الفصل الخامس - مذكرة التفاهم بشأن أبوموسى
انتهكت إيران، ايضاً، المبادئ القانونية التي تمنع التهديد باستعمال القوة لكي
تتوصل إلى مذكرة التفاهم التي وقعت مع إمارة الشارقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1971
بخصوص جزيرة أبوموسى. وتنص البنود الأساسية لهذا الاتفاق على أنه (لا إيران ولا
الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى، ولن تعترف أي منهما بمطالب الأخرى). وفي
إشارة إلى وصول الإيرانيين إلى النصف الشمالي من الجزيرة نفسها، تنص مذكرة التفاهم
على أنه (وفي حدود المناطق المتفق عليها والمحتلة من قبل القوات الإيرانية، يكون
لإيران ولاية كاملة ..)، بينما نصت لغة المذكرة بشأن وجود الشارقة على أرض الجزيرة
على ان (تحتفظ الشارقة بولاية كاملة على باقي الجزيرة). وبناء عليه، فإن مذكرة
التفاهم هي بالضرورة اتفاق مؤقت بين دولة أتت لاحتلال جزء من الجزيرة ودولة أخرى
موجودة أصلاً على أرض الجزيرة وتحتفظ بوضعها على جزء من هذه الجزيرة. ومارست
الشارقة كل جوانب السيادة على الجزء الباقي من الجزيرة خلال السنوات اللاحقة، بما
في ذلك رفع علمها وعلم دولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى قيامها بتوفير
الخدمات العامة في الجزيرة. وقامت إمارة الشارقة بهذا كله على الرغم من الانتهاكات
الإيرانية وتعدياتها على الجزء المخصص للشارقة، والتي بدأت في عام 1983 حسبما هو
موضح في الفصل السادس من هذا الكتاب.
تظهر الوثائق التاريخية بكل وضوح أن الشارقة قد وقعت مذكرة التفاهم مع إيران تحت
الإكراه، وهو الأمر الذي يجعل المذكرة وثيقة باطلة. وفي أشهر شباط/ فبراير، وحزيران/
يونيو، وآب/ أغسطس من عام 1971، هدد شاه إيران محمد رضا بهلوي بصورة واضحة باحتلال
هذه الجزر بالقوة ما لم يتم التوصل إلى قرار تقبله إيران. وتم نقل تهديدات الشاه عن
طريق السير وليم لوس الذي أبلغ كلاً من حاكم الشارقة ورأس الخيمة في حزيران/ يونيو
1971، أن الشاه سوف يستولي على جزيرة أبوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى
بالقوة، وأضاف لوس ان القوات البريطانية المتبقية في الخليج لن تكون كافية لإيقاف
مثل هذا العمل. وأدرك حاكم الشارقة، الشيخ خالد بن محمد القاسمي، بكل وضوح أن إيران
سوف تستولي على الجزيرة ومواردها النفطية ما لم يتوصل إلى تسوية معها. وفي الواقع،
فقد ذكر ذلك في رسالة وجهها إلى الحكام العرب في آب/ أغسطس 1971. وكان محقاً في
التعامل بجدية مع التهديدات الإيرانية، حيث قامت إيران باحتلال جزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى بالقوة في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 1971. وشعر حاكم الشارقة بأنه
ليس لديه خيار سوى الإذعان لمطالبة الشاه بإيجاد حل تقبله إيران.
