الصفحة الرئيسية
خارطة الإمارات
خرائط الجزر
صور تاريخية للجزر
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 4
عدد المقالات : 55
عدد زوار المقالات : 37664
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » السجل التاريخي » الفصل الثالث - الانسحاب البريطاني من الخليج
تاريخ الإضافة :: 26/02/2007   ||   عدد الزوار :: 619

الفصل الثالث - الانسحاب البريطاني من الخليج


في 4 كانون الثاني / يناير 1968 قررت حكومة العمال البريطانية ان تسحب قواتها من الخليج بحلول عام 1971، وكانت تلك بداية نهاية السيطرة البريطانية على السياسات الخارجية والدفاعية للإمارات المتصالحة. وقد حمل وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية جورونوي روبرتس Goronwy Roberts هذه الرسالة إلى حكام الخليج والشاه على حد سواء. وفي حين ان الفصول التالية المخصصة لمناقشة الأبعاد القانونية للنزاع على الجزر، والآثار السياسية والعسكرية للاحتلال الإيراني لها، وردود الفعل الإقليمية على النزاع، ودور المجتمع الدولي، ستتناول بشكل معمق الفترة 1968 – 2003، يبدو ضرورياً ان نقدم نبذة موجزة حول الأحداث التاريخية المهمة التي شهدتها هذه الأعوام هنا وفي الفصل التالي.
وفي إطار قرار بريطانيا سحب قواتها من الخليج، كثفت جهودها لدعم إقامة اتحاد يجمع تحت مظلته الإمارات العربية في الخليج، وتسوية النزاعات بين إيران وهذه الإمارات بشأن البحرين وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. أم إيران من جهتها فقد ألحت على الفور في طرح قضية طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى على البريطانيين. وفي 8 و9 كانون الثاني / يناير 1968، وبعد أيام قليلة من لقاء جورونوي روبرتس الشاه، قدمت إيران احتجاجات إلى السفارة البريطانية في طهران والى وزارة الخارجية في لندن، مدعية ان رأس الخيمة قد نفذت نزولاً مسلحاً على طنب الكبرى وأنها رفعت علم رأس الخيمة على الجزيرة، وان إيران قد تضطر إلى اتخاذ إجراء ما. ورداً على ذلك نقل القائم بالأعمال في السفارة البريطانية ويجين رسالة صارمة من وزارة الخارجية البريطانية إلى وزير الخارجية الإيراني زاهدي في 13 كانون الثاني/ يناير، مؤكداً فيها حق رأس الخيمة في الجزيرة ومشيراً إلى ان علم رأس الخيمة قد رفرف بشكل منتظم في الماضي.
وخلال عام 1968، اقترحت بريطانيا الاتفاق الذي كان قد اقترحه آرام، غير انها علمت ان هذا الاتفاق غير مقبول من قبل الشاه الذي أصر من جانبه على انه يجب عن تكون أبوموسى له. وفي بداية عام 1969 عبر الشاه علانية عن استعداده لقبول نتائج الاستفتاء العام بشأن البحرين، غير أنه عاد فأصر بعد ذلك على أنه لن يقبل ان يفعل ذلك دون ان يحصل على جزيرة أبوموسى. وفي حزيران / يونيو 1969، أعلن الشاه علانية أنه في حال تمت تسوية قضية البحرين، فإنه لن يواصل اعتراضه على قيام الاتحاد. بل وفي حقيقة الأمر فإن إيران ستكون مستعدة، بالتعاون مع المملكة العربية السعودية، للدفاع عن إمارات الخليج. وبتعبير آخر، اقترح الشاه الآن علانية انه سيقبل بقيام الاتحاد، وهذا ما أراده البريطانيون منه بوضوح، إذا تمت تسوية قضية البحرين، حينما أشار علانية إلى انه سيتنازل عن البحرين وأن القضية الآن قضية الآلية لتنفيذ ذلك. غير أنه كان يقول في السر انه لن يقبل بالتنازل عن البحرين ما لم يكن راضيا ًعن تسوية بشأن الجزر. وعليه، فقد كانت رسالته الحقيقية إلى البريطانيين أنه لن يقبل بالاتحاد ما لم يكن راضياً بشأن الجزر. وكان تسلسل الأحداث الذي يقترحه هو أن يرضى عن تسوية الجزر أولاً، ثم يتنازل عن البحرين، ومن ثم يقبل بالاتحاد.
