الفصل الخامس - القانون الدولي وحل النزاعات
بالإضافة إلى المبادئ القانونية وأحكام القضايا المتعلقة بالسيادة، يوفر القانون
الدولي العديد من الوسائل الخاصة بحل النزاعات بين الدول سلميا، حسبما ورد في
المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، فالوسائل الدبلوماسية مثل المفاوضات والمساعي
الحميدة والوساطة والتوفيق والتحقيق كلها تدابير قابلة للتطبيق وتنطبق على قضية
الجزر. والمؤسف انه حتى هذه اللحظة، لم تنجح أي واحدة من هذه المقاربات. فقد عرضت
بريطانيا على سبيل المثال (مساعيها الحميدة) وعلمت وسيطا في عام 1970 و 1971،
وحاولت المملكة العربية السعودية ودولة الكويت القيام بدور الوسيط خلال هاتين
السنتين. وحاولت دولة الإمارات العربية المتحدة أسلوب المفاوضات الثنائية المباشرة
في عام 1992، وفي عام 1995 حين عرضت دولة قطر مساعيها الحميدة وجمعت بين دولة
الإمارات العربية المتحدة وإيران. ومضت هذه الاجتماعات في نهاية المطاف بدون أي
تقدم. ومع ذلك، فبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، تظل المفاوضات
الثنائية المباشرة هي وسيلتها المحبذة لتسوية نزاع الجزر.
كما فشلت الوسائل السياسية، مثل اللجوء على المنظمات الإقليمية والدولية، ودرجت
المؤسسات الإقليمية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول (إعلان دمشق) وجامعة
الدول العربية على التعبير بصفة منتظمة عن دعمها لدولة الإمارات العربية المتحدة
وتأييدها لإيجاد حل سلمي للنزاع. وترى دولة الإمارات العربية المتحدة ان مثل هذا
الدعم قد يؤثر في نهاية المطاف في حض إيران على الدخول في حوار ثنائي جاد. وفي ربيع
عام 1999، تم تشكيل لجنة ثلاثية من قبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية تضم
المملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عمان لتعزيز فكرة المفاوضات الثنائية
بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. غير ان اللجنة لم تحقق تقدما واختتمت
جهودها بنهاية عام 2000. وفي مناسبات عديدة، رفضت إيران مجرد الاجتماع إلى أعضاء
اللجنة.
ظل تدخل المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، في النزاع أقل مما هو مطلوب.
وفي البداية، أجرى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مناقشة للقضية في عام 1971، غير
انه قرر في ذلك الوقت عدم الاحتكام إلى المادة 36 من ميثاق الأمم المتحدة بوصفها
وسيلة (للتوصية بالإجراءات أو طرق التسوية الملائمة). ووافق الأمين العام للأمم
المتحدة على طلب تقدمت به دولة الإمارات العربية المتحدة لاستخدام مساعيه الحميدة
للتوسط في حل النزاع، غير ان طلبه لعقد اجتماع في طهران عام 1994 قوبل بالرفض. وظل
نزاع الجزر مدرجاً ضمن جدول أعمال مجلس الأمن بناء على طلب دولة الإمارات العربية
المتحدة، غير ان المجلس لم يتخذ أي إجراء بشأنه حتى الآن.
ومن الوسائل القانونية الأخرى التي اقترحتها دولة الإمارات العربية المتحدة التوصية
بعرض النزاع على محكمة العدل الدولية للفضل فيه، وذلك طبقاً لنص المادة 36 من ميثاق
الأمم المتحدة ونظام محكمة العدل الدولية في لاهاي. وكانت دولة الكويت اقترحت هذا
الخيار على إيرن في عام 1971، وظلت دولة الإمارات العربية المتحدة تطالب بهذه
الخطوة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. ومن المؤكد ان إحالة النزاعات الحدودية إلى محكمة
العدل الدولية له سوابق، ففي عام 1953 فصلت محكمة العدل الدولية في قضية النزاع حول
جزر منكوير وإيكريهوس. وتم عرض النزاع بين البحرين وقطر حول جزر حوار أمام محكمة
العدل الدولية في أيار/مايو 2000، وأصدرت المحكمة حكمها بشأنه في آذار/ مارس 2001.
ومن ناحية إجرائية، من الضروري بصفة عامة ان يتفق الطرفان على عرض القضية أمام
محكمة العدل الدولية.
