الفصل الرابع - تعزيز إيران قدراتها العسكرية في الجزر
في 23 تشرين الاول/ أكتوبر 1992، قالت صحيفة الشرق الأوسط، وهي صحيفة سعودية تتخذ
من لندن مقراً لها، إن إيران قد جهزت ثمانية مواقع إطلاق صواريخ في جزيرة أبوموسى،
والتي ستستخدم لإطلاق صواريخ سيلكوورم Silkworm الصينية المضادة للسفن وصواريخ أرض
– أرض من نوع سكود بي Scud-B المعدلة التي تصنعها كوريا الشمالية. وكانت مصادر دولة
الإمارات العربية المتحدة ومصادر غربية تشكك في ان إيران ستنصب صواريخ سكود على
جزيرة مكشوفة مثل أبوموسى، وخاصة أنها كانت قد نشرتها بالفعل على السواحل الإيرانية
مما جعلها في نطاق كاف لضرب دولة الإمارات العربية المتحدة. وهي في واقع الحال قد
نصبتها على الجزيرة منذ الحرب الإيرانية – العراقية في ثمانينيات القرن العشرين.
والأهم من ذلك، ألمحت المصادر إلى احتمال ان تكون إيران قد أحضرت إلى الجزيرة
بالفعل صواريخ مضادة للسفن.
وبدأت مثل هذه التطورات تشكل نمطاً، بحيث لم تعد إيران تحاول ان تحكم سيطرتها على
الجزيرة على نحو متزايد فحسب، بل تحاول أيضا ان تستخدم الأهمية الاستراتيجية
للجزيرة بشكل منفرد، وذلك كوسيلة لتوسيع قوتها الذاتية في أرجاء منطقة الخليج كافة.
وبالمقابل فقد دفع ذلك مسؤولي الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس
التعاون لدول الخليج العربية والدول الغربية إلى تفحص القدرات الإيرانية المحتملة
والى إصدار تحذيرات شديدة إلى إيران.
وفي كانون الاول/ ديسمبر 1992، أعلنت القمة السنوية لدول مجلس التعاون لدول الخليج
العربية دعمها علانية لدولة الإمارات العربية المتحدة في قضية الجزر، داعية إلى
إجراء مفاوضات، ومؤكدة سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر، ورافضة
احتلال إيران لها، ومنددة تحديداً بالإجراءات الإيرانية على جزيرة أبوموسى لأنها
تشكل تهديداً لبناء علاقات ودية بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية،
وللأمن والاستقرار في المنطقة. وقد نقلت وسائل الإعلام الإيرانية عن الرئيس
رفسنجاني رده على تلك الدعوة بالقول ان على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
ان تعبر (بحر دماء) إذا ما أرادت ان تصل حقاً إلى الجزر. وفي الشهر نفسه، نشرت
إيران قوات إضافية من الحرس الثوري الإيراني في الجزر، وأعلنت أنها مستعدة للدفاع
عن الجزر في وجه أي هجوم. كما ذكرت إيران جاراتها من الدول العربية بأن إيران كانت
مستعدة لمحاربة العراق لمدة 80 عاماً.
ورغم الانتهاكات الإيرانية العديدة لمذكرة التفاهم، والمناورات العسكرية الإيرانية
ونشر قوات عسكرية، فقد قال راشد عبدالله، وزير خارجية دولة الإمارات العربية
المتحدة ورئيس لجنة وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في اللقاء
الوزاري المشترك لمجلس التعاون والاتحاد الأوربي ان دول مجلس التعاون لدول الخليج
العربية تؤمن أن إيران يمكنها ان تضطلع بدور إيجابي في تحقيق الأمن والاستقرار في
المنطقة. وقد جاءت تعليقاته في الوقت الذي كان وزير الخارجية الإيراني ولايتي يقوم
بزيارة رسمية إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست. ومرة أخرى، صدت إيران
مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما يتعلق بقضية الجزر. ولم تحقق زيارة ولايتي
أية تسوية فيما يتعلق بهذه القضية، كما أعلنت إيران عن قانون أطلقت عليه اسم قانون
المناطق البحرية لإيران في الخليج الفارسي وبحر عُمان، وقد ادعت فيه سيادتها على
جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.
ورغم كل ما مضى، ظلت دولة الإمارات العربية المتحدة تقترح سبلاً سلمية مختلفة
لتسوية النزاع. وبمناسبة العيد الوطني الثاني والعشرين لدولة الإمارات العربية
المتحدة في كانون الاول/ ديسمبر 1993، دعا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إيران إلى
الدخول في حوار مباشر بهدف إعادة الجزر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وبعد
فترة وجيزة من دعوة الشيخ زايد، طلبت دولة الإمارات العربية المتحدة رسمياً من
الأمين العام للأمم المتحدة أن يبذل مساعيه الحميدة وجهود الوساطة في هذه القضية.
وفي 2 كانون الثاني/ يناير 1994 قال الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي إن
الأمم المتحدة قد تضطلع بدور مناسب في تسوية النزاع على الجزر. غير ان إيران رفضت
استقباله لمناقشة القضية.
وفي 20 آذار/ مارس 1994، وفي مقابلة مع صحيفة الحياة اللندنية، أكد الشيخ زايد ان
النزاع بين البلدين يجب ان يحال إلى محكمة العدل الدولية. وقد عادت دولة الإمارات
العربية المتحدة وكررت هذه الاقتراحات في 5 تشرين الاول/ أكتوبر 1994، وذلك في كلمة
أمام الجلسة التاسعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة على لسان وزير
خارجيتها. وفي 2 كانون الاول/ ديسمبر وفي كلمة بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين
لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حث الشيخ زايد إيران على الدخول في حوار
موضوعي وبنّاء أو ان تقبل بالتحكيم الدولي لتسوية النزاع على الجزر.
