الفصل السادس - الشكاوى والمطالب والتهديدات والأعمال الإيرانية
على الرغم من أن شاه إيران محمد رضا بهلوي كان منحازاً للغرب في توجهاته العامة،
فإنه ظل يُكن قدراً معيناً من الشعور بالاستياء نحو تاريخ التدخل البريطاني في
إيران الذي شمل إرغام والده على التنازل عن العرش عام 1941. وكان الشاه مستاء أيضاً
مما اعتبره سجلاً من المزايا المجحفة التي تمتعت بها شركات النفط الغربية في إيران،
فضلا عن عدم كفاية الدعم المالي والعسكري الغربي لإيران. غير أن الذي ساهم على وجه
الخصوص في تفاقم استياء الشاه وغضبه هو تاريخ السياسة البريطانية في منطقة الخليج،
والتي كان يعتبرها سبباً في إحباط الطموحات الوطنية الإيرانية، وخاصة ما يتعلق
بالدعم البريطاني لمطالبات إمارتي الشارقة ورأس الخيمة بتبعية جزيرة أبوموسى
وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لهما. ففي حزيران/ يونيو 1971 زعم الشاه قائلاً: (إن
الجزر ملك لنا، غير ان بريطانيا تدخلت قبل نحو ثمانين عاماً وحالت دون ممارستنا
لسيادتنا عليها واستولت عليها، ومن ثم ادعت أنها ملك الشارقة ورأس الخيمة الخاضعتين
لوصايتها).
وعندما أعلنت بريطانيا لأول مرة قرارها بالانسحاب من الخليج، طالب الشاه بأن تسيطر
إيران على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى بعد الانسحاب، وهدد بالاستيلاء على
هذه الجزر بالقوة وعدم الاعتراف بدولة الإمارات العربية المتحدة إذا لم يحصل على
مطالبه. وفي نهاية المطاف، تمكنت إيران من إبرام مذكرة تفاهم مع الشارقة بشأن جزيرة
أبوموسى، والتي سمحت للقوات الإيرانية باحتلال النصف الشمالي من الجزيرة في تشرين
الثاني/ نوفمبر 1971، وقامت القوات الإيرانية باحتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى في الشهر نفسه.
ويضمر حكام الجمهورية الإسلامية الإيرانية شكاوى اكثر خطورة بخصوص تاريخ تدخل القوى
الكبرى في المنطقة، وخاصة تاريخ السياسة الامريكية نحو إيران، بما في ذلك التورط
الأمريكي في الانقلاب الذي أسقط رئيس الوزراء محمد مصدق وأعاد الشاه إلى الحكم عام
1953. وفي كانون الثاني/ يناير 1979، وعقب عودته من المنفى إلى إيران، عبّر آية
الله الخميني عن بعض هذه المشاعر المتعلقة بسوء المعاملة الغربية لبلاده قائلاً :
وبالنسبة إلى نفطنا، فقد وُهب إلى امريكا وآخرين. صحيح ان امريكا قد دفعت ثمن
الإمدادات النفطية التي تلقتها، غير ان تلك الأموال تم إنفاقها على شراء الأسلحة
وإنشاء القواعد العسكرية لأمريكا. بعبارة أخرى، قدمنا لهم نفطنا، أولا، وبعد ذلك
قمنا بإنشاء قواعد عسكرية لهم. وهكذا فقد استفادت امريكا بدهائها (الذي ساهم فيه
هذا الرجل – الشاه - ) بصورة مضاعفة من بلادنا. لقد صدرت أمريكا اسلحة إلى إيران لم
يكن جيشنا قادراً على استخدامها لكي يحضر المستشارون والخبراء الأمريكيون ويستفيدوا
منها. ولو قيض لحكم الشاه ان يستمر (لا قدر الله) لسنوات قليلة، فإنه كان سيتمكن من
استنفاد احتياطياتنا النفطية بالاسلوب نفسه الذي دمر به زراعتنا.
