الفصل الرابع - ثورة وحرب في الخليج
في عام 1979 اندلعت ثورة شعبية في إيران أطاحت الشاه وأقامت جمهورية إسلامية تحت
حكم آية الله روح الله الخميني. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قلقة من
الاضطرابات التي أحدثتها الثورة الإيرانية، غير أنها سرعان ما اعترفت بالنظام
الإسلامي الثوري الذي استولى على السلطة في شباط/ فبراير 1979، وضاعت علاقات (صحيحة)
مع النظام الجديد. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة حريصة على تجنب أية تهديدات
من النظام الجديد، وخاصة في ضوء التعاطف المحتمل الذي قد يخلقه هذا النظام الجديد
لدى الأعداد الهائلة من الإيرانيين الشيعة المقيمين في بعض الإمارات، وخاصة في دبي.
كما ان الخلافات في عام 1979 بين أبوظبي من جهة ودبي ورأس الخيمة من جهة أخرى بشأن
سلطات الحكومة الاتحادية كان يمكن أن تعطي النظام الجديد في إيران الفرصة للتدخل.
غير ان دولة الكويت والمملكة العربية السعودية كان لهما دور مهم للغاية في مساعدة
الإمارات على التوصل إلى تسوية من أجل المحافظة على أمن الخليج في وجه ما رأته
هاتان الدولتان أيضاً أنه تهديدات جديدة وخطيرة من جهة إيران.
في البداية، ساد بعض التفاؤل المشوب بالحذر في المنطقة من ان النظام الإيراني
الجديد قد يمتنع عن سياسات الهيمنة التي تبناها النظام السابق. وفي الواقع فإن
المسؤولين الإماراتيين كانوا يأملون بأن النظام الجديد في إيران قد يبدي تعاوناً في
حل نزاع الجزر. وقد حمل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات رسالة من آية
الله الخميني إلى الشيخ زايد في شباط/ فبراير 1979 يعبر فيها عن تقدير بلاده لموقف
دولة الإمارات العربية المتحدة إزاء الثورة واهتمامه بإقامة علاقات وثيقة معها. كما
عبرت الرسالة عن النية في التخلي عن السياسة التوسعية لنظام الشاه وإجراء مراجعة
شاملة لكافة الإجراءات والاتفاقيات التوسعية التي تمت في عهده. وفضلاً عما سبق، وفي
أواخر أيار/ مايو 1979، وخلال زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أخبر الشيخ
صادق خلخالي، وهو أول رئيس لمحاكم الثورة في طهران وأحد المقربين من آية الله
الخميني، وكالة أبناء الإمارات (وام) ان إيران قد تكون مستعدة لمراجعة وضع الجزر.
غير أن هذه الآمال سرعان ما تبددت عندما بدأ النظام الإسلامي الثوري بشن حرب دعائية
ضد العراق والأنظمة المحافظة في الخليج العربي، وعندما بدا واضحاً أنه لن يحدث أي
تغير في الموقف الإيراني بشأن الجزر. وفي آذار/ مارس 1979، قالت وزارة الخارجية
الإيرانية ان القوات الإيرانية لن تنسحب من الجزر. وفي حزيران/ يونيو، أكد نائب
رئيس الوزراء الإيراني ان الجزر (ملكية) إيرانية، في حين نفى وزير الخارجية
الإيراني إبراهيم يزدي ان إيران قد تكون مستعدة لإعادة الجزر.