ورغم كل هذه المقترحات من دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن إيران لم تغير شيئاً
في سلوكها، ففي حزيران/ يونيو 1994، رفض الرئيس الإيراني رفسنجاني نفسه اقتراح
إحالة القضية إلى محكمة دولية، وليس هذا فحسب، بل في الفترة بين خريف عام 1994 وحتى
مطلع عام 1995، زادت إيران مرة أخرى وإلى حد كبير عدد قواتها من الحرس الثوري
الإيراني وقدراتها العسكرية على جزيرة أبوموسى، فعمدت إلى نشر زوارق الهجوم السريع،
ومروحيات، ودبابات، ومدفعية مضادة للطائرات، وصواريخ أرض – جو، وتطوير قدراتها منها،
ومع اكتمال نصب منصات الصواريخ المضادة للسفن على جزيرة أبوموسى، أصبح الآن
بالإمكان إحضار الصواريخ بسرعة إلى الجزيرة من إيران. وقد قامت إيران بتحصينات
مماثلة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وفي 29 كانون الاول/ ديسمبر 1994، دشنت
إيران خطاً جوياً يربط بندر عباس بجزيرة أبوموسى، حيث يمكن للمدرج الذي تم توسيعه
فيها ان يستقبل طائرات الشحن التي تحمل إمدادات عسكرية وجنوداً.
وفي شباط/ فبراير و آذار/ مارس 1995، حذر العديد من المسؤولين الإمريكيين من
التهديدات المحتملة التي تمثلها عمليات الانتشار العسكرية الإيرانية على جزيرة
أبوموسى وحولها. فقد قال الجنرال جون شاليكاشفيلي رئيس هيئة الأركان المشتركة
الامريكية ان عمليات الانتشار الإيرانية إنما تشير إلى حقيقة ان طهران قد تكون تسعى
إلى امتلاك القدرة على اعتراض حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما أبرز وزير الدفاع
الامريكي وليم بيري هذه التطورات، وخاصة فيما يتعلق بوجود 6000 جندي إيراني على جزر
طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، ووجود بطاريات صواريخ أرض – جو طراز SA-6 على
جزيرة أبوموسى، ووجود أسلحة كيماوية على الجزيرة نفسها، بما في ذلك قذائف مدفعية
عيار 155 مليمتراً، ووجود صواريخ مضادة للسفن على الساحل الإيراني، ناهيك عن وجود
بطاريات صواريخ أرض – جو طرام SA-6 على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى أيضاً رغم
عدم إشارته إليها. وقد وصف وزير الدفاع الامريكي هذه القوات بأنها تشكل تهديداً
للملاحة في الخليج، داعياً إلى تعميق التعاون العسكري بين دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية والولايات المتحدة الامريكية. وفي البداية، اعتقد البعض أن عمليات
الانتشار الإيرانية إنما حدثت كردة فعل على عمليات حشد القوات الامريكية في الخليج
في خريف عام 1994 لردع اية تحركات تشكل تهديداً من قبل العراق على دولة الكويت. غير
ان عمليات الحشد والانتشار الإيرانية تواصلت حتى في شتاء وربيع عام 1995، بعد ان
كانت الولايات المتحدة الامريكية قد بدأت فعلياً بخفض عدد قواتها إلى حد كبير.
وبسبب أحداث مثل الاجتياح العراقي لدولة الكويت والتهديدات العسكرية الإيرانية
المتنامية المحتملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ونتيجة لنشر إيران أسلحتها على
الجزر، فقد دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة في ترتيبات عسكرية دفاعية مع القوى
العسكرية الكبرى. وقد تضمنت هذه الترتيبات توقيع برتوكول للتعاون العسكري مع روسيا
في 4 كانون الثاني / يناير 1993، واتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة
الامريكية في 25 تموز/ يوليو 1994، واتفاق تعاون عسكري مع فرنسا في كانون الثاني/
يناير 1995، وأخيراً توقيع مذكرة تفاهم حول الشؤون الدفاعية مع بريطانيا في أواخر
عام 1996. وكما أوضح مسؤول في وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن
الدولة أرادت من وراء هذه الترتيبات رادعاً أو وسيلة دفاعية في وجه أي هجوم رئيسي
على الدولة أو على الملاحة الدولية في الخليج. ومع ذلك فقد أشار المسؤول إلى ان هذه
الترتيبات الدفاعية لم تحفز إيران إلى تسوية النزاع على الجزر، وأقر أن على دولة
الإمارات العربية المتحدة ان تواصل الحصول على الدعم الدبلوماسي الدولي من أجل
التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.