واستجابة لإلحاح البريطانيين للتوصل إلى تسوية ما مع الشاه حول الجزر، اشترك حاكم رأس الخيمة الشيخ صقر، وحاكم الشارقة الشيخ خالد، في مناقشات مع الشاه ومسؤوليه في الفترة 1968-1970. ومن الملاحظ ان الشاه قد عين مسؤولين من جهاز الأمن الداخلي (سافاك)، نعمة الله ناصري وعلي فارازيان، ليتوليا هذه المناقشات حتى تشرين الأول / أكتوبر 1969، إلى أن تولت وزارة الشؤون الخارجية هذه المهمة. وخلال لقاء تم في طهران، في آب/أغسطس 1968، عرض الشاه على الشيخ صقر مبلغاً غير محدد مقابل استخدام الإيرانيين لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. ثم عرض مسؤولو الشاه مسودة نص يدعو إلى استخدام إيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لأغراض دفاعية، وعرضاً شفهياً بإعطاء رأس الخيمة مبلغ 300.000 جنيه إسترليني. وقد عبر الشيخ صقر عن استعداده للنظر في الأمر. وفي تشرين الأول / أكتوبر 1968، رفض الشيخ صقر مسودة إيرانية ادعت السيادة الإيرانية على الجزيرتين، فيما رفض ناصري وفارازيان مسودة حملها إلى طهران ولي عهد رأس الخيمة الشيخ خالد بن صقر القاسمي، والتي أشارت ضمناً إلى سيادة رأس الخيمة على الجزيرتين. غير أن ناصري أخبر ولي العهد الشيخ خالد بأنه يمكن لرأس الخيمة ان تأخذ عوائد أي نفط مكتشف حول الجزيرتين.
وفي بداية كانون الأول / ديسمبر 1968، أخبر الشيخ صقر مبعوثاً إيرانياً أنه إذا رغبت إيران في استئجار الجزيرتين فإنه سيقوم بتأجيرهما لها، مؤكداً أن أية اتفاقية تعاونية مع إيران يجب ان تكون مشرفة في نظر العالم العربي. وكما أوضح أحد مستشاري الشيخ صقر لاحقاً، فإن الشيخ صقر ظن ان القبول الإيراني لاتفاقية تأجير الجزيرتين سيمثل اعترفاً من طهران بسيادة رأس الخيمة عليهما. ولكن لاحقاً في اجتماعات عقدت في كانون الأول / ديسمبر في طهران بين ناصري وفارازيان والمستشار القانوني البريطاني للشيخ صقر، ريتشارد ويستون Richard Weston، لم يتمكن الطرفان من الاتفاق على لغة الاتفاقية. وقد رفض الإيرانيون مقترحات الشيخ صقر الخاصة بالتعويض المالي، وخاصة اقتراحه بان تكون الدفعات المالية سنوية، لان ذلك قد يكون مماثلاً لمبدأ التأجير. وعليه، فقد انهارت المفاوضات بين رأس الخيمة وإيران مع نهاية عام 1968.
