الفصل الأول - مطالبات القواسم بالجزر الثلاث : من مطلع القرن
التاسع عشر وحتى ثمانينيات القرن نفسه
تمت إطاحة حسن بن رحمة، عقب حملة 1819 – 1820، فيما أعيد تنصيب سلطان بن صقر شيخاً
على رأس الخيمة، ولكن، وبسبب التدمير الواسع النطاق الذي لحق برأس الخيمة، أبقى
سلطان بن صقر على مقره في الشارقة. وقد تم فرض (المعاهدة العامة للسلام مع القبائل
العربية) لسنة 1820 على القواسم المترددين وحلفائهم والعتوب في البحرين، والتي حظرت
أعمال القرصنة ضد المراكب كافة ولكنها سمحت بالتجارة. وبالإضافة إلى ذلك، نزلت فرقة
بريطانية قوية في رأس الخيمة في البداية، ثم استقرت لعدة أعوام بعد ذلك في قشم. وقد
عمدت هذه الفرقة إلى مراقبة تحركات القواسم وإجهاضها.
وعلى الرغم ان البريطانيين لم يعدوا الشيخ سلطان بن صقر على الإطلاق قرصاناً، فإنهم
لم يثقوا به. وكما كتب كيلي، فإن ذلك مرده جزئياً إلى انه لم يتعاون مع حاكم مسقط
في مهاجمة رأس الخيمة في مطلع عام 1819. وعليه، وبعيد عودة الشيخ سلطان إلى السلطة،
سعى البريطانيون إلى الحد من سلطته، بداية من خلال الإقرار باستقلال عجمان وأم
القيوين عن حكمه في عام 1820، وتالياً من خلال اختيار ان يقيم الوكيل المحلي في
الشارقة في عام 1823 لنقل أخبار عنه. وفي العقود اللاحقة، فإن منافسة الشيخ سلطان
المتواصلة مع حاكم مسقط وحلف بني ياس في ابوظبي، ودبي، وعجمان، وأم القيوين، وتنامي
أسطوله من القوارب، والعداوات البحرية التي نجمت عن العوامل السابقة، وكذلك تآمره
ضد الجهود البريطانية للتصدي للتقدم المصري نحو المنطقة تحت حكم محمد علي، كلها
ساهمت في عدم ثقة البريطانيين به وفي السياسة البريطانية القائمة على فرض المزيد من
القيود على القواسم.
بيد أن سلطان بن صقر حاول بالفعل ان يعيد توطيد سلطته، بل وأن يعيد إحياء أنشطة
القواسم التقليدية وان يستعيد علاقات القواسم التاريخية. وتكشف الاقتباسات التالية
من مذكرات الكابتن بروكس، والمبنية على استطلاعات أجراها في الفترة 1825 – 1829
ونشرت في عام 1830، عن الوضع الديمغرافي في المنطقة. وبالنسبة إلى رأس الخيمة، فقد
كتب بروكس الآتي :
في الوقت الحاضر .... هناك ألفان وأربعمئة أو خمسمئة تقريباً من السكان، وهم من
القواسم، والشحوح، وزعل، ومطرش، وعدد من الغرباء من قبائل متفرقة ... وهم يتاجرون
مع بومباي وساحل ملبار في أثناء الرياح الموسمية الشمالية الشرقية، ومع البحر
الأحمر، كما أنهم يسهمون مساهمة كبيرة في تجارة صيد اللؤلؤ.
أما بالنسبة إلى الشارقة، فقد كتب ما يأتي :
يتألف السكان من القواسم، وآل علي، والشحوح، وبعض القبائل المختلطة، ويتراوح عدد
رجالها بين 2300 و 5500، غير أنني من ملاحظتي الشخصية، والموثقة باستفسارات قمت بها،
فإنني أعتقد أنه في موسم صيد اللؤلؤ، الذي يشارك به أكبر عدد من الرجال، فإن عددهم
يصل إلى 3500 أو إلى 3800 رجل.
واضاف قائلاً ان الشارقة أرسلت عدة مئات من القوارب إلى مصايد اللؤلؤ، وان كل قارب
منها دفع ضريبة للشيخ سلطان بن صقر. كما أشار إلى أنهم ساهموا في تجارة الخليج وفي
التجارة مع بومباي وساحل ملبار. أما بالنسبة إلى الشيخ سلطان بن صقر، فقد كتب بروكس
قائلاً إنه (يتظاهر بحسن النية إزاء الانجليز، غير أنه ليس موضع ثقة).
وأما بالنسبة إلى لنجة، فقد قال :
لنجة ... تملك تجارة عظيمة مع معظم أجزاء الجزيرة العربية ... وهي ترسل سفن البغلة
والمراكب الأخرى إلى الهند، وهي تستحوذ على حصة كبيرة من مصايد اللؤلؤ ... وترسل
ثلاثين مركباً إلى مصايد اللؤلؤ، وتوظف كل أولئك المنتمين إلى الساحل المقابل من
رأس الخيمة وحتى الشارقة. وهي تستورد وتصدر سنوياً قرابة مئتي ألف دولار من اللؤلؤ،
ونحو ثلث ذلك المبلغ من الحبوب والفواكه المجففة والتبغ.
كما قال أيضاً :
تضم الجزيرة نحو 700 رجل من قبيلة القواسم، ومن السكان الأصليين من قبيلة العيني (كذا
في الأصل وربما تكون المعيني) نحو ثلاثمئة، ومئتين وخمسين من قبيلة الفارش (كذا في
الأصل والراجح انها الفارس) ... ومعظم هؤلاء السكان من الوهابيين، والشيخ من قبيلة
القواسم، وله قرابة وثيقة مع الشيخ سلطان بن صقر، رئيس القبيلة، وهم على صلة دائمة
بالقراصنة.
