عنوان المقال : الفصل السابع - ردود فعل العالم العربي على احتلال الشاه للجزر

الفصل السابع - ردود فعل العالم العربي على احتلال الشاه للجزر


لقد تطورت ردود فعل العالم العربي على احتلال شاه إيران للجزر الإماراتية الثلاث على نحو تدريجي منذ نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي. ففي نهاية كانون الاول/ ديسمبر 1968 وعقب انهيار المفاوضات مع إيران، أجرى الشيخ خالد بن صقر القاسمي ولي عهد رأس الخيمة حينذاك مباحثات محبطة في الرياض مع قادة المملكة العربية السعودية التي تعد أكبر دول شبه الجزيرة العربية. ذلك أن المسؤولين الإيرانيين قد أبلغوا الشيخ خالد في تشرين الأول/ أكتوبر مع العام نفسه بان السعوديين قد وافقوا على خط فاصل يضع جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى داخل المياه الإقليمية لإيران. وقد شدد المكل فيصل بن عبدالعزيز آل سعود في الرياض على ضرورة إيجاد حل لقضية الجزر الثلاث، ونصح إمارة رأس الخيمة بعدم السعي إلى (فرض) أي شيء (شروط) على الشاه. وتساءل الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود أيضاً ان كان الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة يمكن ان يقبل بالتنازل عن إحدى الجزيرتين لإيران مقابل احتفاظه بالأخرى.
هذا المقترح يشبه إلى حد بعيد الصيغة التوفيقية التي توصلت إليها المملكة العربية السعودية مع إيران في تشرين الاول/ أكتوبر 1968، والتي تم بموجبها ترسيم الحدود البحرية بين البلدين على نحو أعطى جزيرة (فارسي) لطهران وجزيرة (العربي) للرياض. أما الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود الذي كان حينئذ يشغل منصب مستشار الملك فيصل لشؤون الخليج وعُمان، فقد قال ان قضية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى جزء من مشكلات معقدة ينبغي حلها معاً وبالاتفاق مع الإمارات الأخرى. هذا الطرح دفع بالبريطانيين إلى التساؤل لاحقا إن كان يعني اقتراحاً ضمنياً بأن تؤول سيادة جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لإيران، مقابل ان تظل جزيرة أبوموسى تابعة لإمارة الشارقة.
إضافة إلى ذلك فإن المملكة العربية السعودية كانت تنظر إلى قضية الجزر الثلاث الإماراتية وفي بالها وضعية البحرين آنذاك. ذلك ان رئيس الاستخبارات السعودية كمال أدهم أبلغ المسؤولين البريطانيين ان إيران طلبت من الملك فيصل، مع نهاية عام 1968 أو أوائل عام 1969، المساعدة في إقناع إمارتي الشارقة ورأس الخيمة بالتخلي عن الجزر، وكان رد العاهل السعودي انه يمكن ان يفكر في هذا المقترح إذا أظهرت طهران حسن النية إزاء البحرين. وذكر أدهم أنه أكد بنفسه للإيرانيين انه إذا ما تعاونت بلادهم في قضية البحرين، فإن المملكة العربية السعودية ستساعدهم في التوصل إلى تسوية (مرضية) لهم في قضية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، رغم أنه من غير الواضح ان كان قد بيّن للإيرانيين ما قصده بالضبط. وفي السياق نفسه، ذكر مسؤولون بريطانيون في تقرير يعود تاريخه إلى عام 1968 أن ولي عهد دولة الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح ووزير الدفاع الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح سلّما بالأمر وكانت لديهما نظرة خاصة بشأن استيلاء إيران على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، رغم أنهما كانا يدافعان عن الحق العربي في الجزر في مواقفهما المعلنة. كما كان رد فعل أمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إيجابياً على صفقة مقترحة تتنازل إيران بموجبها عن مزاعمها في تبعية البحرين لقاء حصولها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى مقابل مبلغ مالي.
وفي تموز/ يوليو 1970، وعقب قبول إيران بالبحرين كدولة مستقلة، ذكر السفير السعودي في لندن ان الملك فيصل نصح الشيخ صقر القاسمي بالتوصل إلى أفضل الترتيبات الممكنة مع إيران من خلال الحصول على أكبر قدر ممكن من العون والمساعدات المالية. ونقلت الرواية عن الملك فيصل قوله إن (المملكة العربية السعودية لن تقحم نفسها في حرب لأجل الجزر، وان الواقعية تقتضي تقديم التنازلات في قضايا بعينها في سياق المصلحة الكبرى). وفي أيلول/ سبتمبر 1970 تسلم الشيخ خالد ومستشاره توفيق أبوخضر رسالة من الملك فيصل تقول إنه إذا تم التوصل إلى أي اتفاق مع إيران حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، فينبغي ان تنص الاتفاقية بوضوح على بقاء السيادة عليها بيد إمارة رأس الخيمة.
في هذه الأثناء التقى الشيخ صقر القاسمي في حزيران/ يونيو 1970، بمسؤولين في العراق الذي كان يشكل مركزاً للقومية العربية الراديكالية بمنطقة الخليج. وقبيل رحلته تلك، حذرت السلطات العراقية السفير البريطاني في طهران السير دنيس رايت، عبر سفير الاتحاد السوفيتي لدى العاصمة ذاتها، أنه بلاده ( سترتكب خطأ فادحاً إذا ما فكرت في تسليم إيران الجزر المعنية). وبعد وصول الشيخ صقر إلى بغداد، أبلغه الرئيس العراقي أحمد حسن البكر ومسؤولون آخرون بمعارضتهم القوية لاي اتفاق سواء بالبيع أو التأجير، من شأنه تكريس الوجود الإيراني في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، مبينين ان الصادرات والواردات عبر مضيق هرمز تعد (قضية حياة أو موت) للعراق، ووعدوا بتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية وفنية لرأس الخيمة.
وفي كانون الاول/ ديسمبر 1970 استقبل الشيخ خالد حاكم الشارقة حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس المصري أنور السادات، ناقلاً رسالة من الأخير فحواها ان مصر لا تستطيع تقديم أكثر من دعم معنوي للشارقة في نزاعها الحدودي مع إيران، وذكر الخولي انه في ضوء وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وانشغال مصر بالصراع مع إسرائيل، فإن القاهرة لا يمكن ان تتورط في منطقة الخليج. بيد ان الخولي نفسه ابلغ مسؤولين بريطانيين في القاهرة والمنامة في آذار/ مارس 1971، أن بريطانيا وإيران سيخسران النوايا العربية الحسنة إزاءهما، التي اتسع نطاقها بسبب مواقفهما من الصراع العربي- الإسرائيلي، إذا ما أقدمت إيران على احتلال الجزر بموافقة بريطانية.
وكانت هناك محاولات من قبل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت المحافظتين، للتوسط بين الإماراتين وبريطانيا في عامي 1970 و 1971، بيد أن مقترحاتهما لم تجد إلا الرفض من جانب طهران. وجاء الاقتراح الأول من قبل المملكة العربية السعودية موجهاً إلى رئيس الحكومة الإيرانية ووزير خارجيتها أردشير زاهدي في نيسان/ إبريل 1970 قبيل تسوية المسألة البحرينية. وحاول الاقتراح طمأنة إيران بأنه إذا كانت هواجسها أمنية وليست متصلة بغرض السيادة على الجزر فيمكن إنشاء حامية عسكرية إيرانية – عربية مشتركة تتمركز في الجزر. وفي تموز/ يوليو التالي، وعقب تسوية المسألة البحرينية مباشرة، أبلغ زاهدي السعوديين ان بلاده لن تتردد في استخدام القوة للاستيلاء على الجزر، وأنها سترد على أي مطالبة بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية بإعادة فتح موضوع البحرين. وجاء رد الملك فيصل بأنه (يعتبر الجزر المعنية عربية، وأنه يجب عدم تصعيد الموقف في الوقت الراهن).
