عنوان المقال : الفصل الحادي عشر - احتياجات دولة الإمارات العربية المتحدة ومسؤوليات الأمم المتحدة وسياسية الولايات ا

الفصل الحادي عشر - احتياجات دولة الإمارات العربية المتحدة ومسؤوليات الأمم المتحدة وسياسية الولايات المتحدة الأمريكية


ذكر مسؤول في وزارة الخارجية الإماراتية عام 1997، أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد لقيت الدعم لدعوتها إلى حل سلمي لقضية الجزر ليس من مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية وحركة عدم الانحياز والاتحاد الأوروبي فحسب، وإنما من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن الدول الكبرى في مجلس الأمن أيضاً، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وقال إن دولة الإمارات العربية المتحدة تحرز تقدماً في توسيع الدعم الدولي، وهي تتحلى بالصبر، ولا تريد حدوث أزمة. كما تعتقد أن إيران ستعود إلى رشدها، وهي تعول على المجتمع الدولي في إقناع إيران بشأن تكلفة احتلالها للجزر، وهو أنه لا يمكن لإيران ان تخرج من عزلتها وتحسن اقتصادها إلا إذا حلت هذه القضية.
بيد أن إيران ترفض التفاوض على الجزر الثلاث جميعاً، كما ترفض المساعي الحميدة لأمين عام الأمم المتحدة، وتعارض تحويل النزاع إلى محكمة العدل الدولية. أضف إلى ذلك ان هناك بعض القلق في دولة الإمارات العربية المتحدة من أنه حتى لو وافق الطرفان على إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، فإن المحكمة لن تتوصل إلى إصدار حكم إلا بعد أن ترى ان هناك تفاهماً متبادلاً بين الطرفين، وأن قرار المحكمة سيتم تنفيذه من قبل الطرفين معاً. وعموماً فإن المحكمة لا تريد ان تضطر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن لتنفيذ حكم قضائي ملزم ضد إرادة أحد طرفي النزاع، كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً لا ترغبان في قرار للمحكمة ترفضه إيران ويضع المحكمة ومجلس الأمن في هذا الموقف.
ثمة خيار ممكن آخر أمام دولة الإمارات العربية المتحدة يمكن إيجاده في رأي محكمة العدل الدولية لعام 1975 بشأن قضية الصحراء الغربية الذي دل على أن المحكمة يمكن ان تقدم آراء استشارية حتى إن رفض احد الطرفين رفع القضية إلى المحكمة. وإذا كان رأي المحكمة الاستشاري في صالح دولة الإمارات العربية المتحدة فيمكن ان تكون هناك مبادرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتبني توصية المحكمة. ولا تستطيع الجمعية العامة فرض قرار على الدول الأعضاء، غير أن رأي المحكمة يمكن ان يؤثر في أنشطة الجمعية العامة. وتستطيع الجمعية العامة أيضاً أخذ النتائج إلى مجلس الأمن لإصدار قرار ملزم أو غير ملزم يتبنى قرار المحكمة. وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى سهولة تبني اتخاذ إجراءات ضد إيران وضمان تنفيذها، مثل إدانة الأمم المتحدة لها، أو فرض عقوبات اقتصادية عليها، أو استخدام القوة ضدها، وان كانت دولة الإمارات العربية المتحدة لا تحبذ الآن مثل هذه الإجراءات.
وبإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا، بموجب المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، أن تطلب إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن الجزر، أو بإمكانهما ان يطلبا إلى الجمعية العامة تفويض جهة مختصة بأن تطلب مثل هذا الرأي، وربما تسأل عما إذا كان الوجود الإيراني في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى قانونياً في ضوء استعمال إيران القوة للاستيلاء عليهما، وعما إذا كانت مذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى قانونية في ضوء استخدام إيران الإكراه بالتهديد للتوصل إليها. ويبدو ان الحوارات التي أجراها المؤلف مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية ان الولايات المتحدة الأمريكية قد أولت هذا قليلاً من الاهتمام، وانها ستشعر بالقلق من ان ذلك سيزيد من تصلب إيران في موقفها، حتى إنه سيكون من المستبعد ان تسعى بريطانيا وراء هذا الخيار. أضف إلى ذلك ان المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة يعتقدون ان المحكمة ستمانع في إعطاء مثل هذا الرأي. ومع ذلك فإنه يبقى خياراً للمستقبل.