تزايدت تعبيرات الغضب هذه خلال ثمانينيات القرن العشرين، ولكنها لم تقتصر على
الولايات المتحدة الامريكية فقط، وإنما تم توجيهها ايضا ضد القوى الكبرى الأخرى
ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ويعود هذا في الاساس إلى الدعم الذي كان
يقدم لبغداد خلال الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988)، وهي الحرب التي اعتدى
فيها العراق على إيران، ثم استخدم الاسلحة الكيماوية ضدها فيما بعد. وقدمت الولايات
المتحدة الامريكية أسلحة ومعلومات استخبارية للعراق، وقادت الحظر الدولي على تصدير
السلاح إلى إيران خلال معظم الفترة التي تلت عام 1983. ووفرت المملكة العربية
السعودية ودولة الكويت وحدهما 50-60 مليار دولار لدعم المجهود الحربي العراقي حتى
نهاية الحرب. ونتج معظم الضرر على وجه الخصوص من الهجمات التي شنتها القوات الجوية
العراقية ضد المنشآت النفطية الإيرانية والسفن الإيرانية، وخاصة ناقلات النفط التي
كانت تحمل النفط الإيراني في الجزء الجنوبي من الخليج، حيث إن إيران لا تملك خطوط
أنابيب عبر الدول المجاورة، وهي تعتمد على خطوط الملاحة البحرية في الخليج لنقل
صادراتها النفطية. وفي رده على هذه التحديات، قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي أكبر
هاشمي رفسنجاني في تشرين الأول/ أكتوبر 1983 :
ان الغطرسة العالمية لا تريد لهذه الحرب ان تنتهي، وكل هذا الضجيج الذي تصدره إنما
يهدف إلى منع وضع حد للحرب. وعندما تقول الامم المتحدة وامريكا والاتحاد السوفيتي
والغرب وما يصدر من ردود أفعال في المنطقة إنه لابد من التوصل إلى سلام، فإنهم
يكذبون، فقد تهوروا في إشعال هذه الحرب بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية وتنصيب شاه
آخر في الحكم لكي يحمي الملوك والحكام في جنوب الخليج. وكانوا يهدفون إلى تهيئة
صدام على هذا النحو، غير ان حساباتهم أخطأت.
ووجهت إيران تحذيراً إلى منتجي ومصدري النفط العربي بأنها ستغلق مضيق هرمز إذا لم
تتمكن إيران نفسها من تصدير النفط عبره، وأبلغت دول مجلس التعاون لدول الخليج
العربية بعدم دعم العراق، وفي حزيران/ يونيو 1984، على سبيل المثال، قال الرئيس على
خامنئي :
إذا وجدتم ان العراق بعد كل المساعدات التي قدمتموها له، ما يزال يرفض الإصغاء
إليكم (إيقاف الهجمات على ناقلات النفط)، عليكم عندئذ التوقف عن مساعدته. عليكم
التوقف عن تقديم موانئكم وأموالكم ودعايتكم له، والنأي بأنفسكم عن هذه الحرب .. ليس
لدينا شيء ضدكم. وإذا واصلتم دعمه، فعندئذ سيكون لنا الحق في التصرف بحزم ضد كل
الذين يعادوننا ... نحن لا نريد الدخول في قتال ضد المملكة العربية السعودية وقطر
والبحرين والآخرين .... ولكن هذا بشرط ألا يتورطوا في هذه الحرب ضدنا.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1986، قامت القوات الجوية العراقية بشن هجمات عطلت بها
منشآت ضخ النفط الإيرانية في حقل ساسان النفطي البحري (واسمه الآن حقل سلمان)، الذي
يقع على الجانب الإيراني من حوض نفطي مشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة
وإيران. وعندما واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة ضخ النفط من حقل أبوالبخوش
الذي يقع على الجانب الإماراتي برغم الاحتجاجات الإيرانية، قامت إيران بمهاجمة
المنشآت التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الواقع، خلال (حرب الناقلات)
التي استمرت خلال الفترة 1986-1988، قامت إيران بمهاجمة حقول النفط البحرية التابعة
لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأوقفت وهاجمت السفن التجارية (المحايدة) المتجهة
إلى الموانئ الكويتية والسعودية والقادمة منها، إلى جانب السفن المتجهة إلى الموانئ
الواقعة في الجزء الجنوبي من الخليج والقادمة منها، كما قامت بنشر ألغام في الخليج،
واستخدمت منصاتها النفطية البحرية إلى جانب جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
كقواعد لشن الكثير من هذه الهجمات. وقامت إيران حتى بإطلاق صواريخ سيلكوورم
Silkworm المضادة للسفن ضد أهداف كويتية، وأصابت ثلاثة منها، من ضمنها حاملة النفط
الكويتية (سي آل سيتي Sea Isle City) التي ترفع العلم الامريكي، وذلك في تشرين
الأول/ أكتوبر 1987.
