الفصل الخامس - الأفعال والتقصيرات الإيرانية
تأسيساً على المبادئ القانونية السارية والمعايير الدولية المتعلقة باستخدام القوة
و/ أو التهديد باستخدامها، فإن إيران لا تملك دعوى صحيحة في مطالبتها بجزر طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وبالإضافة إلى ذلك، هنالك العديد من الأفعال
والتقصيرات من جانب فارس/ إيران، التي لا تتسق جدلاً مع مطالبة إيران بالسيادة وقد
تتناقض معها. وعلى سبيل المثال، ورد في دراسة فنسون وإلكينز ما يأتي :
إن فشل إيران، والفشل السابق لفارس، في تقديم مقترحات باللجوء إلى التحكيم أو
القضاء للفصل في مسألة ملكية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى هو تقصير يشير في
الواقع إلى إمكانية أنه لا فارس ولا إيران واثقة من أن مطالبتها بالجزر ستلقى قبولاً.
كما ن هذا الفشل قد يشهد أيضا على عدم وجود سيادة إيرانية على الجزر، أو أنه يشكل
اعترافاً بصحة أو قوة مطالبة رأس الخيمة بالجزيرتين.
ويشير الكاتبان إلى ان (الفشل في اتخاذ مثل هذا الإجراء عند الاقتضاء ينبغي ان يكون
له تأثير ضار في موقف فارس القانوني، وقد يوفر دليلاً على عدم وجود عنصر السيادة
نظراً للقبول الضمني أو الاعتراف بصحة مطالبة رأس الخيمة بالجزيرتين). وعلاوة على
ذلك، (فإن محاولات فارس، وفي مرحلة لاحقة إيران، لشراء جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى من حاكم رأس الخيمة يعزز فرضية ان هذه العروض ما كانت لتطرح من قبل دولة
مقتنعة تماماً بمطالبتها الذاتية بالسيادة على الأراضي المعنية). وفي الواقع، تذكر
دراسة فنسون وإلكينز في هذا الخصوص الآتي :
إن العرض الفارسي في عام 1934، والعرض الإيراني في عام 1971، بشراء أو استئجار
الجزيرتين من رأس الخيمة يشكلان إقرارين ضمنيين بأن رأس الخيمة تمتلك السيادة على
الجزيرتين. وفي الواقع، استناداً إلى الصياغة المحددة لأي دليل خطي يتعلق بهذه
العروض، قد يكون من الممكن تأكيد ان مثل هذه العروض قد شكلت اعترافات مباشرة بسيادة
رأس الخيمة على الجزيرتين. وبناء عليه، ينبغي جمع الادلة الموثقة التي تثبت تقديم
هذه العروض ودراستها بعناية.
وعلى النسق نفسه، يمكن الدفع بأن فشل إيران في اقتراح إحالة القضية في التحكيم أو
القضاء، والعرض الذي قدمته إيران بدفع تعويض مقابل جزيرة أبوموسى، قد يشكلان على
الأقل إقرارا ضمنيا وربما اعترافا مباشرا بسيادة الشارقة على الجزيرة.
واستطراداً في هذا الصدد، تذكر الدراسة ذاتها ما يأتي :
إن فشل إيران في التصرف طبقاً للقانون الدولي عقب رفض صاحب السمو الشيخ صقر بيع
الجزيرتين ينبغي ان يكون حجة ضد مطالبة إيران، وبدلاً من إحالة الموضوع إلى محكمة
العدل الدولية ان الأمم المتحدة، فقد اختارت إيران استخدام القوة العسكرية لكي تفرض
تنفيذ مطالبتها. ان استخدام القوة على هذا النحو، يعد انتهاكاً فاضحاً للقانون
الدولي. ويمكن المجادلة بان تصرفات إيران التي قد تكون غير قانونية تعكس اعترافها
بضعف مطالبتها القانونية بتبعية الجزر.
وعلاوة على ذلك، فإن أي حجة من قبل إيران بإن إمارتي الشارقة ورأس الخيمة لا تشكلان
كيانين مستقلين ذوي سيادة في عام 1971، وأنهما بناء على ذلك غير محميتين بالقانون
الدولي، لن تصمد أمام التفنيد. وكان الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، الذي تولى منصبي
مدير الإدارة القانونية بوزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة والأمين العام
لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، قد قال ان إي حجة من هذا القبيل يمكن الاعتراض
عليها بالإشارة إلى ان البريطانيين بحصولهم على الحقوق الحصرية للسيطرة على
العلاقات الخارجية للإمارات المتصالحة بموجب الاتفاقيات الحصرية لعام 1892، قد منعت
هذه الإمارات من ان تصبح كيانات كاملة السيادة حتى موعد رحيل البريطانيين فعليا من
الخليج في نهاية عام 1971. ويمكن رفض هذه الحجة الإيرانية إيضاً بالإشارة إلى انه (بموجب
القانون الدولي، تعرف الدولة بأنها كيان له إقليم محدد وسكان يقيمون فيه بصورة
دائمة، ويخضع لسيطرة حكومة خاصة به، وينخرط أو يملك القدرة على الدخول في علاقات
رسمية مع كيانات أخرى مشابهة).