ثمة جانب من جوانب التحقيق القضائي يعتبر عظيم الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وهو أيضاً الجانب الذي يمكن ان تكون الهيئة الدولية للملاحة البحرية قادرة على ان تطلبه من محكمة العدل الدولية. وهو ناشئ عن التوتر بين دعم الولايات المتحدة لحق مرور السفن الحربية دون سوء نية أو ضرر في المياه الإقليمية في أوقات السلم من دون ترخيص أو إشعار مسبقين، وبين التشريع القومي الإيراني الذي يطلب الترخيص المسبق لمرور السفن الحربية دون سوء نية أو ضرر في المياه الإقليمية الإيرانية في أوقات السلم.
فهل النزاع الذي لم تتم تسويته مع إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة حول السيادة على هذه الجزر وحول حزام الأثني عشر ميلاً من المياه الإقليمية المحيطة بكل منها يعني ان ليس من حق إيران ان تطالب بالحصول على إذن مسبق للسفن الحربية الأجنبية الساعية لممارسة حق ( المرور البريء) Innocent Passage عبر الممرات الملاحية في المياه الإقليمية لهذه الجزر في أوقات السلم بموجب اتفاقية قانون البحار لعام 1982؟ وهل يعني استيلاء إيران على طنب الكبرى وطنب الصغرى بالقوة وأبوموسى بالإكراه تحت التهديد أنه لا يحق لإيران ان تطلب هذا الطلب؟ وثمة أسئلة قانونية أخرى تبرز من مثل : هل يعني التنازع على السيادة وانتهاكات إيران للقانون الدولي بالاستيلاء على هذه الجزر أنه ليس بإمكان إيران ان تقرر ان مرور السفن الأجنبية بالقرب من الجزر في أوقات السلم هو بدوافع غير سليمة أو انه مسبب للضرر، وبالتالي لا تستطيع إيران حظر مرور تلك السفن بجوار الجزر بموجب اتفاقية قانون البحار لعام 1982؟ وهل يعني التنازع على السيادة وانتهاكات إيران للقانون الدولي ان إيران لا تستطيع إدخال هذه الجزر ومياهها الإقليمية في منطقة الحرب البحرية، وبالتالي لا يحق لإيران التدخل في مرور السفن التجارية غير المشاركة في الحرب والسفن الحربية غير المشاركة في الحرب أيضاً، مثل ناقلات النفط المحايدة وسفن الأسطول الأمريكي، بجوار هذه الجزر خلال الحرب؟
أما فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة الامريكية، فقد اتفق المسؤولون الامريكيون مع تفكير دولة الإمارات العربية المتحدة بأنه قد يكون بإمكان الأخيرة الاعتماد على تحالف واسع بقيادة الولايات المتحدة يشمل الدول الأوروبية واليابان، كما حدث في حالة عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء، إذا ما وقع هجوم صريح على دولة الإمارات العربية المتحدة واحتلال لأراضيها. وفي حال حدوث تهديد وشيك للسلام والأمن الدوليين في منطقة الخليج يستهدف دولة الإمارات العربية المتحدة أو الملاحة في الخليج، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب حينئذ في صدور قرار من مجلس الأمن يؤيد أي عمل عسكري ممكن، لكن ذلك لن يكون ضرورة مطلقة. ففي اثناء حرب الخليج الثانية، مثلاً، أوضح الرئيس الأمريكي جورج برش (الأب) ان الولايات المتحدة كانت ستشن الحرب على العراق سواء صدر أو لم يصدر قرار عن مجلس الأمن بهذا الخصوص. وفي عام 2003 قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بعمليات عسكرية ضد العراق رغم معارضة بقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهذا موضوع ستتم العودة إليه في الصفحات التالية.
