عنوان المقال : الفصل الثاني - مطالبات ومقترحات مع بداية ظهور النفط

الفصل الثاني - مطالبات ومقترحات مع بداية ظهور النفط


في عام 1941، أجبر رضا شاه بهلوي على التنازل عن العرش من قبل بريطانيا والاتحاد السوفيتي، وقد خلفه في سدة الحكم ابنه محمد رضاه شاه بهلوي الذي أحيا قضية الجزر في الأعوام اللاحقة للحرب العالمية الثانية. فبعد نهاية الحرب، انسحبت بريطانيا من الهند في عام 1947. وهكذا حلت نهاية الدور التاريخي لحكومة الهند ووزارة الهند ووزير الدولة لشؤون الهند في الخليج، حيث أضحت عندئذ وزارة الخارجية البريطانية تتولى مسؤولية المصالح البريطانية في الخليج.
وقد كتب محمد مرسي عبدالله انه في حين كانت وزارة الهند تمارس سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للإمارات المتصالحة لمدة تربو على القرن، أضحت وزارة الخارجية، التي هي على دراية واسعة بالشؤون الدولية والتغيرات المحلية في الخليج، تضطلع بدور نشط في إعادة تشكيل الشؤون الداخلية في الخليج، وخاصة في الإمارات المتصالحة. أما فيما يتعلق بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، فقد كتب مرسي قائلاً :
كان التغير الجوهري في العلاقات بين الأطراف المتنازعة يكمن في تعامل بريطانيا مع المشكلة : إذ أضحت تؤدي دوراً نشطاً كوسيط بسبب صداقتها مع فارس (إيران الآن) والدول العربية ومصلحتها المتنامية فيهما.

وعلى أي حال، بدأت السياسات الجديدة لوزارة الخارجية البريطانية تتجلى يوماً بعد آخر، كما سنبين ذلك لاحقاً.
وتسلط الوثائق الحكومية البريطانية والأمريكية، التي تم الإفراج عنها مؤخراً في الفترة 1993-2003، الضوء على الاعوام من أواخر أربعينيات القرن العشرين وحتى أوائل سبعينيات القرن نفسه، عندما شكلت وزارة الخارجية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها قوة عالمية جديدة، سياساتهما لما بعد الحرب العالمية الثانية في الخليج. وتظهر هذه الوثائق ان مطالبات إيران بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى قد تكثفت خلال هذه الاعوام. وكان المسؤولون البريطانيون والأمريكيون يرون أن الاهتمام والالتزام الإيراني بالمطالبة بالجزر الثلاث قد تضاعف بسبب اكتشاف الموارد النفطية البحرية، وهو الأمر الذي أقره المسؤولون الإيرانيون في نهاية الأمر. وبالإضافة إلى تقديم ادعاءات دبلوماسية زائفة بأن بريطانيا قد أقرت بالحقوق الفارسية بعد عام 1904، فقد وضعت إيران خططاً لاحتلال الجزر وأطلقت تهديدات باحتلالها.
وواصلت بريطانيا دفاعها عن حقوق الشارقة ورأس الخيمة في الجزر، رغم التلميحات الإيرانية بأنها ستسقط مطالبتها بالبحرين مقابل الجزر. غير ان فكرة ان تبيع رأس الخيمة جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى أو تؤجرها لإيران طرحت، وخاصة في منتصف ستينيات القرن العشرين، حينما سعت بريطانيا إلى التوسط في المفاوضات بشأن الخط الفاصل عبر الخليج بعد ان أدركت الحاجة إلى الانسحاب من الخليج كلية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تكن على دراية بتاريخ الجزر وصبت اهتمامها بدلاً من ذلك على الفرص السانحة لشركات النفط الأمريكية والدور الذي يمكن ان تضطلع به إيران في احتواء التقدم السوفيتي نحو منطقة الخليج.
وفي كانون الاول / ديسمبر 1948، شدد السفير الإيراني في بريطانيا مرة أخرى على المطالبة الإيرانية بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وفي شباط / فبراير 1949، وبعد مراجعة موجزة، أوضحت وزارة الخارجية البريطانية ان الجزر تتبع رأس الخيمة والشارقة على التوالي، وان كلتا الإمارتين تخضع لحماية الحكومة البريطانية. وفي الوقت نفسه، أكدت على ان الوضع الدولي كان خطيراً ولن يحتمل اختلافاً من شأنه ان يزعزع العلاقات بين البلدين لهما مصالح متشابهة، وذلك في إشارة على ما يبدو إلى التهديد الذي يشكله الاتحاد السوفيتي على إيران.
هذه الرسالة كررها لو روجوتيل J.H. Le Rougetel، الوزير المفوض البريطاني في طهران، أمام علي أصغر حكمت، وزير الدولة الإيراني للشؤون الخارجية. ثم أشار الوزير الإيراني إلى (الوثائق والمستندات التاريخية الخاصة بملكية هذه الجزر والتي تحتفظ بها الحكومة الإيرانية). وادعى، على وجه التحديد، ان البعثة البريطانية في طهران قالت في مذكرة في عام 1905 ان شيخ الشارقة قد رفع علمه على جزيرة لا يملكها، مشيراً إلى ذلك باعتباره دليلاً على ان المعارضة البريطانية للمطالبات الإيرانية غير مبررة. من جهته اكتفى الوزير المفوض البريطاني بالقول : (إننا لا نملك أرشيفاً حول هذه القضية يعود إلى العام 1905، وقد يهمني ان أطلع على المذكرة في وقت ما). غير أن إيران لم تبرز المذكرة. في الواقع، قدمت إيران ادعاء زائفاً وهو الأمر الذي كررته في الأعوام اللاحقة. وفي الحقيقة، وكما يظهر الأرشيف البريطاني بشكل واضح، فإن البريطانيين دافعوا بقوة عن حقوق الشارقة في رفع علمها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في عامي 1904 و 1905 وفي الأعوام اللاحقة.
وسرعان ما أضحى البريطانيون على دارية بشائعة تفيد تشكيل قوات بحرية إيرانية على الساحل الجنوبي لإيران في محاولة لاحتلال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وعند سؤاله حول هذا الأمر، أقر الجنرال علي رازمارا، رئيس هيئة الأركان العامة في إيران، بأن إيران تنوي ان تضع أفواجاً صغيرة على الجزر بالقرب من ساحلها، غير أنها لن تفعل ذلك على الجزر المتنازع عليها. وفي لقاء مع الوزير المفوض البريطاني في طهران لو روجوتيل، قال الشاه إن هناك اقتراحاً من وزير الشؤون الخارجية بوضع مفارز على الجزر المتنازع عليها، غير ان هذا الاقتراح تم رفضه. وقد ظن لو روجوتيل ان الاهتمام المتجدد بالخليج والجزر (مرده إلى مشروعات النفط البحرية). وعندما وصلت الأخبار في أيلول/ سبتمبر أن علماً فارسياً يرفرف على جزيرة طنب الصغرى، وجه البريطانيون تعليمات إلى كبير ضباط البحرية في الخليج لإزالته، وهو ما فعله في الشهر التالي.
وفي عام 1949، وبعد اكتشاف النفط تحت قاع الخليج، أعلنت المشيخات الست : أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين (حيث لم تكن الفجيرة إمارة مستقلة معترفاً بها) عن ولايتها القانونية الحصرية وسيطرتها على الجرف القاري الخاص بها، أي قاع البحر وما تحت القاع ضمن نطاق مياهها الإقليمية. وقد أعربت المشيخات المذكورة بجرفها القاري. غير أنها رأت أنه من غير المرجح ان تكون إيران شريكاً راغباً في المفاوضات الخاصة بالخط الفاصل عبر الخليج، والذي سيكون متساوي البعد من كل ساحل عبر المناطق المتنازع عليها معها.
وفي الحقيقة، لم تطالب إيران بجرفها القاري حتى عام 1955. فبدلاً من ذلك، وفي شباط / فبراير 1951، أنزلت سفينة بحرية إيرانية قوة على جزيرة أبوموسى وأكدت أن الجزيرة إيرانية. وفي أعقاب تحقيق أجري حول هذه الحادثة، أكد الوزير المفوض البريطاني في طهران مرة أخرى حق الشارقة بالجزيرة ورفض مطالبة إيران في رسالة وجهها إلى وزير الخارجية الإيراني، مؤرخة في 26 نيسان/ إبريل. وقد حدث ذلك بعد ان بدأت إيران، بضغوط من الجبهة الوطنية بزعامة الدكتور محمد مصدق، بتأميم شركة النفط الإيرانية – الإنجليزية، وهو الأمر الذي أحدث أزمة مطولة قادت إيران إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا في تشرين الأول / أكتوبر 1952.
وفي آذار / مارس 1953، تلقى البريطانيون تحذيراً من العراق مفاده ان إيران تفكر في إرسال قوات لاحتلال الجزر الواقعة في مضيق هرمز. وعندما سألت السفارة الأمريكية في طهران وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية عن هذا الأمر، أخبروا بأن لجنة تبحث في قضية الجزر، غير أنها لم تعد بعد تقريراً سترفعه إلى رئيس الوزراء. كما أبلغت وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية الأمريكيين زاعمة ان الشيوخ العرب انتهكوا اتفاقية انجليزية – فارسية مزعومة تعود إلى بداية القرن حول احترام الوضع القائم على الجزر. وكان ذلك تفسيراً غير صحيح للمراسلات الإنجليزية – الفارسية ذات الصلة. وفي تقرير لاحق تم تقديمه إلى وزارة الخارجية الأمريكية، فسرت السفارة الأمريكية البيان الإيراني على النحو التالي :
من المرجح أن حكومة مصدق قد وجدت – أو اختلقت – قضية أخرى، شبيهة بالاتهامات المتكررة حول الانتهاكات البريطانية للحدود العراقية – الإيرانية، والتي يمكن استخدامها لمصلحة سياسية داخلية. ويمكن بسهولة استغلال هذا الأمر كوسيلة دعائية للإيحاء بأن الحكومة البريطانية تهاجم إيران ولكن من اتجاه آخر.