وأوضح الشيخ خالد بعد موافقته على مذكرة التفاهم في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر
1971 قائلاً :
لقد قضيت نحو عامين لجمع الوثائق التي تثبت ان هذه الجزيرة أرض عربية، وأنها تتبع
لإمارة الشارقة. وقد طلبت من فريق مختص من القانونيين ان يقوموا بإعداد الوثائق
والمستندات القانونية، والتي تم إرسالها إلى الحكومة الإيرانية. غير ان منطق
التهديد والقوة لم يترك مجالاً للتعقل واللجوء إلى الأسانيد الشرعية ... وساهمت
عوامل عديدة في حساسية الموقف، واجتمعت لتشكل ضغطاً كبيراً، فقد هددت بريطانيا بعدم
المحافظة على الوضع القائم على ارض الجزيرة، وأصرت إيران على ان الجزيرة إيرانية
وأنها سوف تستولي عليها بالقوة، كما ان الظروف الاقتصادية غير المواتية جعلت
الشارقة في وضع صعب وأضعفت موقفها، الأمر الذي أثر بشدة في قدرتها على المناورة،
بينما قامت قوى أخرى بدعم إيران وتأييدها ... وبناء عليه، بعد مشاورات مع ا لأشقاء،
رأيت من المناسب ان نتوصل إلى صيغة لتجميد المشكلة سياسياً، بينما نستمر في التعامل
معها اقتصادياً، وهكذا جاءت الاتفاقية.
وإذا أخذنا هذه الأحداث والحقائق في الحسبان، فسوف يتضح لنا ان مذكرة التفاهم باطلة
قطعاً من أساسها بسبب (علة جوهرية) تتعلق بأحد الطرفين الموقعين عليها، وهو على وجه
التحديد حاكم الشارقة، الذي وقع مذكرة التفاهم تحت ظروف التهديد بالقوة والإكراه.
وأدى هذا إلى إبطال أثر مذكرة التفاهم بوصفها متناقضة مع مبادئ القانون الدولي
المعاصر التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها أو استخدام غيرها من
الوسائل الشبيهة، الأمر الذي يجعل الوضع القانوني للجزيرة احتلالاً عسكرياً. وفي
الواقع فإن المادة 52 من اتفاقية فيينا لعام 1969 بشأن قانون المعاهدات تنص على ان
المعاهدة : (تصبح باطلة إذا ما كان إبرامها قد تم تحت التهديد باستعمال القوة أو
استخدامها وبما يتناقض مع مبادئ القانون الدولي المتضمنة في ميثاق الأمم المتحدة).
وعلى الرغم من هذا، فقد التزمت الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة ببنود مذكرة
التفاهم. وفي تموز/ يوليو 1992، عقب الانتهاكات الإيرانية لمذكرة التفاهم، أعلن
المجلس الأعلى للاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يضم حكام الإمارات
السبع التي يتألف منها الاتحاد، ان الاتفاقيات التي توقعها الإمارات الأعضاء في
الاتحاد مع الدول المجاورة سوف تعامل بوصفها اتفاقيات بين دولة الإمارات العربية
المتحدة والدول المجاورة. ومع ذلك، فقد قال راشد عبدالله، وزير خارجية دولة
الإمارات العربية المتحدة في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30
أيلول/ سبتمبر 1992، إن (هذه المذكرة قد تم فرضها في ظروف التهديد باستعمال القوة
والإكراه، الأمر الذي يجعلها باطلة طبقاً للقانون الدولي). ويبدو للوهلة الاولى ان
التصريحين يناقض أحدهما الآخر، ولكن، عند المزيد من التمعن والتدقيق نجد ان موقف
دولة الإمارات العربية المتحدة فيما يتعلق ببطلان مذكرة التفاهم ظل متسقاً وثابتاً.
وأصدر المجلس الأعلى للاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة بياناً في تموز/
يوليو 1992 أفاد فيه انه قد توصل إلى ان إيران تريد إجراء مناقشات حول مذكرة
التفاهم مع إمارة الشارقة لوحدها. ولكن، بعد إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة،
أصبح النزاع حول جزيرة أبوموسى من القضايا التي تقع ضمن اختصاصات الحكومة الاتحادية.
وبناء عليه، فقد كان من الطبيعي ان يعمل المجلس الأعلى للاتحاد على تأكيد سلطة
الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات العربية المتحدة في التفاوض مع إيران بصفة مباشرة.
ولا يشير الإعلان الصادر عن المجلس الأعلى للاتحاد إلى مذكرة التفاهم نفسها على وجه
التحديد بوصفها اتفاقية دولية، ومن المؤكد ان الإعلان لا يقبلها كتعهد قانوني ملزم.