لم يكن لدى الكابتن بروكس الكثير ليذكره عن الجزر، باستثناء ان (جزيرة طنب الكبرى
... مليئة بالظباء، وهناك كمية وافرة من المياه فيها)، وان (المرسى جيد ناحية
الجنوب الشرقي والغرب). كما أشار إلى ان هناك ممراً آمناً للملاحة يصل طوله إلى نحو
ستة أميال ونصف بين الجزيرة وميناء باسيدو على جزيرة قشم. وهنا يجب ان نضيف ان
الدراسة المسحية البريطانية للساحل العربي، والتي تم تنفيذها في مطلع عشرينيات
القرن التاسع عشر من قبل الملازم أول جاي والملازم أول هوتون Guy and Houghton ، قد
ذكرت أن سكان رأس الخيمة كانوا أيضاً رعايا للشيخ سلطان بن صقر في الشارقة، وأن
قوارب رأس الخيمة المشتركة في صيد اللؤلؤ، مثل قوارب الشارقة، دفعت إتاوة لحاكم
الشارقة.
هذا ويعد تقرير الكابتن بروكس لافتا في أوجه عديدة، إذ يأتي على تسمية سلطان بن صقر
في الشارقة باعتباره رئيساً لعائلة القواسم وتابعيها، ويذكر أن غالبية العائلة ظلت
في الشارقة ورأس الخيمة. ويشير إلى ان قوارب الشارقة ورأس الخيمة ولنجة قد اشتركت
في تجارة الخليج والتجارة مع الهند، في حين أن الغالبية العظمى من القوارب المرسلة
إلى مصايد اللؤلؤ كانت من الشارقة ورأس الخيمة، وكانت لنجة سوقاً لتجارة لؤلؤ
القواسم. وفي حين ان بروكس لم يذكر الكثير بشأن الجزر، فإن تركيزه على مشاركة
القواسم في صيد اللؤلؤ والتجارة تعني حتماً مواصلة استخدام القواسم للجزر، وخاصة من
قبل مئات القوارب من الشارقة ورأس الخيمة، وكان سيتون قد أشار فعلاً إلى استخدام
طنب الكبرى من قبل صيادي اللؤلؤ من الشارقة ورأس الخيمة في عام 1801. ومن المرجح ان
استخدام القواسم التقليدي للجزر قد تواصل أيضاً، سواء كملاذ أو لطلب الماء أو لصيد
الاسماك أو لرعي الماشية.
وبالإضافة إلى التجارة بين القواسم في الساحل العربي والساحل الفارسي، فقد قدم
الحكام القواسم في لنجة القوارب دعماً للحملات المختلفة التي شنها سلطان بن صقر ضد
بني ياس في أبوظبي، على سبيل المثال. وفي مناسبات محددة، توسطوا في تنفيذ هدن مؤقتة
له في أواخر عشرينيات القرن التاسع عشر، وطوال ثلاثينيات وأربعينيات القرن نفسه.
غير أنه كانت هناك منازعات بين القواسم في الساحلين بشأن استخدام الجزر. ولتسوية
هذه المنازعات، فقد قسم فروع العائلة الجزر لاستخدامها من كلا الطرفين. وبحلول عام
1835 وربما قبل ذلك، تم تخصيص جزيرة صري بحيث تستعمل من قبل قواسم لنجة، في حين تم
تخصيص جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وصير بونعير لقواسم رأس الخيمة والشارقة.
ويبدو هذا التقسيم منطقياً في ضوء وضع سلطان بن صقر باعتباره رئيساً لعائلة القواسم،
وفي ضوء عائلة القواسم الممتدة على الساحل العربي، والعدد الضخم من قوارب القواسم
من الشارقة ورأس الخيمة المشتركة في صيد اللؤلؤ، والاستخدامات التقليدية لهذه الجزر
من قبل القواسم الساحل العربي. وبصفته رئيساً للعائلة، لابد أن يكون الشيخ سلطان بن
صقر قد نفذ هذا الاتفاق أو وافق عليه. ومن المرجح ان الاتفاق بين سلطان بن صقر وابن
عمه شيخ لنجة، محمد بن قضيب، كان شفهياً فحسب.
وليس واضحاً إذا ما كان البريطانيون مطلعين على هذا التفاهم في حينه. فلم يرد له أي
ذكر في المذكرات المشتركة للملازم أول جاي وهوتون أو مذكرات الكابتن بروكس،
والمذكرات المبنية على دراسات مسحية تم تنفيذها في عشرينيات القرن التاسع عشر. وفي
إصدار يعود إلى عام 1836، اشار جيمس هورسبيرج James Horsburgh، عالم المياه في شركة
الهند الشرقية، فقط إلى المرسى قبالة هذه الجزر وان هذه الجزر غير مأهولة. كما كتب
الملازم أول وايتلوك H.H. Whitelock في مجلة Journal of the Royal Geographical
Society في عام 1838 ان جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى كانتا غير مأهولتين، وأن (الأولى
مليئة بالظباء وأن الضباط العاملين في باسيدو يلجؤون إليها كثيراً لأغراض الصيد.
وفي أشهر الشتاء، يغطي الجزيرة العشب، وفيها كميات وافرة من المياه).
ومرة أخرى، فإن هورسبيرج ووايتلوك قد استندا فيما قالاه في إصداراتهما إلى دراسات
مسحية أجريت في عشرينيات القرن التاسع عشر. كما أن الاتفاق غير مذكور في المسودات
التاريخية والتقارير السياسية الأخرى التي أعدها مسؤولون مختلفون، مثل الملازم أول
صامويل هينيل Samuel Hennell، والملازم أول كيمبل، والملازم أول ديسبرو H.F.
Disbrowe، والكابتن جيمس فيلكس جونز James Felix Jones والملازم أول بيلي، والتي
تغطي الفترة من عام 1819 وحتى ستينيات القرن التاسع عشر. غير أن القواسم توصلوا
فعلياً إلى اتفاق شفهي فيما بينهم، وقد أشاروا إلى هذه الترتيبات في العديد من
الرسائل المكتوبة منذ ستينيات القرن التاسع عشر وما بعدها.
