الفصل السادس - الدوافع والعقلانية الإيرانيتان واحتمالات الصراع
ولكي نضع النقاش في سياقه الملائم، من المهم في البدء ان نذكر بصورة موجزة الدوافع
التي تقف خلف الإجراءات التي قامت بها إيران تجاه الجزر. ففي عام 1971، تحدث الشاه
محمد رضا بهلوي عن رأي قومي متعصب قال فيه أن الجزر هي ملك تاريخي لإيران. وادعى ان
البريطانيين حالوا دون ممارسة إيران لسيادتها على الجزر، وقال ان من المهم استعادة
الجزر حين انسحاب الإمبريالية البريطانية من الخليج. وكان المسؤولون الإيرانيون
يقولون في ستينيات القرن العشرين ان الرأي العام المحلي الإيراني والشرف الوطني
يتطلبان استعادة الجزر. وطرح الشاه الحجة الاستراتيجية التي قال فيها ان السيطرة
الإيرانية على الجزر تعد مهمة في حماية خطوط الملاحة البحرية ذات الأهمية الحيوية
التي تمر عبر مضيف هرمز. وعلاوة على ذلك، فقد أشار رئيس الوزراء الإيراني إلى دوافع
اقتصادية عندما عبّر عن اهتمام إيران بمواقع النفط البحرية المحيطة بالجزر. وكانت
هذه الحجج الوطنية والاستراتيجية والاقتصادية قوية بالقدر الذي دفع إيران إلى
معارضة قيام اتحاد الإمارات المتصالحة خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن
العشرين وحتى كانون الأول / ديسمبر 1971.
وظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشاطر إيران الشاه كل هذه الدوافع، فهي تعتبر
الجزر ملكاً تاريخياً تمت استعادته عقب سنوات من الهيمنة الأجنبية، وترى ان الحفاظ
على الشرف الوطني لن يسمح بأي تسوية بشأنها. وتعد الجزر ذات أهمية من حيث الدفاع
البحري والجوي عن خطوط الملاحة البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، إلى جانب إمكانية
استخدامها لاعتراض حركة السفن التابعة لقوى أخرى والتي تسلك هذه الخطوط البحرية
نفسها. وبالإضافة إلى ذلك، ما تزال الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنعم بنصف الدخل
العائد من حقل مبارك النفطي البحري التابع لجزيرة أبوموسى حسبما تم الاتفاق عليه في
مذكرة التفاهم لعام 1971.
وكانت لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوافعها الخاصة ايضا التي لم تكن لدى
إيران في عهد الشاه، وخاصة دافعها لتصدير ثورتها الإسلامية وإحداث تغيرات في حكومات
ومجتمعات الدول المحافظة في الجزء الجنوبي من الخليج. وساهم التحدي الأيديولوجي،
النابع من تبني إيران للنظام الإسلامي الذي واجه نظام صدام حسين في العراق، في
اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية خلال الفترة 1980-1988، ومن ثم استخدام إيران
للجزر خلال حرب الناقلات لاحقاً. واشار هوشانج أمير أحمدي، وهو باحث معروف بتعاطفه
مع إيران، إلى هذه الدوافع في كتابه المشار إليه سابقاً: جزر صغرى، سياسيات كبرى،
وقال ان الجهود التي بذلتها إيران الثورية لتصدير ثورتها الإسلامية وموقفها المعادي
للغرب نتج عنهما توحيد دول الخليج العربية لتشكل مجلس التعاون لدول الخليج العربية
في عام 1981 بهدف دعم العراق خلال حربه مع إيران، وواصلت هذه الدول إبراز تصورها
لتهديد الماثل ضد حدودها الشمالية. وعلى الرغم من ذلك، يبدو ان هذا الكتاب يؤكد
الدوافع الوطنية حين يقول :
إن النظم الوراثية الصغيرة في (الخليج الفارسي) تعتبر برنامج إعادة التسلح الذي
تنفذه إيران مهدداً لها ... وفي هذه الصدد، يعكس نزاع الجزر مخاوف دولة الإمارات
العربية المتحدة من تهديد إيران المحتمل لأمنها. والى حد ما، تعد مخاوف دولة
الإمارات العربية المتحدة في هذا الخصوص مبررة. وعندما يصبح النزاع الحدودي متجذراً
في صلب المشاعر الوطنية المتأججة بين دول المنطقة، فقد يؤدي هذا إلى مواجهة عسكرية
في أغلب الأحيان، وفي بضع الحالات تقع المواجهة بعد سنوات لاحقة.