لكن بعض المسؤولين الإماراتيين صرحوا أن الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث ونشر قدرات عسكرية عليها أفرز رد فعل كبيراً من طرف الولايات المتحدة الأمريكية بتجاوز عبارات القلق حول التعزيزات العسكرية في الجزر، والتي هي في أساسها تحذيرات أمريكية لإيران بألا تفكر بالتدخل في الملاحة في الخليج. وتوضح المقابلات التي أجراها المؤلف مع مسؤولين أمريكيين سابقين سبب عدم ظهور مزيد من ردود الفعل الأمريكية على احتلال إيران للجزر ونشر قواتها وأسلحتها فيها، وسبب عدم وضوح رد الفعل الأمريكي تجاه أية عمليات إيرانية سرية ممكنة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك السبب وراء صعوبة قدرة دولة الإمارات العربية المتحدة على حشد رد فعل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ضد خرق إيران للقانون الدولي منذ احتلالها للجزر عام 1971. ومن الواضح ان هذه المقابلات لا تؤيد التهمة الإيرانية بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد شجعت دولة الإمارات العربية المتحدة على توسعة نطاق هذا النزاع مع إيران، وهي تهمة أبداها حتى مستشار قانوني سابق لحاكم الشارقة.
وقد ذكر مسؤولون أمريكيون أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تطلب من الولايات المتحدة أي عمل محدد لتسوية نزاع الجزر، كإخراج إيران من الجزر قسراً مثلاً. كما لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة ترغب في ان تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية من أجل ذلك. ولا تحتاج دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المواجهة مع إيران ولا تسعى إليها، بل إنها لا تريد ان تهيمن قضية الجزر وتلقي بظلالها على العلاقات الأمريكية – الإيرانية. لكن حتى لو طلبت دولة الإمارات العربية المتحدة ذلك، فإن المسؤولين الأمريكيين قد أكدوا ان الولايات المتحدة تواجه عقبات تعوق قيامها بدور نشيط في حل النزاعات الإقليمية، مثل قضية الجزر.
وفي عام 1997 أكد مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية أنه بموجب القانون الدولي لا تعتبر الإمكانية النظرية للهجوم مبرراً لاستعمال القوة. ولذلك فإن الهجوم الإسرائيلي – على سبيل المثال – على المفاعل النووي أوزيراك (تموز) في العراق عام 1981 لم يكن شرعياً. وقد أكد هؤلاء المسؤولون ان المعدات العسكرية الإيرانية في طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، والإمكانيات التي توفرها تلك المعدات لإيران لمهاجمة دولة الإمارات العربية المتحدة أو حقولها النفطية أو حتى الملاحة الدولية في الخليج، لا تبرر استعمال القوة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. والمفترض ان يكون التهديد في شكل هجوم مسلح أو تهديداً ظاهراً مباشراً، وذا ثقل يكفي لتبرير عمل عسكري دفاعاً عن النفس. أضف إلى ذلك أن استعمال القوة يجب ان يكون ضرورياً ومتناسباً. ووفقاً لهذه الحيثيات لن يتم النظر في استخدام القوة الأمريكية لحل نزاع الجزر. لكن قد يكون بالإمكان استعمال القوة الأمريكية ضد المواقع الإيرانية في الجزر ضمن سياق عملية عسكرية أكبر حجماً ضد إيران، إذا حدث ان اعتبر ذلك ضرورياً.
وعلاوة على ما سبق، فقد طرح المسؤولون الأمريكيون بأن قضية الجزر ليست في الأساس مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية، وبأن الأخيرة ليس لها مصلحة سياسية في تصعيد النزاع. وقد أعتبر أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران في الجزر مستبعداً تماماً ما لم تشن إيران هجوماً أو يتزايد تهديدها. ويفترض دبلوماسي أمريكي سابق أنه على الرغم من احتمال وجود خطة طوارئ للجزر في البتاجون، فالواقع ان ذلك لم يكن موضع نقاش سياسي. أما على الصعيد النظري، فإن مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية يوردون الخيارات الممكنة التالية للعمل العسكري :
1- الهجوم المباشر على الجزر بالقصف الجوي والبحري بهدف التدمير التام للقطع العسكرية الإيرانية.