وبعد أعوام من العداءات البحرية بين القبائل المختلفة على الساحل، وخاصة بين
القواسم وبني ياس في أبوظبي في عام 1834، توصل البريطانيون عبر المفاوضات إلى هدنة
بحرية في عام 1835، والتي تم تجديدها في الأعوام المتتالية حتى الاتفاق على هدنة
العشرة أعوام في عام 1843. وقد تبع ذلك في عام 1853 (معاهدة السلام البحري الدائم)،
وفي إثر هذه الاتفاقية أضحت المنطقة التي كانت تعرف لدى البريطانيين باسم (ساحل
القراصنة) تعرف باسم (الساحل المتصالح).
وكان الهدف من وراء هذه الهدن والمعاهدة وقف الأعمال العدائية في البحر والسماح
بالتجارة السلمية. وكان البريطانيون قد عقدوا العزم على وقف القرصنة، ومنع تجارة
العبيد، ووقف أعمال تهريب الأسلحة والسلع الأخرى، والسماح بالوصول سلمياً إلى مصايد
اللؤلؤ خلال موسم صيده. ومع مرور الوقت، حققت الاتفاقيات مرادها على وجه العموم من
حيث السماح بالوصول إلى مصايد اللؤلؤ والتجارة عبر الخليج والى الهند، مما جعلها
تحظى بدعم سلطان بن صقر والقواسم الذين كانت هذه الأنشطة مهمة بالنسبة إليهم. ومن
المؤكد ان الهدوء النسبي أتاح المجال أمام مواصلة الاستعمالات التقليدية للجزر من
قبل قواسم الشارقة ورأس الخيمة.
وبعد الهدنة البحرية لسنة 1835، منع مساعد المقيم السياسي البريطاني صامويل هينيل
القوارب الحربية التابعة للقواسم وبني ياس من الاقتراب من الطريق التجارية الواقعة
بين الساحل الفارسي وجزيرتي صري وأبوموسى في أي وقت من السنة، أي من عبور الخط
المرسوم بين هاتين الجزيرتين والمعروف باسم (خط هينيل). وسارع المقيم السياسي جيمس
موريسون إلى إعادة رسم الخط من شعم على الجانب الغربي من شبه جزيرة مسندم وحتى نقطة
على بعد عشرة أميال إلى الجنوب من أبوموسى ومنها إلى صير بونعير، مفسراً ذلك بأن
صري كانت ملاذاً للقراصنة وأن أبوموسى يمكن ان تكون مثلها.
وكانت الغاية من الخط الجديد الحيلولة دون استخدام هذه الجزر لهذا الغرض، وكذلك منع
القوارب الحربية التابعة لسلطان بن صقر من الإبحار حول شبه جزيرة مسندم، أي عبر
المضيق الضيق ومنه إلى خليج عمان. وتحت مثل هذه القيود أضحى سلطان بن صقر غير قادر
على تحدي هذا الخط التجاري وحاكم مسقط. بل ان الخط المقيد الجديد قد منع قوارب
القواسم الحربية في الساحل العربي من الاقتراب من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى. ومع حلول ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ثبت في نهاية الأمر ان هذه
التطورات قد صعبت على سلطان بن صقر وخلفائه مهمة الدفاع عن حق قواسم الشارقة ورأس
الخيمة في استخدام جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى كما هو معتاد ضد اعتداءات
وانتهاكات الاعداء على الساحل العربي وقواسم لنجة.
وفي عام 1864 تم نشر الطبعة الاولى من دليل الخليج الفارسي Persian Gulf Pilot الذي
قامت بجمعه وتصنيفه الأميرالية البريطانية خلال أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات
القرن التاسع عشر. وقد جاء فيه أن جزيرة طنب الكبرى فيها مياه وهي غير مألوفة : (في
احيان معينة يتم جلب بعض الماشية من اليابسة – أي من الساحل الفارسي – للرعي، حيث
ان الجزيرة مغطاة بالعشب الخشن وشجيرات. وهناك بعض الظباء البرية على الجزيرة). وقد
ذكر التقرير ان طنب الصغرى وأبوموسى كانتا قاحلتين وغير مأهولتين وليس بهما ماء،
غير ان الاخيرة كان يردها قوارب الصيد من الشارقة وكانت بالقرب من ضفة اللؤلؤ
العظيمة. أما بالنسبة إلى لنجة، فقد جاء في التقرير أنها كانت (واحدة من القرى
المزدهرة على الساحل الفارسي) و (يقطنها نحو 10.000 نسمة، ومعظمهم من قبيلة
القواسم)، وهذا ما كان يعادل تقريباً عدد سكان الشارقة وضعف عدد سكان رأس الخيمة،
وإن أشار التقرير أيضاً إلى ان لنجة كانت ترسل نحو 50 مركباً إلى مصايد اللؤلؤ فقط.
كما جاء في التقرير : (أما شيخ هذا المكان، الذي يدفع إتاوة إلى الحكومة الفارسية،
فله سلطة على كل الأماكن الواقعة على الساحل بين بركة سفلة وقرية بستانة، وهي تشمل
جزر صري وفرور الصغرى، وطنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى).
ولعل وجهة نظر الأميرالية البريطانية ان حاكم القواسم في لنجة يملك سلطة على طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى مردها إلى حقيقة ان التجارة البريطانية كانت في معظمها
على امتداد الساحل الفارسي، بما في ذلك لنجة، وان حماية هذه التجارة قد دفعت
البريطانيين إلى حظر القوارب الحربية التابعة للقواسم على الساحل العربي من الابحار
إلى هذه الجزر وحماية حقوقها هناك، وأن الماشية من لنجة كانت ترعى على طنب الكبرى.
وعلاوة على ذلك، فإن سلطان بن صقر كان يبلغ من العمر نحو 90 عاماً في أواخر
خمسينيات القرن التاسع عشر وأوائل ستينيات القرن نفسه، وان الحكام التابعين له في
لنجة والشارقة ورأس الخيمة كانوا قادرين حينها على التصرف بشكل مستقل عنه. ويضاف
إلى هذا وذاك ان معرفة مؤلفي دليل الخليج الفارسي كانت منقوصة. إذ لم يلاحظوا مثلا
ان مئات التي مازالت ترسلها الشارقة إلى مصايد اللؤلؤ تعني بالضرورة مواصلة استعمال
جزيرة أبوموسى. ومن الواضح أيضاً انهم لم يعرفوا ان أبوموسى كانت تستخدم للرعي من
قبل الشارقة، وانه على النقيض من تقريرهم كان بها ماء وكلأ. ويبدو أنهم لم يعرفوا
ان القواسم قد وافقوا في عام 1835 على ان تستخدم طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
من قبل قواسم رأس الخيمة والشارقة.
