنية السردية إلى تقديمها من خلل تقنية الاصوات، لتوكيدها بعد رفض الراوي الجهر بها : ( صوت ... إنها المهزلة، شهوان لا يزال، يعصر جسد أمينة ليلا، ويبصق في وجهها نهارا، وغفلان يلطم الوجوه، تستدير (كذا) له طائعة ). لكن عدم جهر الشخصية بهذه الحقيقة قد لا يعني عدم إدراكها لها أو استشعارها بها مع نفسها : ( لكني شعرت بالغصة تملأ حلقي وأنا أصغي إلى كلمات ابي، وإطرائه على غفلان، كان يرى فيه مثالا يحتذى، يتغنى بشخصه، ويلقى قصائد عصماء في كرمه وفحولته .. ). إن زوال الشخصيات المسببة للشر أو الممثلة له لا يعني غياب صور الشر، فثمة رموز أخرى كثيرة تمارس دور شهوان وعفصان الفردين، مؤكدة دوريهما في أنماط من الممارسات التاريخية المتناسلة. لقد بدت الشخصية المحورية على امتداد الرواية ضعيفة محايدة، وعاجزة عن امتلاك الموقف التاريخي الصحيح، أو اتخاذ فعل ما مؤثر في مسيرة الاحداث، على الرغم من امتلائها بمقومات النقمة ومشاعر الكره والعداوة. وهو الموقف الذي سنقف عليه أيضاً في روايته اللاحقة. لكن هذا العجز الفردي الذي توج في نهاية الرواية بالخيبة الشخصية والإحباط النفسي، لم يعدم محاولات أخرى في طريق تحقيق حلم الراوي، وإن اتخذت صورة بصيص خافت، وبدت وكأنها محض مشاريع خلاص فردي. أولى هاتين المحاولتين جاءت من لدن عبد الرحمن السيلمة الذي تحدى سطوة (النوخذة) ووقف بوجهه، طاويا تحت جنبيه، ثأر أبيه، ومجبرا السيد على الاعتذار، فاضحا إياه، وغير آبه لاعتذاره، وذلك بعد ان ضحك منه في سره، وسط نظرات الإعجاب الخفية لأقرانه، الذين لم يجرؤوا على البوح بها. أما ثاني هاتين المحاولتين فيمثلها موقف المرأة التي كان (النوخذة) سبباً في موت ابنها. وهو الموقف الأكثر قوة وتأثيرا، والذي يتكشف لنا من خلال منظور الراوي المفارق لمرويه، الذي بدا مسائلا نفسه في حوار داخلي وتداعيات نفسيه منثالة : ( ألم تقف تلك السيدة الوقور في وجه غفلان، ألم تبصق في وجهه، ماذا فعل، لقد فر هاربا يجر خلفه أذيال هزيمته، مقتنعا بضعفه، أمام امرأة، واجهت الظلم ... قالت له بالحرف الواحد، ابني لم يمت، وسيأتي في يوم من الأيام ليقتص من ظلمك ). لقد قادت الممارسات السلبية التي شهدها مجبل إلى ان ينقم على شهودها المحايدين الضعفاء، الذين قادهم ضعفهم إلى تأييد القوي والوقوف إلى جانبه، ومساعدته على النيل من الضعيف، وإن كان رفيقهم وممثلا للحق. وهو أمر جعل مجبلا يكيل لهؤلاء التهم. وينعتهم بأبشع الصفات. فتارة يراهم : حشرات قذرة، وأخرى جبناء وفرائس وحاشيته تتغذى من الرزايا، وتشرب من الدنايا، وتشبع لكما وسبا. ولا يستثنى مجبل نفسه من هذه المحاكمة ومن حقه في بعض تلك الصفات. فهو يدين حيادية موقفه، ويتشفى بما آل إليه حاله من نفي وتشرد، برغم وطأة القوانين التاريخية التي خضع لها وجورها. ولا ريب في ان اسلوب حديث النفس المعبر عنه بضمير أنا (المتكلم) الذي يتماهى فيه الراوي مع الشخصية المحورية هو أنسب منظور لتحقيق الغاية وأكثرها صدقا : ( وكنت أعتقد أنني أمسك بتلابيب الفطنة كوني، أهرب بعيدا عن حمأة الحرب الدائرة بين الحق والباطل، وكنت استحق كل ذلك العقاب، والنفي والتشريد، لان قوانين الغابة، التي تزعمها غفلان، لا تحتمل العصيان، لكنني استمرأت هذا العذاب، وهذا التشرد .. لماذا لا أدري ربما يكون الجهل، أو أي شئ آخر لا أعلمه ... ). وبإشارة مجبل إلى الجهل، يكون قد وضع اصبعه على الداء الخفي للمواقف التاريخية غير السوية التي يقفها الناس بإزاء انكفاء قوانين العدالة الاجتماعية والممارسات السلبية التي يحيونها. ويعود الروائي إلى استعارة بعض أدوات البنية المسرحية حين يعمد إلى تقنية الاصوات، في محاولة لإكساب المواقف بعداً درامياً، ولضمان نمو بنية الحدث وتطوير عنصر الصراع، معمقا بذلك الإحساس بتخاذل الراوي وجبنه : ( صوت ... ها انت يا قابض تكاد تكون شبيها، بذاك المتواري خلف جدران جفونك، والقطار سريع يلف عجلات العمر، ولا يلتفت إلى الوراء، الآخرون، يتفرجون، والابتسامات الصفراء تلاحقك .. قابض .. لكن لم أكن في يوم من الأيام مثل ذلك الوغد .. صوت .. بل إنك لا تحب الحياة، الجبناء هم هكذا ... ). إن إحساس مجبل بشبهه بعدوه (النوخذة) الذي يتجسد من خلال تقنية الصوت، سنقف عليه مجددا في رواية الراوي اللاحقة واتهام الشخوص، مع محاولته إنكار اتهاماته حتى تسليمه بذلك في نهاية المطاف. لكن تقنية الاصوات في الراوية لم تنتقل بهذا المشهد ليصبح حوارا خارجيا (ديالوجا)، بل ظل في