الفصل الخامس - التقادم والترسيخ التاريخي لحق الملكية والاحتلال
بدأت إيران المطالبة بحق تبعية الجزر لها على أساس ما زعمت انه ملكية تاريخية منذ
أمد طويل. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1971، قال الشاه : (إن ما نطالب به هو ما ظل
ملكاً لبلادنا عبر التاريخ ... ومن الطبيعي والمعقول تماماً ان تقوم إيران بعد
انسحاب الإمبرالية، باستعادة ما ظل ملكاً لها عبر التاريخ). وفي عهد الجمهورية
الإسلامية، طرح صادق قطب زاده وزير الخارجية الإيراني الحجة نفسها في أيار/ مايو
1980 حين قال : (ان الجزر الثلاث كانت دائماً جزءاً لا يتجزأ من إيران. وعندما سحبت
بريطانيا قواتها من الخليج سنة 1971، استعادت إيران سيادتها على الجزر، فإيران إذن
لم تفعل سوى استرجاع سيادتها على جزء من أراضيها كان تحت السيطرة الأجنبية).
وعلى الرغم من ذلك، لم تقدم الحكومات الفارسية/ الإيرانية الأسانيد القانونية
الموثقة لهذه الملكية التاريخية المزعومة. ويدعي الباحثون الإيرانيون ان فارس ظلت
تمتلك الجزر قبل القرن السابع الميلادي، أي قبل الفتوحات الإسلامية وخلال الفترات
التاريخية اللاحقة منذ ذلك الوقت، مثلا قبل الوجود البحري البرتغالي في الخليج،
ومرة أخرى قبل فترة الوجود البحري البريطاني. غير ان هؤلاء الباحثين لم يطرحوا أدلة
وثائقية مقنعة لدعم ادعاءاتهم. ونتيجة لذلك، ليس هناك أدلة قانونية متاحة للإطلاع
العام تثبت الاستخدام والحيازة الطويلة الأمد والسلمية لهذه الجزر، وممارسة سلطة
الدولة الفارسية على هذه الجزر، لدعم الدعوى الإيرانية على أساس مبدأي التقادم أو
الحيازة الطويلة الأمد القائمة على أساس سلمي والترسيخ التاريخي لحق الملكية.
ويرى الباحثون الإيرانيون وغيرهم من المتعاطفين مع إيران ان فارس قد رسخت سيطرتها
على الجزر وفقدتها مكرراً خلال فترة العصور الوسطى وفترة الاستعمار الأوروبي. ولكن
(احتلال) الأراضي لفترات قصيرة من الوقت لا يشكل أساساً قانونياً لادعاء حق الملكية.
ولكي يصبح الاحتلال أساسا قانونياً صحيحاً لادعاء السيادة، لا بد من ان تكون الأرض
المحتلة منطقة غير مملوكة لأحد، أي لا صاحب لها من قبل، ويجب ان يؤدي الاحتلال إلى
إقامة السيادة والتي يجب ممارستها بصورة متواصلة وعلى نحو سلمي. وفي قضية الصحراء
الغربية على سبيل المثال، كان الرأي المطروح يقول : (ان الأراضي التي تقطنها قبائل
أو شعوب لديها مؤسسات اجتماعية وسياسية لا تعد أرضاً مشاعاً). ولم تكن الصحراء
الغربية أرضاً مشاعاً لأنه (في زمن الاستعمار، كانت الصحراء الغربية مأهولة من قبل
شعب، وهم وإن كانوا رعاة، فقد كانوا منظمين اجتماعياً وسياسياً في شكل قبائل وتحت
سلطة أعيان مؤهلين لتمثيلهم).
وكما ذكر بريرلي في كتاب قانون الأمم، أنه (وفي قضية جزيرة بالماس، أكد القاضي هوبر
ان إثبات الحيازة الأصلية ليس كافياً في حد ذاته وإنما يجب إدامة الحيازة عن طريق
ممارسة سلطة الدولة). وتظهر الوثائق التاريخية ان جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى لم تكن أرضاً مشاعاً، وان إيران لم تنشئ قط سيادة لها على الجزر، وأنها لم
تقم قط بممارسة السيادة و/ أو سلطة الدولة على أرض الجزر بصورة متواصلة وعلى نحو
سلمي. وبناء عليه، فإن إيران لم تلب أياً من الشروط الثلاثة اللازمة لإقامة احتلال
لكي يكون أساساً صحيحاً لدعواها.