لذا، فقد واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة منهجها الدبلوماسي، ففي 4 تشرين
الأول/ أكتوبر 1995، وفي كلمة أمام الجلسة الخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة،
دعا وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة مرة أخرى إلى (مفاوضات مباشرة وغير
مشروطة وثنائية) أو إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وأشار الوزير إلى ان دول
مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد دعمت هذا المنهج وعبرت عن احتجاجها على مواصلة
إيران للإجراءات غير القانونية الرامية إلى تعزيز احتلالها للجزر. وفي 23 تشرين
الأول، اكتوبر، خاطب نائب رئيس مجلس الوزراء بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ
سلطان بن زايد آل نهيان الجمعية العامة للأمم المتحدة في الذكرى الخمسين لقيام هيئة
الأمم المتحدة قائلاً ان احتلال إيران للجزر الثلاث إنما يشكل تهديداً مباشراً
لدولة الإمارات العربية المتحدة وأمن المنطقة. ومن المهم ان نشير هنا إلى ان دولة
الإمارات قد تلقت دعماً دبلوماسياً كبيراً من أحد أهم حلفائها في عام 1995، وذلك
عندما قال وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر إن دولة الإمارات العربية المتحدة
تملك حجة قوية تدعم مطالبتها بشأن الجزر، معبراً عن تأييده للجهود التي تبذلها دولة
الإمارات العربية المتحدة لتسوية هذه القضية مع إيران بالطرق السلمية.
وفي منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، وبعد دعوة وجهها إلى إيران ودولة الإمارات
العربية المتحدة وزير خارجية دولة قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، عقدت جلسة
ثانية من المحادثات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران في العاصمة
القطرية الدوحة. وقد دعت رسالة الدعوة إلى الاتفاق على جدول أعمال المفاوضات
الثنائية. واستجابة لذلك، سلمت دولة الإمارات العربية المتحدة جدول اعمال مقترحاً
يغطي الأمور التالية : أولاً، الاحتلال الإيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى،
وثانياً، التزام إيران بمذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبوموسى، وثالثاً، قضية السيادة
على جزيرة أبوموسى، ورابعاً، إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية في حال فشل
المفاوضات الثنائية. أما إيران التي ظلت على الدوام غير مستعدة للنظر في البند
الأول والثالث والرابع أعلاه، فقد رفضت مقترح دولة الإمارات العربية المتحدة، وعليه
فقد فشل الاجتماع في التوصل إلى أي اتفاق.
وقد أشار الطرفان إلى استعدادهما لإجراء محادثات في المستقبل، غير أن خليفة شاهين
المري رئيس وفد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المحادثات، قال إن رفض إيران
الاتفاق على جدول أعمال إنما شكل رفضاً لجهود الوساطة التي بذلتها دولة قطر. وفي
مقابلة شخصية معه، قال أيضاً إن إيران قد ذكرت ان منطلقها في قبول رسالة الدعوة
التي وجهتها دولة قطر كان رسالة وجهها الشيخ زايد إلى رفسنجاني دعا فيها إلى عقد
اجتماع يجمع وزيري خارجية البلدين، وإن الهدف الوحيد من وراء قبول دعوة دولة قطر هو
إعداد بروتوكول لاجتماع وزيري الخارجية. من جهتها قالت دولة الإمارات العربية
المتحدة إن على الطرفين ان يعدا لاجتماع وزيري الخارجية من خلال إعداد جدول أعمال
للاجتماع، غير ان الإيرانيين رفضوا ذلك.
وفي إعقاب ذلك، واصل قادة الدول العربية إصدار البيانات الداعمة لدولة الإمارات
العربية المتحدة، غير ان هذه البيانات بدأت تعكس قلقاً متزايداً. وعلى سبيل المثال،
فإن قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في كانون الأول/ ديسمبر 1995
عبرت عن (قلقها) من الإجراءات الإيرانية على الجزر، كما عبرت عن (أسفها) من أن
إيران قد رفضت دعوات دولة الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.
وفي حزيران/ يونيو 1996، قال المجلس الوزاري التابع لمجلس التعاون لدول الخليج
العربية ان السياسات والإجراءات الإيرانية تعرض أمن المنطقة واستقرارها للخطر. وفي
تموز/ يوليو عبر وزراء خارجية دول إعلان دمشق عن (قلق عميق) من الاحتلال الإيراني
للجزر، داعين إيران إلى (إنها احتلالها) وقبول السبل السلمية لتوسية النزاع بشأن
الجزر. وجاء ان الوزراء (قد أكدوا أن أمن واستقرار دولة الإمارات العربية المتحدة
وحماية استقلالها وسلامة أراضيها ودعمها إنها يشكل جزءاً لا يتجزأ من أمن الدول
العربية والأمن القومي العربي ...). أما قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية
التالية التي عقدت في كانون الاول/ ديسمبر 1996 فقد عبرت عن (قلق عميق من نشر
الجمهورية الإسلامية الإيرانية لصواريخ أرض – أرض في الخليج العربي، بما في ذلك نشر
صواريخ على الجزر الثلاث المحتلة)، واصفة ذلك بأنه (قضية تشكل تهديداً مباشراً لدول
المجلس ومنشآتها الحيوية).
ورغم القلق العميق بشأن قضية الجزر في تلك الأعوام، فإن مجلس الأمن التابع للأمم
المتحدة قد أعد في عام 1996 الترتيبات اللازمة لحذف بعض البنود من جدول أعماله، بما
في ذلك قضية الجزر. ولكن عندما قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة طلباً رسمياً
لإبقاء القضية على جدول أعمال مجلس الأمن تم قبول طلبها. هذا وتجدد دولة الإمارات
العربية المتحدة سنوياً طلبها المذكور بحيث تبقى قضية الجزر جزءاً دائماً على جدول
أعمال المجلس. كما توثق دولة الإمارات العربية المتحدة كافة الاحتجاجات التي ترفعها
إلى إيران في مجلس الأمن. ولكن، وكما أشار مسؤول في وزارة خارجية دولة الإمارات
العربية المتحدة، فإن الدولة لم تطلب إعادة نظر رسمية في قضية الجزر من قبل مجلس
الامن. وحيث ان الدولة تسعى إلى استنفاد كافة السبل المتاحة لعقد مفاوضات مباشرة
بشأن هذه القضية، فإنها لا ترى حاجة إلى تقديم هذا الطلب.