بل كان الإعلان عبارة عن إِشارة سياسية بقصد تذكير إيران بضرورة التفاوض عبر
القنوات الملائمة. وما تزال دولة الإمارات العربية المتحدة متمسكة بموقفها المعلن
نحو اعتبار مذكرة التفاهم باطلة بطلاناً كاملاً لأنها وقعت تحت التهديد والإكراه،
حسبما ورد في البيان الصادر في أيلول/ سبتمبر 1992.
وبالطبع، هناك من يرى ان مذكرة التفاهم هي وثيقة صحيحة تتقيد بالمبادئ القانونية
المقبولة. ففي عام 1974، ذكر الباحث القانوني حسين البحارنة في كتابه الصادر بعنوان
دولة الخليج العربية: وضعها القانوني والسياسي ومشكلاتها الدولية، أنه (يبدو من
المشكوك فيه ان يسهل الاعتراض على اتفاقية أبوموسى بموجب القانون الدولي). وأشار
الكاتب بصفة خاصة إلى قبول مذكرة التفاهم بموجب خطابات رسمية تم تبادلها بين إمارة
الشارقة وإيران عبر قنوات الحكومة البريطانية. وقال أيضا، في مقابلة شخصية أجريت
معه في كانون الاول/ ديسمبر 1997، إن هذه المراسلات تثبت التفاوض الطوعي. كما أشار
إلى ان الشارقة كانت بحاجة إلى المال وقبلت التعويض المالي من إيران إلى ان تم
اكتشاف النفط، وبعد ذلك تم اقتسام عوائد النفط. وعلاوة على ذلك، فقد صرف البحارنة
النظر عن مسألة التهديد باستعمال القوة بوصفها حقيقة من حقائق سياسة القوة وليس
دليلاً على وجود إكراه.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الرأي الذي تبناه البحارنة يعتبر قاصراً من عدة وجوه. فقد
أشار بصورة خاطئة إلى ان البريطانيين هم الوحيدون الذين حذروا حكام الشارقة ورأس
الخيمة بشأن استعمال القوة وليس الشاه، واكتفى بالإشارة إلى ان السير وليم لوس أبلغ
الحكام ان بريطانيا لن تستطيع حمايتهم ضد استخدام إيران للقوة. غير ان الأمر الأكثر
أهمية هو ان القول بأن التهديد باستعمال القوة لا يشكل إكراهاً يعد رفضاً لمبادئ
القانون الدولي المعاصر، وهو دعوة للعودة إلى حقبة ماضية حينما كان التهديد
باستعمال القوة مقبولاً كوسيلة لحض أحد الأطراف على توقيع اتفاقية معينة. وعلى
الرغم من رأيه الشخصي، فقد ذكر البحارنة في وقت سابق خلال عام 1974 ان دولة
الإمارات العربية المتحدة لم تكن قد أعلنت موقفها تجاه مذكرة التفاهم عندما كتب
آراءه، (وبناء عليه، يظل هناك قدر من الشك فيما إذا كانت دولة الإمارات العربية
المتحدة قد قبلت قانونياً بالالتزامات الواردة في الاتفاقية).
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن إثارة تساؤلات حول مذكرة التفاهم على أسس أخرى، فقد شكك
المندوب العراقي لدى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أثناء مناقشة موضوع الجزر في
9 كانون الأول/ ديسمبر 1971، في صحة مذكرة التفاهم الموقعة بشأن أبوموسى، ليس لأنها
قد وقعت تحت الإكراه فقط، وإنما لأنها أبرمت عندما كانت بريطانيا مسؤولة عن سلامة
أراضي الإمارات المتصالحة، على أساس الاتفاقيات المبرمة خلال الفترة 1820 – 1922،
وخاصة الاتفاقية الحصرية لعام 1892 بين الشارقة وبريطانيا. ويمكن أن نعيد إلى
الأذهان ان حاكم الشارقة قد تعهد بما يلي في تلك الاتفاقية :
أولاً، ألا أوقع أية اتفاقيات أو أدخل في علاقات مع أي دولة باستثناء الحكومة
البريطانية.
