| انشد أو شل
( جل ) أو ازقر أو نوح :
أ-
انشد :
أصل
" انشد " في اللغة من الثلاثي " نشد " .
والنشيد : رفع الصوت والترنيم والشعر المتناشد بين القوم ، والقطعة من النشر والنظم
يترنم بها .
والنشيد من الأشعار : ما يتناشد .
وأنشد بهم : هجاهم .
وفي
الخبر أن السليطيين قالوا لشاعرهم غسان : هذا جرير ينشد بنا أي يهجونا واستنشدت
فلانا شعره فأنشدنيه .
والنشيد : رفع الصوت ، ومن هذا إنشاد الشعر ، إنما هو رفع الصوت .
وأنشد الشعر فلانا قرأه عليه ، وتناشدوا الأشعار انشدها بعضهم بعضا .
ومنه
قول الأعشى :
ربي
كريم لا يكدر نعمة وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
ونشيد الأنشاد سفر من العهد القديم ، لسليمان الحكيم وهو بالعبرانية شير هشيريم ،
أي ترنيمة الترانيم ، والمعنى أجمل الترانيم ، والأنشاد هنا جمع نشد بمعنى النشيد ،
والمنشيدة ، وهي أخص منه نشائد .. والأنشودة : النشيد أناشيد .
ويقصد ب " انشد " في مجال العيالة الغناء برفع الصوت والترنيم .. الخ ، وقد يسبق
بظهور مصطلح علق أو نشب في بعض الأحيان ، وليس في هذا غرابة ، أو استبدال ، أو
استغناء عن أي مصطلح عند أهل العيالة ، فكل ما في الأمر أن المتمرسين المخضرمين من
أهلها يميلون في بعض الأوقات إلى الاختصار والتقليص ، ويتجاوزون بعض هذه المصطلحات
، حين يرون أن مصطلحا منها سوف يفي بالغرض ، وسيشملها بذكره ، ويقوم بدورها المطلوب
والآخر سيفهم ما قصد به ، وهو رفع الطبول من على الأرض وبدء الدور " الوصلة " .
ويبقى مصطلح علق وكذلك نشب ، وما يتفرع عنهما ، مصطلحات قائمة بذاتها كما تبقى
مصطلحات " انشد وشل أو جل " وغيرها مصطلحات قائمة بذاتها أيضا ، وتتمتع بخصوصيتها
وحضورها المتميز في العيالة الإماراتية .
وما
تم الإشارة إليه في هذا الخصوص هو للتوضيح ليس إلا ، لأن الغريب على أهل العيالة
وتصرفاتهم وطرق تعاملهم وتخاطبهم فيما بينهم ، حين تسمعهم يرددون مصطلحا من هذه
المصطلحات ، ويبدأ الدور ، ولم يسمعوا إشارة أو ذكر لكل من مصطلح علق أو نشب التي
تسبقها في الظهور ، فقد يظن أنه لا توجد مصطلحات تأتي قبل مصطلح انشد ونحوه ن وقد
يعتقد أنه استغني عنها ، لكن الأمر لا يعدو أن يكون اختصارا وتجاوزا .
هكذا
هم أصحاب العيالة ، وهذه طبيعة تعاملهم مع الأشياء ، سواء كانت مصطلحات أو غيرها .
والملاحظ أن انشد هو المصطلح المفضل عدن أهل العيالة الإماراتية على سائر نظرائه من
المصطلحات في هذا المجال كــ " شل ، جل ، ازقر ، نوح " .
وأما
مصطلح الغناء فمرفوض لديهم جملة وتفصيلا ، ولا وجود له في قاموسهم ، ومن يأت على
ذكره في وسطهم فكأنه وجه إليهم إساءة ، فهم يحتمون على من يتعامل معهم في هذا
المجال أن يتعامل بمصطلح النشيد بدل الغناء والنشائد بدل القصائد ، " والمقصب أو
الزمل " بدل البيت من الشعر أو الشطر من البيت .
وإن
رفض أهل العيالة لمصطلح الغناء له ما يبرره عندهم لأنهم يمثلون بالعيالة الجيش أو
العسكر كما يرون ذلك ويرددونه بوضوح وصراحة ، ويسمون به بكل فخر واعتزاز ، ويرون
تمثيلهم للجيش أو العسكر يجعلهم في مقام لا يناسبه أن ينعتوا فيه بما ينعت به
المغنون أو الشعراء ، وميزوا أنفسهم بأنهم ينشدون ويتناشدون النشائد .