غير ان إيران ظلت ترفض باستمرار خيار عرض النزاع على محكمة العدل الدولية للفضل فيه.
وحتى في الحالة المستبعدة، وهي احتمال موافقة طهران على هذا الخيار، فليس من الواضح
أنها قد تلتزم بالحكم النهائي الملزم الذي ستصدره المحكمة في هذه القضية. وبموجب
إجراءات تنفيذ أحكام المحكمة، الواردة في المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة، يجب
على دولة الإمارات العربية المتحدة ان تفكر في اللجوء إلى مجلس الأمن من اجل تنفيذ
الحكم. فعلى سبيل المثال، رفضت إيران في عامي 1979 و 1980 المثول أمام محكمة العدل
الدولية أو قبول قرار المحكمة، في (القضية المتعلقة بالموظفين الدبلوماسيين وموظفي
القنصلية الأمريكية في طهران) – الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران- . وفي هذا
الصدد يرى السفير خليفة شاهين المري انه (حتى لو قُيّض للطرفين أن يتفقا على اللجوء
إلى محكمة العدل الدولية، فإن المحكمة لن تتوصل إلى إصدار حكم حتى تعتقد ان هناك
تفاهماً مشتركاً وان قراراتها سوف تطبق بالفعل. ولا ترغب المحكمة في ان يقوم مجلس
الامن بتطبيق قراراتها ضد إرادة أحد الطرفين المتقاضيين).
إن التحكيم الذي يقوم به محكّم أو مجموعة محكمين يتم اختيارهم من المحكمة الدائمة
للتحكيم قد يكون أسلوبا اسرع وأكثر خصوصية ويوفر للأطراف المتقاضية سيطرة أكبر على
انتقاء القضاة والإجراءات مقارنة باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وهذا هو الأسلوب
الذي تم استخدامه لتسوية قضية جزيرة بالماس في عام 1928. وهي الوسيلة التي تم
استخدامها للفصل في قضية النزاع بين اليمن وأريتريا حول جزر حنيش في عام 1998.
وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد طالبت بالتحكيم، غير ان موافقة الطرفين
المتنازعين مطلوبة هنا أيضا للجوء إلى التحكيم، وقد امتنعت إيران عن الموافقة على
هذا الخيار حتى الآن. وربما أنه لا توجد أي إجراءات رسمية لتنفيذ القرارات الصادرة
عن محاكم التحكيم، مقارنة بإجراءات تنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية
الواردة في نص المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة، فليس من الواضح ما إذا كانت إيران
ستقبل مثل هذا القرار.
لم يرد أي نص في مذكرة التفاهم التي تم إبرامها في عام 1971 بشأن جزيرة أبوموسى
يسمح بإجراء مفاوضات لاحقة حول التفاصيل أو يلزم الطرفين بإحالة اختلافاتهما حول
مذكرة التفاهم إلى القضاء أو التحكيم. وعلى الرغم من هذا، وبغض النظر عن رفض إيران
السابق لعرض النزاع على القضاء أو التحكيم الدوليين، فقد رأى حسين البحارنة ان دولة
الإمارات العربية المتحدة تستطيع فقط المطالبة باللجوء الطوعي إلى التحكيم للفصل في
النزاع حول جزيرة أبوموسى على أساس مذكرة التفاهم، التي تعتبرها إيران وثيقة
قانونية، والتي يتم الاستناد إليها في تسوية المشكلات الإدارية التي قد تحدث في
الجزيرة نفسها. غير ان من المشكوك فيه ايضا ان توافق إيران على هذا الخيار.
إن موقف إيران من إحالة النزاع إلى القضاء أو التحكيم قد يكون مبنياً على الإجراءات
الأساسية المتبعة، وفي هذا الصدد ذكرت دراسة باثيرست وإيلي وتشانس ما يأتي :
لقد تبنت محاكم التحكيم ومحكمة العدل الدولية في قضايا مشابهة لهذه القضية أسلوب
تمحيص الأسس التي يستند إليها كل طرف في دعواه، والأدلة والأسانيد التي تدعم الدعوى،
ثم إجراء مقارنة لوزن المطالبات وصحتها بعد مراجعتها، ومن ثم الفصل واتخاذ قرار
لصالح أحدها على أساس كونه الأفضل.