ومن أجل ردع أية محاولة إيرانية للإنزال على جزيرة أبوموسى، أرسل البريطانيون سفينة حربية إلى الجزيرة. وقد أثار ذلك وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية التي أصدرت احتجاجين رسميين عبر المفوضية السويسرية، القائمة بالمصالح البريطانية في إيران، والتي اتهمت بهما بريطانيا بانتهاك الولاية القانونية لإيران و (معاهدة) مكتوبة تعود إلى عام 1904 والتي حسب ادعائها تعترف بالوضع القائم. هذا ولم ترد بريطانيا على الاحتجاج الثاني المقدم في آب / أغسطس 1953، إذ سرعان ما تبعه انقلاب أطاح حكومة مصدق وأعاد الشاه إلى الحكم.
وفي عام 1954، وبينما كانت إيران تنظر في مسودة قانون حول جرفها القاري، اقترح وزير الخارجية الإيراني نصر الله انتظام إبرام معاهدة خط فاصل، ملمحاً إلى ان إيران قد تتنازل عن مطالبتها بالبحرين مقابل جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. كما واصلت إيران تشويه الحقائق بشأن المراسلات الإنجليزية – الفارسية لسنة 1904، مدعية أنه (في عام 1904، توصلت حكومة المملكة المتحدة إلى اتفاقية مع الحكومة الإيرانية بشأن الجزر المذكورة في (الخليج الفارسي)، يتم بموجبها احترام الحقوق السيادية الإيرانية الوضع القائم في الجزر والمحافظة عليها). وفي حين رفضت وزارة الخارجية البريطانية الادعاءات والمقترحات الإيرانية، فإنها فكرت بالفعل في إقناع رأس الخيمة ببيع أو تأجير طنب الكبرى وطنب الصغرى وإقناع الشارقة بالتنازل عن مطالبتها بجزيرة صري مقابل تنازل إيران عن مطالبتها بجزيرة أبوموسى وربما البحرين. وقد رأى البريطانيون ان مثل هذا الاتفاق يتفق مع الخط الفاصل بين الساحلين.
وعند إخبار حاكم الشارقة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي بهذه الفكرة، وافق على التنازل عن مطالبته بجزيرة صري إذا ما تنازلت إيران عن مطالبتها بجزيرة أبوموسى، وان لم يتم إخباره باقتراح تعويض حاكم رأس الخيمة، الشيخ صقر بن محمد القاسمي. وكان حاكم رأس الخيمة في البداية مستعداً لبيع الجزيرتين مقابل 50 مليون روبية، مع المحافظة على حقوقه النفطية والمعدنية، والإبقاء على المنارة، والسماح لصيادي الأسماك من رأس الخيمة باستخدام الجزر، وعدم فرض اية رسوم إيرانية، مثل الرسوم الجمركية، على مواطنيه. ولكن بعد التفكير بالأمر، قرر أنه يفضل تأجير الجزيرتين. غير ان البريطانيين رأوا ان السعر الذي طلبه (مثير للسخرية) وشرطه الثالث (غير معقول)، وقرروا إخبار إيران عن استعداده للتفاوض دون إخبارها بشيء عن شروطه. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه في عام 1953، منحت رأس الخيمة امتياز استكشاف في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لشركة جولدن فالي أوكر آند أوكسيد غير انه لم يتم اكتشاف أي أوكسيد أحمر على الجزيرتين.
و في أيار / مايو 1955، تم نقل هذه الأفكار البريطانية بشأن الجزر إلى وزير الخارجية الإيراني نصر الله انتظام عن طريق روجر ستيفنز Roger Stevens، الوزير المفوض البريطاني في طهران. وبدا أن الوزير انتظام يتفق مع الرأي القائل بان المطالبة الإيرانية بالبحرين لا يمكن فرضها، غير أنه فكر بأن الرأي العام الداخلي لن يسمح لإيران بالتنازل عن مطالبتها بجزيرة أبوموسى. وأشار إلى أنه (سيتطرق) لهذه القضية مع الشاه، لكنه لا يتوقع حلاً لها.
وفي آب / أغسطس 1955،وبعد ان طالبت إيران بسيادتها على جرفها القاري، أثار الوزير انتظام قضية الجزر خلال زيارته إلى لندن. وقال ان القضية تهدد بالإضرار بالعلاقات الإنجليزية – الإيرانية برمتها، ذلك ان (المجلس) الإيراني والشعب الإيراني يؤمنان إيماناً قوياً بأن الجزر إيرانية. ووفقاً لوزير الخارجية، فإن انفجاراً داخلياً سيقع إذا ما أدركوا ان بريطانيا تطالب بالجزر لشيوخ الساحل المتصالح. ولم يرد انتظام ان يوافق على أي اقتراح بشأن التحكيم ما لم يتم تضمين البحرين فيه، مع أنه أشار إلى إيران قد تحترم رغبات شعب البحرين. وقد استخلص البريطانيون من ذلك بأنه يعتبر التحكيم استفساراً سياسياً، وليس عملية قانونية. وقد وعد انتظام بتقديم كتاب حول تاريخ الجزر. ولأنه لم يشر إلى الاتفاق الذي تم اقتراحه في أيار / مايو فقد قرر البريطانيون أن يقترحوه ثانية لاحقاً، وذلك عبر السفير الإيراني في لندن لينظر فيه وزير الخارجية.
وفي خريف عام 1956، وبينما كان البريطانيون يحققون في شائعات مفادها ان إيران قد أنزلت أو تخطط لإنزال مسؤولين على جزيرة أبوموسى، أخبرت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بريطانيا ان قوات إيرانية قامت باحتلال جزيرة فارسي. ونقل السفير الأمريكي في طهران سيلدن تشابن Selden Chapin أن السبب وراء احتلال الجزيرة (تأسيس حقوق نفط بحرية). وفي تشرين الأول / أكتوبر، نقل السفير تشابن إلى وزارة الخارجية ان رئيس الوزراء الإيراني، حسين علاء، قد اعترف بأن إيران قد احتلت جزيرتي فارسي والعربي وأن علاء أضاف قائلاً :
ستحتل القوات الإيرانية لفترة وجيزة جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى إذا لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل. وقال رئيس الوزراء إنه تفاجأ من قوة احتجاج السفير البريطاني، حيث بدأ ذلك غريباً بالنسبة إليه ان البريطانيين بهذا الحماس في الدفاع عن القضية العربية ضد آخر الدول الصديقة المهمة لبريطانيا في الشرق الاوسط والتي تربطها بها حلف بغداد. وادعى علاء ان إيران تملك أدلة وثائقية كافية تثبت سيادتها على الجزر المتنازع عليها وأنه وعد بتزويدي بها، غير انه اعترف ان الإجراء قد عجل به الاهتمام الذي ظهر مؤخراً بحقوق النفط البحرية في الخليج.

