تشمل هذه البيئة السكان الذين يقطنون
الرمال والسيوح والوديان والبادية .
ويمتاز أهلها بالشجاعة والإقدام فقد
كان لهم مشاركة فعالة في الحفاظ على البلاد وصونها ، وتسود بين هؤلاء السكان علاقات
اجتماعية طيبة تمثل أصالة العربي ونبله ، ويمتاز أهل هذه البيئة أيضا بالمعرفة
الجيدة بالطرقات والدروب والمنافذ ، فقد فرضت عليهم ظروف الحياة أن يتقنوا هذا
الأمر من أجل البحث عن الماء والطعام لهم ولمواشيهم .
ويسكن أهل هذه البيئة ضمن جماعات ،
وتسمى كل جماعة " فريج " ويقال : فريج فلان بن فلان ، فينسبون الجماعة إلى كبير
القبيلة الذي يكون معروفا لدى الحكومة .
وعادة ما يتموضع هؤلاء بعيدا بعض
الشيء عن مصادر المياه الآبار وغيرها ، وذلك لإتاحة الفرصة لغيرهم من القبائل
بالتردد على هذه الآبار وغيرها من مصادر المياه .
ويعتمد أهل البيئة الصحراوية البدوية
في معيشتهم على رعي الإبل وتربيتها وتأجيرها لنقل المؤن والبضائع عليها ، كما يربون
الحيوانات والمواشي ويبيعون مواليدها وألبانها .
وأما على صعيد الزراعة فكانوا
يعتمدون على النباتات البرية والحشائش التي كانت تنمو قريبا منهم ، ويقومون بقطع
الحطب وحرقه لإنتاج الفحم وبيعه هو والحطب ، فقد كانت المدن تحتاج إلى الفحم والحطب
للوقود .
وكانوا يحافظون على الأشجار المعمرة
التي كانت تعد من المعالم البارزة لكل منطقة ، وكانت الحكومة تحذر من المساس بهذه
الأشجار التي تعد من المحرمات ، وكانت الحكومة تمنع قطع هذه الأشجار وتحدد المناطق
التي يحرم العبث فيها بالأشجار ، وكل من يخالف يعرض نفسه للمساءلة القانونية ، وإذا
ما ثبت أن شخصا ما قام بإزالة شجرة أو قام بالعبث بحدود المناطق التي حددتها الدولة
فإن عقوبات مختلفة تلحق به ، فمن تلك العقوبات أن تحلق لحية ذلك الرجل ، واللحية
تمثل عند الرجل المكانة والهيبة ، فإذا ما حلقت لحيته لم يعد له اعتبار في المتجمع
، ولهذا يتوارى عن الظهور أمام الناس ولا يستطيع الخروج من بيته حتى تعود لحيته ،
وإذا ما كرر هذا الشخص فعلته تقطع يده ، ويعد سارقا متعمدا .
وكان أهل هذه البيئة شديدي التمسك
بأرضهم ووطنهم حريصين كل الحرص على كل شبر منه ، وكانوا يقظين في وجه أي محاولة
للاعتداء على أرضهم ، وكان لهم أثر في المحافظة على أرضهم وفي التصدي لقطاع الطرق
والخارجين عن القانون الذين كانوا يغيرون على المدن من أجل السلب والنهب .
ولا شك في أن خبرة سكان هذه المنطقة
بالطرقات والمنافذ وتقصي الأثر كانت تعينهم على تلك المهمة .
وكانوا يحملون السلاح الذي يحصلون
عليه من الحكومة .
وكان هؤلاء على اتصال بالحكومة
يخبرونها بكل ما يجري في مناطقهم من أحداث ، بل إنهم كانوا يساعدون الحكومة في
الدفاع عن البلد ، ويقفون إلى جانبها في وجه الغزوات التي تتعرض لها الإمارة أو
المنطقة ، وإذا ما أمسكوا باللصوص والسارقين فإنهم كانوا يسلمونهم إلى الحكومة للبت
في شأنهم ولتولي إعادة المسروقات إلى أصحابها .
ويمتاز أهل هذه البيئة بجمع الأخبار
والعلوم وتبادلها فيما بينهم لكي يكون الجميع مطلعا على ما يجري في المنطقة .