وتشير حقيقة عدم موافقة إيران على إحالة النزاع للقضاء أو التحكيم إلى وجود شكوك
لديها حول احتمال صمود قضيتها امام مثل هذه الإجراءات.
ويمكن الإشارة هنا إلى أنه قد تقرر ان التحكيم هو الوسيلة المفضلة التي يتم
استخدامها عند عدم توافر أي وسائل أخرى، وذلك في مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار.
وطالب الملحق السادس من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 بإنشاء
المحكمة الدولية لقانون البحار بوصفها محكمة دائمة لتولي التحكيم في قضايا الحدود
البحرية أو الأبعاد البحرية في نزاع مختلط يشمل الحدود البرية والبحرية. وتم إنشاء
المحكمة الدولية لقانون البحار في عام 1996 وبدأت بالنظر في اول قضية لها في نهاية
عام 1997.
ان المحكمة الدولية لقانون البحار، وباستثناء غرفة فض نزاعات قاع البحر، هي هيئة
مفتوحة فقط للدول الاعضاء في مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار (الملحق السادس،
المادة 20، الفقرة الاولى). ويقتصر دور هذه المحكمة بصفة أساسية على النزاعات
الناشئة عن تفسير أو تطبيق اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام 1982
والتشريعات ذات الصلة والتطبيقات الاخرى المحالة إلى المحكمة طبقاً للاتفاقية (الملحق
السادس، المادة 21) .. وبالنسبة إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، يجوز لمجلس
وجمعية السلطة الدولية لقاع البحار، أن يطلبا رأياً استشارياً من هيئة فض نزاعات
قاع البحر بشأن المسائل القانونية التي تنشأ في أثناء ممارسة أنشطتهما.
وقد تكون هذه آلية مناسبة للتوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم حدود الجرف القاري بين دولة
الإمارات العربية المتحدة وإيران.
وأخيراً تنص المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة على انه (لاي من الجمعية العامة أو
مجلس الأمن ان يطلب من محكمة العدل الدولية إفتاءه في اية مسألة قانونية). وفي
الواقع، يجوز (لسائر فروع هيئة الأمم المتحدة – الاربعة – والوكالات المتخصصة –الخمس
عشرة- المرتبطة بها، ممن يجوز ان تأذن لها الجمعية العامة بذلك في أي وقت، أن تطلب
من المحكمة إفتاءها فيما يعرض لها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها).
ويبدو ان رأي المحكمة الصادر في عام 1975 بشأن قضية الصحراء الكبرى يشير إلى انه
إذا توافرت أدلة كافية للمحكمة، ولم يكن في هذا الإجراء ما يتعارض أو ينتهك حق
المحكمة في مطلق التصرف، فإنه يجوز لها ان تقدم آراء استشارية، حتى وإن لم يوافق
أحد الأطراف أو أكثر من طرف من أطراف النزاع على هذا الإجراء. وفي ضوء عدم استعداد
إيران للموافقة على إحالة النزاع إلى القضاء أو التحكيم، فإن هذا الخيار قد يكون
خيارا قانونيا يستحق التفكير فيه. وبينما يعد الرأي الاستشاري غير ملزم، فإن
الجمعية العامة قد تتبنى التوصية وتسعى إلى إحالتها إلى مجلس الأمن لكي يتبناها
بدوره أيضا.
وختاماً، فان التحليل التاريخي والقانوني المتأني يظهر ان مطالبة إمارة الشارقة
بجزيرة أبوموسى ومطالبة رأس الخيمة بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى تستند إلى مبادئ
قانونية صحيحة وأدلة مقنعة، بينما لم تقدم إيران أدلة كافية لإثبات ادعاءاتها،
وانخرطت بدلا من ذلك في سلوك يتناقض مع مطالباتها، بالقيام بأعمال غير قانونية، ومن
المرجح ان تنجح مطالبات دولة الإمارات العربية المتحدة عند عرضها على محكمة دولية،
وقد يكون هذا هو السبب الذي يفسر عدم رغبة إيران في إحالة القضية إلى محكمة من هذا
النزع. إن دولة الإمارات العربية المتحدة تدرك المصاعب المحيطة بتبني المسار
القانوني، ولذلك فهي تواصل تفضيل المفاوضات الثنائية المباشرة، غير ان هذا العمل
يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والأناة لأن إيران دولة أكثر قوة.