وفضلاً عما سبق، ورغم ان دليل الخليج الفارسي لسنة 1864 قد ذكر أن حاكم لنجة دفع
إتاوة إلى فارس، فإن ذلك لا يعني ان فارس كانت تمارس سلطة فعلية على لنجة والساحل
والجزر البحرية. وفي الوقت نفسه، كان ميناء لنجة يخضع اسمياً فحسب لسلطة الحاكم
الفارسي لإقليم (فارس) ولسلطة الحاكم الفارسي في بوشهر بصفته الأميرال الأعلى
للبحار والموانئ. وفي الواقع، لم تكن فارس تملك أية قوارب حربية. وبدلاً من ذلك،
كانت لنجة فعلياً تحت حكم القواسم المستقل في أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن
التاسع عشر، حيث كان خليفة بن سعيد القاسمي، حاكم القواسم في لنجة، مسؤولاً مسؤولية
فردية على الإدارة الداخلية، بما في ذلك جباية الضرائب والرسوم الجمركية والنظر في
الدعاوى المدنية والجنائية. وقد أدرك المقيمون البريطانيون هينيل وكيمبل وبيلي في
منتصف القرن التاسع عشر، وكما كان الحال في عامي 1819 و1820 في زمن الحملة
البريطانية الثانية ضد القواسم، أن فارس لم تملك سلطة فعلية تذكر على الساحل
الفارسي. وقد تضمن ذلك جزيرة لنجة ومحيطها وكذلك الجزر الواقعة قبالة الساحل
الفارسي.
وقد كان البريطانيون قلقين من ضعف سيطرة فارس على القبائل الساحلية في الموانئ
الواقعة على الساحل الفارسي. لذا، أراد البريطانيون ممارسة سلطتهم البحرية في
المنطقة من أجل حماية الهدن التي تم إبرامها مع حكام الساحل العربي. وقد ظنوا ان
محمد شاه، الذي حكم فارس في الفترة 1834 – 1848، من المرجح أنه لن يوافق على ذلك،
ولكن في عام 1846 فاتح الحاكم العام لإقليم (فارس)، حسين خان، المقيم البريطاني
هينيل داعياً البريطانيين إلى ان يخضعوا القبائل الساحلية ويحدوا من القرصنة على
الساحل الفارسي، وطالباً فقط ان يرافق مسؤول فارسي مثل هذه المهمات. وقد وافق
البريطانيون عن طيب خاطر على فعل ذلك مما أدى إلى تراجع القرصنة بشكل لافت.
وعلاوة على ذلك، وفي عام 1850، سلم ميرزا تقي خان، وزير الدفاع تحت حكم ناصر الدين
شاه، الذي حكم فارس في الفترة 1848 – 1896، للبريطانيين بأن (سلطة الحكومة على
الشعب وسيطرتها عليهم محدودة للغاية). وفي السنة التالية، وافقت فارس على طلب
بريطانيا بأنه يحق لبحريتها ان تقوم بعمليات بحث ومصادرة على طول الساحل الفارسي
لكبح تجارة الرقيق. وكان الشرط الوحيد ان يرافق ضابط فارسي مثل هذه الحملات وان أية
سفن تتورط في تجارة الرقيق يجب ان ترسل إلى (حاكم موانئ الخليج) لمعاقبتها.
وفي عام 1852، قال رئيس الوزراء الفارسي، ميرزا آغا خان، ان فارس ليس في وسعها ان
تفعل شيئاً لوقف تجارة الرقيق في ميناء لنجة. ولاحقاً في السنة نفسها، فوض البحرية
البريطانية لإجبار السفن على ذلك. وفي عام 1853، أرسل كيمبل مركبين بريطانيين
سريعين، بصحبة مفوض فارسي لشؤون تجارة الرقيق، لانتزاع غرامات من حاكم لنجة وآخرين
لمشاركتهم في تجارة الرقيق. وفي الأعوام اللاحقة، نجحت الرقابة والعمليات
البريطانية في الحد من تجارة الرقيق. غير أن البريطانيين رأوا أن المسؤولين الفرس
مترددون في إخضاع الشيوخ الأقوياء على الساحل وهم عُرضة لأن يقبلوا الرشوة التي
يقدمها شيوخ القبائل. وبحلول عام 1855، كانت بريطانيا تدفع راتباً إلى المفوض
الفارسي لشؤون تجارة الرقيق للتغلب على هذه الصعوبات. وعليه، فإن البحرية
البريطانية هي التي جلبت فعلياً المسؤولين الفرس إلى لنجة والموانئ الأخرى على
الساحل الفارسي وساعدتهم على ممارسة سلطة محدودة هناك. وكانت تلك هي الظروف التي
جعلت حاكم لنجة القاسمي يدفع غرامات وإتاوات إلى فارس في أواخر خمسينيات القرن
التاسع عشر ومطلع ستينيات القرن نفسه.
وفي عام 1863، وقبل عام من صدور دليل الخليج الفارسي، أشار المقيم البريطاني بيلي
إلى ان لنجة تشهد رخاء متنامياً لأنه أضحى في وسع البواخر البريطانية القادمة من
بومباي ان تنزل بضائعها في ميناء لنجة العميق، ومن هناك يمكن شحنها بسفن الدهو إلى
الموانئ الضحلة مثل الشارقة وراس الخيمة. وقد دفعت حالة الازدهار المتنامية فارس
إلى زيادة إتاوتها التي تفرضها على لنجة. ولكن، عند التفاوض في عام 1868 بشأن تجديد
استئجار عُمان لبندر عباس وجزر لاراك وهرمز وقشم من فارس، لاحظ بيلي ان فارس لم تكن
تملك قوارب حربية وعبر عن وجهة نظره بضعف مطالبة فارس بهذه الجزر الواقعة قبالة
سواحلها، وربما بالنسبة إلى الجزر الأخرى أيضاً. وكتب قائلاً :
لولانا، لقام العرب بسلب ونهب ساحلها ولمنعوا أي قارب من قوارب فارس من دخول البحر
... صحيح أن الجزر من حيث المسافة يمكن ان تكون أقرب إلى ساحل فارس منها إلى ساحل
مسقط، غير ان الجزر تتبع القوة البحرية وليس القوة العسكرية الخالصة.