لقد قوبل انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي كرئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية
في أيار/ مايو 1997 بتفاؤل حذر في كافة أرجاء المنطقة. وفي أحد بياناته الأولى التي
أصدرها بعد انتخابه دعا الرئيس خاتمي إلى فتح فصل جديد في العلاقات العربية –
الإيرانية. أما قادة دول المنطقة فقد كانوا يأملون في ان صعود الإصلاحيين على حساب
المحافظين في إيران سيعزز احتمالية التعاون بشأن مجموعة من القضايا، ويؤدي إلى عدم
تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واستعدادها للتوصل إلى تسويات سلمية
بشأن النزاعات القائمة. وقد سارع الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة إلى
تهنئة الرئيس المنتخب محمد خاتمي في 26 أيار/ مايو بفوزه في الانتخابات معبراً عن
أمله في تحسين العلاقات، وموضحاً كيف ان احتلال إيران للجزر قد عمق حالة التوتر في
المنطقة. ولكن، وخلال أيام، ورغم الدعوة إلى إجراء مزيد من الحوار وتعميق التعاون،
قال خاتمي علناً ان (الجزر ملك لإيران).
وبناء عليه، ورغم وجود قيادة أكثر اعتدالاً في إيران، فإنه لم تبرز أية مؤشرات على
المرونة فيما يتعلق باحتمالية التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات بشأن الجزر. وفي حين
ان قادة المنطقة قد أكدوا استعدادهم لإقامة علاقات ودية مع إيران على أساس حسن
الجوار، فإنهم قد أكدوا في الوقت ذاته أهمية تسوية قضية الجزر قبل تحقيق ذلك. وكانت
تلك هي الرسالة التي أعلنها وزراء خارجية دول إعلان دمشق في اجتماعهم الذي عقد في
حزيران/ يونيو 1997، ومجلس وزراء خارجية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في
أيلول/ سبتمبر 1997، والمجلس الوزاري لجامعة الدول العربية خلال الشهر نفسه. ولكن
حين قام وزير خارجية إيران الجديد، كمال خرازي، بجولة في دول مجلس التعاون في تشرين
الثاني/ نوفمبر 1997، حمل معه رسالة إيران بشأن تطوير العلاقات، غير انه لم يحضر
معه اية مقترحات جدية بشأن قضية الجزر.
وفي القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت في طهران في كانون الأول/
ديسمبر 1997، تم حث إيران على التوصل إلى تسوية سلمية بشأن قضية الجزر مع دولة
الإمارات العربية المتحدة، إما عبر المفاوضات أو عبر إحالة القضية إلى محكمة العدل
الدولية. وفي مؤتمر صحفي عقد لاحقاً في طهران، رد الرئيس خاتمي على ذلك قائلاً : (
لقد قلنا رأينا في أماكن أخرى، وإننا نؤكد ما قلناه سابقاً، وإننا مستعدون إلى ان
نذهب إلى هناك – يقصد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة -). غير انه رفض وساطة طرف
ثالث، قائلاً: (ان النزاع على الجزر لا يحتاج إلى تدخل أطراف خارجية).
ووجه قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نداء إلى إيران في القمة الثامنة
عشرة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في كانون الأول/ ديسمبر 1997،
حيث عبر البيان الذي صدر في نهاية القمة عن (أسفه الشديد لاستمرار الجمهورية
الإسلامية الإيرانية في الامتناع عن الاستجابة للدعوات المتكررة الجادة والصادقة
الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وعن المنظمات والهيئات والتجمعات
الإقليمية والدولية الأخرى، الداعية إلى حل هذا النزاع حلاً سلمياً). كما جاء في
البيان ما يأتي :
استعرض المجلس الاعلى تصريحات فخامة الرئيس محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإسلامية
الإيرانية، التي عبر فيها عن رغبته باللقاء بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، واستمع إلى ترحيب صاحب السمو الشيخ
زايد بن سلطان آل نهيان بهذا التوجه، ورحب المجلس الاعلى بأي لقاء يعقد بين قيادتي
البلدين.
ويجدد المجلس الاعلى تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها
الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، ودعمه المطلق لكافة الإجراءات والوسائل
السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على الجزر.
مع اقتراب أعمال القمة من نهايتها، وصف سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس أركان
القوات المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة آنذاك تصريحات الرئيس خاتمي بأنها
(إجابية ومشجعة) قائلاً إن المحادثات الثنائية يمكن ان تعقد في الأسابيع القليلة
المقبلة. غير أنه أشار إلى أن (دولة الإمارات العربية المتحدة لم تلحظ أي إجراء
إيجابي وملموس من قبل إيران لتسوية قضية الجزر). وفي الواقع، فقد نقل عن الناطق
الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية محمد محمدي قوله إن الجزر (إيرانية) داعياً
دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى (إقناع دولة الإمارات العربية المتحدة
بعقد محادثات ثنائية مع إيران). وفي النهاية، لم يلتق خاتمي الشيخ زايد.