ومن المؤكد ان كلاً من الشارقة ورأس الخيمة كان لها أرض محددة وسكان يعيشون على
أرضها بصورة دائمة، تحت سيطرة حكومتها في عام 1971. وبناء عليه، قد تضطر إيران إلى
المجادلة بأن إمارتي الشارقة ورأس الخيمة لم تنخرطا في علاقات خارجية أو كانتا
تفتقران إلى القدرة على الدخول فيها عام 1971. غير ان إيران نفسها حاولت التفاوض
بصورة مباشرة مع هاتين الإمارتين، فقد تفاوض الشاه مع حاكم رأس الخيمة في نهاية
ستينيات القرن العشرين، ومع حاكم الشارقة في عام 1970. وهكذا، فإن سلوك إيران يدل
على اعتقادها بأن الإمارتين مؤهلتان للدخول في علاقات خارجية، وأن إيران والإمارتين
قد دخلتا فعلا في علاقات خارجية فيما بينهما.
وبالإضافة إلى ذلك، جاء في القانون الدولي (أن الكيان الذي يملك القدرة على مباشرة
علاقات خارجية لا تنتفي عنه صفة كونه دولة لأنه تخلى طوعاً لدولة أخرى عن بعض أو كل
سيطرته على شؤون العلاقات الخارجية). وفي الواقع فإن ظاهرة (المحميات) أو (الدول
الموضوعة تحت الحماية) التي غلبت على الفترة الاستعمارية شملت قيام الحكام المحليين
بإبرام اتفاقيات عهدت بسلطة السيطرة على الشؤون الخارجية أو الأمور الأخرى إلى دولة
أجنبية، وغالباً ما تكون (قوة إمبريالية). وكانت النتيجة أنه ( في العقود الثلاثة
الأخيرة تم قبول عضوية عدد كبير من الدول المستقلة حديثا – في الأمم المتحدة – من
دون أي اعتراض على الرغم من انها ظلت في الواقع تعتمد بشدة، في الأغلب، على قوى
أخرى لحفظ أمنها وتوفير القدرة الاقتصادية لها على البقاء).
وبناء على ما ورد في هذه المقتطفات، يمكن القول ان إمارة رأس الخيمة قد استوفت
معايير صفة الدولة، وخاصة الدخول في علاقات رسمية مع دول أخرى بحلول عام 1806 على
الأقل، عندما دخل الشيخ سلطان بن صقر في معاهدة مع ديفيد سيتون David Seton، المقيم
السياسي البريطاني في مسقط. وفي عام 1814، كتب الحاكم العام البريطاني في الهند إلى
حاكم بومباي قائلاً ان نشاط (القرصنة) الذي يرعاه القواسم قد يكون مبرراً يتيح
للدول المتحضرة ان تهاجم القواسم انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، (ولكن، سواء
كان الأمر كذلك أو لم يكن كذلك من المنطلقات العامة، فإن الحكومة البريطانية حرمت
نفسها من حق التصرف وفقاً له، حيث إنها بحصولها على تعهدات من القواسم لاحترام
نشاطها التجاري، فإنها إلى ذلك الحد قد اعترفت بهم كقوة قادرة على إقامة علاقات
دولية عادية مع دول أخرى). وينطبق هذا الرأي أيضاً فيما يتعلق بحقيقة ان إمارتي
الشارقة ورأس الخيمة لم تنتف عنهما صفة الدولة في عام 1892 عندما دخلتا في (اتفاقيات
حصرية) مع بريطانيا.
وأخيراً، عند إنهاء علاقاتهما التعاهدية مع بريطانيا في نهاية عام 1971، أو قبل ذلك،
كان من الممكن للشارقة أو رأس الخيمة ان تنضما للأمم المتحدة. وكانت رأس الخيمة
إمارة مستقلة عندما استولت إيران على أراضيها بالقوة، كما كانت الشارقة إمارة قائمة
بذاتها عندما أبرمت مذكرة التفاهم تحت الإكراه والتهديد. وعلى أقل تقدير، فقد كانت
الشارقة ورأس الخيمة (دولاً تابعة) أو كيانات ذات (شخصية) دولية.
بل إن إيران هددت بالامتناع عن الاعتراف بدولة الإمارات العربية المتحدة وتعطيل
قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ما لم يتم التوصل إلى تسوية مقبولة لقضية الجزر.
وان احتمالات تنفيذ إيران لتهديداتها قد أجلت إعلان قيام دولة الإمارات العربية
المتحدة كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، كما عطلت قبول عضويتها في الأمم المتحدة،
وأوقفت اعتراف إيران بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة من تموز/ يوليو
1971 حتى كانون الأول/ ديسمبر 1971. غير أن أهمية السلطة القانونية وممارسة الدولة
تعني ان الدولة تكون دولة إذا استوفت معايير صفة الدولة، وان اعتراف الدول الأخرى
ليس ضرورياً لاستكمال (تشكيل) صفة الدولة التي تتمتع بها، وإنما هي مجرد (إعلان) عن
هذه الصفة. وحتى الذين يرون ان الاعتراف ضروري يرون أيضاً ان على الدول الالتزام
بالاعتراف بالكيانات التي تستوفي معايير صفة الدولة أو على الأقل معاملتها على أساس
أنها دول، بمعنى عدم حرمان هذه الكيانات من حقوقها. وهكذا، فقد كان على إيران
التزام بالاعتراف بالشارقة ورأس الخيمة أو معاملتهما بوصفهما دولاً، (دول تابعة) أو
كيانات ذات (شخصية) دولية، بدلاً من حرمانهما من حقوقهما.