وفي آب/ أغسطس من العام نفسه أبلغ الملك فيصل الوسيط البريطاني السير وليم لوس أن (التأكيد على السيادة العربية على الجزر أمر جوهري وأساسي). كما أبلغه ان الشاه ليس في حاجة إلى وضع حاميات في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى مادام بمقدوره وضعها في جزيرة قشم، مبيناً أنه نقل ذلك الموقف إلى زاهدي. وعندما التقى الملك فيصل بزاهدي في تشرين الاول/ اكتوبر بجنيف، حاول الأخير الحصول على مساعدة الاول للترويج للاقتراح الإيراني القائل بدفع تعويضات مالية للشارقة ورأس الخيمة مقابل التنازل عن سيادتهما على الجزر الثلاث، الأمر الذي قابله العاهل السعودي بالرفض. ولم يمض غير أيام ليطلب جوزيف سيسكو مساعد وزير الخارجية الأمريكي من عمر السقاف، وزير الخارجية السعودية بالوكالة، إمكانية تشجيع إمارتي الشارقة ورأس الخيمة على التوصل إلى ترتيبات مع إيران. وأوضح السقاف للمسؤول الامريكي ان المملكة العربية السعودية ليس بإمكانها ان تدعم (المساومة على الحقوق العربية في الجزر). وهناك اقتراح سعودي آخر تم تقديمه لإيران وهو أن تستأجر إيران الجزر ولكن بشرط ان تعترف بالسيادة العربية عليها، (وحاول الملك فيصل إحراز تقدم بهذا الاتجاه في أثناء زيارة لطهران في حزيران/ يونيو 1971 بيد أن جهوده باءت بالفشل).
وفي آب/ أغسطس 1970 أبلغ الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، ولي عهد دولة الكويت آنذاك، السير وليم لوس انه لا بد من إقامة الاتحاد بين الإمارات، قبل التوصل إلى أي اتفاق مع إيران حول الجزر، مبيناً ان دولة الكويت لن تعترض إذا ما توصل اتحاد من هذا القبيل إلى اتفاق يسمح لإيران بوضع قوات على الجزر. غير ان الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح، وزير الخارجية الكويتي آنذاك، أبلغ لوس في تشرين الثاني/ نوفمبر أن بلاده لم توافق على وضع قوات إيرانية في الجزر وستنصح حاكم الشارقة برفض الفكرة، وقد ناشد الشيخ صباح بريطانيا بعدم المضي قدماً في هذا الاقتراح موضحاً انه سيلقى معارضة من الدول العربية كافة.
وفي وقت لاحق من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه قام الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود بزيارة الشيخ صباح الأحمد، واتفق الاثنان على ان تظل الجزر عربية وأنهما لا يقبلان باي احتلال إيراني لها. كما اتفق المسؤولان على إقامة لجنة مشتركة للغرض نفسه، وأن تعمل هذه اللجنة في الوقت نفسه على إيجاد ترتيبات مع طهران ترضيها وتضمن عدم نشر أي قوات في الجزر. وأخيراً التقى الشيخ صباح وزير الخارجية الكويتي في 11 آب/ أغسطس 1971، شاه إيران في طهران ونقل إليه الاقتراح الوارد آنفاً، وتحديداً عدم نشر أي قوات عسكرية لإيران أو للإمارات في الجزر، وألا يكون موضوع سيادة الإمارات على الجزر موضع نقاش. وكما هو الحال مع المقترحات العربية الأخرى، رفض الشاه المقترح الكويتي.
في ضوء هذه التطورات أرسل الشيخ خالد القاسمي، حاكم الشارقة، في 18 آب/ أغسطس 1971، رسائل إلى الحكام العرب، والى عبدالخالق حسونة، الأمين العام لجامعة الدول العربية، يبلغهم فيها بالموقف الإيراني ويطلب مشورتهم ودعمهم في قضية الجزر. وفي 23 آب/ أغسطس بعث الشيخ خالد للحكام العرب بمذكرة إضافية توضح حق الشارقة في جزيرة أبوموسى، متضمنة تاريخ النزاع مع إيران حول الجزيرة، وأسباب رفض الإمارة للمزاعم الإيرانية، وتهديد طهران باستخدام القوة، ورفضها التفاوض حول قضية السيادة على جزيرة أبوموسى، واعتراضها على اللجوء للتحكيم الدولي أو إحالة النزاع للأمم المتحدة، والاقتراح الإيراني بتعويض الشارقة مالياً وتقاسم الموارد النفطية معها مقابل التنازل عن سيادتها على أبوموسى لصالح إيران.
وقد اعتمدت تلك المذكرة جزئياً على بحث وتحليل طلبهما الشيخ خالد من فريق قانوني إنجليزي – أمريكي مؤلف من باثيرست وإيلي وتشانس وقدم له في شكل (تقرير أولي) بتاريخ 23 تموز/ يوليو، وقد دعم التقرير وجهة نظر الشارقة القائمة على حق التقادم ودحض المزاعم الإيرانية بواسطة وثائق تاريخية عديدة، بينها عدد من الوثائق البريطانية الرسمية والتي تضمنتها مذكرة الشيخ خالد. كما تضمنت المذكرة تفاصيل الاتصالات التي أجراها الوسيط البريطاني السير وليم لوس في أثناء اضطلاعه بمهمة الوساطة بين أطراف النزاع.
لقد أوضحت مذكرة الشيخ خالد ان الشارقة لن تقبل بسيادة إيرانية على جزيرة أبوموسى، بيد أنها مستعدة للتفاوض مع أجل إيجاد حل سلمي يرضي الطرفين دون المساس بمصالحهما الوطنية. ومضت المذكرة قائلة :
ترى إمارة الشارقة ان مشكلة جزيرة أبوموسى في أبعادها الحالية والمستقبلية، مشكلة لا تؤثر في الإمارة فحسب بل في جميع الدول العربية وشعوبها ما دامت قضية الدفاع عن الجزيرة تعد دفاعاً قومياً عن ارض عربية مهددة بالاحتلال. وتدرك إمارة الشارقة انه من غير المناسب في هذه المرحلة الطلب إلى الإشقاء العرب استخدام القوة ضد طهران لمنعها من احتلال الجزيرة. غير أن الإمارة تأمل في دعم عربي لحقها وأن يسعى الأشقاء إلى ممارسة الضغط على إيران بكافة السبل الممكنة لإقناعها بتغيير موقفها من قضية جزيرة أبوموسى وألا يتركوا طهران تتصرف دون رادع باحتلال الجزيرة.

وبالإضافة إلى هواجس استخدام شاه إيران للقوة في احتلال جزيرة أبوموسى، كان الشيخ خالد قلقاً من رد فعل القوميين العرب الراديكاليين إذا ما أقدم على التنازل للشاه عن السيادة على ارض عربية. وفي الواقع كان الشيخ خالد يخشى من ان يتم اغتياله من قبل القوميين العرب. كما أنه أدرك من خلال اتصالاته السابقة مع القادة العرب، أن الدول العربية غير مستعدة لاستخدام القوة للدفاع عن الجزيرة ضد المزاعم الإيرانية، بل ان الحكام العرب كانوا يفضلون حلاً سلمياً للنزاع مع طهران. لهذا كله كان حاكم الشارقة محبطاً حيث لم يتلق رداً على مذكرته المؤرخة في آب/ أغسطس 1971 واقتراحه لتسوية قضية الجزيرة إلا من قبل أربع دول عربية فحسب. وعلاوة على ذلك فإن الدول الأربع قد أيدت فكرة تسوية سلمية تحفظ الشارقة سيادتها على الجزيرة، بيد أنها نصحت بـ (ضبط النفس) و (الالتزام بالحكمة والعقلانية)، في سبيل الوصول إلى الحل المنشود. ويتجلى إحباط الشيخ خالد في تصريح لاحق يقول فيه: (لجأت للدول التي نصحتني بالتعقل والحكمة. لكن كيف يكون التعقل؟ لقد أدركت ان على الشارقة ان تتصرف بمفردها، فلا أحد يقدم دعماً).
وتحت وطأة تلك الظروف، كما أوضح الشيخ خالد بنفسه لاحقاً، بدأ يخشى من تهديد الشاه باستخدام القوة لاحتلال أبوموسى واحتمال فقدان الجزيرة بكاملها، بما فيها من موارد نفطية واعدة. ومما زاد الأمر حدة محاولات الشاه عرقلة قيام دولة الأتحاد التي كان الشيخ خالد يعتز الانضمام إليها، وتحذير البريطانيين بأنهم لن يدافعوا عن الجزيرة، وإصرارهم على ان تعمل الشارقة على تلبية مطالب إيران. كان هذا المعطيات، دفعت حاكم الشارقة إلى البحث عن حل وسط.