أما السفير الأمريكي في المملكة العربية السعودية كاريجان Carrigan فقد لاحظ ان المقيم السياسي البريطاني في البحرين، بيرنارد باروز Bernard Burrows، (ذكر احتمالية ان تتحرك إيران نحو طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وعلق على ذلك بالقول ان إجراء مثل هذا سيكون أكثر خطورة لأن هذه الجزر مأهولة، و يمكننا القول إنها تدار من قبل الشارقة ورأس الخيمة). ونقل السفير تشابن ان وزير الخارجية الإيراني علي قلي أردلان قد قال إن إيران لا يمكنها ان تتراجع عن موقفها بما أنها تملك (مطالبة لاشك فيها) بالجزر، وكما أخبر السفير البريطاني، فإن إيران يجب ان تنظر إلى الأمام خمسين عاماً، وحينذاك ربما تكون (بريطانيا غير قادرة على كبح الدول العربية) واتخاذ الخطوات الضرورية لحماية ساحل الخليج و (المصالح الأخرى). و في النهاية، لم تنفذ إيران تهديدها باحتلال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى حينئذ.
وعلى أي حال، فقد دفعت هذه الأحداث والتقارير وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دلاس إلى إشعار السفير الأمريكي في طهران في 31 تشرين الاول / أكتوبر 1956 بأن يخبر وزير الخارجية الإيراني بما يلي :
1) إن تسوية النزاعات حول السيادة على جزر (الخليج الفارسي) ليست مطلباً مسبقاً لبدء عمليات التنقيب عن النفط في الحقول البحرية التي تم الشروع فيها منذ بعض الوقت على الجانب الآخر من الخليج. غير أن سلسلة من الاحتلالات للجزر المتنازع عليها من قبل الطرفين المتنازعين المطالبين بها قد تخلق شكوكاً وتزعزع الأمن، وهذا ما قد يقود إلى تثبيط الاستثمارات الضخمة المطلوبة للعمليات البحرية.
2) تراقب وزارة الخارجية الوضع عن كثب في ضوء رغبتها ألا يسوء الوضع الراهن في الشرق الأوسط بسب تدهور الأوضاع في (الخليج الفارسي).
3) في حين أن وزارة الخارجية لا ترغب في ان تقف إلى جانب أحد الطرفين في النزاعات على السيادة على الجزر، فإن الولايات المتحدة تقدر أن يتم إشعارها بالأهداف النهائية للخطط الإيرانية ونطاقها، ويبدو أن احتلال جزيرة فارسي كان الخطورة الأولى في هذا السياق.
4) لم ترفع الوزارة أية احتجاجات إلى الأطراف المعنية الأخرى، ولم تثر هذه القضية مع الحكومة الإيرانية لأن الولايات المتحدة تأمل بأن الحكومة الإيرانية يمكنها ان توضح الموقف من خلال تقديم معلومات حول الوضع الراهن غير الواضح للجزر ونطاق خطط الحكومة الإيرانية.