وفي كانون الاول / ديسمبر 1864، وهي السنة التي نشر فيها دليل الخليج الفارسي، أرسل
الشيخ سلطان بن صقر رسالة رسمية إلى المقيم السياسي البريطاني في بوشهر، الكولونيل
بيلي، مؤكداً له فيها ان طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وصير بونعير تنتمي إليه،
ومهدداً بإحداث اضطرابات في البحر إذا لم يوجه بيلي تعليمات إلى حاكم دبي يطلب منه
عبرها التوقف عن استخدام أبوموسى :
في السنة الماضية، أخبرتكم بتدخل أهل دبي فيما يتعلق بجزيرة أبوموسى وعن حقيقة
أخذهم لخيولهم وماشيتهم إلى هناك. الجزيرة ملكي أنا. إن جزر طنب وأبوموسى وصير
(بونعير) ملكي أنا منذ عهد أجدادنا. ولم يسبق لأحد ان ذهب إلى هناك دون إذن مني.
غير أنكم لم تردوا على هذه الرسالة ... ولما وجدوا أنكم صامتون وأنا كذلك، فقد
أرسلوا أغنامهم إلى هناك هذا العام أيضاً ... وإذا لم تمنعوه (حاكم دبي)، فإن
اضطرابات ستحدث، لأنني لن أتنازل عن حقي في الجزيرة، كما أنني لن أسمح لأحد أن
يتدخل فيها دون إذن مني. ومن المعروف منذ القدم ان هذه الجزر (أبوموسى وطنب وصير
بونعير) ملكي أنا. أما صري فملك لقواسم لنجة، وهنجام للسيد ثويني (حاكم عُمان)
وفرور للمرازيق (في أبوظبي). وإذا ما استفسرتم عن هذا الأمر (أي عن هذه المعلومات)
ستجدون أنه صحيح.
وفي حين يبدو واضحاً ان الشيخ سلطان بن صقر قد اشتكى إلى الكولونيل بيلي منذ عام،
فإن محمد مرسي عبدالله يقول : (هذه الرسالة – السنة 1864 – تمثل أول دليل مدون فيما
يتعلق بملكية هذه الجزر بين القواسم). وهذه أول مطالبة مكتوبة وجدت ضمن المحفوظات
ويمكن ان تكون هذه هي المرة الأولى التي حصل فيها البريطانيون على مثل هذه
المعلومات الدقيقة (رغم أن سيتون قد كتب في أوائل القرن التاسع عشر ان الجزر كانت
مستخدمة ومملوكة من قبل القواسم). وحيث ان الشيخ سلطان كان قد بلغ نحو 95 عاماً في
عام 1864، وقد حكم منذ عام 1803، فإن الإشارة في رسالته إلى (الأجداد) تضع قواسم
الساحل العربي في موقع السيطرة على هذه الجزر منذ منتصف القرن التاسع عشر، أي في
زمن جده رحمة بن مطر.
وبعد وفاة سلطان بن صقر في عام 1866، بدأ القواسم في نزاع فيما بينهم حول الحدود
والجزر. وقد انتهى ذلك بسيطرة قواسم ورأس الخيمة على طنب الكبرى تحت حكم الشيخ حميد
بن عبدالله القاسمي، وسيطرة قواسم الشارقة على جزيرة أبوموسى تحت حكم الشيخ سالم بن
سلطان القاسمي.
وفي أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، كان الوكيل المحلي البريطاني في الشارقة،
حاجي عبدالرحمن، يرفع تقاريره إلى المقيمين السياسيين البريطانيين في بوشهر، وهذا
ما يؤكد المطالبة بجزيرة أبوموسى من قبل الشيخ سلطان بن صقر في عام 1864 ويعارض
وجهة النظر الواردة في دليل الخليج الفارسي. وفي خريف عام 1871، وخلال الصراع
الدائر بين حاكمي القواسم في الشارقة ورأس الخيمة، كتب حاكم الأخيرة إلى الوكيل
المحلي البريطاني قائلاً ان جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وصير بونعير كانت
تابعة له، وأنه لن يسمح لأحد بأن يستخدمها لرعي الماشية. وقد أطلع الوكيل المحلي
البريطاني المقيم السياسي البريطاني في بوشهر، الكولونيل بيلي، على أنه قد تم تحذير
الشيوخ الآخرين (من إرسال ماشيتهم إلى جزيرة أبوموسى حيث ان الجزيرة لماشية القواسم
وأنهم لا يملكون حتى حقاً في الجزر الأخرى). واقترح انه يجب ألا يسمح للشيخ حميد بن
عبدالله حاكم راس الخيمة بمنع الآخرين من استخدام الجزر للرعي، وهذا ما تم إشعار
الشيخ حميد به لاحقاً.
وبطبيعة الحال كان الوكيل المحلي يحاول أن يمنع وقوع أعمال عدائية في البحر في حال
عمل الشيخ حميد على منع الشيوخ الآخرين من رعي ماشيتهم في الجزر. ومن الممكن ان
الوكيل المحلي، بحكم انه مقيم في الشارقة، قد أيد مطالبة الشيخ سالم بن سلطان حاكم
الشارقة على جزيرة أبوموسى. وفي الحقيقة، في 27 كانون الأول / ديسمبر 1871، وفي
أثناء إبلاغه للكولونيل بيلي بأنه قد ناشد شيخ دبي ألا يستخدم جزيرة أبوموسى، وأنه
قد حال دون وقوع أعمال عدائية بحرية بين شيخ دبي وشيخ الشارقة، قال الوكيل المحلي :
(لقد اعتدنا منذ زمن بعيد أن يرسل حاكم الشارقة ماشيته إلى الجزيرة ...). وفي
الأعوام اللاحقة، انتهكت سيادة القواسم على جزيرة أبوموسى من قبل دبي وعجمان وأم
القيوين ولنجة، والتي حكم بها لصالح قواسم الشارقة.
