عنوان المقال : الخاتمة

الخاتمة


تضم منطقة الخليج عدداً من الدول العربية التي نشأت في القرن العشرين، وتمكنت من تحقيق الازدهار والاستقرار. وتتطور هذه الدول على نحو يحفظ عناصر مهمة من تكوين حكوماتها التقليدية مع زيادة فرص المشاركة الشعبية. وعلاوة على ذلك، فإن شبه الجزيرة العربية هي موطن أقدس المواقع الإسلامية ولديها تاريخ غني للغاية. وبناء عليه، لم يكن مستغرباً ان تحظى منطقة الخليج بهذه الأهمية، ليس في نظر دول الخليج نفسها، وإنما من قبل العالم العربي، ومن قبل مليار مسلم ينتشرون في أنحاء العالم كافة.
ولمنطقة الخليج أهمية حيوية بالنسبة إلى بقية دول العالم، حيث إنها تملك ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط الخام و30٪ من الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي على مستوى العالم بأكمله. وتوفر هذه الدول 30٪ من الاستهلاك العالمي اليومي من النفط، وهو معدل سوف يزيد خلال القرن الحادي والعشرين. وعلاوة على ذلك، تملك منطقة الخليج نحو ثلاثة أرباع القدرة الإضافية لإنتاج النفط على مستوى العالم. وبناء عليه، تستطيع هذه الدول ان تستجيب لأي نقص في العرض في أسواق النفط العالمية عن طريق زيادة إنتاجها، وبالتالي المحافظة على انخفاض الأسعار. وبينما يتم نقل بعض نفط الخليج عن طريق خطوط الأنابيب، فإن أغلب هذا النفط يتم نقله عبر خطوط الملاحة في الخليج التي تحاذي جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وتمر عبر مضيق هرمز الذي يعد نقطة عبور ضيقة ومعرضة للخطر.
إن للولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها القوة التي تتزعم العالم، مصالح قومية في منطقة الخليج، والتي تحتاج إلى حماية. وتشمل هذه المصالح استمرار الحصول على موارد الطاقة من هذه المنطقة بأسعار معقولة، والوصول إلى أسواق المنطقة التي تستقبل صادراتها، وتأمين حصتها وحصة حلفائها وأصدقائها في هذه الأسواق، وتأمين الاستثمارات المالية الغربية، وحماية رفاهية وأمن الدول الصديقة في المنطقة ضد الأخطار والتهديدات الخارجية، واحتواء الدول والحركات التي تهدد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وأصدقاءها في المنطقة. وتعتمد أوروبا وآسيا بقدر أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية، على نفط الخليج، ومن المرجح ان تزداد حاجتهما إلى هذا النفط.
ولكن، على الرغم من ازدياد اعتماد دول أوروبا وآسيا على منطقة الخليج، فإنها ما تزال أقل قدرة من الولايات المتحدة الأمريكية على حشد وإدامة القوة العسكرية اللازمة في المنطقة للدفاع عن مصالحها. وبناء عليه، على الرغم من المنافسة التجارية العادية في الخليج بين الولايات المتحدة الأمريكية وهذه الدول، فإن على المؤسسة العسكرية الأمريكية ان تقوم بالدور الرئيسي في حماية المصالح الأساسية لحلفائها، إذا رغبت في منع الاضطرابات الاقتصادية التي قد يتعرض لها هؤلاء الحلفاء والشركاء التجاريون في حالة انقطاع وصولهم إلى منطقة الخليج، وإذا رغبت في تجنب المضاعفات التي سيخلفها هذا الانقطاع على الاقتصاد الأمريكي.
لقد دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى في علاقات أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وتمكنت من تطوير قدرات عسكرية ووضع استراتيجية تمثل رادعاً فاعلاً ضد هجوم علني كبير ومباشر من قبل إيران أو العراق ضد أي دولة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. كما تهدف هذه العلاقات إلى تشكيل رادع موثوق ضد أشكال الاعتداء والترهيب الأكثر محدودية ضد الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، من قبيل الهجمات على حقول النفط البحرية التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة والقيام بالأنشطة التخريبية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة أو إثارة المطالب السياسية والاقتصادية غير المعقولة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن المؤكد ان تلك العلاقات تهدف أيضاً إلى تشكيل رادع ضد أي مجهود إيراني أو عراقي لاعتراض حركة الملاحة عبر الممرات البحرية في الخليج ومضيق هرمز.