وفي الأشهر الأولى من عام 1957، فكر البريطانيون فيما إذا كان ممكناً إعادة تأكيد إدارة الشيوخ لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى بطريقة ما كوسيلة لتعزيز المطالبة القانونية ولردع – أو الرد على – أية عملية نزول إيرانية. وقد تم اقتراح رفع أعلام الشيوخ، التي كانت ترفع عندما يقترب ضيوف من الجزر، بشكل دائم، وعندما لم ينفذ الحكام هذه النصيحة، قالت وزارة الخارجية :
إن عدم مبالاة الحكام وممثليهم المحليين مشكلة طويلة العهد، غير إنني أعتقد وفي ضوء الاحتلال الإيراني لجزيرتي فارسي والعربي ان علينا أن نقدم لحاكمي رأس الخيمة والشارقة تحذيراً صارماً يفوق التحذيرات السابقة حول مخاطر فقدانهم لوضعهم تلقائياً.

كما تم اقتراح ان يتم توطين بعض سكان رأس الخيمة في جزيرة طبن الصغرى، غير ان ندرة الماء على الجزيرة عوقت هذه الخطوة. وبدلاً من ذلك، تم تشجيع ممثل الحاكم في جزيرة طنب الكبرى لزيارة جزيرة طنب الصغرى ورفع علم رأس الخيمة هناك بين حين وآخر. وفي عام 1958، أنزل البريطانيون والد حاكم رأس الخيمة على الجزيرة لرفع الستارة عن لوحة نحاسية موضوعة على قاعدة أسمنتية تؤكد ملكية رأس الخيمة للجزيرة.
ولاحقاً في عام 1957، عقد البريطانيون أيضاً محادثات مع الأمريكيين بشأن قضايا مختلفة متعلقة بالخليج، بما في ذلك الحقوق في مياه الخليج، وقاع البحر، والجزر، ومشكلات امتيازات النفط البحرية. وقد أخذت هذه المناقشات في الاعتبار الأعمال السابقة المنجزة من قبل فريق مشترك من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية حول الخط الفاصل في الخليج. وفي حين رأت الولايات المتحدة عدم الحاجة إلى بذل أية جهود لتسوية هذه القضايا إلى حين انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1958، فإن البريطانيين اقترحوا النظر في قضايا هذه الجزر لوحدها وليس في سياق مشكلات قاع البحر الأخرى. وقد فضل البريطانيون منهجاً متوازياً مشتركاً للأطراف المعنية في الخليج لحث حكوماتها على تجميد الوضع القائم على الجزر إلى حين إجراء مفاوضات مستقبلية، ولكن الولايات المتحدة لم تر ان مثل هذه المنهجية ستنجح. غير ان الطرفين اتفقا في تشرين الثاني / نوفمبر على ان أساس تقسيم قاع البحر في الخليج بين أراضي الدول التي سواحلها يقابل بعضها بعضاً يجب ان يكون خطاً، كل نقطة فيه متساوية البعد عن أقرب نقطة أو نقاط على السواحل المقابلة في الخليج، على ان تقاس من علامة مائية متوسطة على البر الرئيسي أو على الجزر، وأن تكون العلامة المائية المتوسطة على الجزر ضمن حدود ثلاثة أميال من تلك التي على البر الرئيسي.
لذا، فإن قبول مبدا الخط الفاصل الذي هو متساو في البعد عن خطوط ساحل البر الرئيسي أو الجزر ضمن حدود ثلاثة أميال من هذه الخطوط سيستبعد جزر صري وطنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى والبحرين من الاعتبار في رسم الخط الفاصل.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 1958، وفي حين كانت إيران والولايات المتحدة الأمريكية تتفاوضان بشأن اتفاقية دفاعية ثنائية كانا سيوقعانها في آذار / مارس 1959، علمت وزارة الخارجية الامريكية بشأت تشريع إيراني وشيك لتعديل قانون المنطقة البحرية الإيرانية لعام 1934، الذي كان يحدد المنطقة البحرية بستة أميال، ليؤسس من جانب واحد منطقة بحرية لمسافة 12 ميلاً قبالة الساحل الإيراني وحول كافة الجزر الخاضعة للسيادة الإيرانية. وقد سعت وزارة الخارجية الامريكية إلى تأجيل إقرار هذا التشريع، إلى حين انعقاد مؤتمر قانون البحار الثاني لعام 1960، مؤكدة ما يلي :
تعطي المياه الإقليمية الضيقة حرية مناورة قصوى للقوات البحرية والجوية التابعة لدول العالم الحر، متيحة لمثل هذه القوات فاعلية عظيمة في تحييد التهديدات الناجمة عن الإمبريالية الشيوعية لتوسيع سلطتها بالقوة. وهذا ينطبق خصوصاً على إيران التي تنطلق علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة من الروابط البحرية والجوية المدعومة بقوات برية قابلة للتحرك.