كانت إيران مستاءة على وجه الخصوص من قيام الولايات المتحدة الامريكية وقوى كبرى
أخرى برفع أعلامها ومرافقة ناقلات النفط والغاز التابعة لدولة الكويت ودول اخرى
خلال (حرب الناقلات). وفي أيار/ مايو 1987، عبّر رفسنجاني عن وجهة النظر التي قال
فيها : (إن التواطؤ بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي بشأن –
الخليج الفارسي- هو مؤامرة موجهة ضد إيران ... ان هذا التحرك الاخير واستخدام أعلام
القوى العظمى للسماح بمرور السفن على مقربة من سواحل إيران هو تدخل صارخ وفاضح).
وتلا ذلك مواجهات مباشرة، فقد ردت القوات البحرية الامريكية على إيران في أيلول/
سبتمبر وتشرين الاول/أكتوبر من عام 1987 لقيام الأخيرة بنشر ألغام في الخليج، وذلك
بعد ضرب لغم إيراني المدمرة البحرية الامريكية صمويل بي روبرتس USS Samuel B.
Roberts وأصابها بأضرار في نيسان/ إبريل 1988. كما قامت إيران بمهاجمة قوات البحرية
الامريكية في تشرين الاول/ أكتوبر 1987 وفي نيسان، إبريل 1988 وفي تموز/ يوليو
1988، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى رد انتقامي من قبل الولايات المتحدة
الامريكية وتكبدت إيران خسائر جسيمة بسبب ذلك.
وبعد الهجمات الانتقامية التي نفذتها القوات الامريكية في تشرين الأول/ أكتوبر 1987
وفي نيسان/ إبريل 1988 ضد المنصات النفطية البحرية الإيرانية التي كانت تستخدم
لتنسيق وتنفيذ الهجمات ضد السفن والناقلات، قامت إيران برفع قضية ضد الولايات
المتحدة الامريكية أمام محكمة العدل الدولية. كما شعرت إيران بحزن عميق وظلم بسبب
إسقاط طائرة إيرباص مدنية إيرانية في أثناء رحلتها من إيران إلى دبي بعد إطلاق
صاروخ عليها من حاملة الطائرات الامريكية يو أس أس فنسنس في تموز/ يوليو 1988،
الأمر الذي أدى إلى مقتل ركابها البالغ عددهم 290 راكباً، وتعتقد إيران ان إسقاط
الطائرة لم يأت نتيجة حادثة عارضة وإنما، كما أسماها رفسنجاني، نتيجة (لمؤامرة
مدبرة). وعقب تلك الحادثة قالت إذاعة طهران إنه (ينبغي على الولايات المتحدة
الامريكية المجرمة ان تعلم ان الدم الذي سال بلا مبرر في هذه الكارثة سوف يتم
الانتقام له في السماء نفسها التي تخضبت بالدم فوق – الخليج الفارسي - ).