ومن عاداتهم أنه إذا نزل بينهم ضيف ،
سواء أكان فردا أم جماعة ، تركوا له وقتا للراحة قبل أن يسألوه عن أخباره وعلومه ،
ويستخدمون من أجل ذلك عبارات مختلفة مثل " عطنا أخبارك " أو " شو عندك من اخبار أو
علوم " ويجيبهم الضيف القادم " ما هناك خبر ولا علم يجب رفعه إليكم غير خبر الخير
والمسرة " أو يقول " ما قدمت علينا إلا وعندك أخبار وعلوم " وإذا كان هذا الضيف
القادم يحمل خبرا يعتقد أنه سر طلب أن يختلي بكبير القوم ، فيأخذه بعيدا عن المجلس
ويحدثه .
أما إذا لم يكن لدى الضيف أي خبر
فإنه يصر على أنه لا يملك أخبارا جديدة ، ويقوم بسؤال أهل المجلس عن أخبارهم ،
ويمكن له أن يسأل الجميع أو أن يتوجه بالسؤال إلى أحد الحاضرين وغالبا ما يوجه
السؤال إلى الكبار أو العارفين .
ويمكننا أن نلاحظ أن بعض العبارات
التي كانت سائدة فيما مضى ما تزال تستعمل في عصرنا الحاضر ، وإن دل هذا على شيء
فإنه يدل على استمرار بعض العادات والتقاليد في المجتمع ويؤكد أصالة مجتمعنا وحرصه
على التواصل مع تراثه .
فنحن نسمع في مجالسنا العامة قولهم "
نبغي الخبر والعلوم " للضيف بعد الترحيب به ، وإذا ما كان الضيف جماعة فإن السؤال
يوجه إلى من هو أكبرهم سنا .
ومن العادات الجميلة التي كانت سائدة
وما زالت مستمرة في مجتمعنا المعاصر أن لكبار السن منزلة عالية فإذا ما تكلموا لم
يقاطعهم أحد ، بل ينصت الجميع دون استثناء ، ومن تلك العادات أيضا التزام الجميع
بآدب الجلوس وآداب المائدة ، ومما ورد في هذا المجال قولهم " كل أكل جمال وقم قبل
الرجال " و " لا تمد يدك إلى أمام غيرك " .
وكان للولد حديثه وللبنت حديثها ،
فلا يختلط هذا بذاك ، فمثلا عندما ينادى للولد فإنه يرد بكلمة " نعم " ، أما الفتاة
فترد عندما تنادى بكلمة " ها " أو " هو " وكان الولد يزجر عندما يتكلم بكلمات مائعة
تستخدمها المرأة أو الفتاة .
كما أنهم يعيبون على المرء أن يستعمل
في المجتمع كلمات التحبب والتودد التي يستخدمها في بيته وبين أفراد أسرته ن فمثلا
يمكن أن يقول الولد لوالده أو الوالد لولده " يا الغالي " ولكنه لا يقولها للغريب
لأنها تعد عيبا في حقه ، ومثل ذلك كلمة " الحبيب " فلا تقال إلا لمن هو حبيب ، وفي
موضعها المتعارف عليه ، وإذا ما بدر من أحدهم تصرف غير مقبول كانوا يقولون له "
منقود عليك إن تعمل كذا " أي إن المجتمع سينتقدك على تصرفك هذا .
أما فيما يتعلق بالمرأة فإنها كانت
لديهم عماد المجتمع ، فهي مربية الأبناء وركيزة الأسرة .
وكان يقال للبيت الذي لا امرأة فيه :
البيت الخالي بلا والي كيف
أسكن فيه وأقره
قوم عني غثيت لي بالي لي قميص
ضاق باطر
فالمرأة هي الظل الذي يستظل رب
الأسرة به ، وهي السكن والراحة ، وهي مربية الأجيال التي تسهر على شؤون الأسرة ،
وهي المدبرة لأموال المنزل ، تذلل الصعاب التي تعترض طريق الأسرة والرجل ، وهي التي
تشارك في العمل بالحقل أو بمزاولة الصناعات التقليدية ويمكن القول إن نظرة الناس
إلى المرأة كانت تتمثل في العمل بالمقولة الشهيرة :
( خير المتاع في الدنيا المرأة أو
الزوجة الصالحة ) . |