2- الهجوم المباشر على الجزر لأجل التدمير الجزئي للقطع العسكرية، ومن ثم السماح لإيران بالانسحاب من الجزر.
3- الهجوم المباشر على الجزر للقضاء على التهديد الفوري، ومن ثم محاصرة الجزر.
4- المرور بجوار الجزر وعزلها عن طريق محاصرتها.

ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحدد مسبقاً ردوداً معينة إزاء مواقف محددة. ويفترض الإيرانيون ان هناك بعض الترتيبات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، فإن استخدمت إيران الجزر لمهاجمة دولة الإمارات العربية المتحدة أو لإطلاق النار على السفن الأمريكية أو لاعتراض السفن الأخرى، فسوف ترد الولايات المتحدة. أما إذا استخدمت الجزر في عمليات أكثر سرية فإن الانتقام الأمريكي سيكون أقل احتمالاً لان ذلك سيكون من الصعب إثباته على إيران. ومن غير المؤكد أيضاً ما إذا كان تخريب حقول النفط الإماراتية سيعتبر فاتحة العمل العسكري الأمريكي.
عندما سئل أحد المسؤولين في هيئة الأركان المشتركة الأمريكية عام 1997 إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنتظر استفزازاً من جانب إيران لتبرير القيام بعمل عسكري على الجزر، أجاب بأن الولايات المتحدة في الواقع تدعم السبل القانونية السلمية لحل النزاع، وهناك جوانب سلبية كبرى للمشاركة في الصراع العسكري، فهناك التكلفة المالية والتكلفة العسكرية لمهاجمة إيران، وفي الوقت الذي ستدرس فيه الولايات المتحدة الأمريكية الخيارات العسكرية إذا ما طلبت دولة الإمارات العربية المتحدة وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية المساعدة إزاء عمليات كوماندوز إيرانية انطلاقاً من الجزر، فإنه لا يمكن تحديد زمن هذه الخيارات أو مبرراتها أو كيفية تنفيذها. وبالإضافة إلى ذلك فإن أي عمل عسكري موجه ضد الجزر على وجه التحديد لابد من متابعته حتى النهاية ضد الأراضي الإيرانية، وستكون هذه الخطوة خطيرة جداً. وبذلك فإن الجزر تعتبر مشكلة سياسية أكثر مما هي مشكلة عسكرية. ولذلك فقد قامت وزارة الدفاع بإدراج قضية الجزر كأحد بنود خطط عمليات البنتاجون، لكنها لم تفكر بإخراج إيران فعلياً من الجزر.
وإن كان هناك من أمر، كما قال مسؤول آخر في هيئة الأركان المشتركة عام 1997، فقد كان القلق من ان تؤدي أية أعمال عسكرية من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة أو دولة أخرى في مجلس التعاون فيما يتصل بالجزر إلى تعقيد إمكانية حصول الولايات المتحدة الأمريكية على النفط. وتفادياً لأي انقطاع كهذا في التجارة الدولية، فقد استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في دعم حل سلمي لهذا النزاع كطريقة لتجنب حدوث ظروف أشد خطورة. ومما أسهم أيضاً في تأكيد هذا الامتناع عن التفكير في أعمال عسكرية من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية لأجل الجزر، المقابلات التي أجراها المؤلف في وكالة استخبارات وزارة الدفاع الأمريكية. وعلى أي حال، فإن تصنيف الجزر يقع ضمن فئة (الإشارات والإنذارات)، ويتم مراقبتها بصورة منتظمة في جميع دوائر الاستخبارات الأمريكية، وخاصة من قبل القيادة المركزية لقوات البحرية الأمريكية NAVCENT، أكثر من مرة في اليوم.