وفي أيار/ مايو 1998، زار وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي دولة الإمارات العربية
المتحدة والتقى الشيخ زايد ومسؤولين آخرين في الدولة. وفي حين ان الزيارة قد تمت في
أجواء ودية، فإن خرازي لم يقدم مرة أخرى أية مقترحات جديدة بشأن الجزر. وفي عشية
زيارة خرازي، عرّف رئيس إدارة الشؤون العربية في وزار الخارجية الإيرانية الدكتور
محمد الصدر مرة أخرى النزاع بين البلدين تعريفاً ضيقاً قائلاً : (المشكلة التي
نواجهها هي بشأن جزيرة أبوموسى وآلية تنفيذ مذكرة التفاهم لعام 1971). وأضاف قائلاً
: (إن نؤمن ان القضية يمكن تسويتها، وليس هناك من عقبة يمكن ان تمنعنا من التوصل
إلى حل). ويتجنب مثل هذا التعريف النظر في قضية السيادة على جزيرة أبوموسى، كما
يتجنب أي اعتبار لقضية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى على الإطلاق. كما أنه لا
يستجيب للأمور التي تهم الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج
العربية وجامعة الدول العربية.
وقد دعت قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عُقدت في كانون الأول/
ديسمبر 1998 إيران إلى الاستجابة للدعوات العديدة الجادة والصادقة التي تم إطلاقها
والداعية إلى حل هذا النزاع سلمياً، بطريقة تحقق المصداقية للبيانات التي أطلقها
خاتمي ومسؤولون إيرانيون آخرون. كما رحبت القمة بالجهود التي بذلها الأمين العام
للأمم المتحدة كوفي أنان لتعزيز المفاوضات الثنائية في هذا الشأن. وقد سببت
المناورات العسكرية الإيرانية في المياه المحيطة بالجزر الثلاث وعلى الجزر نفسها في
كانون الأول/ ديسمبر 1998 وشباط/ فبراير 1999 قلقاً عميقاً في دولة الإمارات
العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، وهو ما
دفعها جميعاً إلى الاحتجاج على المناورات. وعلاوة على ذلك، افتتحت إيران في شباط/
فبراير 1999 مبنى جديداً للبلدية ومؤسسة تعليمية في جزيرة أبوموسى. وقد خاطبت دولة
الإمارات العربية المتحدة جامعة الدول العربية احتجاجاً على المحاولات الإيرانية
لتعزيز احتلالها للجزر الثلاث، وطلبت في رسالة وجهتها إلى الامين العام للجامعة
عصمت عبد المجيد وضع قضية احتلال إيران للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات
العربية المتحدة على جدول أعمال اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في جامعة الدول
العربية والمزمع عقده في آذار/ مارس. وفي احتجاجها الموجه إلى إيران، كتبت دولة
الإمارات العربية المتحدة قائلة : (إنها تعد هذا الإجراء غير قانوني كما تعد كافة
الإجراءات السابقة التي اتخذتها الحكومات المتلاحقة على جزيرة أبوموسى استفزازاً
ليس له ما يبرره ولا يعطي أية حقوق قانونية لإيران على الجزيرة). وقد تم إرسال نسخ
من ذلك الاحتجاج إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية وهيئة
الأمم المتحدة.
وخلال مؤتمر صحفي عقد بعد قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ذكر وزير
خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة راشد عبدالله، رداً على سؤال ان كانت دولة
الإمارات العربية المتحدة قد طلبت من مجلس التعاون لدول الخليج العربية تأخير
تقاربه مع إيران، ما يأتي : (إننا نعمل على تغيير سياسات إيران وليس قطع العلاقات
معها أو وقف التعامل معها. إننا نسعى إلى الاستفادة من هذه العلاقات لما فيه مصلحة
الاستقرار والتعاون والمصالح المشتركة ولحل مشكلات المنطقة). وفي واقع الحال، عندما
سئل ان كان مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد اتخذ خطوات احترازية بعد المناورات
العسكرية الإيرانية، قال راشد عبدالله: (إننا ننظر إلى هذه المناورات باعتبارها
عملاً خطراً واستفزازياً، وإننا لا نود أن نتهم بأننا نصعد الموقف ونزيد الأخطار
المحدقة بالمنطقة).
وفي كانون الاول/ ديسمبر 1998، عندما أصبح كوفي أنان أول أمين عام للأمم المتحدة
يحضر قمة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كشف عن أنه قد اقترح ان تعقد إيران
ودولة الإمارات العربية المتحدة محادثات تحضيرية للمفاوضات بشأن الجزر. وقال أنان
بأن الشيخ زايد وكمال خرازي قد ردا على الاقتراح بطريقة إيجابية. كما يقال إن
الأمين العام قد عرض أيضاً على الشيخ زايد بأنه مستعد (للتوسط بين بلاده وإيران إذا
ما فشلت المحادثات الثنائية)، ويقال إنه قد ناقش احتمالية التحكيم مع خرازي. وقد
دعا الشيخ زايد إيران قبل ذلك بأسبوع إلى قبول (الحوار البنّاء أو اللجوء إلى
التحكيم) أمام محكمة العدل الدولية. وقد رحب خرازي باقتراح المحادثات الثنائية غير
انه قال إن أنان لم يقترح الوساطة عليه.