يتمثل المستوى الأول من الردع في قدرة كل دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفي هذه الحالة دولة الإمارات العربية المتحدة، على الاضطلاع بالمسوؤلية الأساسية في الدفاع عن نفسها. ويتجسد المستوى الثاني في القدرة المشتركة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على القيام بواجب (الدفاع الجماعي). اما المستوى الثالث من الردع فهو القدرة المتوافرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء الآخرين من خارج المنطقة لمساعدة دول المنطقة على ردع اندلاع الصراعات والدفاع عن المصالح المشتركة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تستند هذه المقاربة ذات المستويات الثلاثة إلى استراتيجية لمسرح عمليات تقوم على خمسة مرتكزات رئيسية هي : حشد القوة، والوجود في المواقع الأمامية، وإجراء التمارين والمناورات العسكرية المشتركة، وتقديم المساعدة الأمنية، والاستعداد للقتال.
لقد فات أوان التمكن من ردع إيران من احتلال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، فقد أصبح أمراً واقعياً. وعلى الرغم من ذلك، فمنذ حرب الناقلات خلال الفترة 1986-1988، لم تستخدم إيران مواقعها على الجزر لاعتراض حركة الملاحة في الخليج وقطعها أو الانخراط في أي عمل عسكري ضد دولة الإمارات العربية المتحدة. وهكذا، يمكننا القول إن هذا الردع المبني على ثلاثة مستويات ظل فاعلاً في تحييد تأثير الوجود الإيراني على الجزر. غير أن دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها لم يتمكنوا حتى الآن من ردع إيران ومنعها من تعزيز قدراتها العسكرية على الجزر، أو ردعها عن تنفيذ المناورات العسكرية على أرض الجزر أو حولها، كما لم يتمكنوا من ردعها عن انتهاك مذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبوموسى.
وفي الواقع، فإن الجهود الأمريكية لمنع تدفق الأسلحة التقليدية على إيران، مثل الصواريخ الصينية المضادة للسفن التي قد تكون متمركزة الآن على ارض جزيرة أبوموسى، لم تحقق أي نجاح حتى الآن. وعلاوة على ذلك، فإن الجهود المبذولة لإحراز تقدم في الوسائل الدبلوماسية أو القانونية لحل المطالبات المتنازعة بالجزر لم تحقق أي نتائج حتى اليوم.
وتبعاً لذلك، فإن استخدام إيران للجزر مستقبلاً في عمل ما ضد حركة الملاحة في الخليج وضد دولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن استبعاده تماماً، وذلك على الرغم من التحذيرات الأمريكية لإيران ومواصلة تحديث القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك على الرغم من تزايد حجم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج مقارنة بما كان عليه خلال الفترة 1986-1988. ومع ذلك، فإن وضع استراتيجية لإجبار إيران على الخروج من الجزر أو إيقاف عسكرتها لها لم يعد خياراً مفضلاً لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو القوى الأوروبية الكبرى أو الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تظهر الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن أي استعداد للمبادرة بعمل عسكري بهدف حل هذا النزاع، كما لم تقم بريطانيا أو فرنسا أيضاً بمثل هذا العمل. وفي الواقع فإن المسؤولين الأمريكيين والإماراتيين يرون ان مثل هذا العمل قد يؤدي فقط إلى انتقام إيراني ضد دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد قالت وزارة الدفاع الأمريكية في الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط في عام 1995 ما يأتي :
ان المخاطرة المتناقضة التي يمثلها موقف الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها المسيطر الرئيسي على أمن منطقة الشرق الأوسط هي القيمة العالية التي تضعها دول الشرق الأوسط الآن لمحاولة إقحامنا في الصراعات المحلية. وفي الوقت نفسه، فإن انتهاء احتمال ان يؤدي التدخل في النزاعات الإقليمية إلى إثارة مواجهة عالمية مع السوفييت قد يجعلنا أكثر قابلية للتعرض لمثل هذه الجهود.