ولعل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم ابوظبي، الذي كان في طريقه آنذاك ليصبح رئيساً لدولة الاتحاد الوليدة، كان القائد العربي الأبرز الذي قدم الدعم للشيخ خالد في نزاعه حول جزيرة أبوموسى مع الشاه. فخلال زيارة له للعاصمة البريطانية في منتصف حزيران/ يونيو 1971 لبحث الاتحاد الفيدرالي المرتقب بين الإمارات السبع، أوضح الشيخ زايد أنه لا يعتقد ان الاتحاد الوليد يمكنه التصدي بمفرده لحل قضية الجزر، غير انه يمكن ان يكون مفيداً في حشد تأييد الدول العربية المستقلة لإجراء التفاوض مع إيران. رغم ذلك فإن الشيخ زايد أوضح بجلاء في لقاءين له مع السير وليم لوس الوسيط البريطاني في أيلول/ سبتمبر وتشرين الاول/ أكتوبر من عام 1971، ان بريطانيا لن تجد تعاوناً من دولة الإمارات العربية المتحدة الوليدة، إذا (باعت جزيرة أبوموسى). كما أنه أوضح بجلاء في هذين اللقاءين انه مصمم على ألا تتخلى الشارقة عن السيادة على جزيرة أبوموسى، لكنه يتفهم اقتراح الإمارة بحل وسط يسمح لإيران بوضع حامية عسكرية على جزء من الجزيرة. وقد أرسل الشيخ زايد موفده احمد خليفة السويدي، وزير شؤون مجلس الوزراء في إمارة أبوظبي حينذاك، إلى طهران لإقناع الشاه بالتخلي عن التهديد بالقوة وإرجاء المفاوضات حتى قيام دولة الاتحاد. بيد انه أدرك خلال اللقاءات انه لا يمكن إقناع الشاه بالأخذ بأي من المقترحين.
ومن جانبه كان الشيخ صقر، حاكم رأس الخيمة، راغباً في النظر في فكرة تأجير طنب الكبرى وطنب الصغرى، لكنه كان رافضاً لفكرة التنازل عن السيادة على الجزيرتين مقابل تعويض مالي، كما أنه ظل مهتماً بان يعتبر العالم العربي أي اتفاق بهذا الخصوص مشرفاً، وكان معولاً على الدعم العربي، والدعم العراقي بصفة خاصة، في رفضه التنازل عن السيادة على أرض عربية لصالح إيران. وفي رفض علني للاقتراح الإيراني قال الشيخ صقر في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1971 :
إن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لا تتبعان لإمارة رأس الخيمة لوحدها بل لكل الأمة العربية ... وتقع مسؤوليتهما على أكتاف الدول العربية فرادى ومجتمعة، وان أي دولة عربية لها الحق فيها بقدر حق رأس الخيمة في أي راض عربية.

وبدوره كان الشيخ خالد حاكم الشارقة معولاً أيضاً على الدعم العربي حينما رفض اقتراح الشاه بالتنازل عن السيادة على جزيرة أبوموسى مقابل تعويض مالي في 30 تشرين الأول/ أكتوبر، بقوله : (نحن نعتبر التنازل خرقاً لسيادة إمارة الشارقة التي لن نتخلى عنها أبداً ... كما أننا لن نتخلى عن بوصة واحدة من التراب العربي الذي هو ملك الأمة العربية بكاملها).
وفي تلك الأثناء واصل أحمد خليفة السويدي الجهود التي يبذلها الشيخ زايد، محذراً في رسالتين إلى محمود رياض، وزير الخارجية المصري، ونظيره الكويتي الشيخ صباح الأحمد الصباح في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، من المخاطر المترتبة على المزاعم الإيرانية بخصوص الجزر الثلاث وتأثير ذلك في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وطلب دعم بلديهما في القضية. فقد كانت مصر، التي تحولت إلى دولة معتدلة تحت قيادة أنور السادات والدولة المهيمنة على جامعة الدول العربية، ودولة الكويت، الناشطة في التوسط بين إماراتي الشارقة ورأس الخيمة من جهة وإيران في الجهة المقابلة، تعدان حليفتين مهمتين لدولة الاتحاد الوليدة. وأكد السويدي ان دولة الإمارات العربية المتحدة غير مستعدة للتنازل عن حقوقها الشرعية في الجزر، وينبغي ان يكون هذا النزاع نزاعاً بين الأمة العربية وطهران. كما أنه ظل يؤكد ان دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها غير قادرة على الدفاع عن تلك الحقوق، بيد ان حلاً عادلاً لقضية الجزر يمكن التوصل إليه بدعم من الدول الشقيقة. ولم تمض أيام معدودة حتى التقى وزير الخارجية الكويتي القائم بالأعمال الإيراني لدى دولة الكويت ليبلغه ان من الضروري حل النزاع حول الجزر بالوسائل السلمية. وأبلغ الوزير الكويتي الدبلوماسي الإيراني ان بلاده مهتمة بالحفاظ على علاقات جيدة مع طهران، بيد أن من الضروري الاعتراف بالحقوق العربية المشروعة في الجزر، وأن دولة الكويت لا يمكنها القبول بالتنازل عنها. وأعلن المسؤول الكويتي استعداده آنذاك لبحث الأزمة مع مجلس الوزراء في بلاده، وتزويد المجلس بالمذكرة التي تسلمها من الدبلوماسي الإيراني بهذا الخصوص.
في ضوء تلك التطورات والاتصالات، بحث المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية، قضية الجزر في 12و13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، ومارس العراق في الاجتماع الضغط بغرض تبني المجلس لقرار يندد بتهديد إيران باستخدام القوة لاحتلال الجزر. بيد انه لم يتمكن من إقناع الأعضاء الآخرين الذين فضلوا الوساطة العربية وأن يقوم عبد الخالق حسونة، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بالسعي إلى حل النزاع. ومن ثم وجّه المجلس الوزاري للجامعة حسونة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر لإبلاغ سفيري بريطانيا وإيران لدى القاهرة بأن الدول الأعضاء، منطلقة من إصرارها على عروبة الجزر الثلاث بالإجماع، قد أوصت الدول العربية التي أجرت من قبل اتصالات مع الحكومتين الإيرانية والبريطانية، بمواصلة تلك الاتصالات، وان الجامعة بدورها ستستمر بمتابعة النزاع حول الجزر.
وعندما التقى محمد سليم اليافي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشؤون السياسية، السفير البريطاني لدى القاهرة في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر، أبلغ الأول الأخير بالنقاط الواردة أعلاه، كما نقل له ان جامعة الدول العربية ترى ان لندن مسؤولة عن الحفاظ على السيادة العربية على الجزر الثلاث. ولدى لقائه القائم بالأعمال الإيراني في القاهرة في اليوم نفسه تحدث اليافي عن (الأجواء الودية) التي سادت اجتماع مجلس الجامعة والسمة (العملية) للمذكرة التي قدمها العراق. وعبر عن (الرغبة العربية الجماعية) في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع إيران وتجنب وقوع أي نزاع معها، وأعرب عن أمله في توصل إيران إلى حل سلمي مع إمارتي الشارقة ورأس الخيمة بشأن الجزر. بالإضافة إلى ذلك، عبر اليافي عن رغبة الدول الأعضاء في تجنب وقوع أي نزاع مع طهران في وقت تواجه فيه الأمة العربية (معركة مصيرية) مع إسرائيل. وبدوره قام محمد المصمودي، وزير الخارجية التونسي، بجولة في المنطقة ورجع بانطباع بأن الحل السلمي عبر المفاوضات لقضية الجزر ما يزال ممكناً وقتئذ. بيد ان تلك الاجتماعات لم تنجح في إقناع بريطانيا وإيران، بل بالأحرى كبح نوايا طهران إزاء الجزر.
عاد أحمد خليفة السويدي ليخاطب مجدداً وزير الخارجية المصري في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، مبيناً ان موقف الشيخ زايد حاكم ابوظبي يتمثل بعدم التنازل عن الجزر، كما أبلغ السويدي الشيخ خالد حاكم الشارقة وشيوخها الآخرين الذين كانوا آنذاك يفاوضون من أجل التوصل إلى حل وسيط مع إيران، بموقف أبوظبي ونصحهم الالتزام به.
وقد كتب الشيخ خالد للعاهل السعودي الملك فيصل طالباً التوسط لدى إيران للتوصل إلى إيجاد حل سلمي للنزاع، غير ان الأخير ترك الأمر بيد حاكم الشارقة في معرض رده على رسالته بتاريخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، والتي جاء فيها :
بالإشارة إلى موقف الحكومة الإيرانية الخاص بموضوع جزيرة أبوموسى، نحن ما زلنا نرى ان باب الحوار بينكم وبين طهران ينبغي ان يظل مفتوحاً. كما أننا نتفق مع وجهة نظركم القائلة بأن يظل هذا الموضوع طي السرية، وبعيداً عن أي تدخل خارجي إلى حين توصلكم إلى نتيجة مرضية بمشيئة الله.