وفي حال عودة إيران إلى استخدام الجزر لاعتراض حركة الملاحة عبر الخليج ومضيق هرمز، فيمكن للولايات المتحدة الأمريكية ان تقرر – كما فعلت في اثناء عملية الإرادة الجادة – تجنب الأسطول الأمريكي والسفن التجارية المبحرة على طول سواحل دولة الإمارات العربية المتحدة للمياه الإقليمية التي تدعي إيران أنها تابعة لها، وتفادي الهجمات الإيرانية. وفي الوقت الحاضر تقوم حاملات الطائرات الأمريكية بالمرور من ناحية جنوب جزيرة أبوموسى، أما القطع البحرية الأصغر حجماً فتمر من ناحية شمال الجزيرة. أضف إلى ذلك ان الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها ان تقرر الاقتصار على مهاجمة القطع البحرية الإيرانية العاملة انطلاقاً من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وليس مهاجمة الجزر نفسها.
أما إذا كانت الهجمات الإيرانية واسعة النطاق وفعالة إلى درجة تهدد معها بالفعل بوقف حركة الملاحة في الخليج والمضيق وإغلاقهما فعلياً، عندئذ قد لا تعود القيود العسكرية والسياسية الهادفة إلى منع تصعيد النزاع كافية، وربما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بعمل انتقامي ينسجم مع المعايير القانونية القاضية بأن يكون الانتقام ضرورياً ومتناسباً مع العدوان. وسوف يعتبر أي هجوم إيراني علني ضد دولة الإمارات العربية المتحدة مبرراً لعمل انتقامي أمريكي ضد الجزر للأسباب نفسها، غير ان ذلك قد لا ينطبق في حال وقوع هجوم إيراني علني ضد حقول النفط الإماراتية أو في حال وقوع هجوم إيراني سري ويمكن إنكاره ضد حقول النفط الإماراتية أو ضد دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها.
ويضيف قائد عسكري سابق في القيادة المركزية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي قائلاً إنه لا يمكنه تصور وجود رغبة أو حاجة إلى إخراج إيران من الجزر أو شن هجوم استباقي على قدراتها العسكرية الموجودة في الجزر، لان الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع تحييد الجزر في الحال إذا تبين لها وجود أي عمل عسكري إيراني. ويضيف مسؤول في مكتب شؤون شمال الخليج القول إنه على الرغم من ان الجزر تشكل تهديداً عسكرياً، فإن ذلك لم يؤد إلى الشعور بضرورة إجراء تغييرات في السياسات لأن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بالقدرة على التعامل مع أي تهديد عسكري ناشئ من الجزر.
ثمة عنصر مهم في السياسة الأمريكية الهادفة إلى احتواء إيران، وهو سياسة العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران، بما في ذلك إمكانية فرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تشارك في صناعة النفط والغاز الإيرانية، ويمكن ان يكون لهذا العنصر فائدة محدودة في حل نزاع الجزر، وربما يسهم حتى في دفع إيران للتشدد في موقفها من القضية. وعلى الرغم من ان العقوبات الاقتصادية تقيد المصالح التجارية الأمريكية، فهناك من يجادل بأن هذه السياسة تستهدف الضغط على إيران لتغير من سياساتها الخارجية المرفوضة. علماً أن المسؤولين بدولة الإمارات العربية المتحدة غير مقتنعين بجودة مثل هذا الأسلوب الذي يؤدي إلى إبطاء تنمية قطاع النفط والغاز في إيران.