ورغم هذه التصريحات، كتب الشيخ صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة إلى آية الله الخميني
في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 مستعرضاً الإجراءات التي اتخذها الشاه على الجزر
ومناشداً الخميني من واقع الأخوة الإسلامية، ومطالباً ان تقوم (هذه الحكومة
العقلانية .. بتقويم أخطاء النظام السابق ... وتحقيق العدل) إلا أن الخميني لم يرد
على تلك الرسالة. وعندما سئل وزير خارجية إيران الجديد صادق قطب زاده عن الجزر في
نيسان/ إبريل 1980، قال : (لن تتنازل إيران عن بوصة واحدة عن أراضيها). وقد أضاف
لاحقاً في الشهر نفسه ان العرب لن يستطيعوا ان يطالبوا بالجزر، وأن كافة الدول
العربية في الخليج إنما كانت تاريخياً جزءاً من إيران. وفي رسالة إلى الأمين العام
للأمم المتحدة في 26 أيار/ مايو 1980، أكد قطب زاده (ان الجزر الثلاث كانت على
الدوام جزءاً لا يتجزأ من إيران. وعندما انسحبت القوات البريطانية من الخليج في عام
1971، استعادت إيران سيادتها عليها. ولم تفعل إيران أكثر من استعادة السيادة على
الأراضي التي وقعت تحت الهيمنة الأجنبية).
ودخلت المنطقة برمتها في حالة مضطربة مع اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية في
أيلول/ سبتمبر 1980. وقبيل الحرب، عادت دولة الإمارات العربية المتحدة فأكدت
سيادتها على الجزر، وذلك في رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 18 آب/
أغسطس 1980. وكان ذلك رداً على تصريحات قطب زاده، وقد تبع ذلك تصريحات عراقية
وسعودية داعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الحقيقة، عبرت الرسالة، وهي من
وزير الدولة للشؤون الخارجية وقتها راشد عبدالله النعيمي، عن أسف دولة الإمارات
العربية المتحدة من أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنوي مواصلة السياسة التوسعية
التي تبناها الشاه. غير ان رسالة دولة الإمارات العربية المتحدة دعت إلى حوار سلمي
مع إيران لاستعادة الجزر.
وبعد اندلاع الحرب، ومن اجل حشد الدعم العربي لقضيته، جعل العراق من عودة الجزر
شرطاً للتوصل إلى سلام مع إيران. وردت إيران بأنها لن تتنازل عنها أبداً. ولاحقاً،
في 1 كانون الاول/ ديسمبر 1980 أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة مجدداً سيادتها
على الجزر، وذلك عبر رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وقد فندت الرسالة
ادعاء الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر من ان الشاه قد دفع لـ (شيوخ معينين)
ليلتزموا الصمت حول استيلاء الشاه على الجزر.
وفي مطلع كانون الثاني/ يناير 1981، قال الشيخ زايد إن الجزر (جزء لا يتجزأ من دولة
الإمارات العربية المتحدة وممتلكاتها)، وإن (الموقف الدائم والثابت) لدولة الإمارات
العربية المتحدة بشأن الجزر (إنما ينبع من حقها في الجزر الثلاث)، وإن دولة
الإمارات العربية المتحدة قد أكدت هذا الأمر خلال عهد الشاه وبعده، وستظل تفعل
الشيء نفسه. غير ان منهج دولة الإمارات العربية المتحدة لتحقيق ذلك سيكون من خلال (تقديم
الأدلة القانونية ومن خلال المشاورات المشتركة والتفاهم المشترك بحيث يحصل كل من
الطرفين على حقه وبحيث تعود الحقوق العربية إلى أصحابها). وقد أكد الشيخ زايد ذلك
مجدداً في أيار/ مايو 1981، عندما قال: (هذه الجزر جزء من دولة الإمارات العربية
المتحدة وهي تنتمي إليها. إننا نأمل أن نكون قادرين على تسوية خلافاتنا مع إيران
عبر التفاهم والحوار المبني على المنطق). وفي الوقت نفسه، أوضح ان دولة الإمارات
العربية المتحدة (تدعم كل الجهود المبذولة لوقف الحرب – بين العراق وإيران – ووقف
الخسائر الضخمة التي تمنى بها الدولتان المسلمتان ونمنى بها جميعاً).