ثانياً، ألا أسمح بإقامة أي ممثل لأية حكومة أخرى في أراضّي دون موافقة مسبقة من
الحكومة البريطانية.
ثالثاً، ألا أؤجر أو أبيع أو أرهن أو أتنازل أو أسمح بأية صورة من الصور باحتلال أي
جزء من أراضي إلا للحكومة البريطانية.
وقال المندوب العراقي ان مذكرة التفاهم تعتبر باطلة لأن الاتفاقية الحصرية لعام
1892 قد منعت الشارقة مع إبرام أي اتفاق مع أي قوة أخرى باستثناء بريطانيا، كما
منعت الشارقة من التنازل أو (السماح باحتلال) أي جزء من أراضيها لدولة أخرى غير
بريطانيا. وبناء على نص هذه الاتفاقية يبدو أن هذه الحجة صحيحة. وقال المندوب
العراقي أيضاً ان الاحتلال الإيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى يعني ان
بريطانيا فشلت في الوفاء بتعهداتها الواردة في المعاهدة المبرمة بينها وبين إمارة
رأس الخيمة والخاصة بحماية أراضي الإمارة. ويمكن ان نجادل على النسق نفسه ان
بريطانيا فشلت في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بحماية أراضي الشارقة ضد الاحتلال
الإيراني. ومن الواضح ان بريطانيا كانت تعلم مسبقاً ان إيران سوف تستخدم القوة
للاستيلاء على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، حين ان السير وليم لوس حذر
حاكمي الشارقة ورأس الخيمة من هذا الاحتمال في حزيران/ يونيو 1971.
يقول مصدر قانوني بريطاني، كان يقدم الاستشارة لحاكم الشارقة في مقابلة أجراها
المؤلف معه عام 1997، ان الاتفاقية الحصرية مع الشارقة عام 1892 لا تبطل مذكرة
التفاهم المبرمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 لأن بريطانيا نفسها شاركت في
الاتفاقية وأقرتها. وأضاف المصدر ان الاتفاقية الحصرية قد عملت على أساس عدم السماح
للقوى الأخرى بالدخول إلى أراضي الإمارات إلا بموافقة مسبقة من الحكومة البريطانية.
غير ان الحجة المتعلقة بالمشاركة البريطانية في مذكرة التفاهم لا تتفق تماماً مع نص
البند الأول من اتفاقية عام 1892، بينما اكتفى البند الثاني من الاتفاقية بالإشارة
إلى الموافقة البريطانية على السماح بإقامة أي ممثل لأية حكومة أخرى داخل أراضي أي
إمارة، وليس الموافقة البريطانية على الاحتلال الذي تقوم به قوة أخرى لجزء من أراضي
أي إمارة من الإمارات المعنية. وفي الواقع، بينما أشار هذا المصدر القانوني إلى ان
شيوخ الإمارات المتصالحة قد تعهدوا في الاتفاقيات الحصرية بعدم التنازل عن أي جزء
من أراضي إماراتهم لدولة أخرى (عدا بريطانيا)، فهو لم يشر إلى ان الشيوخ قد تعهدوا
في البند الثالث بعدم السماح بإحتلال أي جزء من اراضي إماراتهم لأي دولة أخرى (عدا
بريطانيا). وعلاوة على ذلك فقد أقر بأن البريطانيين تجاهلوا أحياناً حقيقة ان حاكم
الإمارة لم يكن بوسعه ان يحول ملكية الأراضي للغير وأن البريطانيين أنفسهم كانوا
يتنازلون عن أراضي الحاكم من دون موافقته، ومن ذلك مثلاً تنازلهم عن منطقة أرض
الصومال في إقليم أوجادين بموجب معاهدة عام 1897 مع إثيوبيا.