وبصفة عامة، فإن إيران تلوم القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، على
حربها ضد العراق وعلى الهزيمة العسكرية التي منيت بها والدمار الاقتصادي والعزلة
السياسية التي وجدت إيران نفسها غارقة فيهما عند انتهاء الصراع. فعلى سبيل المثال،
بعد مناقشة الضرر الذي تعرض له إيران خلال هذه الحرب، قال الرئيس رفسنجاني
للمشاركين في حلقة نقاش عقدت في كانون الاول/ ديسمبر 1994 في طهران عن آفاق التعاون
في الخليج الفارسي وبحر عُمان : (إنها تجربة فظيعة لدولة معتدية (مثل الولايات
المتحدة الامريكية) ان تُملي ما تريده على المنطقة ... فعلى سبيل المثال، في حرب
العراق ضد إيران، استفادت الدول من خارج المنطقة من بيع الأسلحة وفرضت رغباتها).
وتشعر طهران بالاستياء على وجه الخصوص لأن الولايات المتحدة الأمريكية تصف إيران
بأنها خطر يهدد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبالتالي تعمل الولايات
المتحدة على ترويج مبيعات الأسلحة إلى هذه الدول، وبذلك أحبطت الجهود الإيرانية
لإقناع الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية للانضمام إلى إيران في
منظومة أمنية خليجية تستبعد القوى الأجنبية. وقال كما خرازي، سفير إيران حينها لدى
الأمم المتحدة في مقابلة أجريت معه عام 1994: (إذا ادعى الأمريكيون أن هذا الإنفاق
العسكري الإيراني يهدف إلى تهديد الدول في – الخليج الفارسي - ، فهذا اتهام لا أساس
له من الصحة. أعتقد أنهم يطلقون هذا الادعاء بهدف بيع المزيد من الاسلحة إلى الدول
الأخرى، وقد نجحوا في ذلك حتى الآن). وواصل القول : (لقد بذلنا أفضل ما في وسعنا
لإقناع هذه الدول الواقعة في جنوبي – الخليج الفارسي – بأننا لا بد من ان نجتمع في
نهاية المطاف لكي نتوصل إلى وضع خطة لأمن المنطقة. ولكن يبدو أنهم يواجهون ضغوطاً
من القوى الخارجية وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية). وقال وزير الخارجية
الإيراني على أكبر ولايتي إن إيران (أضحت هدفاً للدعاية المعادية من الإمبريالية
العالمية)، وإن (المصالح الغربية هي عدو للجمهورية الإسلامية)، وإن (المشكلات التي
تواجهها منطقة – الخليج الفارسي – هي نتيجة للمحاولات التي تقوم بها القوى الغربية
لنهب الموارد الطبيعية للخليج الفارسي)، وكما يرى ولايتي فإن إيران (تحاول تعزيز
الروابط مع جيرانها في – الخليج الفارسي – لإبطال أهداف أعدائها الغربيين).
وكما أشرنا سابقاً، فإن هذه الانتقادات غير مقصورة على الولايات المتحدة الامريكية
وحدها، فقد وجهت إيران انتقادات شديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية الأخرى لسماحها للقوات الأمريكية والقوات الأجنبية
الأخرى بزيادة وجودها في الخليج خلال الحرب الإيرانية – العراقية وبعدها، وعقب
عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء، وخلال حملات التعبئة للعمل العسكري ضد العراق
في الأعوام 1994 و 1998 و 2002-2003 . وتشمل الانتقادات تمويل هذا الوجود وشراء
الأسلحة التقليدية بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الكبرى
الأخرى، وإقامة روابط أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا
وبريطانيا، وكلها جوانب تعتبرها إيران جهوداً لمنعها من ممارسة الدور الذي تستحقه
في الخليج. وقد طلبت إيران من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قطع هذه
الروابط.