وفي أيار/ مايو 1981، ولأسباب أهمها اندلاع الثورة الإيرانية ونشوب الحرب الإيرانية
– العراقية، تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية مكوناً من عضوية كل من دولة
الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ودولة البحرين ودولة الكويت والمملكة العربية
السعودية وسلطنة عُمان. أما فيما يتعلق بالحرب نفسها، فقد ظلت دولة الإمارات
العربية المتحدة محايدة في مواقفها الرسمية، وان كانت قد قدمت دعماً سياسياً
واقتصادياً للعراق الذي اعتبرته ثقلاً موازياً لإيران. غير أنها حافظت على علاقاتها
الدبلوماسية مع إيران طوال الحرب، بل إنها توسطت بين الطرفين المتحاربين.
وقد أظهرت الحرب جلياً الطرق التي يمكن لإيران ان تستخدم الجزر بها والتحديات التي
قد تمثلها، لا لدولة الإمارات العربية المتحدة فسحب، بل للملاحة الدولية في الخليج.
فخلال الأعمال الحربية وبعدها، كانت جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى قواعد
للقوات المسلحة الإيرانية النظامية بل وللقوات البحرية التابعة للحرس الثوري
الإيراني. وخلال (حرب الناقلات) في الفترة 1986-1988، قامت إيران بهجمات بالقوارب
الصغيرة والمروحيات من الجزر ضد ناقلات النفط في الخليج وضد بعض المنشآت النفطية
البحرية التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة. وابتداء من عام 1983 وما بعده،
نفذت القوات الإيرانية دوريات منتظمة في المنطقة التابعة للشارقة في جزيرة أبوموسى،
وفي عام 1987 قامت القوات الإيرانية بالاستيلاء على المنطقة التابعة للشارقة في
الجزيرة لفترة وجيزة خلال محاولة انقلابية فاشلة في الشارقة، ولم تنسحب القوات
الإيرانية إلى المنطقة التابعة لإيران إلا بعد أن تبين تماماً ان المحاولة
الانقلابية باءت بالفشل. وقد دعمت دولة الإمارات العربية المتحدة العملية التي
نفذتها دولة غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية لرفع أعلامها على ناقلات
النفط، وذلك في محاولة لحماية حركتها في الخليج، كما أنها عملت على التوصل إلى
تسوية بشأن الجزر خلال حرب الثمانية أعوام، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لم
تكن لديها فرصة عملية للتوصل إلى تسوية بشأن المطالبات القانونية للطرفين حول الجزر
خلال فترة الحرب.
ورغم انتهاء الحرب الإيرانية – العراقية في عام 1988، فإن السلام لم يدم في منطقة
الخليج طويلاً. ففي 2 آب/ أغسطس 1990، اجتاح العراق دولة الكويت. وقد انضمت دولة
الإمارات العربية المتحدة على الفور إلى الحملة الدولية المنددة بالاجتياح الذي مثل
تهديداً مباشراً لها، فقد كان الرئيس العراقي صدام حسين يشكو – حسب زعمه – من إقدام
دولة الإمارات العربية المتحدة على عرض كميات فائضة من النفط في السوق العالمية
قبيل تحركه باتجاه دولة الكويت. وفي إطار التحالف الهادف إلى طرد العراق من الأراضي
الكويتية، شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في عملية حشد القوات وفي حملة
التحرير نفسها. كما تولى سلاح الجو الإماراتي دوراً فعالاً في الحملات الجوية
الاولى، فيما كانت الفرقة العسكرية التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة جزءاً
من المجموعة الاولى التي دخلت دولة الكويت خلال الحرب البرية في أواخر شباط/ فبراير
1991. وبعد انتهاء الحرب، أضحى الوجود العسكري الأمريكي والأوربي جزءاً لا يتجزأ من
الترتيبات الأمنية الغربية المشتركة مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج
العربية. ورغم موقف إيران الرسمي المحايد خلال الحرب، فقد نددت بدولة الإمارات
العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لسماحها للقوات بتعزيز
وجودها في المنطقة خلال عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء وبعدهما. وقد مارست
إيران منذ ذلك الحين ضغوطاً على هذه الدول لقطع علاقاتها العسكرية مع القوات
الامريكية والأوربية الغربية.