وعلى خلفية الدعم العربي المتواضع، لم ير الشيخ خالد إمكانية أخرى سوى الموافقة على إبرام مذكرة تفاهم في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر، والتي تضمنت تسوية أفضل من مقترح سابق تقدم به الشاه. لم تطلب تلك المذكرة من حاكم الشارقة التنازل عن السيادة على جزيرة أبوموسى أو الاعتراف بالسيادة الإيرانية عليها، بل حصرت الوجود الإيراني على النصف الشمالي من الجزيرة مقابل الإبقاء على وجود الشارقة في النصف الجنوبي منها. كما قضى الاتفاق أن تقدم إيران مساعدة سنوية إلى الشارقة قدرها 1.5 مليون جنيه إسترليني إلى ان تبدأ الشارقة بتحقيق عائد قدره 3 ملايين جنيه إسترليني سنوياً من حصتها التي تبلغ 50٪ من عوائد النفط المستقبلية في الجزيرة. ولم يعلن الشيخ خالد عن تلك المذكرة على الملأ في حينها، ولم يبلغ جامعة الدول العربية بها إلا في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر.
وفي غضون ذلك، واستجابة للاتصالات والوثائق السابقة التي بعث بها الشيخ خالد واستناداّ إلى توجيهات الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، قامت الإدارة القانونية بالجامعة بإعداد مذكرة عن جزيرة أبوموسى. وجاءت تلك الوثيقة بتاريخ 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، أي بعد خمسة أيام من استكمال مذكرة التفاهم بين الشارقة وطهران وقبل يوم واحد من الإعلان عنها. واستعرضت الوثيقة الجوانب والأساليب المختلفة المتصلة بكيفية اكتساب ارض ما في القانون الدولي، وشددت على ان إمارة الشارقة تملك حجة قوية في ملكية جزيرة أبوموسى استناداً إلى اكتساب الحق بالتقادم. كما ان الوثيقة رفضت المزاعم الإيرانية القانونية في الجزيرة، وانتقدت تهديد طهران باستخدام القوة باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي، وبينت ان على إيران الموافقة على المفاوضات أو التحكيم الدولي لحل النزاع.
وأوضحت المذكرة القانونية للجامعة بجلاء تام، أن إمارة الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة والدول العربية ستحتفظ بحق رفع النزاع إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة إذا ما حاولت إيران استخدام القوة. ولم يرد في تقرير جامعة الدول العربية أي إشارة إلى مذكرة التفاهم المبرمة بين إمارة الشارقة وطهران، ويبدو ان إعداده كان جارياً دون علم بأن الطرفين كانا على وشك التوقيع على مذكرة تفاهم. وربما لم يكن رد فعل جامعة الدول العربية من القوة بما يكفي لكبح الضغوط التي تواجهها حكومة إمارة الشارقة، حتى لو افترضنا انه قد تم إعداده وصدر في وقت سابق قبل استكمال مذكرة التفاهم. ولدى إبلاغ اليافي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، بمذكرة التفاهم ومحتواها في أثناء زيارة السفير البريطاني في القاهرة له بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، وهو اليوم الذي صادف يوم الإعلان عن المذكرة، تنبأ اليافي أن المذكرة سوف تسبب مشكلات في المستقبل.
في تلك الأثناء، وتحديداً في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، كتب الشيخ صقر القاسمي للأمين العام لجامعة الدول العربية ليبلغه بالتهديد الإيراني بالاستيلاء على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بالقوة، مشيراً إلى وثائق تثبت ملكية رأس الخيمة المتواصلة وغير المتقطعة للجزيرتين منذ عام 1750، وموضحاً ان طهران لا تمتلك دليلاً يؤيد مزاعمها بشأن ملكية الجزيرتين سابقاً. وناشد الشيخ صقر جامعة الدول العربية (اتخاذ الإجراءات المناسبة إزاء التهديدات الإيرانية) ومساعدة إمارة رأس الخيمة على طرح الأمر أمام الرأي العام العالمي وأمام مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى بحثه من قبل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية نفسها. وقبيل نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، بعث الشيخ صقر برسائل إلى الحكام العرب والأمين العام لجامعة الدولة العربية معرباً عن أسفه لكون إمارة الشارقة قد وافقت على إبرام مذكرة تفاهم مع إيران بشأن جزيرة أبوموسى. وطالب العرب بالتوسط لدى إيران من أجل (صيانة الحقوق العربية وتأمين سيادة إمارة رأس الخيمة الدائمة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى). بالإضافة إلى ذلك رحب الشيخ صقر (بأي إجراء تتبناه الدول العربية على نحو متكامل وشامل، إلى الحد الذي يؤكد الوجود العربي الفاعل على الجزيرتين بغرض الحفاظ على هويتهما العربية). وطالب حاكم رأس الخيمة بطرح النزاع حول الجزيرتين على الدورة التالية لمجلس جامعة الدولة العربية، كما بعث برسالة إلى يوثانت، الأمين العام للأمم المتحدة، طالباً فيها المساعدة على منع إيران من تنفيذ تهديدها باستخدام القوة لحل هذا النزاع.
لم تكن تلك النداءات والاستغاثة بالدول العربية للمساعدة، وكذلك الاتصالات العربية بكل من بريطانيا وإيران، كافية لمنع إيران من الاستيلاء على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بالقوة في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، وقد تحرك الشيخ صقر القاسمي على الفور مرسلاً برقية إلى جميع الحكام العرب احتجاجاً على الاحتلال الإيراني للجزيرتين، وناشدهم فيها (اتخاذ إجراء عاجل وفاعل لرد العدوان) ودعاهم إلى (التوحد لدعم الحقوق العربية) و (تحمل مسؤولياتهم القومية أمام الله وأمام التاريخ) و(تقديم هذا النداء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية). كما بعث رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدولة العربية طالباً دفاعه عن (الإرث العربي والأرض العربية)، داعياً إياه إبلاغ جميع القادة العرب (من أجل أن يتخذوا إجراء عاجلاً لردع المعتدي ورفع قضية الجزيرتين للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس جامعة الدول العربية).
بالإضافة إلى ذلك أبلغ الشيخ صقر رئيس الحكومة البريطانية إدوارد هيث بالعدوان الإيراني، وطالب بريطانيا بتحمل (مسؤوليتها وواجبها لحماية مواطنينا وأرضنا من أي عدوان خارجي). وجاء في رسالته : (نحن نحتج بشدة على الصمت البريطاني ونطالب باتخاذ إجراءات عاجلة لسحب القوات الإيرانية من الجزر). وفي رسالة أخرى وجهها إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن الدولي ناشد الشيخ صقر إصدار قرار يطالب إيران بالانسحاب من الجزيرتين، وتحدى إيران برفع النزاع إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية. كما أنه بعث برسالة أيضاً لكل من الأمين العام للأمم المتحدة وسفراء كل من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين المعتمدين لدى الأمم المتحدة، مناشداً إياهم (اتخاذ إجراءات عاجلة باسم الإنسانية وانسجاماً مع الأهداف النبيلة التي أنشئت الأمم المتحدة من أجلها).
أدت أنباء الاحتلال الإيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى ونزول قواتها على أرض جزيرة أبوموسى، إلى اندلاع التظاهرات في كل الإمارات وخاصة إمارات رأس الخيمة والشارقة وأبوظبي، حيث تعرضت الممتلكات الإيرانية لهجمات المحتجين، إضافة إلى اندلاع الاحتجاجات والتظاهرات في بغداد والكويت ودمشق وطرابلس وبيروت. وقد تعرض أخو حاكم الشارقة الذي استقبل القوات الإيرانية في أبوموسى لطلق ناري وأصيب في 2 كانون الأول/ ديسمبر، بيد أنه تعافى من الإصابة لاحقاً.
وجاء رد الفعل الرسمي عاجلاً أيضاً في كان الشيخ صقر يتلقى عبارات الدعم والتأييد، ونظمت الحكومات العربية احتجاجات جماهيرية منددة بإيران وبريطانيا. ومن جهته دان الشيخ خالد حاكم الشارقة ورفض احتلال إيران لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. أما الشيخ زايد حاكم أبوظبي فقد قال : (لدينا الدليل الذي يثبت ان هذه الجزر عربية، لكننا لن نحاول انتزاعها بأسلوب غير أخوي). وأضاف : (على الإنسان ان يحترم حق الآخر، وفي هذه الحالة فإن الحق حق أمة ودولة لا يمكن التخلي أو التنازل عنه ... نحن لا نريد نزاعاً مع جيراننا. ترددنا عن الدخول في أي مواجهة هو الشيء الوحيد الذي جعلنا نسعى لاستعادة حقوقنا بأسلوب حصيف ومتعقل حتى لا يستغل أي عدو وضعنا الحالي).