وفي الواقع، حتى الوقائع لا تدعم المطالبات الإيرانية بالملكية الفارسية للجزر أو
احتلال فارس للجزر في فترة زمنية محددة، إذ أن فارس لم تملك هذه الجزر ولم تكن
تحتلها قبل الوجود البرتغالي في الخليج. وكانت هذه الجزر جزءاً من مملكة هرمز التي
حكمها العرب في ذلك الوقت. كما أن فارس لم تكن تملك هذه الجزر أو تحتلها قبل
الاحتلال البريطاني المزعوم لهذه الجزر في عام 1820 تقريباً، عندما قامت بريطانيا،
حسبما زعم من قبل إيران، بتحويل إدارتها القائمة بحكم الأمر الواقع إلى الشارقة
ورأس الخيمة، حينما كانت فارس ضعيفة للغاية ولا تستطيع الدفاع عن حقها. ويوفر
الأرشيف الهولندي والفرنسي والبريطاني أدلة وثائقية لاستخدام العرب لهذه الجزر
وملكيتهم لها خلال معظم الوقت، ابتداء من الانهيار التدريجي لسلطة البرتغال في
الخليج في مطلع القرن السابع عشر وحتى الترسيخ المطرد لقوة البريطانيين في نهاية
القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وكانت هذه الجزر مملوكة لعرب الساحل
العربي من الخليج وكانوا يستخدمونها، كما استخدمها عرب الساحل الفارسي من الخليج
بإذن من عرب الساحل العربي.
لقد مارس القواسم سلطة بحرية وإدارية في الخليج وعلى أرض هذه الجزر منذ مطلع القرن
الثامن عشر وأواسطه. وفي مناسبات عديدة في بداية القرن التاسع عشر، اعترف
البريطانيون بملكية القواسم لهذه الجزر، ومنها في عام 1801 حينما أشاروا إلى ان طنب
الكبرى كانت مستخدمة من قبل صيادي اللؤلؤ من رأس الخيمة، وفي عام 1806 حينما تم
الاعتراف بحاكم رأس الخيمة وهو من القواسم ليكون حاكماً للقواسم ورعاياهم على ساحلي
الخليج. وفي عام 1809 لاحظ البريطانيون ان سكان الساحلين قد ترددوا على زيارة هذه
الجزر ولم يعترض احد على ملكيتهم لهذه الجزر. وبعد سنتين، أي في عام 1811، أشار
البريطانيون في مراسلاتهم إلى ان أبوموسى كانت قاعدة لانطلاق (قراصنة) القواسم من
رأس الخيمة.
وعلاوة على ذلك، ليس هناك أي سجل يدل على اغتصاب أو احتلال بريطاني لهذه الجزر بعد
عام 1820، على الرغم من انه قد جاء في التقارير ان الضباط البريطانيين المقيمين في
جزيرة باسيدو كانوا يصطادون الظباء البرية على ارض جزيرة طنب الكبرى، كما لا يوجد
أي دليل يثبت قيام بريطانيا بنقل الإدارة القائمة بحكم الأمر الواقع لهذه الجزر إلى
القواسم عقب عام 1820. وفي الواقع، فقد كان القواسم يجسدون القوة نفسها التي كان
البريطانيون يحاولون قمعها في ذلك الوقت. وذكر المسؤولون البريطانيون في تقاريرهم
مرة أخرى عام 1835 ان أبوموسى تعد مخبأ محتملاً للقراصنة، وأدى هذا إلى إقدام
البريطانيين على منع القوارب الحربية التي يستخدمها القواسم حتى من الاقتراب من
أبوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. غير ان بريطانيا لم تحتل هذه الجزر، ولم
تطالب بها، كما لم يحدث ان تنازلت عنها مطلقاً لاي جهة.
أعلن شاه إيران في عام 1971 الادعاء التالي : (هذه الجزر كانت ملكنا، ولكن قبل نحو
ثمانين عاماً خلت تدخلت بريطانيا في سيادتنا وانتزعتها ومنحتها تالياً للشارقة ورأس
الخيمة اللتين كانتا تحت الوصاية البريطانية). وليس هناك أدلة تثبت صحة هذا الدعاء
أيضا. ان فارس لم تكن تملك أو تحتل أو تمارس السيادة على جزر طنب الكبرى وطنب
الصغرى وأبوموسى خلال الفترة 1887-1888، ولم تستطع تقديم أي دليل يثبت ملكيتها لها
عندما طلبت منها بريطانيا في ذلك الوقت تقديم هذا الدليل. ان المظهر الوحيد من
مظاهر (ممارسة السيادة) التي تدعيها فارس هو قيامها برفع علمها فوق جزيرة صري عام
1887، ثم رفع علمها لفترة وجيزة فوق أبوموسى وطنب الكبرى عام 1904. وكانت بريطانيا
قد نصحت حاكمي الشارقة ورأس الخيمة برفع الأعلام على الجزر في عام 1903، لكي يؤكدا
استخدامهما وملكيتهما التقليدية لها. ولا يشكل هذا الإجراء انتزاعاً للجزر من فارس.