وفي شباط / فبراير 1872، كتب الشيخ سالم حاكم الشارقة إلى المقيم السياسي البريطاني
بيلي، والى خليفته الكولونيل روس E.C. Ross ، بشأن الشكوى نفسها، طالباً المساعدة
ومحذراً من وقوع اضطرابات في البحر. وفي حين حاول الوكيل المحلي ان يمنع حدوث
انتهاكات على سيادة الشارقة، فإن فشله أدى إلى جعل الشيخ سالم في عام 1873 يرسل 50
رجلاً مسلحاً إلى أبوموسى، حيث أطلقوا النار على السفن القادمة من دبي وكذلك على
سفن قواسم لنجة. وعندما طلب الشيخ سالم مرة أخرى مساعدة بريطانية تمكنه من منع
الشيوخ الآخرين من استعمال الجزيرة لرعي الماشية في عام 1875، طلب المقيم البريطاني
روس من الوكيل المحلي ان يحدد ملكية جزيرة أبوموسى. وفي رده على ذلك، قال الوكيل
المحلي : (طالب شيوخ القواسم بملكية أبوموسى ومنشي أبو القاسم يقول ان الجزيرة
تابعة إلى القواسم وعليه يمكن لقواسم الشارقة ورأس الخيمة ان يضعوا رجالهم عليها).
ومن اللافت انه أشار إلى الوكيل المحلي البريطاني في لنجة كأحد المصادر، غير أنه في
الوقت نفسه لم يقل أن شيوخ لنجة يمكنهم أن يضعوا رجالهم على الجزيرة.
وفي ربيع عام 1883، تمت إطاحة الشيخ سالم حاكم الشارقة على يد أبن أخيه، الشيخ صقر
بن خالد القاسمي. وبعد إطاحته اختار الشيخ سالم ان يعيش على جزيرة أبوموسى، حيث كان
يملك سابقاً بيتاً في الجزيرة. وقد وافق الشيخ صقر بن خالد على مثل هذه الترتيبات،
وفي الأعوام التالية واصل إرسال خيوله وماشيته والحيوانات الأخرى للرعي على الجزيرة
في الربيع، كما كانت عادة شيوخ القواسم تاريخياً. وفي عام 1884، كتب إلى المقيم
السياسي البريطاني، مشيراً إلى ان أبوموسى تابعة للشارقة وطالباً من البريطانيين ان
يقنعوا الشيخ سالم باحترام الاتفاقية، وإلا فإنه يجب السماح له بطرده من الجزيرة أو
مهاجمته. وقد حذر المقيم السياسي البريطاني الشيخ صقر بن الإضرار بالسلم في البحر،
وسرعان ما توصل الشيخان إلى اتفاقية معدلة تسمح للشيخ سالم بالبقاء على الجزيرة.
وخلال سبعينيات القرن التاسع عشر، ورغم رسالة الشيخ سلطان بن صقر لسنة 1864، نقل
الوكيل المحلي في الشارقة معلومات خاطئة إلى المقيم السياسي البريطاني في بوشهر حول
ملكية طنب الكبرى، وخاصة إن كان قواسم الساحل العربي أو قواسم لنجة هم أصحاب
المطالبة الأقوى. وفي خريف عام 1871، وعندما كتب الشيخ حميد حاكم رأس الخيمة
الرسالة المذكورة سابقاً إلى الوكيل المحلي يخبره بشأن ملكية طنب الكبرى وأبوموسى
وصير بونعير، فقد ذكر الشيخ حميد ايضاً ان الشيخ خليفة حاكم لنجة قد كتب رسالة تقر
بحقوق الشيخ حميد على كافة الجزر وقد منع آل بوسميط من الذهاب إلى الجزر. ولكن، وفي
سياق التقرير الذي رفعه الوكيل المحلي إلى المقيم السياسي البريطاني بيلي، ضمن نسخة
من رسالة الشيخ حميد باللغة العربية، وليس واضحاً إذا ما تمت ترجمة هذه الرسالة
للمقيم السياسي. وفي رسالته الخاصة إلى بيلي، والتي تمت ترجمتها، لم يشر الوكيل
المحلي إلى ما ذكره الشيخ حميد بان الشيخ خليفة حاكم لنجة قد اعترف بحقوق الشيخ
حميد على الجزر كافة، بما في ذلك جزيرة طنب الكبرى.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1872، وبعد أن أرسل الشيخ حميد رسالة أخرى إلى حاكم
قواسم لنجة، محتجاً على الزيارات غير المسموح بها إلى جزيرة طنب الكبرى من قبل
تابعيهم، أرسل الحاكم، الشيخ خليفة، رسالة أخرى يقر فيها بان الجزيرة تتبع قواسم
راس الخيمة. فقد كتب قائلاً :
.... تلقينا رسالتكم الثانية، والتي تذكرون فيها زيارات آل بوسميط إلى جزيرة طنب
الكبرى . أعلم يا أخي أن آل بوسميط هم أتباعكم ويدينون لكم بالطاعة. ولكن عليكم ان
تمنعوا رجالاً آخرين يتبعون شيوخ دبي وعُمان وأم القيوين وباسيدو لأنهم يذهبون إلى
ذلك المكان من أجل العشب. أم آل بوسميط، وكما ذكرنا، فهم يدينون لكم بالطاعة. وإن
شاء الله سنحذرهم حتى لا يضروكم. أما فيما يتعلق بالجزيرة، فإنها تتبعكم كما كانت
تحت سلطة أبيكم. وليس لدينا شيء لنختلف فيه معكم بشأنها.