توحي هذه اللغة بالتردد في التدخل، لأنه حتى في فترة ما بعد الحرب الباردة، وعالم ما بعد القطبية الثنائية، فسيكون على الولايات المتحدة الأمريكية ان تقدر التكاليف المحتملة لاستخدام القوة، ومن ذلك مثلاً استخدامها لإجبار إيران على الخروج من الجزر. فمن المحتمل ان تشن إيران ضربة ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو أصدقائها في المنطقة بأسلوب أو بآخر، مثل القيام باعمال إرهابية. وفي الواقع، فإن أي جهد أمريكي لإجبار إيران على الخروج من الجزر قد يكون أكثر خطورة في عالم ما بعد القطبية الثنائية مقارنة بما كان عليه خلال فترة المنافسة بين القطبين السوفيتي والأمريكي. وفي ظل وجود قوتين عظميين نوويتين متنافستين، فقد تحتم عليهما ممارسة قدر هائل من الحذر وضبط النفس بشأن مواجهة بعضهما بشأن قضية إقليمية مثل قضية الجزر الإماراتية. وفي عالم ما بعد القطبية الثنائية، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية قوة إقليمية مهيمنة من المحتمل ألا تفكر في إجراء الحسابات العقلانية نفسها بشأن المكاسب وأوجه الخسارة التي من الممكن ان تتكبدها، كما كان يفعل الاتحاد السوفيتي السابق. وبناء عليه، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد ترغب في تجنب الأعمال التي قد تؤدي إلى رد فعل إيراني غير عقلاني، بغض النظر عن درجة العقاب الذي قد تتعرض له إيران في نهاية المطاف. إن رد فعل إيرانياً من هذا القبيل قد يحمل ضرراً وتدميراً للموجودات والإمكانيات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وعلاوة على ذلك، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تسع إلى حض الولايات المتحدة الأمريكية على المساهمة في حل نزاع الجزر، ومن المؤكد أنها لم تطلب مساهمتها في حله بالوسائل العسكرية.
ولكن، بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، عبّرت الولايات المتحدة الأمريكية عن استعدادها للقيام بعمل عسكري استباقي ضد التهديدات المحتملة، وأنها ستقوم بذلك وحدها أو من خلال (تحالفات من أطراف راغبة) إذا اقتضت الضرورة، على غرار ما جرى في حالة العراق. وتعد إيران، التي صنفتها إدارة الرئيس جورج بوش ضمن دول (محور الشر) هدفاً محتملاً لمثل هذا العمل العسكري الاستباقي، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ان هناك اعتقاداً بأن إيران تعمل على تطوير أسلحة الدمار الشامل، وأنها دعمت الإرهاب ودعمت المعارضين لعملية السلام العربية – الإسرائيلية. إن إمكانية القيام بعمل عسكري أمريكي استباقي ضد إيران امر ينبغي على دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى ان تفكر فيه بعناية فائقة.

الحاجة إلى استراتيجية جديدة
لا يمكن ان نستبعد الاحتمالات الحالية لإمكانية قيام إيران بتحدي المصالح الأساسية لدولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائهما في منطقة الخليج، وزعزعة استقرار المنطقة وإفراز سيناريوهات غير متوقعة. كما لا يمكن ان نستبعد تماماً احتمال لجوء إيران إلى توظيف وجودها على الجزر في كل هذا الجهد. ومن السيناريوهات المتوقعة قيام إيران بمحاولة أخرى لاعتراض حركة الملاحة البحرية في الخليج، كرد فعل، على سبيل المثال، لهجمات أمريكية استباقية على منشآت يشتبه في أنها خاصة بتصنيع أسلحة دمار شامل إيرانية، وذلك على الرغم من رد الفعل المؤكد من قبل القوات الأمريكية. وفي الواقع، فإن إيران تعكف على تطوير قدرة اعتراض حركة الملاحة البحرية لتصبح بصورة أكثر فاعلية عما كانت عليه خلال الفترة 1968-1988.
وثمة سيناريو آخر وهو ان تعمد إيران إلى المطالب ومحاولات الاختراق والعمليات العلنية والسرية الإيرانية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة. وبناء عليه تتمثل التحديات الرئيسية في هذا السيناريو في تعزيز عنصر الردع، وتجويد المهارات القتالية، وتطوير مجموعة من الاستراتيجيات لاستعادة سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر، بل والعمل على حل الخلافات الكبيرة الأخرى القائمة بين إيران وجيرانها والعالم الغربي. وينبغي ان يكون من عناصر مثل هذه الدراسة التفكير في طرح بعض الوصفات السياسية لمعالجة هذه الأمور.