أما قادة الدول الخليجية الأخرى المحافظة فقد أطلقوا ردود فعل بعبارات متحفظة. وقد أعد البرلمان الكويتي مشروع قرار في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر يطالب الحكومة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من إيران وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. و رغم ان الحكومة الكويتية لم تهتم بتلك المطالبات، فقد قام الشيخ صباح السالم الصباح، أمير دولة الكويت، بإرسال برقية للشيخ صقر القاسمي في الأول من كانون الأول/ ديسمبر يؤكد فيها (استعداد بلاده للوقوف إلى جانب الأشقاء العرب في أي خطوة أو إجراءات يتفقون على اتخاذها لضمان صيانة الحقوق العربية). وسجلت دولة الكويت احتجاجات ضد إيران وضد بريطانيا التي أخفقت في احترام التزاماتها في المعاهدة المبرمة بينها وبين حكام الإمارات المعنية ولتسترها على الجريمة الإيرانية. بل إن وزير الخارجية الكويتي امتنع عن السماح للسفير الإيراني الجديد بتقديم أوراق اعتماده للأمير، الأمر الذي أدى إلى عدم اعتماد سفير لطهران بدولة الكويت على مدى الجزء الأكبر من عام 1972.
من جانبها أصدرت المملكة العربية السعودية بياناً رسمياً بثته إذاعة الرياض في الأول من كانون الاول/ ديسمبر جاء فيه : (لقد فوجئت المملكة العربية السعودية باستخدام إيران للقوة لاحتلال الجزيرتين العربيتين ولم تكن في الواقع تتوقع ان تلجأ إيران إلى إجراء من هذا القبيل. وتأمل المملكة أن تعيد إيران النظر في هذا الإجراء من أجل ضمان مستقبل واستقرار المنطقة). وأعرب الشيخ عيسى بن سلمان، أمير البحرين، عن دهشته للعدوان الإيراني في برقية أرسلها للشيخ صقر، وتمنى ان تعيد إيران النظر في موقفها. وذكر الشيخ احمد بن علي آل ثاني، أمير قطر، ان بلاده دانت على الملأ الإجراء الإيراني المؤسف ووعد بأن (تبذل الدوحة كل ما تستطيعه بالتضامن مع الدول العربية لإعادة الحق لأصحابه). وفي الرابع من كانون الاول/ ديسمبر حذر حكام المملكة العربية السعودية ودولتي البحرين وقطر من ان أي محاولة جديدة من إيران لتوسيع نفوذها في الخليج سيتم التصدي لها.
أما ردود الفعل في الدول العربية الأخرى الأكثر اعتدالاً، فقد جاءت أيضاً متحفظة نسبياً. فقد نصح الرئيس المصري أنور السادات في برقية وجهها للشيخ صقر بـ (التعقل والتفهم). وأصدرت مصر بياناً رسمياً في الأول من كانون الاول/ ديسمبر عبرت فيه عن دهشتها للإجراء العسكري الإيراني ووصفت احتلال الجزيرتين بالعمل المناقض لميثاق الأمم المتحدة ولروح الصداقة العربية – الإيرانية. وذهب البيان للقول بأن بريطانيا ستظل مسؤولة عن الدفاع عن الجزيرتين العربيتين إلى ان يتم إعادتهما لأصحاب الحق، وأن مصر لن تعترف بأي اتفاق في ظل ظروف الضغط العسكري والاحتلال. ومن جهتها أعربت كل من تونس والأردن والجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) بتاريخ 2 كانون الأول/ ديسمبر عن (أسفها) لاحتلال إيران للجزيرتين، فيما وعد رئيس اليمن الشمالي عبد الرحمن الأرياني بأن (بلاده ستدعم إمارة رأس الخيمة في استعادة ممتلكاتها المسلوبة وجزيرتيها المحتلتين).
وجاءت الاحتجاجات الأقوى من الحكومات والحركات العربية القومية الراديكالية. ففي برقية بعثها للشيخ صقر قال الرئيس العراقي احمد حسن البكر: (سنقف معكم جنباً إلى جنب حتى يتم تحرير الجزيرتين العربيتين من يد المعتدي المغتصب). وأقدمت بغداد على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وبريطانيا في اليوم نفسه الذي وقع فيه الاحتلال، واتهمت الدولتين بـ (التواطؤ في العدوان الفاضح الذي قامت به القوات الإيرانية ضد الجزر الثلاث في الخليج العربي). كما استدعت بغداد السفراء العرب المعتمدين لديها لبحث (القيام بإجراء انتقامي) ضد العدوان الإيراني.
أما الرئيس السوري حافظ الأسد فقد دان الاحتلال الإيراني للجزيرتين ووصفه بأنه مؤامرة استعمارية بين إيران وبريطانيا ضد أرض عربية. وجاء رد الفعل في كل من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) والجزائر محملاً بذات المعاني التي وردت في التصريح السوري، وفي ليبيا بعث رئيس مجلس قيادة الثورة معمر القذافي في 5 كانون الأول/ ديسمبر، برقية للشيخ صقر قائلاً إن بريطانيا هي ( المسؤول الأول) عن الاحتلال الإيراني لكونها كشفت عن (نزعاتها في الهيمنة الإمبريالية ... وكراهيتها للعرب ... ونقضها للعهود وازدرائها للقانون الدولي). وأبدى القذافي أسفه لأن إيران تآمرت مع بريطانيا وكأنها (خادمها المطيع). من جهتها شبهت منظمة التحرير الفلسطينية احتلال الجزيرتين بالعدوان الصهيوني ضد فلسطين، وقالت إن على الأمة العربية استعادة أي ارض عربية تم اغتصابها من قبل المعتدين.
في الأول من كانون الاول/ ديسمبر أبلغ محمد سليم اليافي، الأمين العام المساعد لجامعة الدولة العربية، السفير البريطاني لدى القاهرة استغرابه ودهشته للأنباء التي تحدثت عن احتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأعرب عن أسفه بالقول: (حبذا لو استمررنا في الاتصالات مع إيران وبريطانيا مستخدمين دبلوماسية هادئة للوصول إلى اتفاق ..) وقال ان جامعة الدول العربية تحمل بريطانيا (المسؤولية الكاملة إزاء السلوك الإيراني، إذ كان ينبغي عليها حماية أراضي رأس الخيمة)، وطالب لندن (برفض الاحتلال بكافة صوره وأشكاله وإدانته والمطالبة بسحب القوات الإيرانية والتأكيد على عروبة الجزيرتين). كما أنه قال إن لهذه الجزر أهمية استراتيجية وستمكن إيران من فرض سيطرتها على الخليج. وفي اجتماع له مع القائم بالأعمال الإيراني، أشار اليافي إلى وثائق تثبت الهوية العربية للجزر، ووصف السلوك الإيراني بالعدوان الذي ينتهك الصداقة العربية – الإيرانية وميثاق الأمم المتحدة. وعرض العمل مع طهران لتحقيق حل سلمي للنزاع، وعندها لابد لإيران من سحب قواتها من الجزيرتين واستئناف المفاوضات. وقد نقل اليافي رسالة مماثلة للسفير الإيراني لدى القاهرة.
وأشار اليافي لأحقاً إلى أن آراءه المتصلة بالجزر الثلاث قد تم إعدادها وتضمينها في المذكرة التي أعدتها في وقت سابق الإدارة القانونية بجامعة الدول العربية استناداً إلى وثائق وفرتها حكومتا إمارتي رأس الخيمة والشارقة. وبالإضافة إلى تقريرها القانوني الذي أعد بتاريخ 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، أعدت جامعة الدول العربية مذكرة تكميلية في ضوء التطورات التي شهدها الأسبوع التالي من التاريخ أعلاه، وتقول الوثيقة الثانية إن لإمارة رأس الخيمة حجة قوية في ملكية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى استناداً إلى قاعدة اكتساب الحق بالتقادم. ورفضت المزاعم الإيرانية في الجزيرتين وانتقدت استخدام إيران لقواتها المسلحة لاحتلال الجزر الثلاث، ووصفته بأنه أنتهاك للقانون الدولي. إضافة إلى ذكر تحدثت المذكرة التكميلية عن أن إماراتي رأس الخيمة والشارقة الدول العربية تحتفظ بحق عرض القضية أمام مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ورفضت مذكرة التفاهم بين إيران وإمارة الشارقة بخصوص جزيرة أبوموسى معتبرة إياها باطلة قانونياً استناداً لكونها نتجت عن تهديد وضغوط.