وبينما يرى أمير أحمدي ظهور نزعة براجماتية جديدة مؤخراً في إيران، تضاء ل فيها
الالتزام السابق بتصدير الايديولوجية الثورية التي تتبناها إيران إلى دول الخليج
العربية، وأن إيران قد تعلمت من تجربة (عاصفة الصحراء) ان مهاجمة دول الخليج
العربية ستكون خطأ فادحاً، فإن الكاتب نفسه يشير إلى ان قضية الجزر هي قضية وطنية
قد تؤدي إلى اندلاع صراع. ويقول في هذا الخصوص : (في إيران اليوم، أصبح النزاع حول
الجزر قضية وطنية بالفعل، الأمر الذي جعل من المستحيل على الحكومة الإيرانية ان
تتفاوض على تقديم أي تنازل بشأنها).
وعلاوة على ذلك، تظل إيران دولة إسلامية، وهذا يؤثر في آرائها بشأن أهمية هذه الجزر.
فأولا، ما تزال العناصر الراديكالية تعيش إلى جانب القوى البراجماتية في إيران، وقد
يحاول هؤلاء المتطرفون استغلال الفرص لترويج الدعوة إلى التغيير وتقويض الأنظمة
الحاكمة في دول الخليج العربية. ثانياً، إن إيران ملتزمة على اقل تقدير بالدفاع عن
شخصيتها الإسلامية، وهي قلقة من معارضة الولايات المتحدة الامريكية لها بسبب
شخصيتها الإسلامية، وكما قال كما خرازي، وزير خارجية إيران في مقابلة أجريت معه في
أيلول/ سبتمبر 1994 عندما كان سفيراً لإيران لدى الأمم المتحدة، إن المسؤولين
الأمريكيين (يدعون أنهم ليست لديهم مشكلة مع شخصية إيران الإسلامية، غير اني اعتقد
ان المشكلة في الواقع هي ان نظامنا مستقل، وأنه نموذج جديد للعيش باسلوب اسلامي،
وانه يحكم دولة بأسلوب إسلامي ويفعل كل شيء طبقا للقيم الإسلامية). ويتخوف
الراديكاليون والبراجماتيون والإيرانيون على حد سواء من إمكانية ان تقوم الولايات
المتحدة الامريكية بالاستيلاء على الجزر واستخدامها ضد إيران بهدف تقويض نظامها
الإسلامي.
وتؤكد كل هذه الدوافع الإسلامية والوطنية إمكانية وقوع صراع. وفي الواقع، هنالك
أساليب عديدة، قد لا تصل إلى حد شن هجوم كبير، يمكن للجمهورية الإسلامية الإيرانية
ان تستغل بها احتلالها للجزر، وان تستخدم قدراتها العسكرية الموجودة عليها لكي
تمارس الضغوط والترهيب وإلحاق الضرر بمصالح دولة الإمارات العربية المتحدة. ويمكن
ان يشمل هذا محاولة إجبار دولة الإمارات العربية المتحدة على المساعدة على إعادة
بناء الاقتصاد الإيراني و/ أو تقويض العلاقات العسكرية بين دولة الإمارات العربية
المتحدة والولايات المتحدة الامريكية. ويمكن ان تلجأ إيران إلى استخدام الجزر لشن
عمليات بالقوات الخاصة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة أو ضد حقول نفطها البحرية،
ثم بالطبع يمكن لإيران ان تقوم باعتراض حركة الملاحة التجارية في الخليج. وعلاوة
على ذلك، هنالك العديد من الأساليب التي يمكن لإيران ان تستخدم بها الجزر لمنع وصول
قطع البحرية الامريكية إلى الخليج والحيلولة دون تواجدها فيه.