وعندما زار الشيخ صقر طهران للمرة الثانية في 19 كانون الاول/ ديسمبر 1969 لإجراء محادثات مع الشاه، ورئيس الوزراء هويدا ووزير الخارجية زاهدي، فإنه لم يتوصل إلى اتفاقية مع إيران بشأن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وقد كتب وزير البلاط الإيراني أسد الله علم في 20 كانون الأول/ ديسمبر ما يأتي : (شيخ رأس الخيمة موجود الآن في طهران بدعوة من وزير الخارجية الذي يأمل في التوصل إلى اتفاق بشأن تسليم جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وإنني لا أرى اية فرصة للتوصل إلى تسوية في الوقت الراهن، فالشيخ قلق إلى حد بعيد خشية ان يتهمه أشقاؤه العرب بالتنازل عن أرض عربية إلى إيران. يا لها من غطرسة. فالعرب يملكون الجزر نتيجة لاستيلاء الإمبراطورية البريطانية عليها منا، ورغم ذلك فإن لديهم الجرأة للتحدث عنها كما لو أنها إرث عائلي). وفي حقيقة الأمر، ووفقاً لزاهدي وعلم، فإن الشيخ صقر (ضايق) الشاه بعد أن أكد سيادة رأس الخيمة على الجزيرتين، عارضاً على إيران فكرة الاستئجار، وان يقبل حامية إيرانية على جزيرة طنب الكبرى شريطة ان تكون تحت إمرة ضباط من رأس الخيمة. ثم تحدث زاهدي عن موقف إيران بشأن السيادة قائلاً ان إيران قد تستولي على الجزيرتين، وأوصى بالتوصل إلى (تسوية ودية).
ووفقاً للشيخ صقر، فإن إيران خيرته بين إبرام اتفاقية بشأن إقامة حامية إيرانية على جزيرة طنب الكبرى وانسحاب شرطة رأس الخيمة مع عقد اتفاقيات بشأن حقوق الثروة المعدنية والخط الفاصل، أو استيلاء إيران على الجزيرتين. وقال ان إيران قد اسقطت قضية ملكية الجزيرتين عندما أكد أن في وسعه أن يعرض وثائق افضل تدعم مطالبته بالجزيرتين. وذكر الشيخ صقر ايضاً ان إيران قد عرضت من حيث المبدأ قرضاً ومعدات عسكرية، وانه قد أوضح تماماً ان ذلك سيكون أمراً منفصلاً عن قضية الجزر. أما (انطباع) الوكيل السياسي البريطاني في دبي جوليان بولارد Julian Bullard، فقد قال ان الشيخ صقر (يعتقد انه قد يكون من الممكن التوصل إلى حلول مقبولة للطرفين)، مضيفاً بطريقة تهكمية : (رغم ان ذلك قد لا يكون وفق أي من المقترحين الإيرانيين اللذين تم تقديمهما حتى الآن).
وفي السابق، وتحديداً في نيسان/ إبريل 1969، زار فارازيان أيضاً الشيخ خالد بن محمد القاسمي في الشارقة وأخبره أن إيران ترغب في إقامة قاعدة عسكرية على جزيرة أبوموسى للدفاع عن المنطقة، وعليه فإن الخط الفاصل يجب ان ينحرف بحيث تكون جزيرة أبوموسى في الجانب الإيراني، غير أن الشارقة يمكنها أن تحتفظ بالنفط والمعادن. وكان رد الشيخ خالد ان جزيرة أبوموسى جزء لا يتجزأ من الشارقة منذ مئات الأعوام، وانه ليس في وسعه أن يدخل في مفاوضات بشأن الجزيرة في هذه المرحلة المبكرة من المناقشات حول قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. وإذا ما أرادت إيران قاعدة عسكرية في المنطقة، فإنه اقترح عليها ان تؤسسها في جزيرة صري.
ولاحقاً، في كانون الثاني / يناير 1970، التقى الشيخ خالد في طهران الشاه ووزير الخارجية السابق آرام لإجراء محادثات تضمنت قضية جزيرة أبوموسى. وكان الشيخ خالد يسعى إلى التوصل إلى حل (يضمن مصلحة كافة الأطراف في الحفاظ على الأمن والاستقرار) في المنطقة، غير انه فكر ان إيران كانت (تستغل) مصلحة الأمن وحماية خطوط الملاحة البحرية (كذريعة لإخفاء غاية هي فرض سيادتها على الجزيرة). وفي حين تم الاتفاق على ان لجنة مشتركة ستواصل مثل هذه المحادثات خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، فإن هذه الاجتماعات لم تعقد. وخلال المحادثات التي جرت في كانون الثاني/ يناير 1970، أخبر آرام وزير البلاط في حكومة الشاه أسد الله علم ان الشيخ خالد كان (شخصاً صعب المراس أكثر من نظيره في رأس الخيمة ......).