عقدت جامعة الدول العربية دورة استثنائية طارئة في 6 كانون الاول/ ديسمبر 1971 لبحث قضية احتلال إيران للجزر. وكان العراق قد امتنع مسبقاً عن الاعتراف بدولة الإمارات العربية المتحدة الوليدة، وأصر في الاجتماع على معارضة عضويتها في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لحين استيفائها شروطاً عدة. وتمثلت تلك الشروط في إصدار إمارة الشارقة بياناً تعلن فيه إلغاء مذكرة التفاهم بينها وبين إيران بشأن جزيرة أبوموسى، وأن تندد دولة الإمارات العربية المتحدة بالاحتلال الإيراني للجزر، وأن تمتنع دولة الإمارات العربية المتحدة عن إقامة علاقات دبلوماسية مع إيران حتى تتم إعادة الجزر، وأن تشجع دولة الاتحاد هجرة المواطنين العرب إلى اراضيها، وان تكفل المساواة في الحقوق لكل المواطنين العرب الراغبين في الهجرة إليها. وربما كان العراق لا يدرك ان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة قد دان العدوان الإيراني على الجزر قبل يوم من اجتماع جامعة الدول العربية. ورغم ان العراق دعا كافة الدول العربية إلى تبني موقفه، فإن الغالبية العظمى من الدول الاعضاء وافقت على انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة لجامعة الدول العربية، باستثناء اليمن الجنوبي والمملكة العربية السعودية اللتين عارضتا ذلك لأسباب خاصة بهما.
وعقب حل القضايا الإجرائية الخلافية تم الانتقال إلى بحث موضوع الاجتماع الطارئ للجامعة. وقال الشيخ عبد العزيز القاسمي، رئيس وفد إمارة رأس الخيمة، الذي كان يرأس ديوان حاكم الإمارة، إن إيران قد ارتكبت عدواناً على الأمة العربية بكاملها، مناشداً الدول الاعضاء قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية مع طهران، ورفع قضية الجزر لمجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية، وتعبئة الرأي العام العالمي حول القضية من خلال وسائل الإعلام العربية. وعزز القاسمي مداخلته بتوزيع وثائق تاريخية على أعضاء الجامعة، توضح ممارسة إمارة رأس الخيمة المتواصلة وغير المتقطعة للسيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وتدعم حق إمارة رأس الخيمة في الجزيرتين. وتتضمن تلك الوثائق المكاتبات والرسائل بين الحكام السابقين لجزيرة لنجة من شيوخ القواسم وممثلي الإدارة البريطانية في الخليج، إضافة إلى اتفاقيات منح الامتيازات المبرمة مع شركات بريطانية وشركات نفطية. كما أعلن الشيخ عبد العزيز القاسمي ان إمارة رأس الخيمة لم تعترف أو توافق على مذكرة التفاهم المبرمة بين إمارة الشارقة وطهران حول جزيرة أبوموسى.
من جهته رفض يسري الدويك، المستشار القانوني لإمارة الشارقة وعضو الوفد الإماراتي في الاجتماع، استخدام إيران للقوة لاحتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، بيد أنه أوضح ان مذكرة التفاهم بين إمارة الشارقة وطهران قد تم التفاوض حولها بتشجيع من دول عربية حثت على إيجاد حل سلمي للنزاع يضمن لإمارة الشارقة سيادتها على جزيرة أبوموسى وهو ما نصت عليه المذكرة. وقدم العراق، الذي رفع قضية الجزر إلى مجلس الأمن في 5 كانون الأول/ ديسمبر، اقتراحاً بإدانة العدوان الإيراني والمطالبة بانسحاب فوري من الجزر، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من طهران ولندن، وتبني موقف عربي موحد من القضية أمام الأمم المتحدة.
وعندما استؤنفت الجلسة في 7 كانون الأول/ ديسمبر نصحت كل من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت وتونس والأردن وحتى سوريا الراديكالية باتخاذ رد فعل معتدل. ونتيجة لذلك جاء رد فعل جامعة الدول العربية مقيداً جداً. وتبنى مجلس الجامعة القرار رقم 2865 الذي ينص على ان جامعة الدول العربية قررت :
أولاً: التأكيد ان الجزر الثلاث، أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، عربية خالصة، وأنها جزء من الأرض العربية بموجب التاريخ والقانون الدولي والشرعية، وأن السيادة عليها من حق العرب الذين يملكونها.
ثانياً: إدانة احتلال جزء من الأرض العربية بالقوة، الأمر الذي يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية والمعاهدات الدولية.
ثالثاً: تحميل بريطانيا المسؤولية كونها تخلت عن التزاماتها الدولية وإدانة عدم احترامها لالتزاماتها.
رابعاً: ان إيران باحتلالها للجزر تهدد الصداقة والعلاقات العربية – الإيرانية، ومن أجل تجنب ذلك، فإن مجلس الجامعة يطلب من الأمن العام البدء في إجراء اتصالات على أعلى مستوى لإقناع إيران بإعادة النظر في موقفها.
خامساً: يعرض الأمين العام لجامعة الدول العربية تقريراً عن تلك الاتصالات على مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في اجتماعهم المقبل.

لم يبلغ القرار حد المطالبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وبريطانيا، ولم يطالب صراحة ومباشرة بانسحاب القوات الإيرانية من الجزر. ويلاحظ ان الدول الراديكالية مثل اليمن الجنوبي وليبيا والجزائر لم تقف موقفاً قوياً داعماً للمقترحات العراقية. اما من ناحية النص نفسه فإن القرار يندد بحذر (بهذا الاحتلال) بدلاً من (الاحتلال الإيراني). فيما قالت المملكة العربية السعودية ودول أخرى، من بينها سوريا، إن التنديد (بالاحتلال الإيراني) قد ينجم عنه ردة فعل إيرانية من شأنها تقويض جهود الأمين العام لجامعة الدول العربية والمسؤولين العرب الذين يجرون اتصالات مع طهران بهذا الخصوص، كما يلاحظ أن دعوة الأمين العام للجامعة إلى البدء باتصالات مع إيران قد جاءت غامضة. واشار عبد الخالق حسونة إلى ان إيران سبق ان رفضت وساطة الجامعة وفضلت البدء باتصالات برؤساء دول عربية تتمتع بعلاقات قوية مع الشاه، وخاصة أمير دولة الكويت وملك المملكة العربية السعودية والرئيس التونسي، داعياً إلى ان يضطلع هؤلاء القادة بمهمة الاتصالات مع الشاه.
كان دولة الكويت والمملكة العربية السعودية مترددتين في الاتصال بإيران من جديد، وعوضاً عن ذلك كانتا تريدان ان يباشر الأمين العام لجامعة الدول العربية الاتصال بالدول العربية اولاً قبل الاتصال بطهران. وقد سجل كل من العراق واليمن الجنوبي وليبيا تحفظهم على هذا الموقف نظراً لأنهم كانوا لا يرون جدوى من تحرك كهذا، كما ان دعوتهم إلى تبني خطة عربية مشتركة لاستعادة الجزر قد تم إسقاطها. وقامت ليبيا في وقت لاحق من اليوم نفسه بسحب احتياطياتها من العملات الأجنبية من بريطانيا وأعلنت في الوقت نفسه تأميم أصول شركة بريتيش بتروليوم British Petroleum في ليبيا.
أدى سلوك إيران ونداءات الشيخ صقر إلى حفز العراق، بالاشتراك مع كل من الجزائر وليبيا واليمن الجنوبي، لرفع دعوى لدى مجلس الأمن بتاريخ 3 كانون الأول/ ديسمبر 1971ضد احتلال إيران للجزر. وانضم لتلك الدول كل من جمهورية الصومال ودولة الكويت بالاشتراك في مداولات المجلس في 9 كانون الاول/ ديسمبر، بالإضافة إلى إيران، بطبيعة الحال، ودولة الإمارات العربية المتحدة وبريطانيا. أما سوريا التي كانت عضواً في مجلس الأمن، فلم تشارك في المداولات. وتتضح الأسباب التي جعلت ردود فعل العراق والدول الراديكالية الأخرى قوية على السلوك الإيراني، من خلال البيانات المكثفة الرسمية التي أدلى بها مندوبو هذه الدول في تلك الجلسة.