حدوده التي ارادها لها الروائي، وهي كون هذين الصوتين (الخارجي والداخلي) وجهين لحوار داخلي (مونولوج) متفجر في دخيلة الشخصية، ومعبر عنها بهذه الصيغة السردية. إلى جانب هذا الدور العضوي لهذه التقنية، فقد مارست الأصوات وظيفة المنفذ لقناعات الراوي، المصحح لها. من ذلك تؤكيد الصوت على عدم موت عبد الرحمن السيلمة وتحوله إلى قيمة حاضرة فينا ومؤثرة في حياتنا. ومن هذه الوظائف تؤكيد الصوت عدم موت رموز الشر، ومنها تفكيره بعدم امتلاكه الإرادة وحب الحياة، وهما ما يجعلانه شبيها بالجبناء. وفي محاولة الشخصية المحورية التبرؤ من شخصية الأب المستبد المستغل السلبي، والهروب من واقعها المذل، المهزوز، نراها تلجأ إلى التخلي عن اسمها واسم الاب، على امتداد الراوية، لتقنع نفسها والآخرين بأنها ليست مجبل بن شهوان. بل قابض بن عفصان، وهو اختيار ظل يلهج بذكره محاولا توكيده وفرض حقيقته على الآخرين، في عناد وإصرار غير قليلين. لكن الرواية في صفحتها الأخيرة تظهر لنا مجبلا وهو يقدم نفسه لاثنين من أعز من عشقهما (أمه وتفاحة)، بطريقة لا تخلو من دلالة، أريد للبنية السردية تؤكيد مضمونها. وأقصد بها تؤكيد فشل الشخصية المحورية في الوصول إلى ما تريد وتتمنى من جراء تغييرها الاسم : ( نهض قابض، يبصق، تفو، تبا لهم جميعا، ويصرخ، يا أمينة، يا أيتها الأنثى الضارعة، أنا قابض بن عصفان، أو مجبل بن شهوان، الأمر سيان، كم أنا بحاجة إلى حجر يغمرني بماء العشق، يا تفاحة، حبي نزيفك، الدموي، في حلقي ... ). لقد كان لجبروت (النوخذة) وأساليبه اللاإنسانية أثر عميق في دخيلة مجبل، مما جعل ذاته مخربة، غير قادرة على رؤية الحياة في استمراريتها. لقد ظل مجبل يشاهد الكوابيس الدالة على هيئة (النوخذة) وهو يتسلط على ضحاياه ويفتك بهم، وسط تهليل حاشيته وهتافهم له معلنين : يحيا العدل. وهي الكوابيس التي سعت الأصوات المحاورة له، في هذه التقنية السردية إلى دعوته، لنبذها والتخلص من براثنها. لقد بلغت وطأة المعاناة لدى الشخصية المحورية حداً لم تنج روحها معها من التشويه. وهو تشويه يبدو واضحا في موقف مجبل من حبيبته (حصة)، التي طالما منى النفس بنوالها والسعي للفوز بها. فلما جاءته بعد طول لهج وتمن ودعاء، كشف لها موقفا غير متوقع، طاردا إياها، ثالما من كبريائها، وقاذفا إياها بأقذع الالفاظ وأشدها تجريحا، وهو الموقف الذي يكشف لنا الراوي من خلال تماهيه بمرويه على سبيل الإمعان في إدانة النفس : ( وفعلت كما كان يفعل مصبح بن غفلان، لا أتغاضى عن فعل أي شىء يسىء لها، لم يستفزني شعورها نحوى، بل أصرخ في وجهها وأقول اغربي، ليتها، وقفت في وجهي، وفضحت تخاذلي، ليتها فعلت كما فعل عبد الرحمن السيلمة عندما أجهض كبرياء غفلان، وخذله أمام جلاسه، للأسف أنها لم تفعل ذلك، بل استمرأت ان تمارس خضوعها، بلذة متناهية، خففت بعدها، كما كانت تفعل أمينة مع شهوان، عندما ينهرها، ويقرعها، بألفاظ جارحة .. يا إلهي، لست أنا قابض، فقابض لا يفعل بمحبيه هكذا، (....) لا أدري لماذا تملصت من كل القيم والمبادئ، وانبريت وحشا كاسرا (كذا)، يغرس مخالبه في صدر المسكينة حصة ). لقد بدا مجبل وهو يمارس الدور نفسه الذي يمارسه (النوخذة) بحق ضحاياه، وهو الذي شد ما عانى من ممارساته اللاإنسانية، حتى راح يملأ الرواية تنديدا وصراخا ولعنة بحق النوخذة وأبيه وسائر رموز الشر والاستغلال الإنساني. في مقابل هذا الموقف الرافض المتخلي لمجبل عن حبيبته التي سعت إليه أخيرا، على مستوى الرؤيا الحلمية، أو الرؤية التي تتداخل فيها معطيات الحلم بالواقع، نجده لاهثا وراء المرأة الجديدة (تفاحة) التي شغف بها من أول نظرة، إذ بدا متعلقا بها، على الرغم من رفضها له، وتنديدها به، وتعريتها شخصه، بل إن ذلك كان يزيده تلذذا، بصدودها عنه، وتعذيبها له، فكأنه أقرب إلى حاشية (النوخذة)، وسائر الضعفاء الذين كانوا يتلقون الإهانات صاغرين، ويستعذبون الممارسات السادية التي كان (النوخذة) يلحقها بهم. لقد بدت هذه الازدواجية التي لم يجد مجبل لها تفسيراً مقنعاً يركن إليه، جزءاً من مظاهر العقدة النفسية التي انطوت عليها ذاته، والأضرار التي لحقت بروحه، من جراء معايشته الوقائع غير السوية. لكن مجبل سرعان ما ينتهي نهاية تراجيدية، حين ينهار عصبيا تحت واقع أزمته التي تمخضت عن ندمه على تفريطه (بحصة) التي طردها بقسوة، وفقد أثرها إلى الأبد. إلى جانب فشله في نيل رضا (تفاحة) التي رفضته بقسوة جارحة. لذا فقد كان طبيعيا ان ينتهي تطور