ولكن، وفي شباط / فبراير 1873، طلب المقيم السياسي الجديد، الكولونيل روس، من
الوكيل المحلي البريطاني في الشارقة (ان يستفسر ويخبره عن التبعية المفترضة لجزيرة
طنب – الكبرى-). وقد كتب الوكيل المحلي، في تقريره في 1 آذار / مارس، ورغم معرفته
بإقرار الشيخ خليفة سابقاً بحقوق الشيخ حميد، أنه قد طلب فعلياً من حاكم قواسم رأس
الخيمة (أن يبقى بعيداً عن الجزيرة، حيث إنني أعرف ان الامور في نهاية المطاف ستقود
إلى اضطرابات في البحر بين الفرس والجزيرة العربية حيث ان حاكم رأس الخيمة لا يملك
حقاً في الجزيرة ما لم يحصل على موافقة شيخ لنجة). وقد ضمن الوكيل المحلي رد حاكم
رأس الخيمة على طلبه في تقريره، والذي ذكر مرة أخرى ان طنب الكبرى وأبوموسى وصير
بونعير تحت ولاية قواسم الساحل العربي، في حين ان صري وطنب الصغرى كانت تحت سلطة
قواسم لنجة. وقد كتب حاكم رأس الخيمة قائلاً :
أرجو أن أعلمكم ان جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وصير – بونعير- هي تحت سلطة
قواسم عربستان. أما جزيرة هنجام فتعود ملكيتها إلى آل بوسعيد. أما جزيرتا صري
ونابجو – أي طنب الصغرى – فتعود إلى السكان القواسم الذي يعيشون على ساحل فارس.
وقد كررت الرسالة التأكيدات التي قدمها الشيخ سلطان بن صقر في عام 1864، مع إضافة
لافتة وهي أنها أشارت إلى ان طنب الصغرى كانت تحت سلطة قواسم لنجة، غير ان الوكيل
المحلي أخبر المقيم السياسي ان رد الشيخ حميد (لم يكن ملائماً).
كما أخبر الوكيل المحلي المقيم السياسي روس أنه قد طلب من حاكم رأس الخيمة ان يقدم
اعتذاراً مكتوباً إلى حاكم لنجة، وأن يزيل أية حيوانات من جزيرة طنب الكبرى في حال
رفض الاعتذار. وقد أخبر روس لاحقاً ان حاكم رأس الخيمة قد كتب الرسالة فعلاً. غير
أن رسالة الشيخ حميد لم تضم في حقيقة الأمر أي اعتذار أو طلب للحصول على إذن أو
إقرار بأية مطالبة للنجة على الجزيرة. وقد ذكرت الرسالة الشيخ خليفة بالمراسلات
السابقة مع الشيخ حميد حول هذه القضية، غير أنها حملت بادرة حسن نية :
إننا نأمل أن يذكركم حاجي محمد بشير بقضية جزيرة طنب – الكبرى – عندما طلبنا منكم
ان تقروا بحقوقنا بالجزيرة ولم ترفضوا المطالبة. وإذا كنتم غير راضين عن هذا الوضع
فإنه يمكننا ان نسحب خيولنا من الجزيرة رغم امتلاكنا لها، وذلك إرضاء لكم فحسب.
وكان الوكيل المحلي يسعى من خلال تبنيه موقفاً مؤيداً لحاكم لنجة إلى ان يتجنب أية
اضطرابات في البحر على نحو أساسي. ويقول محمد مرسي عبدالله ان الوكيل المحلي قد يكن
تأثر أيضاً بمصالحه التجارية الخاصة في لنجة وبفكرة ان البريطانيين سيرحبون بقرار
ضد قواسم رأس الخيمة. وكما أشرنا سابقاً، فإن المصالح التجارية البريطانية تركزت
على طول الساحل الفارسي وكانت التجارة مزدهرة في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر،
بعد تأسيس خطوط برقية وخدمات بريدية وخدمات بواخر هناك. وفي الواقع، اعتمد تزويد
البضائع الهندية إلى الساحل المتصالح خلال تلك الفترة اعتماداً رئيسياً على ميناء
لنجة، الذي ارتادته البواخر البريطانية بشكل منتظم. ويقول آخرون ان الوكيل المحلي
قد يكون فضل قواسم لنجة لأنه هو نفسه كان من أصل فارسي، أو ربما لأنه كان مقيماً في
الشارقة وكانت له علاقات قوية مع شيخ الشارقة، الذي كان قد دخل في نزاعات مؤخراً مع
شيخ رأس الخيمة. وحيث إنه لم يكن هناك من شك في ان الوكيل المحلي كان يعرف بشأن
إقرار الشيخ خليفة بحقوق الشيخ حميد، فإن مثل هذه العوامل قد أثرت بشكل ما.
وفي عام 1874، مات الشيخ خليفة بن سعيد القاسمي حاكم لنجة وخلفه الشيخ علي بن خليفة
القاسمي، وكان صغير السن، وقد استعاد العلاقات الودية مع قواسم رأس الخيمة واتفق مع
فهم الشيخ حميد حول جزيرة طنب الكبرى. وفي 8 كانون الثاني / يناير 1877، واستجابة
لطلب آخر من الشيخ حميد بألا يسمح لآل بوسميط من ان ترعى ماشيتهم على جزيرة طنب
الكبرى، أرسل الشيخ علي بن خليفة الرسالة الثانية، من بين ثلاث رسائل من شيوخ لنجة،
إلى الشيخ حميد والتي أقر فيها بما يلي :
أنا راض ان جزيرة طنب – الكبرى – تابعة لقواسم – ساحل – عُمان، وإننا لا نملك
ممتلكات هناك، وليس هناك من تدخل بدون موافقتكم، وبما أنني أعتبر الرعايا والأراضي
شيئاً واحداً، فإنني توليت سلطة منحهم الإذن بالذهاب هناك، ولكن بما أنكم غير راضين
الآن، وتريدون منعهم، فإنني سأمنعهم ....