ورغم ذلك، ففي نيسان/ إبريل 1959، أجازت إيران التشريع الذي يوسع منطقتها البحرية إلى 12 ميلاً.
وفي كانون الاول / ديسمبر 1959، أشار الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة إلى الوكيل السياسي البريطاني في دبي ان جزءاً من قاع البحر حول جزيرة أبوموسى يتبعه. وبعد دراسة القضية بشكل موجز، كان الرأي القانوني الذي عبرت عنه وزارة الخارجية البريطانية في مطلع عام 1960، بناء على المادتين 2 و 10 من اتفاقية البحر الإقليمي والمنطقة المجاورة لعام 1958، أنه (لا شك في ان السيادة على جزيرة ما تحمل معها السيادة على قاع البحر وما تحت القاع ضمن نطاق المياه الإقليمية للجزيرة). غير أن وضع ما وراء المياه الإقليمية للجزيرة تم اعتباره أقل وضوحاً لأن اتفاقية الجرف القاري لعام 1958 لم توضح كيف ان موق الجزر سيؤثر في تحديد الجروف القارية المقابلة أو المحاذية. كما لم يكن هناك من اتفاق حول رسم الجرف القاري في الخليج، وهو بأكمله جرف قاري بين دول متقابلة أو محاذية .
وفي حزيران / يونيو 1960، أعلم مكتب الدراسات الهيدروغرافية التابع للبحرية الأمريكية وزارة الخارجية الأمريكية انه طلب من الحكومة الإيرانية إذناً لاستخدام جزيرتي صري وأبوموسى لإجراء دراسة مسحية هيدروغرافية وأن إيران لم تحتج على ذلك. وعندما علمت بذلك السفارة البريطانية في واشنطن أخبرت وزارة الخارجية الأمريكية ان أبوموسى تابعة لحاكم الشارقة. وعليه، أرسلت السفارة البريطانية برقية إلى لندن قالت فيها (إن وزارة الخارجية – الامريكية – عبرت عن أسفها، غير أنها لم تسمع بهذا الأمر من قبل)، وستكون ممتنة لو ان وزارة الخارجية البريطانية يمكنها الحصول على إذن من حاكم الشارقة. وبما أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قلقة من ان إيران قد تستغل المنهجية الامريكية كدليل يدعم مطالبتها، فقد طلبت من البحرية الامريكية ان تخبر الإيرانيين ان الطلب الأصلي تم تقديمه بطريقة الخطأ. ولم تسحب البحرية الامريكية طلبها من إيران فحسب، بل إنها لم تنزل اختصاصي الدراسة المسحية التابعين لها على جزيرة أبوموسى في تشرين الثاني / نوفمبر 1960 إلا بعد ان حصلت على إذن من حاكم الشارقة.
وفي 18 آذار / مايو 1961، هبطت مروحية على جزيرة طنب الكبرى والتقطت صوراً للمنارة وحققت مع قاطني الجزيرة. ولم يعلم البريطانيون بهذه الزيارة إلا في آب / أغسطس، بما في ذلك حقيقة أن المجموعة التي قامت بالزيارة تتضمن إيرانياً وأمريكيين اثنين، وأن ذلك قد تبعه لاحقاً نزول قارب ومجموعة أخرى من الامريكيين. وقد خلص البريطانيون إلى ان المروحية والقارب إيرانيان وأن (وجود الامريكيين في الزيارتين يشير إما إلى اهتمام شركة نفط امريكية أو استعانة الإرانيين بشركة نفط امريكية). ورداً على ذلك، أوصت وزارة الخارجية البريطانية مرة أخرى رفع علم حاكم رأس الخيمة بشكل متواصل على الجزيرة وقد وافق فعلاً على ذلك. وفي أيلول / سبتمبر 1961، قدمت وزارة الخارجية البريطانية أيضاً احتجاجاً رسمياً إلى وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية مفاده أنه لن تتمكن إيران بعد اليوم من الإشارة إلى مثل هذه الزيارات باعتبارها تقع ضمن السيادة التي تدعم مطالبتها بالجزر.
أما إيران فقد ردت لاحقاً في ذلك الشهر برفض مطالبة رأس الخيمة ومؤكدة مطالبتها قائلة : (سيادة الحكومة الإمبراطورية على جزيرة طنب الكبرى مبنية على قوانين ومبادئ القانون الدولي، وأنها لم تتنازل عن حقها فيها). أم السفارة البريطانية في طهران، فقد رأت أن الإشارة إلى القانون الدولي كانت (ربما إشارة إلى مبدأ الخط الفاصل الذي ستستفيد منه إيران، حيث ان طنب الكبرى تعد أقرب إلى السواحل الإيرانية منها إلى سواحل رأس الخيمة). وقد رفضت وزارة الخارجية البريطانية ان يكون المبدأ صحيحاً وداعماً للمطالبة الإيرانية، غير أنها أشارت خطأ بالقول : (إن سيادة المناطق ذات الصلة يجب ان تتحدد قبل البدء في تحديد الخط الفاصل). كما أصرت وزارة الخارجية على رفض تأكيدات وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية بملكية الجزيرة، لأن عدم قيامها بذلك قد يضر بمطالبة حاكم رأس الخيمة. وقد تم ذلك في كانون الثاني / يناير 1962 وهو الأمر الذي تبعه بسرعة مذكرة إيرانية تؤكد موقف إيران.
ثم زارت البحرية البريطانية جزيرة أبوموسى في تشرين الأول / أكتوبر 1961 ولم تجد دليلاً على نزول إيراني على الجزيرة. غير أنها أشارت إلى ان حاكم الشارقة لم يكن له ممثل في الجزيرة. وهذا ما دفع وزارة الخارجية إلى التوصية في تشرين الثاني / نوفمبر بتعيين ممثل يرفع علم الشارقة، ويفضل ان يكون ذلك بشكل متواصل. كما أشارت وزارة الخارجية إلى ان التوصيات نفسها قد تم رفعها عندما هددت إيران الجزيرة في عام 1953، قائلة :
إنه من المهم ألا تنقطع الترتيبات التي تمت هناك، على أساس أنه، وكما تعلمون، فإن الإجراءات الإدارية المتواصلة مثل أداء الضرائب من قبل زعيم ما، يمكن ان تكون عاملاً مهماً في دعم المطالبة بالسيادة حسب القانون الدولي.

وبحلول عام 1962، تطورت مخاوف الشاه من مطامع مصر في عهد جمال عبدالناصر ومطامع العراق في عهد عبد الكريم قاسم في منطقة الخليج إلى درجة أنه تعهد للاتحاد السوفيتي ألا يسمح لقوة أجنبية بالاحتفاظ بقواعد صواريخ في إيران. وظن الشاه ان تطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي سيمكنه من التركيز أكثر على شؤون الخليج. كما انطلق في برنامجه للإصلاحات الاقتصادية – الاجتماعية الداخلية، والذي عرف باسم الثورة البيضاء، على أمل ان ذلك سيقنع إدارة الرئيس جون كينيدي في الولايات المتحدة الامريكية ان تكون اكثر استعداداً لتقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية إلى إيران. وكان الشاه حريصاً على الحصول على مساعدة أمريكية وبريطانية في حماية مصالحه ضد التهديدات العربية الراديكالية في الخليج. وبسبب المصالح المتقاربة، لم يكن البريطانيون أقل حماساً في التعهد بتقديم دعمهم. ونتيجة لذلك، لم يكن النزاع على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى أمراً مهماً على جدول اعمال المحادثات التي عقدت في ربيع عام 1963 بين إيران وبريطانيا، أو تلك التي عقدت بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران.
وفي أيار / مايو 1963، وفي أعقاب زيارات إلى طهران قام بها وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية اللورد أليك دوجلاس هيوم، ووزير الخارجية الامريكي دين رسك، ذكرت سفارة الولايات المتحدة الامريكية في طهران ان اللورد هوم قد أشار إلى البحرين بوصفها القضية الوحيدة (التي نتفق نحن وإيران على ان نختلف بشأنها). وأشارت إلى ان هوم قد قال :
يمكنكم ان تطمئنوا، سيادة رئيس الوزراء، بأقوى دعم ممكن من الشعب البريطاني على كل ما فعله صاحب الجلالة الإمبراطورية وأنتم وحكومتكم في إيران... وعندما تتعهد دولة مثل بريطانيا، وهي التي تملك أسحلة نووية، بتقديم دعم إلى أحد حلفائها، فإنها تتعهد بحياتها.