ويأتي التعامل مع هذا المصطلح في عدة صيغ ، مختلفة نوعا ما ، بعضها عن بعضها الآخر
، باختلاف مواقفها المتقاربة .
الموقف الأول :
موقف
البداية ، بعد وصول العدد المناسب لحمل دور كامل ، والطبول لم ترفع الطبول عن الأرض
، ويطول انتظار الحضور ، وكذلك ما بين الوصلات ، حينئذ تتم المطالبة والمنادة
والمناشدة والمخاطبة بالطريقة التالية : " يا الله .. أنشد .. علق شو تريون بعد " ،
إذا كان هذا الكلام موجه للأبو ومعاونيه ، وإذا كان موجها له شخصيا قيل : " يا الله
.. أنشد .. علق .. شو تري " ، وإذا كان موجها للأبو أيضا من أجل أن يأمر معاونيه
بالبدء قيل له " أنشد .. ولا قولهم يعلقون وينشدون .. شو يتريون " .
الموقف الثاني :
أما
في موقف البدء بعدما يتم تعليق الطبول فتساق بينهم العبارة التالية الموجهة لكبيرهم
، الأبو إذا كان موجودا بينهم : " أنشد .. عندك " ، ويرد عليهم بالسياق التالي : "
لا عندكم " ويرد أحد أفراد المجموعة أو المجموعة بكاملها يرفض التقدم عليه ،
وتستخدم لذلك العبارة التالية : " لا والله عندك .. أنا أو نحن ما بنتبدى أو نتبدى
عليك " أو " من يقول عندك والله " ، وهذا التحاور والتشاور بالكلمات يدور عادة بين
الأبو ومعاونيه ، ولكنه ليس قصرا أو حكرا عليه وعليهم ، فقد يكون بينهم رجل كبير في
السن ، ومخضرم ، وذو باع وصيت في مجال النشيد ، فيتحاورون ويتساجلون معه بالطريقة
والأسلوب والعبارات نفسها ، وقد يظهر من بينهم رجل غريب قدم عليهم من إمارة أو
مدينة أخرى غير التي هم فيها ، وتم الترحيب به ، بالطريقة المتعارف عليها عندهم "
بالتقريب " ، وعليهم في مثل هذه الحالة أيضا أن يحاوروه ويساجلوه قائلين : " تفضل
عندك عاد .. أنت ضيف " ، ويرد " عندكم .. لا والله عندكم " .
لكن
اعتذاره لا يقبل بأن يقول عندكم لدعوته الأولى ، بل يلحون عليه مرات متتالية ، حتى
يقبل أو يصر على اعتذاره ، وفي مثل هذه الحالة عليه تبرير رفضه إذا كان رزيفا في
الأصل بما يقنع مستضيفيه ، بأسباب تكون معقوله ومقبولة لديهم ، كونه لا يجيد النشيد
، ولكن يجيد الضرب على طبل الرأس وطبول التخامير وغيرها ، وعلى ضوء ذلك يقتنعون
بعذره ، ويصبح الأبو أو أحد معاونيه في المجتمعين في تلك الحلقة بنشيدة من النشائد
، ويبدأ دور الرزيف .
وهذه
الأنماط من التحاور والمساجلة هي من الأصول والأعراف المتبعة عند أهل العيالة
الإماراتية ، وهم متمسكون بها إلى يومنا هذا ، لا يتجاهلونها ، ولا يتغاضون عنها
مهما كانت الأسباب .
الموقف الثالث :
عند
طلب نشيدة معينة من أحد الرازفين ، أو من أغلبهم ، أو منهم جميعهم ، يتم التعبير عن
هذا الطلب بالسياق التالي : " أنشد .. أنشد الله اليوم " ، أي النشيدة التي بعنوان
: " الله اليوم يا غفار ذله " .
وأما
في موقف التشاور على النشائد التي سيتم اختيارها لتلك الوصلة فيقال : " هنه .. شو
بتنشدون " أو " شو تبونا ننشد " أو " شو ننشد ، أو شو نشل أو نجل " والمصطلحات " شل
، جل " يكون لهما ظهور وحضور بصورة عابرة في آخر العبارة ، أو في وسطها حسب التعامل
بها ، هكذا يتم تداول مصطلح النشيد فيما بينهم بعبارات وصيغ مختلفة ، كل منها بحسب
موقفها .