وفي مطلع عام 1993، وجه الرئيس رفسنجاني انتقادات إلى الدول الأعضاء في مجلس
التعاون لدول الخليج العربية لتوقيعها اتفاقيات أمنية مع الولايات المتحدة
الامريكية قائلاً: (نحن نعارض هذه المعاهدات ونعتقد أن أي وجود عسكري للغربيين في
المنطقة هو عامل لزعزعة السلم والاستقرار فيها). وفي مقابلة أجريت معه عام 1994،
عبّر خرازي عن هذه المشاعر قائلاً: (إن وجود الكثير من القوات في هذه المنطقة يمثل
خطراً على الأمن القومي الإيراني وهو ليس في مصلحة المنطقة. إلى متى يريد
الأمريكيون البقاء لحماية هذه الدول الصغيرة؟ إن هذا الأمر يكلف الكثير، وعلى هذه
الدول الصغيرة ان تدفع ثمنه). غير ان الملاحظ ان إيران ظلت صريحة نسبياً بشأن
الكيفية التي تنظر بها إلى الدور الذي تستحقه في الخليج مقابل دول مجلس التعاون
لدول الخليج العربية الأخرى. وأوضح الرئيس رفسنجاني وجهة نظر إيران في عام 1995 حين
قال : (نعتقد أن الدول المطلة على – الخليج الفارسي – هي المالك الحقيقي لهذه
المنطقة، وعليها تقع مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلم فيها. وتتبع نصف سواحل الخليج
لإيران، ولذا فإن إيران وحدها تملك القدر نفسه من الحقوق والمسؤوليات الذي تملكه
جميع هذه الدول الأخرى مجتمعة في الحفاظ على أمن المنطقة والسلم فيها).
إن شعور إيران بالاستياء يذهب إلى أبعد من ذلك وهو موجه أيضا ضد مجلس الأمن التابع
للأمم المتحدة لعدم إدانته الغزو الذي قام به العراق على إيران عام 1980، ولعدم
المبالاة التي أبداها المجلس نحو الهجمات بالصواريخ والاسلحة الكيماوية التي نفذها
العراق ضد المدن الإيرانية، ولتبني المجلس قرارات اعتبرتها إيران منحازة ضدها،
ولتدبير اقتطاع جزء من الأراضي الإيرانية وضمها للعراق بعد وقف إطلاق النار. وفي 24
حزيران/ يونيو 1987، مثلاً، أي بعد شهر من إصدار قرار مجلس الامن رقم 598 الذي دعا
إلى وقف إطلاق النار وتشكيل هيئة محايدة لتقصي الحقائق ومعرفة الطرف المعتدي الذي
أشعل الحرب، وهو القرار الذي قبلته إيران لاحقاً في تموز/ يوليو 1988، قال مير حسين
موسوي، رئيس الوزراء الإيراني إنه إلى أن تتخذ الأمم المتحدة إجراء (لتغيير توجيهها
وتكشف المعتدي وتدينه وتقترح أسلوبا لمحاكمته ... فإن إصدار قرار من مجلس الامن
سيكون عملاً لا قيمة له).
وعبّر آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو أعلى مرجعية دينية
في إيران، عن كثير من هذه الأفكار في خطابه الذي ألقاه أمام قمة منظمة المؤتمر
الإسلامي التي عقدت في ظهران في كانون الاول/ ديسمبر 1997، قائلاً:
على مدى ثمانية عشر عاماً حتى الآن، ظل المتآمرون السياسيون من دعاة الغطرسة ينفثون
سمومهم لكي يخيفوا جيراننا في (الخليج الفارسي) من إيران الإسلامية .... وأنا اعلن
ان إيران الإسلامية لا تشكل خطرا على دولة إسلامية ... وفي هذه اللحظة، فإن وجود
السفن الحربية الاجنبية، والأهم في ذلك استعراض الولايات المتحدة الامريكية
لعضلاتها العسكرية في (الخليج الفارسي)، الذي هو بحر إسلامي ومصدر مهم للطاقة
بالنسبة إلى العالم بأكمله، يجعل المنطقة تواجه عدم الاستقرار. ان منظمة قوية مثل
منظمة المؤتمر الإسلامي تستطيع ... استخدام وسيلة القوة والكرامة الإسلاميتين
لإجبار القوى الأجنبية على التخلي عن هذه التدخلات و .. إزالة الذرائع التي تمهد
لهذا الوجود (في المنطقة). وبوسع المنظمة ان تقوم عند الحاجة بنشر قوات من الدول
الإسلامية للحفاظ على السلم والأمن في هذه المنطقة وحمايتهما.