البنية السردية بالشخصية المحورية إلى حالة من الانهيار على المستوى النفسي، وحالة من العجز عن التواصل، على المستوى الجسدي والعاطفي. وهو الأمر الذي دفع بمجبل أخيراً إلى اختيار الأرض (حفرة الأرض) ملاذاً وجسداً للاتصال به، يمارس في داخلها، استمناءاته ولذاذاته الجسدية التي تبلغ ذروتها الشبقية المعوضة له عن فقده التواصل الطبيعي. ولكي يسلط الروائي الضوء كاملا على الشخصية، محتوياً إياها بلقطة (بانورامية)، نجده يقدم المشهد من خلال منظور الراوي العليم، في محاولة طريفة للانفصال عن ذاته، بعد ان وصلت إلى حدود من الغربة والتشظي : ( يقبل الأرض، أنت الوحيدة التي لا تكذبين، أنت الوحيدة فريدة في عطائك، وسواك جرذان جائعة، لا تعيش إلا على دماء الآخرين، وعوزهم .. لن أقبل حبيبة سواك، لن أمنح جسدي لغيرك، يكفيني شرفا ان اصب ماء قلبي في مسام ترابك، وأهبك شهقتي، وحرقتي، يقبل الأرض ). ولا ريب في ان العلاقة غير الطبيعية التي وسمت حياة مجبل، والتي لم تخل من مظاهر عقدة أو ديبية، فضلا عن ظروف تنشئته الأسرية التي اثرت في واقع علاقاته العاطفية وتوجيهها. ان لذلك كله أثراً فيما انتهت إليه حياة مجبل من عجز، ووجد نفسه منتهيا من جرائه إلى مسارب من علاقة تعويضية غير سوية، حاول ان يكسبها بعداً فلسفيا، يضمن له اقتناعاً فكريا وراحة نفسية. وليس قليلا ان تنتهي الشخصية المحورية إلى مثل هذه النهاية المحبطة العاجزة بعد ان ملأت الدنيا صراخاً بدعوى الفحولة، وتحدياً باقتحام النساء. ولعل أفضل وسيلة للتعبير عن عمق هذا الإحباط تصوير الراوي له عبر تماهيه بمرويه : ( إنني لا أريد سوى أمينة، سأقتص من شهوان، واثبت لغفلان، أنني رجل، استطيع ان أمتلك افئدة النساء، كما كان يفعل هو، أستطيع ان أكون قابضا بن عفصان، لا مجبل بن شهوان ). لقد كان طبيعيا ان يرافق حالة العطب التي انتهت إليها الشخصية المحورية بعض المظاهر العصابية، ممثلة في سيل من الشتائم التي كانت تكيلها على من كان سببا فيما شهدتها حياتها من ألوان الفشل والعذاب والبصق على رموزهم. وهو الوصف الذي استطاع الراوي التعبير عنه عبر أسلوب الراوي المفارق لمرويه : ( يبصق قابض، تفو ... تفو عليهم جميعا، أوغاد وأنذال، أياديهم ملطخة بدماء كل ضحية، ومقهور. ما أقبح القهر، إنه الشىء الوحيد الذي لا يطاق، ولا أدري كيف كانت أمينة تطيق إذلال شهوان ). يتضح هذا ايضا في هذا الوصف الذي يقدمه الراوي لنا في لحظة من لحظات انفصاله عن الراوي : ( ينهض قابض، يبصق، تفو، تبا لهم جميعا ( ... ) يبصق قابض ويجلس صامتا راسه بين ركبتيه منتحبا ). إن المشهد الروائي الأخير الذي تنتهي البنية السردية للرواية به، وهو جلوس مجبل صامتاً ورأسه بين ركبتيه، ثم وهو ينتحب، مشهد بالغ الدلالة على اللحظة التراجيدية التي انتهت إليها الشخصية، مضيعة، عاجزة محبطة، بعد ان تلاشت أمانيها، وفقدت طموحاتها الإنسانية الكبيرة، وتسربت أحلام حبها وفوزها بمن كانت تهوى. ولا غرابة ان ينتهي هذا المشهد بعد عبارة واحدة أخيرة، ينطق بها الصوت الداخلي للشخصية. وهي عبارة طالما ترددت على لسان (حمزة البلوشي) في شكل نصيحة لمجبل وهي التي تقول : الأمنيات العظيمة بحاجة إلى إرادة عظيمة. ان هذه المقولة كفيلة بالتدليل على المعادلة الغائبة على مستوى الملفوظ السردي، لكن الحاضرة في إيحائها الشديد. وهي ان أمنيات مجبل العظيمة قد تلاشت وتسربت لأنه لم يكن يمتلك الإرادة العظيمة التي تؤهله لتحقيقها أو امتلاكها.
المادة :: سلايم

يعمد الروائي علي ابو الريش في روايته (سلايم) .. إلى اعتماد عدد من التقنيات الحداثية في مجال السرد، وعلى نحو لم يتحقق في النصوص الروائية الإماراتية السابقة على الراوية من قبل.
ففي الرواية مزاوجة بين صوتي الراوي العليم والراوي المشارك، الذي يعبر عن الشخصية المحورية فيها، كلما اقتضى سياق البنية السردية الكشف المباشر عن مشاعر الشخصية المحورية ونبش أعماقها الملتاعة، والانتقال من الصوت الموضوعي إلى الصوت الذاتي.
لكن سرد الراوي المشارك هذا لم يتخذ من ضمير الغائب وسيلة سردية، بل لجأ إلى استخدام ضمير المخاطب في التعبير عما هو ذاتي. وهو استخدام له ما يسوغه من واقع الدلالة النفسية للشخصية المعطوبة، اذ جاء سرد الراوي المأزوم، الذي بدأ منذ المشهد السردي الاول حتى نهاية النص السردي، في شكل حوار داخلي (مونولوج) واحد مطول، فكأنه في انثياله أشبه ما يكون بالنزيف الداخلي المعبر عن حالة العطب التي يعيشها (عبدالله الشديد).