ورغم إحباط إيران بشأن قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في نهاية عام 1969 وبداية عام 1970، فقد تم الإعلان عن صيغة للتحقق من رغبات سكان البحرين في بداية آذار / مارس 1970، بعد ان وافقت بريطانيا وإيران أخيراً على اللغة والآلية التي من شأنها صون هيبة إيران والبحرين معاً. ثم تمت دعوة الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت لتعيين بعثة تقصي حقائق لتحديد (الرغبات الحقيقة لشعب البحرين فيما يتعلق بمستقبل جزيرة البحرين). ثم زارت بعثة تابعة للأمم المتحدة تحت رئاسة الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة البحرين في الفترة 29 آذار / مارس – 18 نيسان/ ابريل وتوصلت إلى ان السكان أرادوا دولة عربية مستقلة وذات سيادة بالشكل الأكمل. وقد تم الإعلان عما توصلت إليه اللجنة في 2 أيار / مايو 1970.
وإلحاقاً لما مضى، أقر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 11 آيار / مايو 1970، قراراً يصادق على استقلال البحرين بناء على توصية لجنة تقصي الحقائق التي رأسها الممثل الشخصي للامين العام للأمم المتحدة. وبعد مرور أربعة أيام، وافق مجلس الشورى الوطني الإيراني (البرلمان) على القرار بـ 186 صوتاً مقابل 4 أصوات، ثم جاءت الموافقة بالإجماع من قبل مجلس الشيوخ الإيراني الذي يتألف من 60 عضواً، وفي 18 أيار / مايو. أما بريطانيا التي كانت قلقة من أن احتلال إيران للبحرين سيضر بأمن الخليج، فكانت سعيدة بهذه النتيجة. وقد تخلى شاه إيران عن مطالبته بالبحرين، معتقداً ان ذلك سيعزز قضيته بشأن جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى. كما نقل توقعاته إلى البريطانيين بأن عليهم أن يمارسوا ضغوطاً على العرب لتحقيق ذلك.
هذا وقد بدأت ادعاءات الشاه وطلباته وعروضه وتسويغاته وتهديداته بشأن الجزر في نيسان / إبريل وأيار / مايو 1970، وفي الفترة التي سبقت إعلان الأمم المتحدة لما توصلت إليه بشأن البحرين وخلالها وما بعدها. وقد صرح الشاه في عدد 13 نيسان / إبريل من صحيفة كيهان الدولية Kayhan International الإيرانية أنه سيقدم معونة اقتصادية إلى رأس الخيمة والشارقة بعد التوصل إلى اتفاقية بشأن الجزر. وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة التاميز The Times اللندنية في 14 نيسان / أيار أوضح الأسباب التاريخية والاستراتيجية للمطالبات الإيرانية، ومن الواضح ان هذه المقابلة لم تنشر حتى 11 أيار/ مايو، وذلك بعد أسبوع من إعلان الأمم المتحدة ما توصلت إليه بشأن البحرين، وهو اليوم نفسه الذي وافق فيه مجلس الأمن بالإجماع على هذا الإعلان، وقبل ثلاثة أيام من توصيت البرلمان الإيراني للموافقة عليه. وفي أيار/ مايو 1970، هدد الشاه باستخدام القوة ضد شركة أوكسدينتال بتروليوم Occidental petrolum، والتي حصلت على حق امتياز للتنقيب عن النفط من أم القيوين، إذا لم توقف أعمال الحفر قبالة سواحل أبوموسى. وقد سارعت بريطانيا إلى إصدار أوامر إلى الشركة الأمريكية بإيقاف عملياتها. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1970، كررت إيران معارضتها لإقامة اتحاد للإمارات العربية ما لم يتم تسوية قضية الجزر بما يتفق مع المصالح الإيرانية، وفي شباط / فبراير وحزيران/ يونيو 1971 هدد الشاه باحتلال الجزر الثلاث بالقوة إذا لم يتم التوصل إلى تسوية مقبولة لهذه القضية.