ومع ذلك، فإن (تجاهل) البريطانيين لبنود الاتفاقيات في حالات أخرى لا يعني ان
انتهاج التصرف نفسه في حالتي الشارقة وأبوموسى يعد قانونياً. ورأى جوليان ووكر،
الذي كان عضواً في الفريق العامل مع وليم لوس، في مقابلة أخرى أجراها المؤلف معه في
تشرين الاول/ أكتوبر 1997، ان الشارقة لم تتنازل عن أرضها لأنها لم تتخل عن
مطالبتها بالسيادة عليها. ولكن، حتى هذا القول لا يتوافق على وجه الدقة مع نص
ومقاصد البند الثالث من الاتفاقية المبرمة بين الشارقة وبريطانيا.
وقد جادل المصدر القانوني المذكور نفسه ان الاتفاقيات الحصرية لم تفرض اية التزامات
على البريطانيين، على الرغم من وصفها بأنها معاهدات دفاعية أو معاهدات علاقات
خارجية أو معاهدات حماية. وبينما أقر المندوب العراقي لدى مجلس الأمن ضمن نقاشه ان
(مسؤولية حكومة المملكة المتحدة بحماية سلامة أراضي الإمارات لم ينص عليها صراحة
بالتفصيل في عبارات كثيرة..)، فقد ذكر أيضاً ان (الحكومة البريطانية قد تعترض على
نقطة ما إذا كانت الإمارات تنطبق عليها وضع محمية قانونية، غير ان بنود اتفاقية
آذار/ مارس 1892، وخاصة البندين الأول والثالث، تثبت بصورة قاطعة مسؤولية بريطانيا
عن سلامة أراضي جميع الإمارات المتصالحة).
ومن الناحية الفنية، يمكن القول ان الالتزام البريطاني بحماية أو الدفاع عن سلامة
أراضي الإمارات المتصالحة قد نبع ليس من نص الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات
المتصالحة، وخاصة الاتفاقيات الحصرية لعام 1892، وإنما نشأ من ممارسة تقليدية. وكما
قال جيه بي كيلي في كتابه بريطانيا والخليج الفارسي : 1795 – 1880، إن معاهدة
الهدنة البحرية الدائمة لعام 1853 (لم تنص على الدفاع عن الإمارات المتصالحة ضد
الاعتداء الذي تقوم به قوة خارجية عن طريق البحر. ومن جهة أخرى فقد أصبح من
المتعارف عليه الآن ان مسؤولية الدفاع عن الإمارات المتصالحة ضد مثل هذا الاعتداء
قد آلت إلى الحكومة البريطانية من منظومة الإمارات المتصالحة). وفي الواقع، أشار
كيلي إلى ان المقيم السياسي البريطاني كمبل أكد لحاكم دبي ان البريطانيين (سوف
يحمونهم من الهجوم البحري). وتم التعبير عن هذه المسؤولية أيضاً في الخطاب الموجه
إلى حكام الإمارات المتصالحة من اللورد كيرزون، نائب الملك في الهند، في عام 1903،
وخاصة تأكيده ان بريطانيا (سوف تتمسك بسياسة الوصاية والحماية التي منحتكم السلم
وضمنت حقوقكم خلال معظم فترات قرن من الزمان).
وفي الواقع، فقد قبل البريطانيون هذا الالتزام وأوفوا به عندما حذروا فارس بصورة
صريحة من ان بريطانيا سوف تستخدم القوة البحرية للدفاع عن حقوق حكام الشارقة ورأس
الخيمة في الجزر خلال الأعوام 1925 و1928 و1934. وقام المسؤولون البريطانيون أيضاً
بإبلاغ المسؤولين الإيرانيين على نحو جازم بأن إمارتي الشارقة ورأس الخيمة هما تحت
(الحماية) البريطانية خلال ستينيات القرن العشرين. وبناء على ذلك، من الواضح ان
البريطانيين قد تخلوا عن ممارستهم التقليدية لحماية سلامة أراضي الإمارات عشية
إنهاء العلاقات القائمة بموجب المعاهدة البريطانية مع هذه الإمارات في الأول من
كانون الاول/ ديسمبر 1971.