وإذا كان من العبث عثور قارئ رواية (سلايم) على بطل فيها، فإن من غير السهل على هذا القارئ تحديد الشخصية المحورية في هذه الرواية.
صحيح ان النزيف السردي الذي انتظم البنية السردية، مفتتحا وختاما، لم يتجاوز هموم (عبدالله الشديد) ومشاعره في أي من سطور الرواية، وبما يؤهله لأن يكون الشخصية المحورية الاولى. لكن الشخصيات الاخرى التي شكلت شبكة العلاقات الاساسية لهذه الرواية، لم تكن أقل أهمية منها، دلالة واعتبارا.
فشخصية (سلايم) بدت في الرواية مثلا، منطوية على دلالة معنوية تجاوزت حدود شخصيتها الواقعية، لتدخل مجال الرمز الأكثر رحابة وشمولا، إذ ظلت موئل استلهام الراوي، ومصدر وعظه ونصيحته.
ومثل شخصية (سلايم) شخصية (غزالة) المراة التي ظلت نصب عيني (عبدالله الشديد)، وأمله الذي سعى منذ بدء الرواية حتى سطورها الأخيرة، إلى نيل ودها وقبولها الاقتران به.
ولم يقف أمر تقارب الشخوص، من حيث الاهمية، في هذه الرواية، عند حدود الشخصيات ذات الحضور في الزمن السابق على السرد.
فشخصية (النوخذة) التي لا نراها حاضرة في الزمن الراهن للسرد، تظل ماثلة أمامنا بوصفها المهيمنة على البنية السردية جميعا، فضلا عن كونها الباعث الرئيس على أفعال الشخصية المحورية (عبدالله الشديد) ومواقفها السلوكية، بل وأزمتها النفسية كلها.
لقد بدا طغيان (النوخذة) المستعاد في ذاكرة عبدالله الشديد واضحا على وعيه، مدمرا لنفسيته ومشكلا أفق رؤيته، حاضرا ومستقبلا، ذلك الحاضر الذي انتهى بالخراب المريع للذات والفشل الذريع لآمالها.
لقد خسر (عبدالله الشديد) عمله بسبب سلطة (النوخذة) وطغيانه، وتسممت حياته جميعا، فتأزمت نفسيته ودخل مصحات العلاج. وحنق على حياته وزملائه، حتى انتهى به الأمر إلى الإفلاس في الحب وفشله في الاقتران بغزالة، المرأة التي ظل يسعى إليها بوله، ممنيا النفس بالقوز بها.
تطل شخصية (النوخذة) في رواية (سلايم) مجددا، كما أطلت من قبل في روايته (تل الصنم) بوصفها رمزا طبقيا للقهر والتحكم واستغلال جهود العاملين معه، لتتجاوز هذا المستوى الطبقي إلى دلالة نفسية (وجدانية)، بدت مساوقة لتلك العلاقة ومتأثرة بها إلى حد الفشل والإحباط.
لكن التوظيف الفني لهذه الشخصية في رواية (سلايم) يتجاوز الشخصية في محدوديتها، لتكتسب معه دلالة أرحب، معبرة عن كل معاني القهر والتسلط والاستلاب، فقد كان يهم (النوخذة) مثلا خضوع من حوله له، خضوعا لا يخلو من تذلل وامتهان، لا يختلف في ذلك الرجال عن النساء :
( الجميع يخفض رأسه في الأرض، سمعا وانصياعا .. ما يقوله النوخذا مسلم به ولا راد لكلامه، ( .... ) النوخذا رجل متسلط، وما يدور بين يديه من مال وجاه، يمكن ان يسكت ألف أنثى .. ).
و (للنوخذة) دور يحدده لنفسه، وهو دور غير عادي في حياة الناس من حوله :
( ألم يقل النوخذا إنه جاء إلى العالم لينقذ البشرية من ربقة الفقر ).
ومن صفات هذه الشخصية ان الناس يتنازلون لها عن حقوقهم وثمرة جهودهم، طالبين منها الرضا والصفح عنهم، دون ان تكتفي بما يفعلونه، لان شهوتها مفتوحة للمزيد، إلى الحد الذي لا يكون ثمة من ينافسها في هذا :

( البحارة يجمعون كل ما لديهم من محار، ويضعونه في حضن النوخذا، ثم يرفعون الأيدي ابتهالا قائلين : كل هذا بفضل سماحتك، ورضاك .. لا نريد غير غفرانك يا سيدنا النوخذا، والنوخذا، يفتل شاربيه في كبرياء وزهو، ثم يمط بوزه، قائلا : هذا لا يكفي أريد جهدا مضاعفا أريد ان يصبح هذا البحر، وكنوزه تحت إمرتي : لم يكن سليمان بأجدر مني، بل أنا أحق ).
تتجاوز لغة السرد هنا إثبات الملامح الشخصية للنوخذة إلى حيث تمنح هذه الشخصية ملامح ذات أبعاد دلالية ترتقي بها إلى مستويات تعبيرية أكثر رحابة وإيحاء. يدل على ذلك تذلل الناس إليه وطاعتهم له وطريقته الآمرة لهم ورغباته غير المحدودة، إلى جانب الظلال التي تكتسبها لغة الوصف التي يراد منها إضفاء ملامح غير إنسانية (حيوانية) شائهة عليه.
من هنا نرى (النوخذة) يتحدث عن نفسه بوصفه مسؤولا عن العالم، إذ الجميع يتنفسون هواءه ويقتاتون على خيره، فهو الوصي على حياة الناس، والسيف المصلت على رقاب الطامحين إلى الزعامة. وهي صفات يخلعها الراوي ليمنحه دلالات رمزية أشمل :
( فأنا لا أتصور ماذا سيحدث للعالم فيما لا سمح الله، حدث لي أي مكروه، فأنا الوصي الوحيد والفريد على حياة من حولي، وجميعهم يتنفسون هواء صدري، ويقتاتون من خيري .. فأنا النوخذا، وانا العمود الفقري لحياة هؤلاء، والذي لن ينحني أبدا مهما كلفني الأمر، وتحت أي ظرف من الظروف .. لابد ان ينزل سيفي على رقاب متسولي الزعامة، وبأقصى سرعة، لأنه لا مجال للتأجيل ).