وبعد استشارات مع السفارة البريطانية في طهران، ذكرت السفارة الأمريكية في طهران أيضاً ان الشاه قد أخبر اللورد هوم بأنه قلق من (خطر الاتحاد العربي)، أي المحاولة الوجيزة وغير الناجحة لتأسيس اتحاد بين مصر في عهد جمال عبد الناصر والحكومتين البعثيتين الجديدتين في سوريا والعراق، وأن الشاه أخبر هوم أيضاً بأن السيد رسك (قد وعد بدراسة طلبه بتقديم المساعدة في تعزيز الدفاعات الإيرانية في الجنوب). كما ذكرت السفارة الأمريكية ما يأتي :
فيما يتعلق بمشيخات (الخليج الفارسي) والكويت، أخبر الشاه اللورد هوم بأن سياسته الوحيدة هي ان المملكة المتحدة عليها ان تحافظ على مكانتها في هذه المناطق. وكان الشاه خائفاً من وقوع هذه المناطق تحت سيطرة جمال عبد الناصر. أما اللورد هوم فقد أخبر الشاه بان الرغبة في الوحدة كانت قوية جداً بين العرب، وان القوى الخارجية لا يمكنها ان تفعل الكثير لوقف العرب إذا ما كانوا مصممين على تحقيق هذه الوحدة. وكانت المملكة المتحدة مترقبة لأي مؤشرات من ان العرب قد يسعون إلى فرض إرادتهم على الدول غير العربية المجاورة. وكانت المملكة المتحدة معارضة تماماً لهذا النوع من النشاط.

وفي تموز / يوليو 1963، نقل السفير البريطاني في طهران السير دنيس رايت Dennis Wright إلى وزارة الخارجية البريطانية ان إيران كانت تشدد على حقوقها في صري وأبوموسى وطنب الكبرى. وفي حديثه عن لقائه مع رئيس الوزراء الإيراني أسد الله علم، قال رايت :
قال رئيس الوزراء إن إحدى الجزر لا يوجد فيها نفط وألمح إلى ان ذلك هو السبب وراء تجديد الاهتمام الإيراني بها. غير أنه اضاف قائلاً إن في وسعه ان يطمئنه بأن الحكومة الإيرانية لن تدخل أية مغامرات قد تقودها إلى مواجهة مع حكومة صاحب الجلالة، بل إنهم يأملون في (أن يتسللوا) ويشقوا طريقهم عبر هيمنة اللغة والثقافة الفارسيتين.

وحذر السفير البريطاني أن ذلك (قد يعني ان الإيرانيين يفكرون بالنزول سرياً على الجزر من أجل مواجهتنا يوماً ما بأغلبية فارسية ساحقة على كل جزيرة). وقد لاحظت وزارة الخارجية البريطانية ان جون ميكوم John Mecom، وهو أمريكي، قد حصل على امتيازات من الشارقة وعجمان وأم القيوين، وأنه كان يقوم بعمليات استكشافية في المناطق البحرية لمناطق الامتياز على أمل اكتشاف تجمعات نفطية إلى الجنوب من جزيرة أبوموسى. وقد قاد ذلك إلى الاستنتاج بأن (الانشطة النفطية المتزايدة هي على الأغلب التي أحيت الاهتمامات الإيرانية في الإمارات المتصالحة وشجعتها على المضي قدماً مرة أخرى بمطالبتها بالجزر الثلاث قيد المناقشة).
ولاحقاً في تموز / يوليو، نقل السفير البريطاني رايت مرة أخرى حول اجتماع أخرى مع رئيس الوزراء الإيراني اسد الله علم ما يأتي :
كرر النية الإيرانية بألا تفعل أكثر من أن (تتسلل) وبالتالي تسهم في (إضفاء السمة الإيرانية) على الجزر. ورداً على سؤالي قال إنه لم يكن في النية إنزال الإيرانيين بل تزويد الإيرانيين الذين يعيشون فعلياً على الجزر بالكيروسين وإمدادات أخرى لا يمكن الحصول عليها (من طرف الآخر). وعبر رئيس الوزراء عن أمله بأن نغض الطرف عن مثل هذه الأنشطة.

كما نقل رايت ان رئيس الوزراء الإيراني قد استفسر عن الاهتمامات الملاحية البريطانية في الجزر، فقد فهم ان البواخر البريطانية وسفن الشحن البريطانية مرت بالجزر بأعداد كبيرة. وقد كتب السفير البريطاني الآتي :
انطباعي هو أن الحكومة الإيرانية لا تريد (مواجهة) معنا حول هذه القضية، وهي ـامل ان تتوصل إلى شيء يشبه (اتفاقية شرف) – جنتلمان – معنا بحيث لا نضع أية عقبات في طريق الاختراق السلمي لهذه الجزر. وبعد ذلك، فإن اعتقادي (وما يعزز اعتقادي هنا هو إشارة غير حذرة من رئيس الوزراء إلى مرحلة ثانية ) هو أننا نثير طلباً محلياً بحماية إيرانية. وإننا نفترض ان تجدد الاهتمام الإيراني بهذه الجزر مرده إلى اعتقادها بأن فيها نفطاً.

ومرة أخرى، توصلت وزارة الخارجية البريطانية إلى الاستنتاج التالي :
مما لا شك فيه ان أنشطة أصحاب الامتيازات النفطية من الامريكيين هي التي أحيت الاهتمام الإيراني بالجزر، وفي ظل تطلعها إلى المفاوضات المستقبلية حول تقرير حدود الامتيازات البحرية الإيرانية وتلك الخاصة بالإمارات المتصالحة، فقد وجدت إيران الفرصة سانحة لإعادة التأكيد على مطالبتها.