ولكن وفي الأشهر التالية لم تتحرك دولة الإمارات العربية المحتدة وإيران نحو
المفاوضات، كما أن كوفي أنان لم يبذل مساعيه في الوساطة. وفي واقع الحال، فإن
المنشآت الإيرانية على جزيرة أبوموسى واستخدام جزيرة أبوموسى وجزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى في المناورات العسكرية قد دفع الأمين العام لجامعة الدول العربية عصمت
عبدالمجيد إلى مخاطبة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ورئيس مجلس الأمن في
آذار/ مارس 1999، طالباً من مجلس الأمن مرة أخرى الإبقاء على قضية احتلال إيران
للجزر الثلاث على جدول أعمال المجلس إلى ان تستعيدها دولة الإمارات العربية
المتحدة.
وفي حزيران/ يونيو 1999، وبعد أن بشرت زيارة خاتمي في أيار/ مايو إلى المملكة
العربية السعودية بدفء في العلاقات السعودية – الإيرانية، أضحت دولة الإمارات
العربية المتحدة قلقة من أن إيران لن تشعر بأي إلحاح لتسوية قضية الجزر ما لم تكن
العلاقات الوثيقة مشروطة بتسوية النزاع بشأن هذه القضية. وكانت محصلة ذلك تبادل
الانتقادات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. غير أنه
لاحقاً قدمت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
الأخرى تأكيدات بأنها ستواصل دعم دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن قضية الجزر.
بل تم تشكيل لجنة ثلاثية تضم في عضويتها ممثلين عن المملكة العربية السعودية وسلطنة
عُمان ودولة قطر من أجل تشجيع المفاوضات الثنائية بين دولة الإمارات العربية
المتحدة وإيران بشأن قضية الجزر.
وفي منتصف تموز/ يوليو، وبعد ان أطلع مسؤولون سعوديون وزير الخارجية الإيراني كمال
خرازي على اجتماع اللجنة الثلاثية، وبعد أن أعلم مسؤولون قطريون سمو الشيخ حمدان بن
زايد آل نهيان، وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة،
بالأمر نفسه قال سموه : (إننا على استعداد لزيارة إيران، ولكن على أي أساس؟ وما هو
جدول أعمال المحادثات التي سيتم إجراؤها؟). واشار سموه قائلا: (إن إيران في الوقت
الراهن لا تستجيب إلى الموقف الإيجابي للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج
العربية الذي شكل اللجنة
الثلاثية، هذا إذا لم تكن في الاصل ترفضه). وقد رد متحدث باسم وزارة الخارجية
الإيرانية قائلاً ان إيران ترحب بالمفاوضات، غير انه رفض اية (شروط مسبقة).
وفي غضون أيام، وبعد أن قال ناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية ان الجزر (جزء لا
يتجزأ من الاراضي الإيرانية)، قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد
أبوظبي آنذاك : (إننا نطلب من إيران ان تلزم الصواب وذلك بإنهائها احتلالها للجزر
الثلاث، بحيث يتم تعزيز العلاقات التاريخية والدينية والتجارية بين الدولتين). ثم
أخبر راشد عبدالله، وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، الجلسة الرابعة
والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/ سبتمبر 1999 أن إيران تهدد
السلم والاستقرار الإقليمي والدولي من خلال قيامها بمناورات عسكرية وتغيير الطبيعة
السكانية والتاريخية للجزر الثلاث. وخلال أيام أقامت إيران مناورات جوية وبحرية
سمتها (وحدة -7) في جنوب الخليج وصولاً إلى مضيق هرمز وخليج عُمان. وللمرة الأولى
شاركت في هذه المناورات الغواصات الثلاث من طراز كيلو Kilo التي تملكها إيران. ومع
اقتراب هذه المناورات من نهايتها، أقامت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
مناورات بحرية سمتها (تضامن-6) في مياه دولة قطر، وقد شارك في المناورات المذكورة
الضفادع البشرية.
وفي أواخر كانون الثاني/ يناير 2000، أكد الشيخ زايد أن لدولة الإمارات العربية
المتحدة (سياسات واضحة لإنهاء احتلال إيران للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات
العربية المتحدة، وهي أبوموسى، وطنب الكبرى وطنب الصغرى، بالطرق السلمية). وقال
سموه مرحباً بجهود اللجنة الثلاثية التي شكلها مجلس التعاون لدول الخليج العربية
للإعداد لمفاوضات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران قائلاً : (إننا نأمل في
أن تستجيب إيران بطريقة إيجابية لمثل هذه الجهود). وعندما حقق الإصلاحيون انتصاراً
حاسماً على المحافظين في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شباط/ فبراير 2000،
قدم الشيخ زايد ومسؤولون في مجلس التعاون لدول الخليج العربية التهنئة إلى الرئيس
خاتمي معبرين عن أملهم في أن تؤدي هذه الانتخابات إلى علاقات أفضل بين إيران من جهة
ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من جهة
أخرى.
أما وزير الإعلام والثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة سمو الشيخ عبدالله بن
زايد آل نهيان فقد كان أكثر انتقاداً قائلا : (إننا نأمل أنه وبعد ظهور نتائج
الانتخابات الإيرانية فإن اللجنة الثلاثية ستمضي قدماً بسرعة وأنها ستلقى ترحيباً
في إيران. إننا نأمل بصدق ان تتحدث اللجنة مع إيران للتوصل إلى حل رغم رفض إيران ان
تستقبل أعضاء اللجنة تحت ذرائع مختلفة). وما ان بدأت ايران مناورات بحرية جديدة
اشتركت فيها كافة الغواصات التي تملكها في الخليج، حتى قال وزير الخارجية العماني
ان اللجنة الثلاثية (ستبدأ قريبا اتصالات مع الجانب الإيراني بعد انتهت الانتخابات
البرلمانية ....). وحين شارفت المناورات الإيرانية على الانتهاء دعاء سمو الشيخ
سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة
إيران إلى تسوية قضية الجزر لما فيه مصلحة التعاون والاستقرار الإقليميين.