وق\\
جاء مصطلح " انشد " في اللغة العربية بصور ومواقف كثيرة ومتعددة تعبر عن مفهوم
المسألة والمناشدة إلى جانب الشعر والنثر والنظم ..الخ ومنه : نشد الضالة ينشدها
نشدا ، ونشده ، ونشدانا : طلبها ، وكذلك عرفها .. ونشد زيدا الله وبالله استحلفه ،
أي سأله ، وأقسم عليه بالله .. قال أنشدتك الله ، أي ذكرتك به ، واستعطفتك ، أو
سألتك به مقسما عليك ونشد عهده ووعده ، أي ذكره ما عاهده به ووعده وطلبه منه .
ويقال : نشد ينشد فلان فلانا إذا قال نشدتك بالله والرحم .
وقول
العرب نشدتك الله ألا فعلت معناه : ما طلبت منك شيئا من الأشياء إلا فعلك .
وتستعمل العامة النشد بمعنى المدح ، والسؤال والخبر والمناشدة والمسألة .. الخ ،
وظهر هذا في سياق اللهجة العامية لمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة ، بالصور
والمواقف نفسها تقريبا ، وجاء ذلك في سياق أحاديثهم وأقوالهم اليومية كقولهم :
بنشدك بمعنى أسألك ، أو بتنشدك بمعنى بسائلك أو بتخبرك ، أي أريد أن استعلم منك
خبرا ما ، و " ما تنشدناك " ما سألناك أي ما استوضحت منك الخبر ، و " ما تنشدتك "
ما سألتك ، وما تنشدته ما سألته ، وما نشدته ما سألته أيضا ، وما تنشدوه لماذا لا
تسألوه الخبر أو غيره ، وانشد عنه ونشدت عنه سألت عنه ، وما نشدت عنه ما سألت عنه ،
وما بنشد عنه لا أسأل عنه ، وما ناشدين عنه غير سائلين عنه ، وما نشادين غير سألين
.
ويقال أيضا انشد فلان بمعنى اسأل فلانا ، ونشدت لك فلان بمعنى سألت فلانا عن حاجتك
، ويقال في سياق آخر : نشدت فلان بمعنى هل سألت فلانا عن حاجتي ؟ ، والعبارات في
هذا الخصوص كثيرة ومتعددة ومتنوعة ، وتؤنث إذا كانت المخاطب امرأة ، وهكذا بحسب
المواقف التي تقال فيها .
ب-
شِل ( جل )
:
شل
هي جل ، فهما لفظان لدلالة لغوية واحدة ، ويشيع استخدامهما معا في اللهجة العامية
الإماراتية الدارجة ، فثمة فريق ينطقها بالشين كما هي في الأصل " شل " ، وآخر
ينطقها بقلب الشين إلى جيم ، فتنطق " جل " ، ولا فرق بينهما في المعنى .
ويراد بهذا المصطلح حمل الأشياء من أماكنها ، ويأتي سياق استخدامه على النحو التالي
: " شِل ، شِيل ، شله " ، و ( جل ، جله ) ، ومثالا على ذلك يقال : " شل أو شيل
الدلة " ، أو " جل الدلة " ، أي احملها .
والأمثلة حول هذا كثيرة ومتعددة ومختلفة .
وأما
في مجال العيالة الإماراتية وغيرها من الفنون الشعبية المختلفة فيقصد بها البدء في
أداء النشيد ، إذ يقال : " شل بالصوت ، أو ازقر أو نوح بالصوت " ، إذا لم يقولوا :
انشد .
ولديهم في هذا المجال عدة سياقات متقاربة حينا ، ومختلفة قليلا آخر ، وفقا لمتطلبات
الموقف ، كأن يقولوا : شل نشيدة " دارنا بالفخر " ، أو ازقر أو نوح بنشيدة " يا
راكب للبعيد " .