وبالفعل فإن النظر إلى إيران مبنية على أنها تسعى إلى الضغط على دولة الإمارات العربية المتحدة لكي تستثمر في صناعة النفط والغاز الإيرانية المتعثرة. وهكذا فإن العقوبات الأمريكية يمكن ان تزيد من حدة الدافع لدى إيران للضغط على دولة الإمارات العربية المتحدة، كما تقوي الدافع لديها للتمسك بحصتها من إنتاج حقل مبارك النفطي مقابل جزيرة أبوموسى، وكذلك حصتها من الإنتاج المحتمل في المياه المحيطة بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
يقول موظف في شركة كريسنت بتروليوم ان صياغة الأمر التنفيذي الأمريكي لعام 1995 الموقع من قبل الرئيس بيل كلنتون قد اضفى في الواقع مصداقية على موقف إيران إزاء الجزر بالقول إنه ينطبق على (الأراضي التي تطالب بها إيران واية منطقة أخرى تدعي إيران السيادة عليها، أو بحقوق السيادة أو بالولاية القانونية، بما فيها المياه الإقليمية، والمنطقة الاقتصادية الحصرية، والجرف القاري الذي تدعي إيران تبعيته لها). وقد امتنعت وزارة الخارجية الأمريكية على إيضاح ذلك، ولم ترد على رسالة موجهة من وزير المالية والصناعة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم إلى وارن كريستوفر حول هذا الموضوع، علماً بأنه قيل ان الولايات المتحدة الأمريكية قد ردت على دولة الإمارات العربية المتحدة شفوياً.
وقد أصر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عام 1997 على أنه ليس من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في الوقائع القانونية للنزاع. وقد فكرت وزارة الخارجية بكيفية صياغة فقرة النطاق الجغرافي في الأمر التنفيذي الذي يحظر صفقة شركة كونوكو ويقيد المشاركة في مشاريع النفط والغاز الإيرانية، من دون إساءة تفسيرها على انها تعطي أي إفادة تتعلق بالسيادة الإيرانية. وهكذا كانت الصياغة تهدف إلى تجنب اتخاذ أي موقف أمريكي من المزايا النسبية لكل طرف من الأطراف. ومع ذلك فقد تعين على شركة كريسنت بتروليوم ان تعيد هيكلة اتفاقيتها الخاصة بالامتيازات في حقل مبارك النفطي البحري بحيث ينسجم مع الأمر التنفيذي. وفي غضون ذلك، فإن القوى الرئيسية الأخرى في العالم لا ترغب في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في سياسة العقوبات هذه. وهي مستمرة في الدخول في أنشطة تجارية مع إيران، وترى بأن سياستها القائمة على (المشاركة البناءة) و (الحوار الناقد) ستؤدي على الأرجح إلى تغيير السياسات الإيرانية أكثر مما تؤدي إلى ذلك سياسة الاحتواء الأمريكية، ومن هذه القوى بريطانيا التي استعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 1999.
ومع وصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة الحكم عام 1997، تزايدت الدلائل على حدوث انفراج في التوترات التي أصابت العلاقات الأمريكية – الإيرانية، وفي كانون الاول/ ديسمبر 1997 رد الرئيس كلنتون على دعوة الرئيس خاتمي إلى (حوار معمق) لحل الخلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية بقوله: (لا أرغب بشيء أفضل من إجراء حوار مع إيران). لكن المقابلات التي أجراها المؤلف مع مسؤولين في إدارة كلنتون خلال الفترة نفسها دلت على ان الحوار لم يكن تطوراً محتملاً على المدى المتوسط. وقد اعتقد الكثيرون ببساطة أن إيران لم تكن على استعداد للحوار، وأنه لم يطرأ أي تغير ملحوظ على السياسات الإيرانية القائمة. وقال آخرون ان التحرك الأمريكي في هذا الصدد قد قيده الكونجرس الأمريكي الذي استمر في نظرته السلبية عموماً إلى التطورات في إيران. وكما قال مسؤولون أمريكيون، فإنه حتى ان كان ثمة حوار ما سيبدأ فلن يكون للجزر مكان بارز في أي جدول أعمال للحوار.
عندما فاز الإصلاحيون بالانتخابات البرلمانية الإيرانية في بداية عام 2000، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت رفع الحظر الأمريكي عن استيراد الفستق والسجاد والكافيار من إيران، والتي تعد أكبر صادرات إيران بعد النفط والغاز، واعترفت بمظالم إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت إن الاخيرة كانت قصيرة النظر حينما أعادت الشاه إلى الحكم عام 1953 ودعمته بعد ذلك، وكانت أيضاً قصيرة النظر حينما دعمت العراق في أثناء الحرب الإيرانية – العراقية، ودعت إلى إقامة علاقة جديدة مع إيران. لكن إيران لم تتجاوب مع هذه الدعوة، وكان للكونجرس الأمريكي أيضاً تحفظات عليها.