لقد جاء انتقال الراوي من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم (من الموضوعي إلى الذاتي) في التعبير عن شخصية النوخذة، لتعميق النظرة إليه وإثباتها من أكثر من زاوية (ذاتية وموضوعية)، وبما لا يدع مجالا لأية شكوك محتملة. فحديث النوخذة عن نفسه يقترب به من أشكال الاعتراف والبوح الذي ينطوي على شهادة الإدانة السردية والتنفير من صورته القمعية.
لقد سقط (عبدالله الشديد) ضحية لرهافته وشدة حساسيته، تلك الحساسية التي لم تطق ممارسات (النوخذة) وجبروته وامتهانه، خلافا للكثيرين من أمثاله.
لكن قهر (النوخذة) بلغ من العتو حدا لم يعد يسلم فيه من يؤدي عمله بإخلاص وإتقان، ولم ينفع مع امتلاك البحارة القوة اللازمة لهذه المهنة والشجاعة المطلوبة.
لقد كان يكفي لأن يطرد (النوخذة) عبدالله الشديد، ألا يراه شبيها بأقرانه، من حيث مجاراته إياهم في الخنوع والإطراء والتزلف، وان يكون صمته الغامض وعزلته مسوغا كافيا للاستغناء عنه ومعاقبته، بل التفكير في قتله :
( عبدالله الشديد لم أكن فظا غليظا، لم أكن مشاغبا، لم أكن عنيدا، لكن على ما أعتقد ان صمتي الطويل كان يخيف النوخذا، كان لا يريد شخصا لا يعرف ما يدور بداخله (...) وفي اليوم الثاني، وأنا نائم أسمع حديثه يدور حولي، وصوت النوخذا يهز المكان ... خذوه بعيدا عني، لا أريد ان أرى وجه هذا الوغد، ثم لحظات فإذا بي في عرض البحر ... حاولت أن أتشبث بأحد الرجال بيد أنه تخلص مني بقوة .. صرخت .. صرخت، لكن ما جرى قد جرى، القارب الخشبي تحرك بعيدا عني، الرجال يصفقون، النوخذا يقف كالأسد المصور، موجة عارمة تصفعني فأغوص في الأعماق، أعود ثانية فأطفو ).
لقد كان من قوانين (النوخذة) وربما من نواميس مهنة الغوص، ان يتخلص (النوخذة) من رجاله العاجزين عن تقديم الخدمة المطلوبة، كي لا يكلف ميزانيته عبء الانفاق على عضو لا يقدم أي خدمة.
ومع ان (عبدالله الشديد) هذا كان يتمتع بقوة بدنية لا تعادلها قوة أي من رجال النوخذا الآخرين، فإنه لم ينجح من عقاب (النوخذة) القاسي له، لا لشئ إلا لانه لم يرتض لنفسه دور المهرج أو المنافق أو العبد، شأن بعض المحيطين به من زملائه، تاركا بينه وبين (النوخذة) مسافة ما.
لقد أدى موقف (النوخذة) الظالم لعبدالله الشديد إلى ان يحقد عليه وعلى زملائه الأذلاء، وان يلوذ بنفسه بعيدا عن قبضته، بعد ان أدرك انه يستطيع ان يقتل القتيل ويزف نفسه عريسا لأرملته.
لكن الموقف من (النوخذة) الذي ظن عبدالله أنه سينساه مع ما خلفه من مرارة ترسبت في قاع نفسه، من جرائه، لم يفارقه، إذ ظل يتضخم ويتناسل، متجسدا له في أكثر من شخصية ومكان، باحثا عن منفذ جديد، يتنفس من خلاله هواء نقيا.
من هنا اتخذت المرأة، بمختلف صورها، في حياة عبدالله الشديد شكلا من أشكال استبدال الحب والكراهية، ولونا من الوان التعويض عن القسوة التي تعرض لها، والعطب الذي أحاق بروحه :
( إذ لابد من صياغة الحب في هذا العالم، ونؤكد للنوخذا ان الحب هو النقيض الاوحد للكراهية، وأن الذين يحبون لا يموتون ( ... ) وللوهلة الاولى أشعر أنها النقيض الوحيد لوجه النوخذا ).
لم يعد النوخذة في هذه الرواية إذن شخصية سردية فحسب. لقد بدا هنا قوة تاريخية وعنصرا من عناصر اختلال العلاقات الإنسانية بين البشر وانكفاء ميزان العدالة الاجتماعية، وخسارة المرء إرادته وإصابته باندحار نفسي دائم، يغلف رؤيته للعالم ويملأ عليه نفسه بغبار خانق.
لكن عبدالله سرعان ما يتخلى عن (شمسه) المرأة التي أحبته بكل جوارحها، في أول بادرة ارتياب له فيها، ليلفظها بغير قليل من القسوة والاذى، ولينصرف بمشاعره كلها إلى (غزالة) التي ظلت نافرة منه، منتقدة إياه، وعصية عليه طوال الرواية :
( يا غزالة، إن وجودك في هذا العالم، يكفي أن يضع قطرات الماء في حلقي، لانهض بعد عطش دام قرونا ( ... ) لابد ان تفهم غزالة، ان حبنا هو القوة الوحيدة التي ستهزم جبروت نواخذة العالم ( ... ) وأخشى ما أخشاه ان أتلاشى في يوم من الأيام، فلا أطال يد غزالة، ولا أدنو من عنق النوخذا ).
لكن هذا الاندفاع المحموم من (عبدالله الشديد) نحو (غزالة) قابله صدود منها وصل إلى حدود الرفض والتمنع الدائم. وسبب هذا الرفض يعود في نظر (غزالة) إلى أمرين اثنين، أولهما : حالة التردد التي رأتها (غزالة) في شخص عبدالله وافتقاره إلى الحسم مع غريمه (النوخذة)، الذي لم يتجاوز موقفه التاريخي منه، حدود الحلول الوسيطة وسياسة البين بين. وثاني هذين الأمرين، يعود إلى اعتقاد (غزالة) ان في داخل عبدالله (نوخذة) آخر، إذ هو في حقيقة سلوكه، مع المراة في الأقل، ليس أكثر من (نوخذة) آخر.