وحتى محمد خاتمي، رجل الدين الإصلاحي الذي أصبح رئيساً لإيران في عام 1997، والذي
كان من المؤمل ان يدشن حقبة جديدة من العلاقات بين إيران والعالم الخارجي، عبّر عن
آراء مشابهة خلال اجتماعات قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، ففي خطابه أمام الوفود
المشاركة تحدث خاتمي عن (الجهود التي يبذلها المسؤولون الأمريكيون لفرض إرادتهم على
الآخرين)، ودعا الدول الإسلامية إلى (مقاومة كافة أشكال التوسع ببسالة) وصياغة عالم
جديد مبني على التعددية. وواصل خاتمي قائلاً:
في منطقة (الخليج الفارسي) الحساسة والاستراتيجية، ينبغي ان تتولى الدول الإقليمية
نفسها مهمة الحفاظ على الأمن والسلم. ونحن نرى ان وجود القوات الاجنبية والأساطيل
الحربية في هذه المنطقة يعد مصدراً للتوتر وزعزعة الاستقرار، وهو أيضاً سبب في
عواقب بيئية مأساوية ... إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهي تشدد على التعاون
بين دول منطقة (الخليج الفارسي) للحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي، تعتبر أن
التوصل إلى ترتيبات دفاعية – أمنية جماعية للخليج الفارسي يشكل خطوة مضمونة نحو
تأسيس أمن دائم في المنطقة، والدفاع عن المصالح والاهتمامات المشتركة لجميع الدول
والشعوب المعنية.
ومن الواضح ان طهران غاضبة ايضا من سياسة الاحتواء الامريكية لإيران، والتي تشمل
تطبيق عقوبات اقتصادية امريكية من طرف واحد ضدها، فضلا عن الجهود الامريكية لإقناع
الدول الأخرى بالانضمام لهذه العقوبات. وتعتبر إيران ان هذه الأعمال هي جهد متواصل
لتقليص الدخل القومي الإيراني وإبقاء إيران متخلفة وغارقة في الديون ومعزولة عن
العالم.
ونظراً لكل هذه العوامل، فان إيران لا تثق كثيرا بالعروض الأمريكية لإجراء حوار
رسمي، فقد قال رفسنجاني في عام 1995 :
من المؤسف، انه وبسبب سلوك الولايات المتحدة الامريكية، ليس هناك قدر كبير من الثقة
داخل هذا البلد (إيران) في الولايات المتحدة الامريكية. وقد يفترض في إيران ان
للولايات المتحدة الامريكية دوافع خفية وراء هذا العرض (البدء حوار رسمي). وهذا هو
السبب الذي جعلنا نقول إنه ينبغي على الولايات المتحدة الامريكية ..... ولمرة واحدة
على الأقل، أن تثبت نواياها الحسنة، بحيث يتم تمهيد الطريق لهذا الحوار. لقد
أبلغتهم مثلا، انه وكبادرة حسن نية، يمكنهم ان يفرجوا عن الأصول والأموال التي تم
تجميدها بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة الامريكية.
وفي كانون الاول/ ديسمبر 1997، دعا الرئيس الإيراني الجديد، محمد خاتمي، إلى إطلاق
(حوار معمق) مع الولايات المتحدة الامريكية، وأتبع دعوته بمقابلة مع شبكة سي إن إن
CNN الإخبارية الأمريكية، في 7 كانون الثاني/ يناير 1998، حيث عبّر عن رغبته في
(تبادل الزيارات بني أساتذة الجامعات، والكتاب والفنانين والصحفيين والسياح ...).