وفي الواقع تنبغي ملاحظة ان الرئيس خاتمي قد صرح بعد انتخابه بوقت قصير في عام 1997 ان الجزر ملك لإيران. أضف إلى ذلك أنه على الرغم من أنه دعا إلى الحوار مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول هذه القضية، فقد قال: (إن تدخل الحكومات والقوى الأخرى لن يكون في مصلحة أي منا). إن هذه التصريحات وموقف إيران وسلوكها منذ عام 1997 توحي بإن إيران قد لا تكون راغبة في بحث هذه القضية في أي حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية. أما الموقف الأمريكي فيتلخص في ان كلا الطرفين يجب ان يكون قادراً على إثارة أي قضية في حوار رسمي. وإذا أمكن ترتيب مثل هذا الحوار في أي وقت من الأوقات، فإن الولايات المتحدة تستطيع عندئذ بلا شك ان تحاول إثارة هذه القضية.
وفي اعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، عبرت إدارة الرئيس جورج بوش (الابن) عن رغبة في مباشرة حرب استباقية من طرف واحد ضد الإرهابيين والدول الراعية لهم. وقد بينت إدارة بوش هذا المبدأ في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية في أيلول/ سبتمبر 2002، ونبهت على أنها مستعدة لتطبيق هذا المبدأ ضد صدام حسين في العراق.
وفي ضوء الحقيقة القائلة ان الرئيس بوش قد ضمّن إيران في (محور الشر) الذي يضم الإرهابيين والدول الراعية لهم في خطابه عن حالة الاتحاد في كانون الثاني/ يناير 2002، فقد تكون لديه رغبة أشد في مباشرة عمل عسكري استباقي ضد إيران في المستقبل. وقد أتهمت إيران بشحن الأسلحة إلى الفلسطينيين في كانون الثاني/ يناير 2002، وبإيواء إرهابيي تنظيم القاعدة الهاربين من العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان في الشهر نفسه. وقد اختبرت إيران بنجاح إطلاق صاروخ شهاب – 3 البالستي المتوسط المدى في أيار/ مايو 2002، وأعلنت عن سلسلة كاملة من التطورات في برنامجها للطاقة النووية في عامي 2002 و 2003، وهي تطورات أقنعت كثيرين في إدارة بوش بأن إيران كانت تسعى إلى تطوير أسلحة نووية. وفي تموز/ يوليو 2002 أنذر بوش إيران بضرورة التخلي عن سياساتها (المتشددة والهدامة) وتبني الإصلاح. كما تخلت إدارة بوش أيضاً عن محاولاتها إقامة أي حوار مع إيران خلال ذلك الشهر نفسه.
لعل من المرجح ان تفكر إدارة بوش بالقيام بعمل عسكري استباقي ضد إيران إذا ما نجحت الحملة الأمريكية في العراق ولم تغير إيران سياساتها. وفي الوقت الذي يحتمل فيه ان يستهدف العمل العسكري الاستباقي القدرات المشتبه فيها لإيران في تطوير أسلحة دمار شامل، فسيكون على الولايات المتحدة الأمريكية ان تدرس إمكانية قيام إيران بالانتقام من وحداتها العسكرية وحلفائها في الخليج، وبالتالي يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية ان تكون مستعدة لمهاجمة قدرات إيران العسكرية التقليدية في الخليج، وكذلك منشآت أسلحة الدمار الشامل التابعة لها. وفي ظل هذه الظروف، لم تعد تنطبق المخاوف الأمريكية السابقة على الصعد العسكرية والسياسية والقانونية المترتبة على مهاجمة الوحدات العسكرية الإيرانية في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وقد يكون من الممكن لدولة الإمارات العربية المتحدة ان تستعيد جزرها في مثل هذا السيناريو، وسيكون بإمكانها حينئذ الدفاع عن الجزر، لكن المحافظة على الجزر ستعتمد أيضاً على استمرار الالتزام من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