لقد وجهت الولايات المتحدة الأمريكية تحذيراً صريحاً لإيران بعدم التفكير في التدخل واعتراض حركة الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز. وبناء عليه، يمكن القول إنه من المفيد أيضاً ان يتم توجيه تحذير إلى إيران بأن الإقدام على استخدام الجزر لاعتراض حركة الملاحة، والتورط في أي نزاع محدود أو شامل ضد دولة الإمارات العربية المتحدة لأي أغراض سياسية أو اقتصادية لن يكون مقبولاً على الإطلاق، وقد يكون من المعقول أيضاً ان على الإطلاق. وقد يكون من المعقول أيضاً ان يتم تزويد دولة الإمارات العربية المتحدة بإجابات واضحة بشأن الكيفية التي سترد بها الولايات المتحدة الأمريكية على مختلف الأعمال والتهديدات الإيرانية ضد مصالح دولة الإمارات العربية المتحدة، وخاصة تلك التي تشمل استخدام الجزر لأغراض عدائية. ومن شأن مثل هذه الإجابات الأمريكية ان تطمئن دولة الإمارات العربية المتحدة إزاء السياسة الأمريكية في هذا الخصوص.
ينبغي التفكير أيضاً في إمكانية ان تطرأ مبررات ومتطلبات مستقبلية تقتضي طرد إيران بالعمل العسكري من الجزر المحتلة. وتتضمن هذه المبررات على سبيل المثال، احتمال لجوء إيران مرة أخرى، خلال أزمة ما في المستقبل، إلى استخدام الجزر المحتلة لمهاجمة حركة الملاحة التجارية الدولية في مياه الخليج، أو لمهاجمة أصول وموجدات عسكرية تابعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو للدول الغربية في منطقة الخليج، أو لمهاجمة حقول النفط البحرية أو الموانئ التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة والدول الأخرى الاعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد لا يكون هذا سلوكاً عقلانياً بالنسبة إلى إيران، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار الحجم الهائل من القوات والقدرات العسكرية الأمريكية التي يمكن نشرها الآن ضد إيران. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك عناصر في إيران قد تفتقر إلى العقلانية. كما قد تكون هناك سيناريوهات، يعتقد فيها حتى المخططون الإيرانيون العقلانيون ان قيام بلادهم بواجب الدفاع عن النفس يقتضي مثل تلك الإجراءات المتهورة. وإذا قامت الولايات المتحدة باتخاذ إجراء استباقي ضد المنشآت المشبوهة بإنتاج أسلحة الدمار الشامل في إيران، فقد يعتقد المخططون الإيرانيون في هذه الحالة ان الولايات المتحدة الأمريكية تخطط أيضاً لشن هجمات ضد القوات الإيرانية التقليدية في الخليج، وبالتالي فقد يقومون باتخاذ إجرائهم الاستباقي في منطقة الخليج.
على القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائهما ان تستعد لمثل هذا الوضع. ان التجاوب مع مثل هذا التطور، ليس فقط عن طريق تحييد القدرات الإيرانية الموجودة على ارض الجزر، وإنما بتدمير القدرات العسكرية التابعة لإيران والمتمركزة هناك، وطرد القوات الإيرانية من الجزر واستعادة سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطتها على الجزر وحماية الوجود الإماراتي عليها في وجه هجوم معاكس إيراني، كل ذلك سيشكل تغيراً وخروجاً عن اسلوب صناعة القرار الأمريكي الذي اتبع خلال عملية الإرادة الجادة، التي قامت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بمهاجمة منصات النفط البحرية والقطع البحرية التابعة لإيران في الثمانينيات من القرن المنصرم، ولكنها امتنعت عن مهاجمة الجزر. وقد يكون هذا أحد السيناريوهات المحتملة الذي ربما ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية ان إخراج إيران من الجزر المحتلة يعد ضرورياً ومتناسباً ، ولا يؤدي إلى تصعيد حدة النزاع. وقد يكون هناك حد لعدد المرات التي ينبغي فيها لدول المنطقة والمجتمع الدولي ان يكونا فيها على استعداد للتعامل مع التهديد الإيراني النابع من هذه الجزر.
ولكن، إذا لم يكن العمل العسكري الاستباقي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وارداً، ربما لسبب ان العملية الجارية في العراق ليست ناجحة في بعض جوانبها، أو لأن هناك ضغوطاً دولية هائلة ضد تكرار السياسة نفسها في إيران، فإن من المتوقع ان تواصل الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الاحتواء التي انتهجتها منذ وقت سابق. وكما أشرنا آنفاً، فقد نجحت هذه السياسة الأمريكية في ردع الاعتداء الإيراني المحتمل في منطقة الخليج، غير انها لم تردع إيران عن تعزيز قدراتها العسكرية على الجزر، وربما تكون قد صعدت اهتمام إيران بحقول النفط والغاز البحرية المكتشفة والمحتملة حول هذه الجزر. كما لم تردع هذه السياسة إيران من تطوير المنشآت النووية التي أثارت مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية، أو من معارضة إيران للسياسة الأمريكية بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي.