وطوال عامي 1970 و 1970، ومع اقتراب موعد انسحاب القوات البريطانية من المنطقة، أجرى المقيم السياسي البريطاني في الخليج السير وليم لوس مناقشات مع إيران والشارقة ورأس الخيمة حول قضية الجزر. وفي هذه المناقشات، لم تكن بريطانيا ممثلاُ أو مفاوضاً نيابة عن المحميتين الشارقة ورأس الخيمة، بل باعتبارها تضطلع بدور (الوساطة الحميدة) بين هاتين الإمارتين وإيران، مثل حمل مقترحات ومراسلات متبادلة من أحد الطرفين إلى الآخر. ولأسباب مختلفة، كان من الواضح ان البريطانيين يسعون إلى استخدام سلطانهم على الشارقة ورأس الخيمة لتحقيق تسوية مع إيران بشأن الجزر. وقد كان البريطانيون معجبين تماماً باستعداد
الشاه للتنازل عن مطالبته بالبحرين، وكانوا يعلمون ان إيران ستعارض قيام اتحاد الإمارات التسع الذي تفضله بريطانيا ما لم تتم تلبية الطموحات الإيرانية بشأن الجزر، معتبرين ان البحرين والاتحاد أكثر أهمية من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. ويضاف إلى ذلك ان إيران كان ينظر إليها بوصفها دولة معادية للراديكالية والاتحاد السوفيتي ويمكن ان تضطلع بدور رجل الشرطة في المنطقة.
وفي أيار/ مايو وحزيران / يونيو 1971، حث لوس بقوة حاكمي رأس الخيمة والشارقة على ان يقبلا عروضاً من الشاه بأن تستولي إيران على الجزر وان يقبلا بتعويضات مالية مقابل ذلك، قائلاً إن طهران ستؤخر تأكيد سيادتها على الجزيرتين لمدة عامين. وحذر لوس من انه إذا امتنعت الشارقة عن التفاوض، فإن إيران ستستولي على جزيرة أبوموسى وانها لن تدعم الاتحاد الناشئ الجديد. كما جذر من أنه إذا رفضت رأس الخيمة عرض الشاه، فإن إيران سوف تستولي على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. ورغم هذه التحذيرات، واصل الحاكمان رفضهما لمبادلة السيادة على الجزيرتين مقابل التعويض.
وخلال هذه الأعوام، بذلت جهود عربية عديدة للتوسط بين الطرفين المتنازعين وللمحافظة على السيادة العربية على الجزر. فقد اقترحت المملكة العربية السعودية في عام 1970، على سبيل المثال، إقامة حامية إيرانية – عربية مشتركة على الجزر، فيما اقترحت دولة الكويت في آب / أغسطس 1971 جعل الجزر منطقة منزوعة السلاح. أما وزير الخارجية الإيراني عباس علي خلعتبري فقد أوضح رد إيران على مثل هذه المقترحات قائلاً ان (سيادة – إيران – على الجزر أمر غير قابل للتفاوض)، وان إيران لم (تؤكد حقها في الجزر عندما رحل البريطانيون عن الجزر فحسب ...) بل أنها أيضاً (رفضت المقترحات العربية بان يتم تأجير جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلى إيران عندما ترحل بريطانيا عن المنطقة).
وقد أكد الشاه يوماً بعد آخر انه لن تكون هناك تسوية، ففي لقائه مع السير أليك دوجلاس هيوم، وزير الخارجية والكومنولث البريطاني، في تموز / يوليو 1970، أوضح الشاه انه (بما أن قضية البحرين قد استبعدت فإن الجزر يجب ان تعود إلى إيران، وتابع القول : إذا لم يوافق الحكام على ذلك فإننا سنستولي على هذه الجزر). ومن وجهة نظر الشاه فإنه (لا حياد) عن الجزر. وفي لقاء مع لوس في أيلول/ سبتمبر، كرر الشاه تهديداته باحتلال الجزر، كما أحاط لوس علماً بأنه (لا فرق لديه بين جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى من جهة وأبوموسى من جهة أخرى).