وشجب العراق (جشع إيران وسياستها التوسعية) وندد (بالتواطؤ) بين طهران ولندن وواشنطن. واتهم العراق الدول الثلاث بالتواطؤ على مخطط إمبريالي لملء فراغ مزعوم نتج عن انسحاب الاحتلال البريطاني من منطقة الخليج، ومجابهة أي نفوذ سوفيتي، ولجم الحركات الراديكالية في الخليج، ومن خلال توريث الدور الاستعماري البريطاني في المنطقة لطهران، مما يعد انتهاكاً فاضحاً للالتزامات البريطانية في معاهدة حماية الإمارات. وذهب العراق إلى حد دحض المزاعم الإيرانية التاريخية وادعاءاتها القانونية في السيادة على الجزر والمشروعية القانونية لمذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى، ورفض الحجج القائلة بأنه ينبغي اختيار إيران بصفة خاصة لملء الفراغ الناشئ عن الانسحاب البريطاني من المنطقة. وأشار العراق إلى مشتريات الأسلحة الإيرانية الضخمة، مفنداً مزاعم طهران الاستراتيجية حول تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة، وقال إن إيران يمكنها الآن السيطرة على المنفذ الوحيد للملاحة والتجارة العائدة للعراق ودول الخليج العربية إلى أعالي البحار، وأنها ستستغل هذا الواقع لممارسة التهديد والضغط على تلك الدول. كما أشار أيضاً إلى أن إيران منذ عام 1969 أصبحت تتنصل من معاهدة عام 1937 التي اعترفت بسيادة العراق على شط العرب حتى السواحل الإيرانية، وأنها بدأت تزعم ان لها حقاً مساوياً في السيادة على النهر نفسه، وتكثف وجودها العسكري بطول النهر الذي يعد المنفذ البحري الوحيد لبغداد. ودعا العراق مجلس الأمن إلى صيانة المبادئ ذات الصلة في القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة تلك التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها، وتأمين انسحاب القوات الإيرانية من الجزر الإماراتية، حتى لا تضطر دول المنطقة للتوصل إلى اقتناع مفاده ان القوة هي الوسيلة الوحيدة للدفاع عن حقوقها، الأمر الذي يهدد المنطقة والعالم بمخاطر الحرب.
ومن جانبها شجبت حكومة الجزائر (الإمبريالية العدوانية) الإيرانية ودانت سياستها القائمة على ضم واغتصاب أراضي الغير، منتقدة بريطانيا لكونها لم تحم أراضي إمارتي رأس الخيمة والشارقة، وطالبت مجلس الأمن بضرورة إدانة استخدام إيران للقوة. أما اليمن الجنوبي فقال ان الجزر الثلاث هي امتداد للأرض العربية الام، وأعرب عن مخاوفه من ان يكون الغزو الإيراني للجزر مقدمة لغزو الأرض الام لتدمير (الثورة) في محافظة ظفار العُمانية. وحملت عدن بريطانيا، بعد التنديد بسياستها الإمبريالية واستغلالها للمنطقة، مسؤولية العدوان الإيراني غير القانوني، وطالبت طهران بالانسحاب الفوري من الجزر. وذهبت عدن لأبعد من ذلك باتهام حكام إمارتي رأس الخيمة والشارقة بالتواطؤ والتعاون مع إيران وبريطانيا، وتعهدت بأن تعمل الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل على (تحرير) الأراضي الخليجية كافة. وبدورها شجبت ليبيا (الإمبريالية بكافة اشكالها القديمة والجديدة والناشئة)، ونددت بشدة بالعدوان والاحتلال العسكري الإيراني. كما دانت تواطؤ بريطانيا وانتهاكها للالتزامات الواردة في معاهداتها المبرمة مع دول المنطقة وخرقها لميثاق الأمم المتحدة. وأعربت ليبيا عن (تراجع ثقتها) في رغبة مجلس الأمن في ان يجعل القوى الكبرى وحلفاءها يتحملون المسؤولية في هذا الصدد، وأوضحت انها قامت بتأميم أصول شركة بريتيش بتروليوم العاملة في أراضيها، وسحبت أرصدتها من البنوك البريطانية في 7 كانون الأول/ ديسمبر (لأن الإمبرياليين لا يفهمون إلا لغة مصالحهم الشخصية).
أما دولة الكويت التي تعد من الدول العربية المحافظة، فقد استعرضت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها لإقناع إيران بعدم استخدام القوة، ومنها لقاءات واجتماعات وزير خارجيتها مع نظيره الإيراني واللقاءات مع الشاه نفسه. واستنكرت دولة الكويت السلوك الإيراني وتهديد الأمن بمنطقة الخليج وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة. ودانت بشدة بريطانيا قائلة إن السير وليم لوس مارس ضغوطاً على إمارتي الشارقة ورأس الخيمة للتضحية بوحدة وسلامة أراضيهما، كما طالبت باستصدار قرار من مجلس الامن يدعو إيران إلى الانسحاب الفوري من الجزر.
من جهتها أوضحت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تم قبول عضويتها في الأمم المتحدة صباح يوم المناقشة، أنها تلقت نصائح بتأجيل الإعلان عن استقلالها وطلب العضوية في الأمم المتحدة، نظراً لأن إيران هددت بإعاقة ومنع قيام دولة الاتحاد، كما أشارت إلى أن إيران رفضت التفاوض مع دولة كاملة السيادة والاستقلال وعضو في الأمم المتحدة، وأضافت ان إيران رفضت التفاوض أو التحكيم أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن لأنها لا تملك دليلاً يثبت مزاعمها في الجزر. وأعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن أملها في موافقة طهران على تسوية هذا النزاع على نحو يصون الصداقة بين الدولتين الجارتين ويحول دون زرع بذور العداء بينهما.
وفي المقابل، نفت إيران ان يكون لها أي أطماع توسعية في أراضي أي دولة، بيد أنها حذرت من أن أي تدخل من طرف أي قوة أو جهة أجنبية أو خارجية سيهدد السلم والأمن في الخليج. واعترضت على استخدام مصطلح (الخليج العربي) أثناء مداولات مجلس الأمن وتحدثت عن ضرورة التعاون بين الدول المطلة على الخليج. وترى إيران ان إمارة الشارقة راضية عن مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان حول جزيرة أبوموسى. وزعمت أن الجزر الثلاث ملك لها، رغم أنها لم تقدم أي دليل يثبت حقها في جزيرة أبوموسى باستثناء خرائط بريطانية وموسوعة مجهولة الأسم واحتجاجاتها عبر السنين، إضافة إلى ادعائها بأن الموقع الجغرافي للجزر يجعل من الأخيرة أقرب لإيران، كشاهد على مزاعمها في تبعية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
وقبيل اختتام المداولات قال مندوب الصومال ان من التهور الاقتراح بالرجوع إلى الفصل السادس، المادة 36 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمكن مجلس الأمن من (ان يوصي بما يراه ملائماً من الإجراءات وطرق التسوية). واقتراح الصومال تأجيل النظر في النزاع بما يتيح فرصة لجهود دبلوماسية تقوم بها أطراف ثالثة على علاقة جيدة بالطرفين المتنازعين. ان هذا الاقتراح المتمثل بدبلوماسية الطرف الثالث شبيه بالدعوة الواردة في قرار جامعة الدول العربية رقم 2865. وأشار رئيس مجلس الأمن إلى انه لا اعتراض على المقترح المقدم من الصومال، ووجه بتأجيل النظر في القضية.
وعلى صعيد ردود الفعل والمبادرات في العالم العربي، فقد تواصلت التحركات العربية أثناء اجتماعات جامعة الدول العربية ومداولات مجلس الأمن، واستمرت على مدى الأسابيع والأشهر التالية. فقد قام كل من سعدون حمادي، وزير النفط العراقي حينذاك، وعبد الحليم خدام، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السوري، بزيارة الشيخ صقر القاسمي في رأس الخيمة خلال الأيام الأولى من كانون الاول/ ديسمبر لنقل دعم بلديهما له، رغم ان دمشق لم تدعم موقف بغداد في جامعة الدول العربية ولا في اجتماعات مجلس الأمن. كما قام المقدم عبد السلام جلود، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة الليبي، بزيارة إلى إمارة رأس الخيمة ودعا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية مع إيران، وطالب بطرد الجاليات الإيرانية وإقصاء الشخصيات الشيعية من المناصب والمواقع الرئيسية. وذهب جلود للقول إن ليبيا مستعدة لإرسال قوات عسكرية لمواجهة الأطماع الإيرانية، ويمكنها إعداد فرق قوات خاصة (كوماندوز) لزعزعة الوجود الإيراني في الجزر.