من هنا فقد راحت تدعوه إلى الانسلاخ من جلده ومغادرته الزمن الذي ظل يعيشه في أعماقه، بدلا من طلب تقديم (غزالة) قلبها له، وخضوعها لإرادته الذكورية، تماما كما كان (النوخذة) يخضع النساء لمشيئته، متباهيا بذلك.
هكذا راحت (غزالة) تتوارى عنه وهي تبتسم له، بسخرية من أدرك الحقيقة التاريخية التي تذهب إلى القول بأن شوكة (النوخذة) لا يكسرها جدار متهاو عششت فيه رمة الموقف، وأنها امرأة تبحث عن ذكر لم ينم (النوخذة) في صدره.
وإذ يبرر عبدالله مواقف أنصاف الحلول، وعدم حسمه الصراع مع (النوخذة) بطريقة جذرية، بحبه الشديد للحياة وتعلقه بها. وهو حب كان يحول بينه وبين التفريط بها، بالانتقام من (النوخذة) رمز الشر والكراهية، نجد (سلايم) تقف مرجحة منطق (غزالة) في موقفها منه، كاشفة عن قصور نظرته وخطل رأيه، وذلك حين تميز بين ما هو ذاتي وموضوعي في سيرورة التاريخ ومنطق الصراع الاجتماعي الكامن فيه :
( يا عبدالله، حب الحياة يعني التضحية من أجلها، وغزالة كانت محقة، ولم تكن حمقاء، حينما تحاشت الاقتراب منك أكثر، لانها كانت تعرف يا عبدالله، ان حب الحياة شئ وحب الذات شئ آخر، لذا قالتها لك بصراحة : أنت نموذج النوخذا الصغير ).
لكن (عبدالله الشديد) الذي هجر البحر ومهنة الغوص إلى غير رجعة، بسبب رفضه منطق الخضوع والامتهان الذي أدانه ولم يقره، يجد نفسه أقوى من سائر الزملاء الخانعين المشوهين، رافضا أن يكون نسخة أخرى للنوخذة.
وإذ تستمر (غزالة) في موقفها الرافض لعبدالله الشديد، وفي توجيه سيل الاتهامات إليه، نجده يتخذ موقفا دفاعيا جديدا عن نفسه، يعتمد الهجوم على (غزالة) من خلال منطقها نفسه، إذ يرى فيها (نوخذة) جديدا بثياب امرأة، بعد ان رآها وهو يقترب منها، النقيض الوحيد لوجه (النوخذة).
لكن الاتهامات المتبادلة بينه وبين (غزالة) تقوده إلى حالة من الصراع الداخلي، إذ يبدأ التفكير فيما تقوله (سلايم) مؤيدة منطق (غزالة)، لتزداد حدة الصراع في أعماقه، كاشفة عن حالة من الرغبة في التسليم بما يقال عنه ورفضه في آن. وهي مشاعر تظل تتفاقم حتى تصل إلى ما يشبه الرغبة في البوح حيناً والاعتراف أخرى، إذ يتخذ شكل هذيان محموم وانثيالات عصابية، صادرة عن شخصية معطوبة في إحدى مصحات العلاج :
( كلاكما يا عبدالله، نوخذا صغير تنامى حتى أصبح ورما خبيثا .. رضعتما من منهل واحد (..) ثم رحت تبحث عن امرأة في رجل، فجاءتك بقلب نوخذا بداخلك، فانهزمت ثانية ( .. ) وافتح عينيك تجدك النوخذا الذي يمارس البطش في الداخل والخارج .. النوخذا أنا النوخذا، كيف كرهته إذن؟ ( .. ) فابتعد .. ابتعد يا عبدالله .. ابتعد أيها النوخذة الوغد .. لا لن أبتعد .. أنا عبدالله الشديد ( .. ) – بل أنت هو .. أجل أنت هو .. أجل أنا هو لابد أن تقتربي .. ).
هكذا يكتشف عبدالله الشديد بعد فوات الاوان وعقب حالة من الصراع الداخلي مع نفسه والصراع مع غزالة الذي حاول تمويهه، برفض الاتهام له بوصفه نوخذة آخر حينا، أو بإلصاق تهمة النوخذة بغزالة نفسها، حينا آخر. يكتشف عبدالله أنه في حقيقته لا يختلف كثيراً عن النوخذة، وأن عليه ان يؤمن بما قالته له (غزالة)، وهو ان يتخلص من ذاته قبل التفكير في التخلص من (النوخذة). وذلك لان التخلص من (النوخذة)، دون التخلص من بقايا التشويهات التي خلفها وجوده فينا لا يحل المشكلة ولا يحقق الخلاص النهائي.
إنها لحظة عبثية أو حالة من حالات التراجيديا العبثية، أن يجد عبدالله نفسه، ذلك الذي قال (لا) وحده لصوت الظلم ورمز الكراهية والاستغلال، يجد نفسه وهو يسعى إلى البحث خارج نفسه عن هذا الرمز الكريه، إنه اقرب إليه من حبل الوريد. وهو الوحيد الذي فر بجلده من المركب دون ان يلطخ جبينه بالعار، تاركا من حوله يتلطخون بأوحال الخزي والمداهنة والصغار.
إن إصرار (عبدالله الشديد) في الصفحات الاخيرة من الرواية على ترديد نغمة انه ليس ضعيفا، وانه أقوى من النوخذة مرة ومن غزالة آخرى، بل أقوى من الجدار، إنما يعبر عن وصوله إلى حالة من التداعي والضعف أكثر منه تعبيراً عن الإحساس الحقيقي بالقوة، ولا سيما بعد مجابهة (غزالة) له وتعريتها مواقفه :
( يا عبدالله الشديد، أليس النوخذا هو أنت؟ ألم تطلب مني أن أحني رأسي لأقدم لك قلبي الأخضر، تمسح به جفاء السنين؟ إذا مالفرق؟ ( ... ) وكذلك كانت هي، تتفحص وجهك، تغسله بماء الشك، فتنبري أمامها، نوخذا جديدا، يتطور سلباً .. فتوارت احتقارا واشمئزازاً ).