هناك قضية وثيقة الصلة تهم المحللين والمسؤولين الذين يجب ان يجروا تقويماً
للتحديات التي تفرضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يجب عليهم الإجابة عن
التساؤل المتعلق بما إذا كانت إيران لاعباً عقلانيا أو غير عقلاني في السياسات التي
تتبناها؟ فقد تمت إثارة احتمال ان يتبنى النظام الإيراني نهجاً غير عقلاني،
وبالتالي يقوم بإشعال صراع كبير مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والقوى
الغربية الكبرى، على الرغم من الدروس والقيود ونقاط الضعف والمخاطر التي قد تجعل
إيران تتعرض لدفع (تكلفة باهظة).
ويرى البعض ان قوات الحرس الثوري الإيراني ليست قوة عسكرية محترفة، وأنها قد تتجاهل
المعايير الموضوعية والحسابان العقلانية للنتائج التي قد تترتب على سلوكها، بحيث
تتصرف بدلا من ذلك انطلاقاً من دوافع غير عقلانية أو لدواع سياسية بهدف تصدير
الثورة الإسلامية. وبناء عليه، قد يقوم الحرس الثوري بعمل عسكري ضد دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية يكون مصيره (الفشل الحتمي)، ويكون مكلفاً لإيران، خاصة
في مواجهة الوجود العسكري الأمريكي، ولكنه برغم ذلك قد يفرض أعباء على دولة
الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى والولايات
المتحدة الامريكية. إن حالات الهجوم الإيراني على البحرية الأمريكية في 18نيسان/
إبريل 1988، والتحصينات العسكرية في جزيرة أبوموسى خلال تسعينيات القرن العشرين
كلها نماذج يمكن الاستشهاد بها في هذا الخصوص. ويرى آخرون أن النظام السياسي
الإيراني القائم على فصائل منقسمة بعمق يتيح إمكانية ظهور مراكز مستقلة للسلطة تعمل
على التصرف بناء على اقتناعاتها العقائدية الذاتية بدلا من العمل على أساس حسابات
مسؤولة.
ولا يتفق كثيرون مع هذه الافتراضات، فبينما أقر مسؤول إماراتي بأن الجمهورية
الإسلامية الإيرانية قد ترغب في الحفاظ على صورة الدولة (المتهورة) بسبب القيمة
الرادعة المرتبطة بمثل هذا الوضع، فإن هذا المسؤول يرى ان إيران تعرف المدى الذي
يمكن ان تصل إليه على وجه التحديد، وأنها لا تريد القيام بعمل استفزازي يثير رد فعل
عسكرياً غربياً بمهاجمتها لأي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وبناء عليه،
بدلا من المخاطرة بإشعال حرب شاملة ضد الأسطول الخامس الامريكي في الخليج، فإن
إيران قد تلجأ إلى انتقاء أهدافها بعناية وحذر لتظهر أنها ليست ضعيفة، وانها قادرة
على اتخاذ إجراءات انتقائية.
ويقول الضباط والمحللون العاملون في هيئة الأركان المشتركة وفي وكالة استخبارات
وزارة الدفاع الامريكية وفي البحرية الامريكية إنه بينما تقوم المؤسسة العسكرية
الامريكية بإعداد الخطط تحسباً لقيام إيران بعمل غير عقلاني، فإن سلوك إيران الفعلي
يعد عقلانياً في معظم الأحوال. ويقول هؤلاء إن آية الله علي خامنئي المرشد الاعلى
للثورة الإسلامية في إيران يسيطر على القوات المسلحة النظامية وقوات الحرس الثوري
الإيراني، وان هناك عملية منظمة ومتروية لصنع القرار. ومنذ انتهاء الحرب الإيرانية
– العراقية لم يعد هناك الكثير من الأدلة التي تثبت وجود سلوك إيراني يمكن ان نسميه
(غير عقلاني). وعلاوة على ذلك، يرى هؤلاء الضباط والمحللون أنه بما ان القوات
الامريكية قادرة على القيام برد فعل، حتى قبل ان تفرغ إيران من أي عمل استفزازي،
فإن القدرات العسكرية الإيرانية على أرض الجزر يمكن ان يتم تدميرها منذ الوهلة
الأولى التي تقوم فيها إيران بتنفيذ أي عمل استفزازي. ويقول قائد سابق للقيادة
المركزية الامريكية في تسعينيات القرن العشرين إنه لم يعتقد مطلقاً إمكانية حدوث
تصادم أمريكي مباشر مع إيران. وبدلاً من ذلك، كان من المرجح دائماً ان تنخرط إيران
في ردود أفعال غير متماثلة مثل تفجير أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية،
بدلا من الدخول في أي رد فعل مباشر ضد الولايات المتحدة الامريكية.