غير أن آية الله علي خامنئي أصر قائلاً: (إن إجراء محادثات مع – الحكومة –
الامريكية لا فائدة منه لنا، وهي مضرة لنا). وفي 24 أيار/ مايو 1999 قال خاتمي نفسه
في مقابلة مع قناة (الجزيرة) التلفزيونية القطرية ان التحسن في العلاقات مع واشنطن
مرهون بتغيير في السياسات والإجراءات الأمريكية، مؤكداً ضرورة إيقاف الجهود التي
تبذلها الولايات المتحدة الامريكية لفرض سياساتها بالقوة وإملائها على إيران.
إن الشكوك والعداء الإيراني تجاه الولايات المتحدة الامريكية امتد أثرهما إلى
النزاع حول الجزر. وتشعر إيران على وجه التحديد، بالاستياء من الولايات المتحدة
الامريكية وتتهمها بإثارة النزاع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران حول جزر
طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وقال رفسنجاني في عام 1992 ان موقف دولة الإمارات
العربية المتحدة بشأن الجزر هو جزء من (مؤامرة أمريكية ... لتبرير الوجود الامريكي
غير الشرعي في الخليج). وقال آية الله خامنئي في الوقت نفسه ان (الدعاية المحيطة
بجزيرة أبوموسى الإيرانية هي جزء من مؤامرة حاكها أعداء الامة الإسلامية لإبعاد
إيران عن جيرانها)، ووجه اللوم على وجه التحديد إلى الولايات المتحدة الامريكية
وبريطانيا. وفي عام 1995، عاد رفسنجاني ليعزو هذا النزاع إلى (التحريض الأجنبي
النابع من الولايات المتحدة الامريكية بصفة أساسية. وهم يريدون استخدام هذا كذريعة
لفرض وجودهم العسكري في الخليج الفارسي).
وأياً كانت الحجة أو الدافع، فقد حذرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أنها سوف
تدافع عن الجزر بقوة ضد أي محاولة لاستردادها. وكان الرئيس رفسنجاني قد حذر مجلس
التعاون لدول الخليج العربية في كانون الاول/ ديسمبر 1992 بعبارات صريحة للغاية
قائلا : (الوصول إلى هذه الجزر يقتضي عبور بحر من الدماء). وأعلنت إيران في ذلك
الشهر نفسه انها عازمة على الدفاع عن الجزر ضد أي هجوم، وذكرت جيرانها العرب في
الخليج بأنها كانت على استعداد للقتال لمدة ثمانين عاماً ضد العراق. ومنذ انتخاب
الرئيس خاتمي في عام 1997، ظلت إيران تشير إلى رغبتها في إقامة علاقات تصالحية
ووفاقية أكثر مع دول الخليج العربية. غير ان خاتمي وفي اول مؤتمر صحفي له بوصفه
رئيساً منتخباً قبيل تقلده المنصب أكد ان (الجزر هي ملك لإيران)، وقال ان النزاع
(ينبغي ان تتم تسويته عبر حوار ودي ومنفتح) بين إيران ودولة الإمارات العربية
المتحدة. وقال أيضاَ ان (تدخل الحكومات والقوى الاخرى لن يكون في مصلحة أي من
الطرفين).
ومنذ ذلك الحين واصل المسؤولون الإيرانيون تأكيدهم ان (المشكلة التي تواجهنا هي
مشكلة جزيرة أبوموسى وآليات تطبيق مذكرة التفاهم لعام 1971).
ومن الواضح ان الشكاوى المتنوعة التي تطرحها إيران ضد الولايات المتحدة الامريكية
والقوى الغربية الكبرى الاخرى ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد تقودها إلى
اعتقادات وحسابات تؤدي بدروها إلى استخدام هذه الجزر في عمليات عسكرية دفاعية
وهجومية متنوعة. ولكي نبحث هذا الجانب بصورة أشمل، سيكون من المفيد ان ندرس القدرات
العسكرية التي تملكها إيران، وخاصة قدراتها الموجودة على ارض الجزر وفيما حولها.
وبعد ذلك، سوف نحتاج إلى إعادة تفحص أعمق لدوافع إيران أو اهدافها.