ومن ثم قام الشيخ خالد بن صقر، ولي عهد رأس الخيمة، بزيارة طرابلس في 10 كانون الأول/ ديسمبر حيث أبلغه العقيد معمر القذافي بدعم جهود الإمارة لاستعادة جزيرتيها، بيد أنه نصحه بانضمام رأس الخيمة لاتحاد الإمارات والعمل في إطار دولة الإمارات العربية المتحدة ليتسنى تحقيق ذلك الغرض. وقام وفد عراقي أيضاً بزيارة الشيخ خالد بن محمد، حاكم الشارقة، مطلع كانون الأول/ ديسمبر، وانتقد الأخير لتوقيعه مذكرة التفاهم مع طهران حول جزيرة أبوموسى. وكان رد فعل الشيخ خالد على تلك الانتقادات مطابقاً لما صرح في صحيفة النهار، إذ قال للوفد العراقي: (وصفتني إذاعتكم بالعميل الخائن لأنني وقعت اتفاقية مع طهران، لكنكم لزمتم الصمت عندما طلبت مساعدتكم ومساعدة جميع العرب).
وفي 11 كانون الأول/ ديسمبر بحث البرلمان الكويتي مشروع قراره الذي طرحه في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، وأجاز بالإجماع قراراً يدعو حكومته إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، وفرض سلسلة واسعة من العقوبات الاقتصادية والثقافية على تلك الدول، تضمنت تـأميم أصولها في صناعة النفط في البلاد واستخدام النفط كسلاح، وسحب الأموال الكويتية من بريطانيا، ووقت هجرة الإيرانيين للكويت، وإبعاد المهاجرين الإيرانيين غير الشرعيين، وإعلان التجنيد الإلزامي، وإنشاء قوة دفاع عربية مشتركة، بل ودعم حركات التحرر الوطني في الخليج. وقد ذكرت مجلة ميدل إيست إيكونوميك سيرفي Middle East Economic Survey ان المداولات في البرلمان الكويتي اتسمت بـ (الإفراط في القدح والذم) ضد إيران وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، وأوضحت بجلاء درجة الغليان التي بلغها الرأي العام الكويتي إزاء ذلك الموقف. بيد أن الحكومة الكويتية لم تأخذ للمرة الثانية بتلك الدعوات.
وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر 1971 بدأ محمد سليم اليافي جولة خليجية تنفيذاً لتوجيهات قرار جامعة الدول العربية رقم 2865 الذي طالب أمين عام الجامعة بالبدء بالاتصالات. وزار اليافي كلاً من إمارات ابوظبي ودبي ورأس الخيمة والشارقة ودولتي البحرين وقطر وسلطنة عُمان. وفي تقريره الخاص بنتائج هذه الجولة، الذي عرضه أمام المجلس الوزاري للجامعة حين عودته للقاهرة في مطلع كانون الثاني/ يناير 1972، استعرض اليافي وجهات نظر حكام المنطقة مشيراً إلى (ان جميع الحكام لا يميلون إلى تصعيد الخلاف مع إيران إلى مستوى صراع حقيقي ويرغبون ببساطة في التوصل إلى حل سلمي ودي). وذهب الأمين العام المساعد للجامعة في تقريره إلى القول بأن (جميعهم يفضلون مبادرة من قبل جامعة الدول العربية للاتصال بإيران، وأكدوا أنهم سيلزمون أنفسهم بأي قرار من الجامعة، وان حاكم إمارة رأس الخيمة يرحب بتسوية مع إيران قائمة على تأجير جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى).
وعلى الرغم من ان المملكة العربية السعودية ودولة الكويت لم تكونا ضمن الدول التي زارها اليافي، فإن الامين العام المساعد للجامعة دعاهما بالإضافة إلى تونس والأردن والمغرب إلى الإضطلاع بمسؤولية الاتصال بإيران. وبينما أبدى الملك فيصل رغبة المملكة العربية السعودية في التوسط، أبلغت دولة الكويت الامين العام المساعد للجامعة ان المردود المحتمل لأي اتصالات مع إيران سيكون ضعيفاً في ضوء خلافاتها مع طهران والهجوم الإعلامي الإيراني عليها. أما الأردن فقد امتنع بذريعة انشغاله التام بالقضايا العربية – الإسرائيلية، لكنه اوضح أنه لا يرفض إجراء اتصالات شخصية بالشاه.
وخلال الأيام الأخيرة من أيلول/ سبتمبر المصادفة لنهاية الجولة التي قام بها الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية في منطقة الخليج، حث الشيخ صقر القاسمي كلاً من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والمملكة المغربية وتونس، على محاولة إجراء اتصالات دبلوماسية مع إيران بغرض إقناعها بالانسحاب. وذكر اليافي في تقريره بتاريخ 3 كانون الثاني/ يناير ان المملكة العربية السعودية وتونس والمغرب على اتصال بإيران بهذا الشأن. وكانت هذه الدول قد عبرت عن تحفظها على قرار جامعة الدول العربية رقم 2865، بل إن الرباط سجلت تحفظها رسمياً في صلب القرار لأسباب لعل أهمها أن القرار يمكن ان يقوض جهود الوساطة العربية في هذا النزاع. ومع ذلك فإن الاتصالات التي أجرتها هذا الأطراف فرادى لم تكن ناجحة، بينما ظلت إيران غير راغبة في القبول بوساطة رسمية من قبل جامعة الدول العربية، أما العراق الذي قطع علاقاته مع إيران في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، وظل متمسكاً بعدم جدوى أي وساطة عربية، فقد طرد 60 ألف إيراني بنهاية كانون الأول/ ديسمبر 1971. كما أنه قام بتأميم امتيازات شركة نفط العراق البريطانية في 1 حزيران/ يونيو 1972.
وفي 17 تموز/ يوليو 1972 انتهت جهود جامعة الدولة العربية إلى رسالة ضعيفة موجهة إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باسم 15 دولة عربية عضواً في الجامعة نفسها وفي الأمم المتحدة، ممتدة من شمال أفريقيا إلى الخليج، مكتفية بالقول فيها أن (الجزر الثلاث، أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، عربية وتشكل جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة ومن الأرض العربية بوجه عام). وقد أوضح علي حميدان الذي كان وقتئذ مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة بقوله : (في اجتماع للمجموعة العربية الممثلة للدول العربية لدى الأمم المتحدة، اقترح العراق ان يرسل السفراء العرب لدول المنطقة رسالة موقعة إلى رئيس مجلس الأمن يؤكدون فيها ان الجزر الثلاث أراض عربية وجزء أصيل من العالم العربي الكبير. واقترح مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة إعادة صياغة المقترح لينص على ان الجزر الثلاث جزء أصيل من دولة الإمارات العربية المتحدة).
ويلاحظ هنا ان المملكة العربية السعودية والأردن لم يكونا من الدول الموقعة على الرسالة. فالعاهل الأردني، الملك الحسين، كان يحاول التوسط لتطبيع العلاقات بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة وكان سيعاود المحاولة في أيلول/ سبتمبر، بينما سبق للمملكة العربية السعودية أن أجرت اتصالات شخصية مع طهران حول الجزر في كانون الثاني/ يناير1972، وكانت ستواصل مسعاها في المستقبل. ولذا، فقد كان للبلدين أسبابهما بالنظر إلى ان أي توقيع على الرسالة يمكن ان يقوض تلك الجهود. وقال الشيخ صقر، حاكم رأس الخيمة، لدى لقائه الملك فيصل عام 1972 ان الأخير أكد له بقوله : (ينبغي عدم التنازل عن شبر واحد من الجزر. ربما نحن لسنا في وضع يسمح باستعادتها بالقوة، لكننا في يوم من الأيام سنعيدها لأصحاب الحق الشرعيين). وعندما قام عباس علي خلعتبري وزير الخارجية الإيراني بزيارة للرياض في تموز/ يوليو 1973، (اثار الملك فيصل معه قضية الجزر حيث أصر على أن يتم حلها على نحو مرض لشيوخ الإمارات). بيد أن الوزير الإيراني رد بقوله ان طهران لن تسمح لأي شخص لطرح مزاعم حول ما تعتبره (أرضاً خاصة بها). ثم كتب الشاه للملك فيصل قائلا: (لا يوجد إيراني، حتى ولو كان خائناً لبلاده، في الوقت الحالي أو المستقبل، يمكن ان يتخلى عن بوصة من ترابه الوطني).

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uaeislands/showtopics-42.html
الجزر الثلاث المحتلة لدولة الإمارات العربية المتحدة - طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
http://www.alamuae.com/uaeislands