غير أنه وفي عام 1878 تم اغتيال الشيخ علي من قبل أتباع حارسه السابق يوسف بن محمد،
الذي اعترفت به السلطات الفارسية حينها كنائب لحاكم لنجة. وفي 21 حزيران / يونيو
1879، وبعد نزاعات متجددة حول جزر القواسم، طلب المقيم السياسي البريطاني روس من
حاجي ميرزا أبو القاسم، الوكيل المحلي السابق في لنجة، ان يدرس الجزر التابعة لشيوخ
الساحل المتصالح. وفي 16 تموز / يوليو 1879، أكد أبو القاسم ان أبوموسى جزء من
الشارقة في حين أن طنب الكبرى تابعة لرأس الخيمة. أما فيما يتعلق بالجزيرة الاخيرة،
فقد أشار إلى (أن هذه الجزيرة مملوكة أيضاً من قبل شيخ لنجة جزئياً، حيث إنه من
قبيلة القواسم). وقد جاء استنتاج أبوالقاسم في شكل تحد مباشر للموقف بشأن طنب
الكبرى الذي تبناه الوكيل المحلي السابق في الشارقة. فقد كتب روس في الهامش عند هذه
النقطة (تعد فارسية)، وهو ما يعكس وجهة نظر روس أو وجهة النظر البريطانية بأن طنب
الكبرى فارسية، وربما أن شيخ لنجة فارسي. غير أن شخصاً غير معروف أضاف لاحقاً كلمة
(لا) مشيراً إلى ان الجزيرة لم تكن فارسية، وربما أن شيخ لنجة، الشيخ يوسف، الذي لم
يكن من القواسم، لم يكن فارسياً.
وفي عام 1881، أخبر الشيخ حميد حاكم رأس الخيمة مرة أخرى الوكيل المحلي البريطاني
في الشارقة، حاجي أبو القاسم، ان طنب الكبرى تتبع القواسم على الساحل العربي.
وعندما أبقى المقيم السياسي روس على الموقف الذي تم اتخاذه في عام 1873، عرض الشيخ
حميد على الوكيل المحلي الجديد الرسالتين الأصليتين من شيخي القواسم في لنجة، رسالة
من الشيخ خليفة وأخرى من الشيخ علي، اللتين أقرتا بأن جزيرة طنب الكبرى تتبع
القواسم على الساحل العربي. وقد أرسل الوكيل المحلي نسختين من الرسالتين إلى روس في
آذار / مارس 1882. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي يعرف بها حاجي أبو القاسم
أو روس بوجود مثل هذه الرسائل. كما كتب الشيخ حميد إلى روس، طالباً منه ان يراجع
سجلاته وان يرجع إلى رسالة عام 1864 من الشيخ سلطان بن صقر إلى بيلي. وفي رسالة
الشيخ حميد إلى روس، عبر عن خشيته من تعدي الفرس على الحكم القاسمي في لنجة، وخاصة
لأن الشيخ يوسف بن محمد أضحى من التابعين للفرس. وعلى وجه التحديد، عبر الشيخ حميد
عن خشيته من ان تطالب فارس بجزيرة طنب الكبرى. وبعد تلقي روس هذه الرسائل، رد على
الشيخ حميد بطريقة توحي بأنه قد يعيد النظر في رأيه، معبراً عن أمله في ( أن تستمر
الترتيبات حول جزيرة طنب – الكبرى – كما كانت دون أي تعديل ومع كل الاحترام للحقوق
العرفية لكافة الأطراف المعنية).
وفي عام 1884، زرع الشيخ يوسف أشجار نخيل على جزيرة طنب الكبرى، غير ان الشيخ حميد
أتلفها لاحقاً، مرسلاً رسائل احتجاج على الشيخ يوسف والوكيل المحلي حاجي أبو
القاسم. وفي 29 آذار / مارس 1884، أرسل الشيخ يوسف الرسالة الثالثة من شيوخ لنجة مع
الإقرار التالي :
في الواقع، هذه الجزيرة تتبعكم أنت قواسم (ساحل) عُمان، وقد أبقيت يدي عليها،
معتبراً انكم ستوافقون على ما أفعله، وان علاقاتنا معكم ودية. ولكن الآن، وبما أنكم
لا ترغبون بزراعتي لأشجار النخيل هناك وذهاب آل بوسميط للرعي هناك، فإنني بإذن الله
سأمنعهم وستبقى علاقاتنا ودية.
إلا ان هذه الرسالة الثالثة لم تصل إلى علم المقيم السياسي البريطاني روس إلا في
عام 1888.
وعند هذه النقطة في الدراسة التاريخية، يبرز عدد من الحقائق المهمة. أولاً ، ان جزر
طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى قد استخدمت من قبل العرب على جانبي الخليج على مدى
مئات الأعوام، وربما منذ أيام مملكة هرمز العربية في القرن الخامس عشر. وفي الواقع،
استخدمت الجزر بشكل متواصل وتحت السلطة الكاملة لشيوخ القواسم من رأس الخيمة
والشارقة منذ القرن الثامن عشر. ثانياً، ان فارس لم تمارس سلطة على أي من هذه
الجزر، سواء بنفسها أو عبر تابعيها. وفي الحقيقة، لم تملك فارس القوة الكافية
لتأسيس سلطتها على أي جزء من مياه الخليج. كما أنه لم تقدم اية مطالبات محددة بهذه
الجزر. أما بالنسبة إلى قواسم لنجة، ورغم وقوعهم على الساحل الفارسي، فقد كانوا
تابعين إلى قواسم الساحل العربي وإن كانوا قد دفعوا إتاوة إلى فارس بشكل مؤقت وتحت
تهديد من قوى أخرى. وكان هذا هو الحل حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما أضحت
فارس قادرة على ان تعزز حكمها داخلياً وان تصبح مهتمة أكثر من ذي قبل بشؤون الخليج.
ثالثاً، عندما دخل البريطانيون أخيراً في المشهد، كانوا يعملون حسب مصالحهم لحماية
خطوط التجارة إلى الهند وضمن الخليج. ولابد من النظر إلى معاداة البريطانيين خلال
هذه الفترة للقواسم وحقوقهم بالجزر ضمن هذا السياق. ورغم كل ذلك، لم يعتقد حتى
البريطانيون بأن أياً من الجزر تتبع فارس. وعندما أصدروا بيانات حول هذه القضية،
اعترفوا باستعمال الجزر من قبل القواسم في الشارقة أو رأس الخيمة أو لنجة، أو على
الأقل أشاروا إلى استعمال العرب للجزر.