الفصل الثالث - الانسحاب البريطاني والاحتلال الإيراني للجزر
طالبت فارس لأول مرة بصورة رسمية بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في أواخر القرن
التاسع عشر، بينما جاءت مطالبتها الرسمية الاولى بجزيرة أبوموسى في مطلع القرن
العشرين. وحينما صدرت هذه المطالبات، وخلال العقود التي تلتها، أكد البريطانيون
مراراً وتكراراً لإيران ان هذه الجزر ملك لحكام القواسم في الساحل العربي. وعند
الضرورة، كان البريطانيون مستعدين ان يدعموا حججهم بالقوة العسكرية. وقد بقيت
المطالبات الإيرانية في تلك الأعوام متقطعة ومتفرقة.
وأضاف تطوران حدثا في أعقاب الحرب العالمية الثانية زخماً إلى مخاوف إيران بشأن
السيادة والسيطرة على الجزر الثلاث. أولهما، ان ملكية الجزر في الخليج أخذت بعداً
مهماً آخر ببروز الأهمية المتنامية للنفط والعوائد المالية المتحققة بفضله. وفي
مناسبات عديدة، كان يمكن ربط المطالبات أو الاحتجاجات الإيرانية باتفاقيات امتيازات
النفط الممنوحة أو الأنشطة التجارية التي يتم تنفيذها. وثانيهما، شهدت ستينيات
القرن العشرين تنامياً في القوة الإيرانية. ومع ازدياد شعور شاه إيران محمد رضا
بهلوي بقوته المتنامية، وازدياد أهمية مصلحة القوى الخارجية مثل بريطانيا والولايات
المتحدة الأمريكية في استمالة إيران، زادت مطامع الشاه في الهيمنة على الخليج. وفي
إطار خطته، كان من المهم بالنسبة إليه ان يطالب بأكبر عدد من جزر الخليج.
وقد حانت فرصة الشاه لتحقيق العديد من أطماعه مع إعلان البريطانيين عن انسحابهم من
الخليج. ومع اقتراب تاريخ تشرين الثاني / نوفمبر 1971 الذي حدده البريطانيون أنفسهم
لانسحابهم من الخليج، أضحت بريطانيا حريصة على ان تخلف من ورائها أوضاعاً مستقرة
ومرتبة في المنطقة، وهي المنطقة التي ظلت فيها القوة المهيمنة لنحو قرن ونصف القرن.
وكان إرضاء إيران، التي عدت القوة الإقليمية القادرة على الدفاع عن المصالح الغربية
في الخليج، أمراً جوهرياً في سبيل تحقيق ذلك الهدف. وحتى تلك اللحظة، دافعت
بريطانيا دفاعاً قوياً عن حقوق حاكمي الشارقة ورأس الخيمة، وذكرت الإيرانيين
بمطالباتهم غير الكافية في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وفي نهاية المطاف
قدم البريطانيون الاعتبارات الاستراتيجية على الحقوق الشرعية، فخضعوا للمطالبات
الإيرانية بهذه الجزر الثلاث في الخليج.