وفي غضون ذلك، قالت الأميرالية البريطانية إن مصلحة الملاحة البريطانية تكمن في المحافظة على عمل المنارات بطريقة فعالة، وان الحركة الملاحية قد تتنامى نتيجة للتطورات النفطية، وإنه قد يكون من الضروري إضافة منارة على جزيرة أبوموسى مثلما هو الحال على جزيرة طنب الكبرى. كما لاحظت الأميرالية ان إيران لا يمكن التعويل عليها للمحافظة على المنارات بطريقة فعالة، وأن نزول جماعات الإيرانيين إلى طنب الكبرى اليوم أضحى أمراً متكرراً.
وفي أعقاب تعليمات من وزارة الخارجية البريطانية، تم تحذير ممثلي حاكمي الشارقة ورأس الخيمة من المطالبات الإيرانية المتجددة، وقدمت لهما المشورة بأن يظهرا السيادة بأن يرفعا علميهما على جزرهم وان يقوما بزيارتها. وعلى الفور، قام ممثل حاكم الشارقة بزيارة إلى أبوموسى وأعاد رفع أعلامه عليها. كما صدرت تعليمات إلى البحرية الملكية بالمحافظة على وتيرة دورياتها في المنطقة وان تخطط لعمليات نزول على الجزر، على أن يتم ذلك في المستقبل بحيث لا يفسر ذلك على أنه ردة فعل مباشرة على المساعي الإيرانية. وعند استلام هذه التعليمات في مطلع آب / أغسطس، نقل المقيم السياسي البريطاني في البحرين متأخراً شكوى قدمها في وقت سابق من العام حاكم رأس الخيمة مفادها ان علمه وسارية علمه قد أطيح بهما على جزيرة طنب الكبرى في نيسان / أبريل من قبل سفينة حربية إيرانية. واستجابة لطلبه، أعادت البحرية البريطانية سارية العلم في تموز / يوليو. وأضاف المقيم قائلاً :
لم نرَ انه سيكون مبرراً ان نوصي بتقديم شكوى رسمية إلى الحكومة الإيرانية في غياب أية تفاصيل ثابتة (على سبيل المثال لم يستطع ممثل الحاكم في طنب الكبرى ان يجزم ان الغزاة كانوا فرسياً) ولان الحادثة نفسها بدت على اية حال حادثة بسيطة.

ومنذ بداية هذه الحادثة في تموز/ يوليو، أخبر السفير البريطاني محاوريه الإيرانيين ان بريطانيا ( لا يمكنها ان تتنازل عن السيادة على الجزر التي تتبع الحكام الواقعين تحت حمايتنا، وإذا ما فعلنا ذلك فإنه سيبدو سوء نية وسيكون من شأنه أن يزعزع مكانتنا في - الخليج الفارسي- برمته، وهو الأمر الذي فهمت انه يمثل مصلحة بريطانية وإيرانية على السواء). وكانت وزارة الخارجية مصممة من البداية على (عدم السماح لأية أنشطة إيرانية على طنب الكبرى وأبوموسى قد تعزز مكانتها على حساب الحقوق السيادية للحاكمين). من جهته، فوض وزير الخارجية اللورد هوم السفير البريطاني في طهران ان يذكر رئيس وزراء إيران بأن الشاه نفسه قد أخبر هوم في 2 نيسان / أبريل بأن (كل ما ترغب فيه إيران هو ان تحافظ المملكة المتحدة على مكانتها في الخليج)، وان يقول نيابة عن اللورد هوم (إنني لا أتوقع التشكيك بتأكيدات صاحب الجلالة الإمبراطورية لي من قبل وزرائه ما لم يكن هناك تغيير مقصود في السياسة وهو الأمر الذي يجب التعبير عنه صراحة). وكانت هي تلك الرسالة التي نقلها السفير البريطاني.
وفي اجتماعاتهما اللاحقة في أواخر آب / أغسطس 1963، أخبر رئيس الوزراء علم ووزير الخارجية عباس آرام السفير البريطاني رايت ان الحكومة الإيرانية (تقر بالتزامات حكومة صاحبة الجلالة نحو شيوخ (الخليج الفارسي)، وأنها تحترم عدم استعدادنا لفقدان ثقتهم بسبب فشلنا في حماية مصالحهم)، غير انهما أرادا ( في نهاية الأمر) الاعتراف بـ ( السيادة ) الإيرانية. وقال أيضاً :
من مصلحة إيران ان تحافظ بريطانيا على مكانتها في الخليج، غير أننا لن نكون هناك على الدوام. وحيث عن إيران كانت صديقاً قديماً وحقيقياً للمملكة المتحدة، فإنه من مصلحتنا ان نرى ان الجزر أضحت إيرانية لا ان تقع تحت حكم عرب ولا يمكن ان يعول عليهم وغير جديرين بالثقة، سواء كانوا سعوديين أو عراقيين.

وقد كرر علم وآرام تأكيداتهما (بأنهما لن يقوما بأعمال مستفزة من خلال إرسال سفن حربية إلى الجزر أو رفع أعلام إيرانية هناك). وطلبا أن يخبر البريطانيون الشيوخ بالمصلحة البريطانية وحثهم على إجراء مفاوضات مباشرة مع الإيرانيين، على ان تكون حكومة صاحبة الجلالة وسيطاً محايداً. أما السفير رايت، فقد كرر المواقف الإيرانية مرة أخرى رافضاً الطلب الأخير، وقائلاً : (سيكون من واجبنا ان نتفاوض نيابة عنهم وحماية مصالحهم). وقد أخبر وزارة الخارجية انه لا يؤمن بالطمأنة الإيرانية، وهو الرأي الذي تم تناقله في لندن.
وفي تشرين الأول / أكتوبر 1963، نقل وزير الخارجية آرام احتجاجاً إلى السفير رايت بأن (الشيخ) قد بدأ في رفع علمه بشكل دائم، رغم انه لم يحدد إذا ما كان قصده ان حاكم الشارقة هو الذي يرفرف علمه على جزيرة أبوموسى، أو حاكم رأس الخيمة الذي يرفرف علمه على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وقال إن ما حدث يبدو وكانه ردة فعل على المناقشات الاخيرة مع السفير بشأن الجزر وهو الأمر الذي اعتبره مستفزراً. ولم يكشف السفير النقاب عن التوصيات البريطانية إلى الحكام وقال فقط (إن الشيخ ) له الحق في فعل ذلك إذا ما أراد ذلك. وقد يكون وزير الخارجية الإيراني قد أشار إلى الشيخ الشارقة، لأن آرام كان قد احتج في تشرين الثاين / نوفمبر على أنشطة شركة ميكومويل Mecomoil على بعد ستة أميال إلى الجنوب الشرقي من جزيرة أبوموسى، بما في ذلك زيارة استطلاعية قام بها إلى الجزيرة ممثل عن الشركة، وحفر بئر على عمق 600 قدم. (وفقاً للوكالة السياسية البريطانية في دبي، كانت شركة ميكومويل تحفر على بعد 12 ميلاً قبالة جزيرة أبوموسى وعلى عمق 6000 قدم).
أما مستشار السفارة البريطانية، السيد فيليبس Phillips، الذي ظن ان وزير الخارجية الإيراني كان (متأثراً بالاحتجاجات) فقد ردّ قائلاً (إن أبوموسى مأهولة، وتحت السيطرة الفعلية لحاكم الشارقة، وأنه من صلاحيات الأخير فعلياً ان يتعاقد مع شركة نفط). وقد أعلمته وزارة الخارجية البريطانية ان (يقول ان جزيرة أبوموسى والجزر البحرية هي جزء من أراضي حاكم الشارقة وتحت سيطرته الفعلية. وهذا التغير في الصيغة هدفه ان نوضح ان الحاكم لا يسيطر على الجزيرة كحقيقة أمر واقع، بل، ومن وجهة نظرنا، يحق له ذلك). وعندما اشتكى رئيس الوزراء الإيراني لاحقاً حول هذا الأمر، أوضح السفير البريطاني ان :
حكومة صاحبة الجلالة تعتبر أبوموسى تابعة لشيخ الشارقة، وأنها لا ترى سبباً يمنعه من ان يمنح امتيازاً نفطياً إذا ما أراد ذلك.