ومع اقتراب موعد الانسحاب البريطاني من المنطقة، ازداد موقف الشاه تصلباً، ففي لقاء آخر مع لوس في طهران في ايار/ مايو 1971، أوضح الشاه انه يتعين على قوات الحكام ان ترحل عن الجزر قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وان السيادة على الجزر لإيران، وأنه سينظر فقط في تعليق قضية السيادة على الجزر لمدة عامين ليتمكن (الجميع من نسيان الأمر برمته).
وفي أواخر ايلول/ سبتمبر 1971، طالب الشاه مرة أخرى بأن تسلمه بريطانيا الجزر، قائلاً : (إن هذه الجزر، أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، هي ملك لنا! وإننا نريدها. وستكون لنا. ولن تقف أية قوة على وجه الأرض في طريقنا ... فأنا أملك أسطولاً حربياً، وطائرات فانتوم وفرقاً من المظليين. ويمكنني ان أتحدى بريطانيا واحتل الجزر بالطرق العسكرية.
من ناحية أخرى، ظل الشيخ صقر، حاكم رأس الخيمة، غير مستعد للتنازل عن السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى مقابل تعويضات مالية، رغم أنه أشار إلى أنه ما زال مستعداً لتأجير الجزيرتين. كما ظل حريصاً على ان تبدو أية اتفاقية يتم التوصل إليها اتفاقية مشرفة في العالم العربي وكان يعول على الدعم العربي، وخاصة الدعم العراقي، لرفضه التنازل عن السيادة العربية لإيران. وعلاوة على ذلك، لم يرد الشيخ صقر ان ينضم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الناشئة دون ان يكون على قدم المساواة مع أبوظبي ودبي، وخاصة انه كان يأمل أن يؤدي اكتشاف النفط في إمارته إلى وضعه على قدم المساواة مع غيره. وعليه، وفي أواخر أيلول / سبتمبر 1971 خاطب الشيخ صقر وزارة الخارجية الأمريكية طالباً منها ان تعترف الولايات المتحدة الامريكية برأس الخيمة كدولة مستقلة، وان تقيم علاقات دبلوماسية معها، وان تدعم انضمامها إلى هيئة الأمم المتحدة، وعارضاً على الولايات المتحدة الامريكية ان تقيم قاعدة عسكرية لها في رأس الخيمة.
ورغم الإجابة السلبية من وزارة الخارجية الأمريكية، واصل الشيخ صقر مقاومته لتهديدات الشاه وتحذيرات لوس طوال شهر تشرين الأول / أكتوبر. وقد أبلغ الشيخ صقر لوس رفضه لعرض الشاه في 30 تشرين الاول / أكتوبر، ثم صرح بذلك علنا بالقول : (اقترح وليم لوس علينا ان نتنازل عن الجزيرتين مقابل دفعة سنوية قدرها 1.5 مليون جنيه إسترليني تقدمها إيران، على ان تدفع على دفعات على مدى تسعة أعوام، بالإضافة إلى 50٪ من النفط والمعادن التي قد يتم إنتاجها من الجزيرتين في المستقبل، غير اننا قد رفضنا هذا العرض، وإننا غير مستعدين ان نساوم بشأن بيع الجزيرتين).