إن عدول الروائي في التعبير عن مشاعر عبدالله الشديد من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب، لم يكن عفويا هنا. إنه أسلوب كان الباعث عليه انقسام ذات الشخصية انقساما حادا، جعلها ترى نفسها في نهاية المطاف وحالة الانقسام، في حالة فصام، حيث التعبير عن الغربة في صورة ذاتين، تحدث إحداهما الأخرى في صورة أغلب إلى العتب والتأنيب.
إن (عبدالله الشديد) الذي كان يرى نفسه بطلا، وجد نفسه فجأة بطلا من غير بطولة، ومشوها من أثر ممارسات الآخر الذي ترك فيه بصماته، فضلا عن اكتشافه وهم انتهاء كابوس (النوخذة) الكريه، وتوالده في الناس من حوله، ومنهم المرأة التي طالما سعى إليها، وذاته التي ظن أنها مثلت ملاذ الطهر والنجاة.
لقد بدا واضحا ان علي أبو الريش الذي سبق له ان عالج العقدة الروائية نفسها، في قصة قصيرة له هي (ابو حردان)، قد عاد مجددا لإعادة إنتاجها في قالب روائي جديد، في محاولة، ربما لاستنفاد ضغط الموضوعة السردية التي لم تأخذ مداها من قبل في حيزها القصصي المحدود.
إن حدث قذف (النوخذة) جاسم الطويل لأبي حردان في البحر وتركه يصارع مصيره، وما نتج عن ذلك من كراهية شديدة عند الأخير تجاه النوخذة، وتعبيره عن هذا الحنق بأسلوب الانثيال (المونولوجي)، إن تفاصيل هذه العقدة واحدة في العملين، بل إنها العقدة ذاتها التي شكلت الجانب المهم من البنية السردية لرواية (تل الصنم).
يقول الراوي في قصة (أبو حردان) على لسان الشخصية المحورية :
( لم أتمرد على النوخذا جاسم الطويل عندما رمى بجثتي في عرض البحر، التمرد كان يسكنني كما يسكن الوادي الجبل ).
أما في رواية (سلايم) فيأتي تعبير الراوي عما وقع لعبدالله الشديد على لسان الأخير على هذا النحو :
( أنا يا سلايم لم أكره النوخذة، لأنه قذف بي في عرض البحر، بل كرهته لأنني وجدت انه لا مجال في قلبه لنفحة حب ).
ونلمس مظاهر حنق الشخصية نفسها على الزملاء المداجنين الجبناء الذين خذلوها في النصين معا. فإذا كان حنقه في الرواية قد جعلهم يبدون ساقطين في نظره، يتمنى ان يجز رؤوسهم، فإن صورتهم في قصته القصيرة لا تبتعد كثيرا عن هذه الملامح :
( البحارة جبناء والنوخذا يسلب اتعابهم ويتبول على كرامتهم، حماري أشرف من هؤلاء وأجسر ).
لكن إمعان الروائي في تسفيه شخصية (النوخذة) وإدانة دوره بوصفه رمزاً طبقياً كريها، هو الذي حدا به إلى إفراغ فعل (النوخذة) حيال عبدالله، من أية مسوغات ممكنة، معمقاً بذلك الدلالة التسلطية (الإجرامية) لفعله، في حين جاء رمي (النوخذة) جاسم الطويل لأبي حردان في القصة القصيرة مسببا، من واقع إصابة الأخير بمرض السل المعدي، وإن لم يكن المسوغ إنسانيا ومقنعا.
وإذا كانت قصة على أبو الريش الاولى قد انتهت نهاية تفاؤلية بمقتل (النوخذة) على أيدي بحارته، فإن رواية (سلايم) تكشف عن انكسار صوت الامل، ودخول الشخصية المحورية مسارب من اليأس والتشويه والفجيعة التي تبدو فيها قاب قوسين من الجنون، وفقد الحبيبة، وفوز البحارة الجبناء، وتناسل النوخذة فيمن حوله في صور وأشكال متعددة. وهي نهاية تؤكد حالة الانكفاء على الذات، مؤكدة استمرار النوخذة وانتصاره التاريخي، في مقابل العجز عن تحقيق أي انتصار عليه.
والحق ان علي أبو الريش أكثر الروائيين الإماراتيين دأبا على معالجة موضوعة النوخذة، وتوظيفا لدوره السلبي وصورته الاستغلالية في أعماله السردية، يقابله في القصة القصيرة، القاص عبد الحميد أحمد الذي يلتقي معه في توظيف هذه الشخصية بالدلالة نفسها، يليهما كتاب القصة الآخرون، على تفاوت فيما بينهم.
ولعل ما يميز معالجة علي أبو الريش السردية لموضوعة النوخذة أن التحدي لشخص النوخذة يأخذ صورة منازلة فردية ووعي فردي، وفي هذا سر انكسار الشخصية المحورية وعجزها وتأزمها، وذلك بسبب كون الصراع الذي تخوضه الشخصية المحورية لا يرتقي إلى مصافي التحدي التاريخي وشروطه الاجتماعية (الجمعية).
لقد بدا واضحا ان معالجة الرواية الإماراتية الحديثة لموضوعة (النوخذة) قد كشفت عن وجود نمطين سلوكيين رئيسين لهذه الشخصية جسدا ملامح صورتين متضادتين. تتمثل أولاهما في صورة (النوخذة) ذي السلوك الإيجابي والملامح الخيرة التي كشفت عنها رواية (ساحل الأبطال) لراشد علي محمد.
في هذه الرواية عني الروائي بإبراز القيم الإيجابية في شخص (النوخذة) صالح، مبرزا علاقات العمل الاجتماعي القائم على التعاون والمودة الرحمة فيما بينه وبين العاملين معه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى جعل الروائي شخصيته المحورية، إحدى أبرز الشخصيات الوطنية وأكثرها تعبيرا عن معاني الكفاح الوطني ضد المستعمر واستعدادا للدفاع عن جموع الشعب عن الوطن والقتال دونه إلى حد الاستشهاد.