بل إنه وبعد قيام فارس بإنزال علم كل من الشارقة ورأس الخيمة رفع علمها في عام
1904، ثم الضغط الناجح الذي مارسته بريطانيا على فارس لتصحيح هذا الإجراء، قامت
بريطانيا بالفعل بمنع فارس من انتزاع الجزر من الشارقة ورأس الخيمة. ومرة أخرى، لم
تتمكن فارس من تقديم الدليل الذي يثبت ملكيتها للجزر عندما طلبت منها بريطانيا ذلك
في عام 1904.
وطالبت إيران أيضاً بحق ملكية الجزر على أساس زعمها بان الجزر كانت محكومة من قبل
فرع القواسم في لنجة، وان هؤلاء الحكام من القواسم كانوا يديرون الجزر بوصفهم
مسؤولين لدى فارس، أي على أساس ممارسة سلطة الدولة بالوكالة عن فارس. ومع ذلك،
فالأدلة التي تثبت ان أبوموسى وطنب الكبرى لم تخضعا لحكم القواسم في لنجة واضحة
للغاية. وصحيح ان طنب الكبرى كانت تستخدم من قبل الرعايا التابعين للقواسم في لنجة
لرعي المواشي، غير ان الرسائل التي كتبها حكام القواسم المتعاقبون في لنجة خلال
سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانينياته تقر بأن طنب الكبرى كانت تابعة لأعيان حكام
عائلة القواسم ومقرهم الساحل المتصالح، وان رعايا القواسم في لنجة قد استخدموا طنب
الكبرى بموافقة هؤلاء الحكام فقط. واعتقد البريطانيون على نحو خاطئ في مرحلة لاحقة
ان هذه المطالبة مبنية على هويتهم كقواسم وليس على وضعهم كمسؤولين لدى فارس. والأهم
من ذلك ان البريطانيين لم يكونوا على علم بالمراسلات الصادرة من القواسم في لنجة،
والتي تقر بحق القواسم في الساحل المتصالح في ملكية جزيرة طنب الكبرى حتى مطلع
ثمانينيات القرن التاسع عشر.
تستند إحدى الدعاوى الإيرانية إلى ان سكان لنجة وصري وطنب الكبرى كانوا يدفعون
ضرائب لفارس خلال الفترة 1878-1887. وعلى الرغم من ان فارس قد وعدت بتقديم أدلة
تثبت هذه المزاعم، فإنها لم تقدم أي دليل يثبت ذلك فيما يخص جزيرة طنب الكبرى،
وكشفت الرسائل التي قدمتها فارس عن إشارة إلى حالة واحدة من الضرائب التي كانت
تدفعها جزيرة صري، ولكن من المؤكد انها لم تقدم أي شيء فيما يتعلق بجزيرة طنب
الكبرى. وعلاوة على ذلك، رأى البريطانيون انه حتى هذه الإشارة الوحيدة إلى الضرائب
التي كانت جزيرة صري تدفعها إلى فارس غير كافية لدعم المطالبة الفارسية أو لحرمان
القواسم من حقهم في تلك الجزيرة.
وأكدت الدراسة التي أعدها باثيرست وإيلي وتشانس (ان من الواضح انه أياً كانت
العلاقة بين الحكومة الإيرانية وحاكم لنجة، فإنها لا تشكل أساساً لمطالبة إيرانية
بجزيرة أبوموسى، وذلك لأن حاكم لنجة لم يتملك جزيرة أبوموسى ولم تكن تحت حيازته
مطلقاً، وهي ملك لحاكم الشارقة). ويبدو أيضاً ان العلاقة التي كانت قائمة بين حكومة
فارس وحاكم لنجة لا تشكل أساساً لمطالبة إيرانية بتبعية جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى لها. وقد أقر حكام لنجة المتعاقبون بصورة خطية انه على الرغم من انهم
استخدموا جزيرة طنب الكبرى، فإنهم يعترفون بأن الجزيرة مملوكة لحاكم رأس الخيمة.
وبينما يجوز ان تكون جزيرة طنب الصغرى قد خصصت للاستخدام من قبل القواسم في لنجة في
عام 1835، فإنها ظلت خاضعة لسلطة الفرع الأكبر من عائلة القواسم في الشارقة ومن ثم
في مرحلة لاحقة لحاكم رأس الخيمة.