ولا يقتصر الأمر على ان مذكرة التفاهم قد تم فرضها في ظروف التهديد باستعمال القوة
والإكراه، وإنما درجت إيران بصورة علنية ومكررة ومنتظمة على انتهاك بنود هذه
المذكرة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وذلك حسبما ورد في الشكوى الصادرة عن
وزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1992. ومن هذه الانتهاكات ان
إيران قامت بتشييد طرق ومطار جوي ومنشآت مدنية وعسكرية ومشروعات زراعية في الجزء
التابع لولاية إمارة الشارقة من الجزيرة، بالإضافة إلى تدخلها الدائم في أنشطة
البناء والأعمال التجارية التي يقوم بها السكان المحليون. وبالإضافة إلى ذلك، فرضت
إيران إجراءات تجبر سكان الجزء المخصص للشارقة بالدخول و الخروج عن طريق نقطة دخول
إيرانية، إلى جانب إجبار الموظفين الجدد على الحصول على إذن دخول إيراني، وتم منع
بعض السكان والعمال من النزول على أرض الجزء الخاضع لولاية إمارة الشارقة.
وشملت التجاوزات الأخرى اعتراض عمل الشرطة الموجودين في الجزء التابع لولاية إمارة
الشارقة، وربط إدارة المنطقة التابعة لولاية الحكومة الإيرانية من جزيرة أبوموسى مع
محافظة بندر عباس، ومحاولة ربط الخدمات البلدية في المنطقة التابعة لولاية إمارة
الشارقة مع الخدمات المقدمة في المنطقة الإيرانية ومحافظة بندر عباس، واعتراض قوارب
صيادي الأسماك التابعين للشارقة في المياه الإقليمية للجزيرة. غير أن الجانب الذي
أثار قلقاً خاصاً هو تشييد إيران مواقع لإطلاق الصواريخ المضادة للسفن في الجزء
التابع لولاية إمارة الشارقة، وهو أمر يهدد الملاحة في الخليج والأمن الإقليمي
لدولة الإمارات العربية المتحدة بأكملها. وعلى الرغم من كل هذا، فإن إيران تواصل
تأكيد استمرارية مذكرة التفاهم والتمسك بسريانها، حسبما ذكر وزير خارجيتها في أثناء
زيارته لدولة الكويت في 19 نيسان/ إبريل 1992، وما ذكره رئيس الوفد المفاوض
الإيراني، السفير مصطفى حائري في ايلول/ سبتمبر 1992.
إن تكرار إيران القول بأنها تقر باستمرارية مذكرة التفاهم وتزامن ذلك مع قيامها
بسلوك ينتهك الاتفاقية نفسها قد يكون مستنداً إلى خطاب تم تحريره في 25 تشرين
الثاني/ نوفمبر 1971، من قبل عباس علي خلعتبري وزير خارجية إيران. وفي هذا الخطاب
ذكر خلعتبري (ان قبول إيران للترتيبات المتعلقة بجزيرة أبوموسى ... قد تم على أساس
الفهم بأنه ليس هناك في هذه الترتيبات ما يعتبر مقيداً لحرية إيران في اتخاذ أية
إجراءات في جزيرة أبوموسى ترى أنها ضرورة لحماية أمن الجزيرة أو القوات الإيرانية).
ولكن في هذا السياق لابد من القول أن فهم إيران لا يشكل جزءاً من مذكرة التفاهم.
وفي الواقع، فقد تم تحرير خطاب خلعتبري بعد ان قامت الشارقة وإيران بإرسال رسائل
إلى وزارة الخارجية البريطانية تتعهدان فيها بقبول بنود مذكرة التفاهم. وقامت وزارة
الخارجية البريطانية بنقل هذه الرسالة الجديدة التي تحوي الفهم الإيراني للمذكرة
إلى إمارة الشارقة، غير أنه لا وزارة الخارجية البريطانية ولا إمارة الشارقة قبلت
في الواقع الفهم الإيراني على اعتبار أنه يشكل جزءاً من الاتفاقية.