وقال دبلوماسي بريطاني سابق لدى دولة الإمارات العربية المتحدة إن استيلاء إيران
الفعلي على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى ونشر قوات عسكرية على أراضي هذه
الجزر، يبرهن ان الإيرانيين مصابون بهوس (الشعور بالاضطهاد) ويعتبرون أنفسهم جنساً
بشرياً (محاصراً). غير ان هذا لا يعني انهم أغبياء إلى حد المجازفة بالدخول في أي
شكل من اشكال المغامرة العسكرية. ويرى دبلوماسي امريكي آخر ان إحساس الإيرانيين
بالاضطهاد يدفعهم إلى العمل على أساس افتراضات غير صحيحة، غير ان هذا لا يعني أيضا
أنهم سوف ينخرطون في سلوك غير عقلاني. وعندما قامت حاملة الطائرات الامريكية فنسنس
USS Vincennes بإسقاط طائرة مدنية إيرانية بالخطأ، عندما كانت الطائرة تمر فوق مضيق
هرمز في تموز/ يوليو 1988، وقتلت ركابها المدنيين وعددهم 290 راكباً، افترضت إيران
بالخطأ ان هذا العمل كان نتيجة قرار امريكي متعمد، بيد ان هذه الحادثة جعلت إيران
أكثر حذراً وليس العكس. كما أن القوة العسكرية الأمريكية التي تم استعراضها خلال
عملية درع الصحراء/ عاصفة الصحراء، ثم مؤخراً خلال الحملة التي أسقطت نظام صدام
حسين عام 2003، جعلت إيران أكثر حذراً أيضاً. وبينما يستبعد ان تسلك إيران سلوكاً
متهوراً، فإن هناك احتمالاً بأن يقودها شعورها بالاضطهاد إلى حسابات خاطئة.
وعلى أية حال، سواء كانت إيران دولة عقلانية أو غير عقلانية، هناك اتفاق عام بأنها
تمثل تهديداً خطيراً للغاية. وعلى سبيل المثال، بدلاً من ان تختار إيران الدخول في
صراع كبير بتكلفة باهظة قد تختار الإقدام على أعمال اعتداء محدودة لا يمكن إثبات
نسبتها إليها أو تكون قابلة للنفي والإنكار، وتكون من النوع الذي يسبب ضرراً
لخصمها، (وتقل احتمالات إثارتها لرد فعل غربي أو أي رد فعل جماعي من قبل دول
الخليج). وقد تختار أيضاً إطلاق التهديدات وممارسة الضغوط والترهيب لتحقيق أهدافها.
وهكذا قد تقوم إيران بحسابات مدبرة على أسس عقلانية تلحق الضرر بدول مجلس التعاون
لدول الخليج العربية والدول الغربية. وبالإضافة إلى ذلك، قد تنخرط إيران في اعمال
غير تقليدية، مثل الإرهاب واللجوء إلى استخدام اسلحة الدمار الشامل كملاذ أخير إذا
رأت أنها تتجه نحو تكبد خسارة في صراع تقليدي مع قوة عظمى. وإذا طرأت ظروف تتصور
فيها إيران أن وجودها مهدد، فإن السلوك الذي قد يبدو غير عقلاني، مثل استخدام
الأعمال والإجراءات غير التقليدية كالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، سوف يصبح عملاً
دفاعياً و(عقلانياً).
الأمر الواضح في هذا النقاش هو ان النزاع حول هذه الجزر ذات الموقع الاستراتيجي قد
يؤدي إلى اندلاع صراع في المستقبل أو على الأقل سيكون له دور في إثارته. ونتيجة
لذلك، فإن سلوك إيران المستقبلي في الخليج وعلى ارض الجزر يعد مصدر قلق للمحللين
والمسؤولين الخليجيين والغربيين. وبناء عليه، فإن التحليل الوثيق للشكاوى والتصرفات
والقدرات والنوايا الإيرانية يعد مهماً، وكذلك الامر بالنسبة إلى ردود الأفعال التي
ستقوم بها دولة الإمارات العربية المتحدة تجاه هذه المشكلة.