وفي نهاية الأمر لم تنجح اللجنة الثلاثية في الحصول على استجابة طيبة من إيران. وفي
القمة التي عقدتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في كانون الاول/ ديسمبر
2000، ذكرت اللجنة ان إيران لم تتعاون معها، وفي ضوء ذلك أعلنت القمة ان صلاحية
اللجنة قد (انتهت). وفي آذار/ مارس 2001، أودعت دولة الإمارات العربية المتحدة
احتجاجات لدى إيران والامم المتحدة بسبب المطالبات الإيرانية بالجزر وإنشائها مباني
لإيواء الإيرانيين في الجزر، وزيارة الجزر من قبل اعضاء في لجنة الأمن القومي
والسياسة الخارجية التابعة للبرلمان الإيراني. من جانبها أودعت إيران احتجاجاً لدى
دولة الإمارات العربية المتحدة بسبب مطالبة دولة الإمارات العربية المتحدة بالجزر.
وفي أيار/ مايو 2001، أجرى الشيخ حمدان بن زايد مناقشات غير حاسمة حول الجزر مع
خرازي، وذلك على هامش قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت في العاصمة القطرية
الدوحة. أما لاحقاً في تموز/ يوليو 2001، فقد زار الشيخ حمدان إيران لتهنئة الرئيس
خاتمي بانتخابه لفترة رئاسية ثانية ولمناقشة قضية الجزر. وقال خاتمي: (إن هذه
الزيارة تفتح آفاقاً جديدة للعلاقات بين البلدين). غير أن شيئاً لم يتحقق على صعيد
قضية الجزر.
وفي الذكرى الثلاثين لاحتلال إيران للجزر أكد الشيخ خالد بن صقر القاسمي نائب حاكم
رأس الخيمة آنذاك، وكذلك المجلس الوطني الاتحادي بدولة الإمارات العربية المتحدة
التزام دولة الإمارات العربية المتحدة المستمر باستعادة الجزر الثلاث، داعين إيران
إلى القبول بالطرق السلمية لتسوية النزاع. وقد أشارت قمة مجلس لدول الخليج العربية
التي عقدت في أواخر كانون الاول/ ديسمبر 2001 إلى الاتصالات بين دولة الإمارات
العربية المتحدة وإيران، مؤكدة مرة أخرى دعمها للجهود التي تبذلها دولة الإمارات
العربية المتحدة لاستعادة سيادتها على الجزر، ومكررة رفضها غير المشروط للمطالبات
والإجراءات الإيرانية، ومطالبة إيران مرة أخرى بإحالة القضية إلى محكمة العدل
الدولية.
وفي شباط/ فبراير 2002، استقبل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ سلطان بن زايد
والشيخ حمدان بن زايد، محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية
والبرلمانية، وذلك لإجراء محادثات في أبوظبي. وفي أيار/ مايو 2002، زار الشيخ حمدان
إيران مرة أخرى وعقد محادثات مع خاتمي وأبطحي وخرازي، كما نقل رسالة من الشيخ زايد
إلى خاتمي تضمنت دعوة خاتمي إلى زيارة دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد قيل
حينئذ ان خاتمي قد قبل الدعوة، وإنه من المرجح ان يقوم بها في كانون الاول/ ديسمبر
2002. وقد أشارت صحيفة الشرق الاوسط في 10 حزيران/ يونيو إلى ان دولة الإمارات
العربية المتحدة وإيران قد اتفقتا على إبعاد قضية النزاع على الجزر عن الإعلام
وتجنب طرح هذه القضية في المحافل الدولية، في حين ستحاول الاتصالات الثنائية
الجارية التوصل إلى تسوية مقبولة للطرفين.
غير ان التعليقات الصادرة لاحقاً عن عدد من المسوؤلين في دولة الإمارات العربية
المتحدة أشارت إلى أن تقدماً بشأن الاتفاق لم يتحقق فعلياً. ففي أيلول/ سبتمبر
2002، دعا الشيخ خالد بن صقر القاسمي إيران إلى (إعادة هذه الجزر إلى وضعها
الطبيعي). وفي 20 أيلول/ سبتمبر عاد فأكد راشد عبدالله في الجلسة السابعة والخمسين
للجمعية العامة للامم المتحدة دعوة دولة الإمارات العربية المتحدة لإيران تسوية
قضية الجزر عبر المفاوضات الثنائية أو إحالتها إلى محكمة العدل الدولية، كما أكد
مرة أخرى ان ( دولة الإمارات العربية المتحدة لها سيادة كاملة على الجزر، بما في
ذلك المجال الجوي والمياه الإقليمية والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخاصة
بالجزر الثلاث والتي تعد جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة). وفي
بداية تشرين الاول/ أكتوبر، صرح الشيخ زايد لصحيفة الأهرام المصرية انه يأمل في
إجراء مفاوضات ثنائية جدية مع إيران بشأن هذه القضية، في إشارة واضحة إلى عدم
التوصل إلى اتفاقية جوهرية حول هذه القضية.