وفيما يلي نص كل منهما :
1-
دارنا
بالفخر :
دارنا بالفخر مبانيها نحمد الله الذي بالعز علاها
بو
خليفة يراجي في معاليها هو ملكها ورب الكون يحميها
دارنا ما نطاوع بالسوال فيها نرخص المال بالأرواح نفديها
2-
يا راكب
للبعيد :
يا
راكب للبعيد الدرب يطونه
حرايب للضرايب جيش بن ثاني
تكفون يا لابتي سيروا على الهين
سيروا عليهن ضحى هاتوا علم ثاني
يا
الله يا عالما سراير النية
من ديرة لفلاس يا عباد لصنافي
يا
والي الشام نطلب منك عينية
حجوا ولجوا ودعوا للعمر ثاني
وقد
يتساءل سائل لماذا لا يتصالح أهل العيالة على رفع الطبول بالشل أو الجل طالما
معناهما واحد ، وهو الحمل ؟ ويبدو أن الأمر لا يعدو أن يكون من الترادف اللغوي ،
المقبول ، والدال على التنوع ، وله جماله في تعدد الأصوات في أثناء الرزف ، ولعل من
المهم أن يشار إلى أن أهل العيالة يتعاملون فيما يخص رفع الطبول والبدء في ذلك
الدور ، ولكن بصورة ضعيفة ونادرة جدا ، غير أنهم يتعاملون معها بصورة أكثر وضوحا
بعد الانتهاء من الرزف بشكل نهائي ، والقيام بنقل الطبول والعودة بها من المكان
الذي كانت فيه إلى مكانها الأصلي ، وفي هذا يقال : " شل أو جل الطبول وودهم أو ردهم
البيت " ، الحالة التي تكون فيها هذه الإشارة جائزة ومستحسنة ومستحية عندهم .
جـ - ازقر :
ازقر
في سياق اللهجة المحلية الإماراتية بمعنى ناد ، أي صيح بصوت عال ومرتفع ، وينوب هذا
المصطلح في بعض الأحيان القليلة والنادرة عن كل من مصطلح " انشد ، شل " ، ويتعامل
معه أهل العيالة بالطريقة والأسلوب الآتي : " ازقر بالصوت .. ازقر بالصوت : ، أي
انشد بصوت عال ويجب أن لا يقودنا هذا القول إلى الاعتقاد بأن من يبدأ بحمل النشيد
في العيالة يبدأ بصوت منخفض ، وإنما يبدأ النشد أو الشل أو الزقر أو النوح بصوت عال
، ولو دقق المتتبع بالطريقة التي يؤدي بها الناشد ، فسيلاحظ مدى قوة الصوت المندفع
من الناشد للنشيد في العيالة ، إذ يعتمد في الأداء على فتح الحلق بشكل كبير لكي
يوازي حجم الصوت الذي ينوي القيام بإيصاله .
د - نوح :
يأتي
سياق هذا المصطلح عند أهل العيالة بصيحات قوية وعالية من بعض الأشخاص ، بالطريقة :
" نوح .. نوح بالصوت " ، ولكن لا يقصدون من هذه الصيحات البكاء في مجال العيالة كما
هو الحال عليه في المجالات الأخرى ، وإنما يقصدون بها الإنشاد فقط ، وبالمقابل ربما
يقصدون بذلك الإنشاد الذي يغلب عليه طابع النواح ، وهذا النمط أو الأسلوب من
الإنشاد في الحقيقة ظهر في بعض المقامات الخاصة بالعيالة ، وتحديدا في المقام
البداوي ، الذي يأتي أداء نشائده بطريقة تشبه إلى حد ما النواح ، وهذا الأسلوب
المستقى من فن السجع ، هو الذي يعرف عند أهل الإمارات وغيرها من البلدان الخليجية
بالسيع بقلب الجيم إلى ياء ، وهو لون من الألوان الغنائية الشعبية السائدة المألوفة
فيها .
ولكن
هذا الاعتقاد غير مبرر ، لأن انطلاق مصطلح نوح لم يقتصر على فترة أداء المقام
المشار إليه ، أي الفترة التي تعرف عند أهل العيالة وغيرهم في دولة الإمارات (
بالمسيان ) ، وهي فترة بدايات عصر أي يوم عندهم ، بل يظل استخدام هذا المصطلح
متواصلا على طول الأوقات ، وتتابع المقامات ، ابتداء بالمقام البداوي ، مرورا
بالمثام الأمير ، دخولا على مقام التعوشير ، حتى مقام الليلي ، ومقام المشي .
ومن
جانب آخر ظهر النواح أو النوح في مطلع بعض النشائد بالعيالة ، وهذا أيضا لا يجيز
لنا القول بأن أداء تبك النشائد يعتمد على النواح ، ومثالا على ذلك النشيدة التي
بعنوان : نحت بالصوت ، وهي :
نحت
بالصوت من عظيم الكباير والعذارى هواهم نستخيفه
القفوني وأنا في الدرب ساير وضربوني بسلة شطيره
حكمهم في هوا العشاق ياير نطلب المال شوقي ونستخيره
خادمك يا حمد عن كل عايل تدعوا الله ولا ندعوا غيره |