كما رفض الشيخ خالد حاكم الشارقة علناً عرض الشاه بالتنازل عن السيادة على جزيرة أبوموسى مقابل تعويضات مالية في 30 تشرين الأول / اكتوبر، وقال في هذا الصدد : (إن الشارقة لترفض رفضاً قاطعاً الشروط التي اقترحها لوس فيما يتصل بجزيرة أبوموسى. وإننا نعتبر ما جاء به خرقاً لسيادة الشارقة، وهو ما لن نتنازل عنه). غير أن لوس اكتشف ان الشيخ خالد قد يكون مستعداً للنظر في تسوية بشأن أبوموسى تتضمن وضع حامية إيرانية على جزء من الجزيرة. لذا، فقد نقل لوس رسائل بين الشيخ خالد والشاه، وكان يفاوض بشأن عقد اتفاقية تمكن إيران من ان تقيم حامية في المرتفعات الواقعة في شمال الجزيرة، على ان تترك القرية ومزارع النخيل والبئر وموقع دفن الاجداد في جنوب الجزيرة للشارقة. وبرفض الشيخ خالد علناً صيغة التنازل عن ملكية أبوموسى مقابل التعويض في 30 تشرين الاول/ أكتوبر، لم يكشف ان تقدماً كان يحدث في اتجاه التوصل إلى تسوية، وربما كان يحاول ان يستغل الوقت في مجال الرأي العام، مع مواصلة محاولة التوصل إلى افضل صفقة يمكن ان توفرها التسوية، وخاصة ان حاكم رأس الخيمة قد أعلن علناً رفضه عرض التنازل عن السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى مقابل تعويض.
وكانت المحصلة النهائية لهذه المناقشات بشأن جزيرة أبوموسى ان قام حاكم الشارقة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1971 بالإعلان عن الاتفاق على مذكرة تفاهم تنص على عدم تنازل الشارقة أو إيران عن مطالبتهما بالسيادة على أبوموسى وعدم اعتراف أي منهما بسيادة الأخرى على الجزيرة نفسها. وسمح للقوات الإيرانية بالنزول سلمياً على الجزيرة واحتلال النصف الشمالي منها، وممارسة سيادة كاملة على ذلك الجزء، ورفع العلم الإيراني على المقر العسكري الإيراني. أم الشارقة فستمارس سيادة كاملة على بقية الجزيرة وترفع علم الشارقة على مركز الشرطة في الجزيرة. وقد أقرت الشارقة وإيران بان المياه الإقليمية للجزيرة تمتد لمسافة 12 ميلاً بحرياً، على ان يسمح لمواطني الشارقة وإيران بصيد الأسماك في مياه الجزيرة.
وكانت عمليات استكشاف النفط في الجزيرة وفي قاع البحر وتحت تربة المياه الإقليمية للجزيرة ستتم من قبل شركة بيوتس غاز آند أويل Buttes Gas and Oil Company، والتي ستدفع نصف أية عائدات نفط حكومية إلى الشارقة والنصف الآخر إلى إيران. وفضلاً عن ذلك، سيتم إبرام اتفاقية معونة مالية بين إيران والشارقة والتي توافق غيران بموجبها على تقديم 1.5 مليون جنيه إسترليني إلى الشارقة في شكل مساعدات اقتصادية سنوية إلى ان تبدأ الشارقة بتحقيق عائد قدره 3 ملايين جنيه إسترليني سنوياً من حصتها التي تبلغ 50٪ من عوائد النفط المستقبلية في الجزيرة. ورغم ان بريطانيا وإيران قد توصلتا إلى اتفاقية ثانية تقوم إيران بموجبها بدفع بعض الإيرادات إلى ام القيوين، غير ان تلك الاتفاقية لم تطبق.
وكانت النتيجة انه في حين ان إيران لم تطالب بجزيرة أبوموسى بالقوة نفسها التي طالبت بها بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، فإنها قد حققت مذكرة تفاهم بشأن جزيرة أبوموسى واحتلت الجزيرة طبقاً للمذكرة في 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1971. وعلى أي حال فقد رأت الشارقة حينئذ أنها لا تملك خياراً حقيقياً. وفي ضوء تحذير إيران بأنها لن تعترف بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأنها ستعارض قيامها ما لم يتم التوصل إلى تسوية مرضية بشأن قضية الجزر، ورغبة الشارقة في الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتهديد إيران باحتلال الجزر بالقوة، وتحذيرات بريطانيا بأنها لا تستطيع ان تدافع عن الشارقة في وجه استخدام إيران للقوة، وفشل جهود الوساطة العربية، فقد رأت الشارقة بأنها مضطرة إلى الخضوع لهذه الضغوط والتوقيع على مذكرة التفاهم بالإكراه.