وعلاوة على ذلك، نجد ان العقوبات الاقتصادية الأمريكية لم تمنع الشركات والمؤسسات التابعة لدول أخرى، مثل شركة توتال الفرنسية، من العمل في تطوير حقول النفط والغاز البحرية التابعة لإيران، بل لم تمنع هذه المؤسسات والشركات من التعامل التجاري والمالي الأوسع مع إيران. وربما ينبغي للولايات المتحدة الأمريكية، في نهاية المطاف، ان تعيد النظر في هذا الجانب من سياسة الاحتواء التي تنتهجها حالياً، وخصوصاً ان تسمح للشركات الأمريكية بأن تشتري النفط والغاز من إيران، وتساعد على تطوير هذين القطاعين إذا دعت الحاجة لذلك. وقد يساعد مثل هذا الإجراء في فتح الباب لبدء حوار سياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في نهاية المطاف، إذ أعلن المسؤولون الإيرانيون مراراً أنه لابد لهم من أن يروا أعمالاً وإجراءات تثبت حسن النوايا الأمريكية قبل ان يوافقوا على الدخول في أي حوار مع الولايات المتحدة.
ومن جانب آخر، إذا تقرر ان العمل العسكري الاستباقي الأمريكي ضد إيران ليس ضرورياً، ربما بسبب سعي إيران لتجنب مثل هذا العمل العسكري عن طريق تغيير السياسات الخارجية والداخلية التي تواجه بأقصى قدر من الاعتراضات الأمريكية، فعندئذ تصبح احتمالات الدخول في حوار مع إيران ورفع العقوبات عنها أفضل مما ستكون عليه في ظل غياب مثل هذه الظروف. إن السياسة الاستباقية الجديدة قد تكون أكثر نجاحاً في هذا الخصوص مقارنة بسياسة الاحتواء السابقة، بما اشتملت عليها من عقوبات اقتصادية واسعة النطاق. وقد يؤدي هذا إلى فتح المجال أمام الجهود الدبلوماسية لمناقشة قضايا كثيرة أخرى، ومنها قضية الجزر.
ومن المؤكد ان المسؤولين الأمريكيين قد عبروا عن تأييدهم لرغبة دولة الإمارات العربية المتحدة في البحث عن حل سلمي للنزاع حول الجزر عن طريق الجهود الدبلوماسية الثنائية والوساطة الإقليمية أو إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وفي الواقع، فقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تفضل تسوية تفاوضية ثنائية لهذه القضية، وهي ترى ان السياسة التي انتهجتها دولة الإمارات العربية المتحدة في إثارة هذه القضية في المحافل الدولية قد تدفع إيران في نهاية المطاف إلى الموافقة على التفاوض، إن لم يكن على الفور فربما عندما يفرز التطور التدريجي للحياة السياسية الداخلية في إيران قدراً أكبر من البراجماتية والإصلاح داخل إيران نفسها. ويمكن ان نتوقع هنا أن تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة بتمسكها بهذه السياسة المتأنية، سواء كان العمل الاستباقي الأمريكي محتملاً أو غير ضروري، وسواء تم إحكام الاحتواء الأمريكي لإيران أو تم تخفيف قبضته، أو سواء دخلت الولايات المتحدة الأمريكية أو لم تدخل في حوار مع إيران.
ولو أتيحت الفرصة لبدء حوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فربما أمكن تناول موضوع الأمن والتعاون في الخليج في وقت مبكر. وفي هذا النقاش، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية ان تعرض الاستماع إلى وجهة النظر الإيرانية بشأن ما يعتبره الإيرانيون مصالحهم المشروعة واعتباراتهم الدفاعية في المنطقة. وقد تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من اختبار مخاوفها من ان إيران تسعى لفرض هيمنتها على الخليج وتشكيل خطر يهدد وجود أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، ويعرض للخطر حصول الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على موارد الطاقة من هذه المنطقة.