أما ثاني هاتين الصورتين اللتين عكستهما الرواية (للنوخذة) فتقف في الضد من تلك الملامح التي حاولت رواية (ساحل الأبطال) التركيز عليها.
لقد بدا (النوخذة) في الصورة الأخرى رمزا لمعاني الظلم والتسلط، يتعامل مع العاملين معه من خلال منطق العلاقات الطبقية التي تجعل منها شكلا من أشكال السخرة والامتهان.
ولعل أبرز من جسد هذه الصورة الاخيرة الروائي الإماراتي علي أبو الريش في معظم ما صدر له من اعمال حتى بدت نصوص خطابه السردي وكأنها هجائية لشخص (النوخذة) وزمانه أو مرثية مطولة شجية لضحاياه، وما لحق بهم من جرائه، من اذى ولوعة وندوب.
والحق ان المعالجة الروائية لموضوعة (النوخذة) لدى علي أبو الريش ترتقي إلى آفاق أوسع لتجعل منها كناية عن العلاقات المتحكمة بإنسان عصرنا ورمزاً لكل علاقة مختلة أو ثنائية غير متوازنة.
إلى جانب هاتين الصورتين الرئيستين نجد تنويعات أخرى لا تبعد عنهما، تمثل إحداها رواية (شاهندة) التي حاولت تقديم ملامح الصورتين السابقتين في آن معاً، حين عرضت للحظة ترشيح أثنين لمهمة (النوخذة) وتنازع جمهور العاملين حولهما، وغلبة النموذج الإيجابي الخير بفعل إرادة جمع العاملين والموقف الموضوعي لصاحب السفينة (حسين) الذي نزل عند آراء جمع البحارة، برغم كون (النوخذة) المختار غريبا عنهم ويحمل سحنة سوداء.
وتأتي معالجة محمد حسن الحربي في روايته (أحداث مدينة على الشاطئ)، لتلتقي من حيث دلالتها النهائية مع معالجة أبو الريش وإن لم تبلغ مبلغها من الحدة والتطرف.
لقد اختار محمد حسن الحربي تشخيص العلاقة تشخيصا موحيا، وهو وإن فرز حدود الشرائح الاجتماعية وألمح إلى مظاهر التمايز بين القوى المحركة لتطور المجتمع، فإنه آثر اعتماد الومضات الدالة واللقطات السريعة.
وفي ظني ان اختلاف الروائيين الإماراتيين في معالجة موضوعة (النوخذة) إنما يرجع إلى زاوية النظر التي نظر كل منهم إلى تلك الموضوعة من خلالها. وهي زاوية تعبر عن موقف كل منهم، وفهمه للإنسان والمجتمع والتاريخ. وهو موقف تحدده ثقافة الكاتب ووعيه، قراءة وخبرة وتجربة، فضلا عن اختلاف هؤلاء الكتاب في أساليب التعبير الفني وطرائقه واشكال العرض والتناول.

المادة :: الخاتمة

لقد بدا واضحاً من مجريات البحث ان عدداً من الروايات الإماراتية قد سعى إلى التوفر على بيئة البحر، لمعالجة آفاق عالمه الفسيح ومشكلات العاملين على ظهره وهمومهم.
ولم يكن هذا السعي خاصا بالرواية وحدها، بل تجاوزها إلى القصة القصيرة أيضا. وهو أمر أكد عمق الصلة فيما بين الخطاب القصصي الإماراتي وماضيه، مانحا إياه طابعا اجتماعيا ونكهة محلية.
وعلى خلاف المعالجات الواقعية التي رافقت الخطاب القصصي العربي في مرحلة ما من تاريخه المعاصر، فقد تجاوز الخطاب الروائي الإماراتي الاكتفاء بملامسة سطح الظاهرة الاجتماعية، والوقوف عند قشرتها الخارجية، لينفذ في معالجاته إلى أعماق تلك الظاهرة وسبر أغوار علاقاتها، وفضح ممارسات القوى المتحكمة بجهود البسطاء، ومصادرة إرادتهم.
وإذا كان الخطاب القصصي الإماراتي عامة قد وقف عند أعتاب مرحلة البحر، بوصفه جزءا من الماضي الآفل والمثال الجميل، فإن خطاب الرواية الذي عبرت عنه الروايات موضع الدرس قد نظر إلى موضوعة البحر بوصفها بيئة الآباء وقدر الإمارات ومصدر حياة أهلها ورزقهم لحقب زمنية طويلة.
ولا ريب في أن تناول الخطاب الروائي الإماراتي الماضي بالنقد، إنما يكشف عن نظرة متقدمة تتجاوز مواقف التعاطف غير المسوغ ونظرات البراءة والتقديس، في الوقت نفسه الذي يؤكد نزوع كتاب القصة صوب العودة إلى الجذور، بغية تعميق وعينا بالماضي الشقي، وصولا إلى إعادة ترميم الحاضر المعيش فلا يمكن بناء حاضر هانئ رغيد ما لم نطلع على صفحة الأمس المضني.
على هذا النحو لا ينبغي النظر إلى ظاهرة انشغال الخطاب الروائي ببيئة الأمس على انه ضرب من التوثيق أو التسجيل، بقدر ما هو تصوير لمعاناة مجتمعنا وتعبير عن ألوان الظلم وصنوف الاستغلال التي مارستها سلطة (النوخذة) بحق أناس ذلك المجتمع، وإدانتها.
ثمة مسألة على جانب من الأهمية، كشفت عنها الرواية الإماراتية، على الرغم من حداثتها الزمنية، ونريد بها انفتاحها على مختلف ألوان السرد وتقنياته الحداثية، وإفادتها من منجزاته، سواء العربية منها أو العالمية، مما أهلها لاختزال مسيرة التطور الإبداعي وتحقيقها ما يعرف في أدبيات السياسة بظاهرة (حرق المراحل)، لتقديم نماذج سردية على مستوى من النضج والتعبير، طيبة.

صفحة رقم 1 من 1 صفحات