عند التفكير بالسياسة الأمريكية الخاصة بالمفاوضات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران، يجب ان يؤخذ في الحسبان صدور حكم أو رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وحوار الولايات المتحدة مع إيران أو استعمال القوة العسكرية الأمريكية، ونقص المعلومات المتوافرة لدى صناع القرار الأمريكيين عن الجزر. وفي الوقت الذي يوجد فيه بضعة مسؤولين يدركون ان مطالبة دولة الإمارات العربية المتحدة بالجزر اقوى من مطالبة إيران من الناحية القانونية، وذلك نتيجة اطلاعهم على حيثيات القضية، فإنه لا يكاد يوجد أحد في الحكومة الأمريكية يستطيع تقديم إجابة مستنيرة بشأن الدعاوى التاريخية والقانونية لدولة الإمارات العربية المتحدة والدعاوى المضادة من جانب إيران. وقد أسهمت المقابلات التي أجراها المؤلف مع العديد من المسؤولين الأمريكيين في تأكيد ذلك. وفي الواقع، حين توصي وزارة الخارجية الأمريكية بالموقف الأمريكي المفترض اتخاذه حيال الجزر، فإن ذلك لم يكن مبنياً على تمحيص لوقائع القضية القانونية، لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تميل إلى تسوية القضية من خلال المفاوضات.
من الواضح ان الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قد نظرتا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية من منظور مختلف تماماً عما كانت عليه في عهد الشاه. ولعل هذا انعكس في المسعى الأكثر جدية نوعاً ما لتسوية النزاع حول طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في أعقاب حربي الخليج، وبعد ان اصبحت إيران أكثر عدوانية على جزيرة أبوموسى. ومع ذلك، فنظراً إلى القيود والاعتبارات السالفة الذكر، اقتصرت الولايات المتحدة الأمريكية علاقات دبلوماسية مع إيران منذ أزمة الرهائن عام 1979، فقد كانت منشغلة تماماً باحتواء إيران. وكان الظن ان تتم (معالجة) إدارة مشكلة الجزر ضمن إطار زمني متوسط المدى من دون دفع إيران إلى تصليب موقفها وتصعيد النزاع. وفي الفترة 1989 – 1999 حدث انقطاع في العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا وإيران بسبب قضية سلمان رشدي، علماً بأن بريطانيا كانت لها علاقات مع إيران من خلال القائم بالأعمال في طهران منذ عام 1997. وقد تمت استعادة العلاقات الدبلوماسية منذ عام 1999، وبحثت بريطانيا قضية الجزر مع إيران. لكن بحلول عام 2002 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنذر إيران بضرورة تغيير سياساتها المرفوضة، وإلا واجهت عملاً عسكرياً استباقياً.
يثير ما سبق السؤال الآتي : إذا غيرت إيران سلوكها مستقبلاً حيال قضايا ذات أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وبالتحديد حيال قضيتي أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، فهل ستستمر الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في التسامح مع احتلال إيران لهذه الجزر بعد ان تصبح النظرة إلى إيران بوصفها لا تشكل مصدر خطر كبير، أم ان تسوية النزاع ستعتبر شرطاً مسبقاً قبل إعادة اندماج إيران تماماً ضمن النطاقين الإقليمي والدولي؟ وكما هو الحال الآن، فإن المسؤولين الأمريكيين ليس لديهم اطلاع تام على تاريخ الجزر وحيثيات المطالبات القانونية والادعاءات المقابلة من جانب إيران، بينما يتمتع البريطانيون باطلاع أكبر في هذا الشأن. وكلما كان اطلاع المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين أكبر على الوثائق التاريخية والقانونية المؤيدة لمطالبة دولة الإمارات العربية المتحدة، وكانوا أكثر جدية في التعامل مع مسؤوليات الأمم المتحدة، زادت فرص فهمهم لأهمية حل هذا النزاع.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uaeislands/showtopics-54.html
الجزر الثلاث المحتلة لدولة الإمارات العربية المتحدة - طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
http://www.alamuae.com/uaeislands