وخلال هذه الفترة، لم يكن حاكم الشارقة قلقاً من ان يستخدم الشاه القوة فحسب، بل كان قلقاً من الانتقادات التي قد يوجهها القوميون العرب إليه. وقد كتب الشيخ خالد مقدماً إلى الحكام العرب رسائل يخبرهم فيها بأنه سوف يسعى إلى تسوية مع إيران، وأن البديل هو ان يتم الاستيلاء على الجزيرة بالقوة. ورغم أنه طلب نصيحة أشقائه الحكام العرب، فإن أربعة منهم فقط ردوا على رسالته، مقدمين بيانات دعم، في حين لم يثر الآخرون أية احتجاجات. وقد أودع الشيخ خالد مذكرة التفاهم في جامعة الدول العربية بعد أن وقعها.
ومع نهاية العام 1971، أضحى واضحاً ان تهديدات الشاه كانت جدية. ففي 30 تشرين الثاني / نوفمبر، وبعد أن رفضت رأس الخيمة آخر اقتراح توسط به البريطانيون، والذي نص على ان تأخذ إيران جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى مقابل تعويض، قامت إيران باحتلال الجزيرتين بالقوة. وقد وصل الإيرانيون إلى جزيرة طنب الكبرى بقوة ضخمة، وقد قاومت قوة شرطة رأس الخيمة القوات الإيرانية. وفي النهاية، سقط قتيل بين قوات رأس الخيمة وثلاثة قتلى من القوات الإيرانية، فيما تم تدمير مركز للشرطة ومدرسة ابتدائية. وقد فر مواطنو الجزيرة في قوارب صغيرة باتجاه رأس الخيمة خوفاً على حياتهم، تاركين وراءهم أملاكهم وممتلكاتهم. واحتلت القوات الإيرانية طنب الصغرى بصعوبة أقل، حيث ان الجزيرة لم يكن يقطنها في ذلك الوقت سوى صياد سمك وابنه. وفي يوم الاحتلال، قدمت رأس الخيمة وبصفة رسمية احتجاجاً إلى جامعة الدول العربية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وعلاوة على ذلك، فقد أضحى واضحاً في نهاية عام 1971 وبداية عام 1972 ان مخاوف حاكم الشارقة بشأن الانتقادات العربية كانت معقولة. حيث أشعلت أخبار احتلال إيران لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وتوقيع مذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبوموسى أعمال شغب في الإمارات، وخاصة في إمارتي رأس الخيمة والشارقة. أما الشيخ صقر بن محمد بن صقر القاسمي، وهو أخو حاكم الشارقة، والذي كان في استقبال القوات الإيرانية التي نزلت على الجزيرة، فقد أصيب بإطلاع نار. وفي الشهر التالي، وتحديداً في كانون الثاني / يناير 1972، تم اغتيال الشيخ خالد نفسه على يد قوات تابعة لحاكم الشارقة السابق، الشيخ صقر بن سلطان، والذي تم عزله وترحيله على يد البريطانيين في عام 1965 بسبب ميوله القومية العربية. أما عودة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي إلى الشارقة وجهوده لإعادة بسط سيطرته، وهو ما فشل في تحقيقه، فقد تم تمويلها من قبل العراق الذي ندد بشدة باحتلال إيران للجزر الثلاث وقطع علاقاته الدبلوماسية مع بريطانيا. وخلال جهوده تلك، دعا الشيخ صقر بن سلطان أهل الشارقة إلى مساعدته للانتقام من (الخيانة) في انتقال جزيرة أبوموسى إلى إيران.
وهكذا، حين كانت بريطانيا تسحب قواتها من الخليج في 1 كانون الأول / ديسمبر 1971، فإنها لم تحقق ما سعت إليه وهو ان تترك من ورائها أوضاعاً مستقرة في المنطقة. وبينما ساعدت البحرين في الحصول على استقلالها، وساعدت الإمارات المتصالحة في الإعداد لقيام الاتحاد، فإنها تركت في الوقت نفسه من ورائها سبباً لنزاع متواصل حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى.

عودة »»