من جهته أخير الشيخ حمدان صحيفة السياسة الكويتية في بداية كانون الاول/ ديسمبر
2002 أنه قد وجد (فهماً عميقاً) لدى القادة الإيرانيين، وأنه (يتطلع إلى التوصل إلى
تسوية دائمة لكافة القضايا المعلقة لما فيه مصلحة الجانبين، لأن ذلك سينعكس
إيجابياً على كافة دول المنطقة ... وإنني متفائل بشأن التوصل إلى مثل هذه التسوية،
وان تفاؤلي له أسسه وما يبرره). غير ان خاتمي لم يقم بزيارة إلى دولة الإمارات
العربية المتحدة في كانون الاول/ ديسمبر 2002 أو في الأشهر اللاحقة، كما لم يتم
الإعلان عن أي اتفاق في هذا الشأن. وبدلاً من ذلك، زار نائب وزير الخارجية الإيراني
للشؤون العربية – الأفريقية محمد صدر أبوظبي في منتصف كانون الثاني/ يناير 2003
لمقابلة الشيخ خليفة والشيخ حمدان ولتسليم رسالة من خاتمي إلى الشيخ زايد. ويبدو أن
الرسالة المذكورة لم تتضمن أية مقترحات جديدة تدفع بقضية الجزر قدما.
وبدءاً من مطلع عام 2003، ظل موقف إيران من الجزر مصدر قلق لدولة الإمارات العربية
المتحدة والعالم العربي على حد سواء فضلاً عن القوى الخارجية، إذ لم يتحقق أي تقدم
حقيقي بشأن قضية الجزر رغم انتخاب رئيس جديد في إيران وإعادة انتخابه في عام 2001.
وقد عبرت إيران علناً عن استعدادها لإجراء مفاوضات، غير أن تقدماً لم يتحقق في
اللقاءات الخاصة، مثل تلك التي عقدت أثناء زيارة كمال خرازي إلى دولة الإمارات
العربية المتحدة في أيار/ مايو 1998، أو زيارات الشيخ حمدان إلى طهران في تموز/
يوليو 2001 أو في أيار/ مايو 2002. بل واصلت إيران تعزيز قدراتها العسكرية في الجزر
المحتلة وإجراء مناورات عسكرية حول الجزر.
والخلاصة ان أحداث التاريخ تؤكد الملكية الشرعية لرأس الخيمة والشارقة، وحالياً
دولة الإمارات العربية المتحدة، على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. فعندما
وصل البريطانيون إلى الخليج ودخلوا في مواجهة مع القواسم في مطلع القرن التاسع عشر
لم يكن لديهم أية معرفة بهذه القضية أو تعاطف معها. ولكن، مع إعلان فارس أول مطالبة
لها بالجزر في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فهم البريطانيون ان هذه
المطالبات لم تكن شرعية. وفي واقع الأمر، دافع البريطانيون عن الحقوق العربية في
هذه الجزر حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولاحقاً، حين أدرك البريطانيون
الأهمية الاستراتيجية لإيران، وخاصة فيما يخص الدور الذي يمكن أن يضطلع به الشاه
بعد الانسحاب البريطاني من الخليج، سعت بريطانيا إلى تحقيق السبل الكفيلة بتلبية
المصالح الإيرانية في الجزر. ومع اقتراب انسحاب بريطانيا من المنطقة في عام 1971،
أدى هذا الإدراك إلى ممارسة ضغوط بريطانية على الشارقة ورأس الخيمة لأخذ التهديدات
الإيرانية على محمل الجد وتلبية المطالب الإيرانية. وقد أدى ذلك في المحصلة إلى
توقيع مذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبوموسى واستيلاء إيران على جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى. وبينما دعت الدول العربية الراديكالية إلى إجراءات عقابية ضد إيران
وبريطانيا، فإن الدول العربية المحافظة، ومن واقع فهمها أيضاً لأهمية إيران
الاستراتيجية، سعت إلى تسوية هذا النزاع عبر الوساطة. غير أن إيران ظلت غير مبالية
بكافة هذه الجهود.
وعندما أطاحت الثورة الإيرانية الشاه في عام 1979، وما تبعها من اندلاع حرب مع
العراق في الفترة 1980 – 1988، أضحى واضحاً ان سيطرة إيران على الجزر لا تمثل
أفضلية استراتيجية، بل تهديداً واضحاً. فقد استغلت إيران الجزر لمهاجمة حركة
الملاحة الدولية خلال هذه الأعوام، وهو الأمر الذي يمكن ان تفعله أيضا في المستقبل.
وعندما عززت إيران قبضتها الإدارية على الجزر في مطلع تسعينيات القرن العشرين، كثفت
دولة الإمارات العربية المتحدة دعواتها للتوصل إلى تسوية دبلوماسية أو قانونية لهذا
النزاع، وقد حظيت بدعم في هذا المجال من الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج
العربية ومن العالم العربي ولاحقاً من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. غير
أن ردة الفعل الإيرانية تمثلت في شكل تهديدات وتعزيز قبضتها على الجزر بشكل متزايد،
مع القيام بمناورات عسكرية مكثفة حول الجزر وفوقها، وإظهار عدم الرغبة في مناقشة أي
شيء أكثر من مذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى. واستمر هذا الوضع حتى في عهد الرئيس
الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي.
ونظراً لان الاعتبارات الاستراتيجية قد قدمت على الحقوق التاريخية والقانونية،
ونظراً لان هذه الاعتبارات الاستراتيجية قد ارتدت عكسياً مع قيام الثورة الإيرانية،
فمن الملائم هنا ان نؤكد الحجج القانونية التي تفيض بها الوقائع التاريخية. وهذا ما
سنبينه في الفصل الخامس.