وربما سعت إيران حسب افتراضنا إلى الحصول على طمأنة بأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها لا يضمرون إثارة نزاع عسكري ضد إيران، وخاصة لجهة عدم حل قضية الجزر. وقد تجادل الولايات المتحدة الأمريكية بأن مثل هذا السيناريو سيتضاءل احتمال حدوثه إذا انصرفت إيران عن الاهتمام ببرامجها الخاصة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ودعم الإرهاب في الخارج، ومعارضة الجهود التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية في عملية السلام بين العرب وإسرائيل. وفي الواقع إذا أوفت الولايات المتحدة الأمريكية بوعدها في المساعدة على قيام دولة فلسطينية قادرة على البقاء عقب العمل العسكري الذي نفذته ضد العراق، فإن إيران قد تقبل التسويات التي يقبل بها الفلسطينيون. إن مخاوف إيران بشأن إسرائيل والعراق سوف تخف، كما أن دوافعها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل والضلوع في الأنشطة الإرهابية يمكن أن تهدأ نوعاً ما. ولكن، في نهاية المطاف، فإن الأمر بيد إيران وعليها ان تقرر ان كانت تريد إقناع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية بأنه ليس ثمة من داع لتخوفهم من إيران، هذا إن كانت تلك هي الحقيقة بعينها.
وينبغي أن يرسم الحوار صورة مشرقة للعلاقات الخليجية – الإيرانية والعلاقات الأمريكية – الإيرانية إذا قيض للسياسات الإيرانية تجاه الخليج، وخاصة نحو الجزر، أن تتغير وإذا قامت إيران بجهد لمعالجة المخاوف الأمريكية المهمة الأخرى. ولكي نصل إلى هذا المستقبل ينبغي ان يتم حض إيران، على الأقل، على تنفيذ تقليص كبير لقدراتها العسكرية في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. بيد ان الطموح الاكبر من ذلك، هو حاجة إيران إلى الاقتناع بأن بإمكانها ان تتخلى عن مواقعها على الجزر من دون ان تضر بقدرتها على شحن النفط والغاز العائد إليها عبر مياه الخليج. وإذا أمكن لنا معالجة مصالح إيران في الأمن والازدهار ضمن حوار كهذا، فإن هذا قد يهيئ الظروف لكي تفكر طهران في الدخول في مفاوضات ثنائية بخصوص الجزر الثلاث أو حتى تقبل باللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
وإذا كانت مخاوف إيران تنحصر في الحفاظ على شرفها الوطني ومراعاة الرأي العام الإيراني إزاء قضية الجزر، فإن أي حوار محتمل يمكن أن يكون سرياً بالقدر الذي يتجنب إحراج النظام الإيراني ومنحه الفرصة الكافية لتهيئة الشعب لتقبل الدبلوماسية الثنائية أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وقد يؤدي هذا المنحى إلى تجنب عوائق استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو الحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية قد ينتج عنه تصلب في موقف إيران بشأن هذه القضية. وإذا لم يكن بالإمكان إقناع إيران بهذا المسار، وهذا احتمال مؤكد، فينبغي الضغط على الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية لكي يستخدموا سياساتهم في (المشاركة البناءة) مع إيران من أجل طرح قضية دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجزر. ويعلم البريطانيون على وجه الخصوص الوقائع التاريخية وحيثيات القضية القانونية جيداً، ولن تضللهم الادعاءات الإيرانية التي تفتقر إلى الأسانيد والأدلة القانونية لدعمها. كما يمكن أن تسهم فرنسا وألمانيا واليابان، التي تربطها جميعاً علاقات تجارية بإيران، في الضغط من أجل طرح دعوى دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجزر.
ونظراً للأهمية الاستراتيجية لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة لأمن منطقة الخليج واستقرارها، بل ولأمن واستقرار مناطق أخرى خارج محيطها، فإن من المؤسف ألا يكون هناك عدد كبير من الأشخاص الذين يشغلون مناصب سياسية ذات صلة يستطيعون تقديم إجابة مستنيرة بشأن الدعوى التاريخية والقانونية المتعرضة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. ومن المؤمل ان يتمكن هذا الكتاب من تجسير فجوة المعرفة في هذا الخصوص، وذلك بتسليط المزيد من الضوء على هذه القضية المهمة، وتعزيز وعي القادة وصانعي القرار بالإجراءات والتدابير الملائمة لحل هذا النزاع.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uaeislands/showtopics-55.html
الجزر الثلاث المحتلة لدولة الإمارات العربية المتحدة - طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
http://www.alamuae.com/uaeislands