وفي محادثات تمت في تشرين الثاني / نوفمبر مع السفير البريطاني في طهران، عبر وزير الخارجية الإيراني والشاه معاً عن رغبتهما في تسوية الخلافات الإنلجيزية – الإيرانية في الخليج كاملة. وقد اقترح السفير رايت بطريقة غير رسمية على الشاه (أنه قد يكون ممكناً لنا ان نتفق على اعتراف شرعي بسيادة إيران على جزيرة صري مقابل اعتراف إيران بسيادة حاكم الشارقة على أبوموسى وطنب – كذا في الأصل-). غير أن الشاه لم يقبل هذا الاقتراح أو يرفضه. وفي الاشهر اللاحقة، ورغم توصية السفير، فإن بريطانيا لم تأخذ عرض الشاه بإجراء محادثات عامة وتسوية قضايا الخليج، مفضلة بدلاً من ذلك (الاتفاق على عدم الاتفاق). وفي هذه الأثناء، أبلغت الوكالة السياسية في دبي السفارة البريطانية في طهران ان جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لا تتبعان الشارقة بل رأس الخيمة.
وقبل ذلك، وفي أيلول / سبتمبر 1963، وبعد ان وافق وزير الخارجية الأمريكي رسك على دراسة طلب الشاه بالمساعدة في تعزيز الدفاعات الإيرانية في جنوب إيران، نقلت السفارة الأمريكية في طهران إلى وزارة الخارجية الأمريكية ان الشاه كان مستعداً لتأجيل حصوله على محطات رادار للجنوب إلى ان تصبح محطات الرادار في الشمال في وضعية تشغيلية كاملة. ومن ناحية ثانية (وفي هذه الأثناء، لن يعتمد على تأكيدنا انه في حال حدوث تهديد ما في (الخليج الفارسي)، فإننا سننظر على الفور في اتخاذ إجراءات لمواجهة الموقف). وقد جاء كذلك في التقرير:
قال الشاه إن إيران ربما لا تحتاج إلى قوارب طربيد في (الخليج الفارسي)، ولكن علينا ان نكون متأكيدين أن سفناً مناسبة بأعداد كافية متاحة لحماية خط السال الطويل، والجزر، وخاصة جزيرة خرج، وأخيراً بندر عباس. وقد عبر عن أمله في ان متطلبات البحرية ستؤخذ في الاعتبار في إطار خطط الطوارئ الخاصة بالخليج.

وفي 2 تشرين الثاني / أكتوبر 1963، وبينما كانت وزارة الخارجية تنظر في احتمالية منح حقوق امتياز نفطية خاصة بالمنطقة البحرية لرأس الخيمة، اعتقدت ان حقوق الجرف القاري الخاصة برأس الخيمة ستمتد بطبيعة الحال إلى الخط الفاصل الافتراضي (بين خطوط الماء الدنيا لليابستين المتقابلتين)، أي الساحل الإيراني والساحل العربي. وقد اعتقدت أيضا ان جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى ربما ستقعان على بعد عشرة أميال من الجانب الإيراني من الخط الفاصل، غير أن رأس الخيمة سيكون لها حقوق في الجزر نفسها ومنطقة بحرية بمساحة ثلاثة أميال حول الجزر، مما يترك المنطقة بين الخط الفاصل والمياه الإقليمية حول هذه الجزر في وضع غير محسوم. وفي 31 كانون الاول / ديسمبر 1963، اقترح محضر لوزارة الخارجية الصيغة التالية كوسيلة لتسوية قضية الجزر في مفاوضات الجرف القاري :
لكل دولة حقوق جرف قاري على جانبها من الخط الفاصل، غير أن هذا الحكم لا يخل بحقوق مالكي الجزر الواقعة على الجانب الآخر من الخط الفاصل في المطالبة بهذه الجزر والمياه الإقليمية التي لا تتعدى عرض عدد معين من الأميال انطلاقاً من هذه الجزر. أن تضمين هذا الحكم لا يشكل إقراراً من أي طرف بمطالبات الطرف الآخر فيما يتعلق بأي من هذه الجزر أو المياه الإقليمية. إن أي نزاع ينشأ بشأن مثل هذه الملكية يجب ان يحال إلى التحكيم بطلب من أي من الطرفين.

وهكذا، خلال خمسينيات القرب العشرين وسيتيناته، تم التفكير جدياً بشأن طرق التوصل إلى تسوية ما بشأن القضايا الحدودية العديدة بين الدول والإمارات الواقعة في المنطقة. وفي حال التوصل إلى اتفاقيات، يمكن لدول المنطقة وشركات النفط الغربية ان تطور موارد النفط في الخليج بشكل أسهل، كما يمكن لبريطانيا ان تشعر بطمأنينة أكبر عند رحيلها في نهاية المطاف عن الخليج تاركه إياه في حالة مرتبة. وكما تبين لم يكن هناك من حلول سهلة. ومع مرور الزمن وإدراك بريطانيا يوماً بعد آخر بضرورة الانسحاب من الخليج والدور الاستراتيجي الذي يمكن ان تضطلع به إيران في حماية المصالح الغربية، اضحت بريطانيا أكثر استعداداً لتقبل المصالح الإيرانية، وربما على حساب حقوق القواسم.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uaeislands/showtopics-10.html
الجزر الثلاث المحتلة لدولة الإمارات العربية المتحدة - طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
http://www.alamuae.com/uaeislands