الصفحة الرئيسية
خارطة الإمارات
خرائط الجزر
صور تاريخية للجزر
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 4
عدد المقالات : 55
عدد زوار المقالات : 37600
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » المنظوران القانوني والاستراتيجي » الفصل السادس - آراء متضاربة حول نوايا إيران
تاريخ الإضافة :: 26/02/2007   ||   عدد الزوار :: 609

الفصل السادس - آراء متضاربة حول نوايا إيران

تركز الآراء المتضاربة حول نوايا إيران التوسعية في احتلال الجزر عام 1971 على عوامل داخلية وقومية واقتصادية واستراتيجية. ويتذكر مساعد سابق للوسيط البريطاني السير وليم لوس ان الشاه أبلغ لوس بأنه فقد بعض مصداقيته في الداخل بعد تنازله عن مطالبة إيران بضم البحرين في عام 1970، وهو يعتقد انه لابد من تعويضه عن هذا التنازل بالحصول على الجزر. وفي الواقع، كان الشاه قد ادعى في ستينيات القرن العشرين ان التخلي عن مطالبة إيران بضم البحرين قد يثير رد فعل قومياً يحرج النظام، وبناء عليه فقد سعى إلى نيل اعتراف بمطالبة إيران بالجزر قبل التنازل عن مطالبته بالبحرين.
ويرى آخرون انه بينما كان رد الفعل القومي الداخلي، الذي ظهر أنه طفيف، واحداً من الاعتبارات في هذا الصدد، فإن الشاه كان يستخدم موضوع البحرين كورقة مساومة للحصول على الجزر الثلاث. وإذا تجاوزنا قضية المصداقية الداخلية، يرى البعض ان المسؤولين الإيرانيين قد صدقوا في واقع الأمر ادعاءاتهم التاريخية بتبعية الجزر لهم، على الرغم من عجزهم عن إبراز أدلة لإثبات مزاعمهم. وكان الشاه نفسه يطرح هذه الحجج القومية في أغلب الأحيان التي تقول ان الجزر هي حق لإيران وأكد أنه مصمم على (استعادتها)، ففي اجتماع مع وليم لوس في قصر نيافران في 4 أيار/ مايو 1971، نُقل عن الشاه قوله (انه لن يترأس مزادا لبيع أراض إيرانية)، وادعاؤه ان الجزر إيرانية. وعلى نحو مشابه، حاول الشاه في كانون الثاني/ يناير 1972 تبرير الاستيلاء على الجزر على أساس الزعم بأن (الحقائق التاريخية والوثائق تثبت ان هذه الجزر ملك لنا، ولن نقف لنشاهد اقتطاع جزء من أرضنا لإرضاء أي دولة كانت).
وقال آخرون إن إيران كانت تريد الجزر لما يوجد حولها من احتياطات نفطية كامنة. ولا شك في ان احتمال اكتشاف النفط حول الجزر كان أحد العوامل التي شغلت تفكير الشاه. فمنذ وقت مبكر في عام 1956، اعترف حسين علاء رئيس الوزراء الإيراني بأن إيران كانت تنوي احتلال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى لأسباب منها المصلحة الإيرانية في الحصول على حقوق استغلال النفط في المناطق البحرية في الخليج. وقامت إيران في 1959 بإنشاء منطقة بحرية حدودية بطول 12 ميلاً حول الجزر ووضعها تحت سيادتها لكي تتمكن من توسيع نطاق مطالبتها لتشمل الموارد النفطية المتوافرة حول الجزر. وأكد أسدالله علم رئيس وزراء إيران في عام 1963 ان مصلحة إيران في هذه الجزر تنبع من الاعتقاد بأن إحداها توجد فيها احتياطيات نفطية بحرية.
وكان لدى شركة ميكومويل Mecomoil توقعات باكتشاف النفط على مقربة من ساحل جزيرة أبوموسى في ذلك الوقت. وخلال الفترة من ستينيات القرن العشرين إلى سبعينياته، كانت شركات ميكومويل وبيوتس غاز آند أويل وأوكسدينتال بتروليوم تقوم بأعمال استكشاف في المنطقة البحرية القريبة من ساحل جزيرة أبوموسى، بينما كانت شركة يونيون أويل أكسبلوريشن وشركة ساوثرن ناتشورال غاز تملك امتيازات للتنقيب في المنطقة الواقعة حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
وهكذا، فقد كانت الجزر ذات قيمة اقتصادية للشاه الذي كان يريد استعادة التفوق الإيراني في إنتاج النفط الذي خسره خلال الحظر الدولي الذي تم فرضه على النفط الإيراني عقب قيام حكومة محمد مصدق بتأميم شركة النفط الإنجليزية-الإيرانية عام 1951. وفي هذا الوقت، برزت المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والعراق بوصفها منتجة رئيسية للنفط ومنافسة لإيران. وفي ستينيات القرن العشرين، كان النفط يوفر نحو 50٪ من دخل الحكومة الإيرانية و75٪ من رصيدها من العملات الصعبة، بينما شكلت الامتيازات الممنوحة في الخليج ثمن إنتاج إيران من النفط وكانت تمثل أفضل الصفقات المربحة لإيران مع شركات النفط.
أيضاً، هناك اتفاق عام على أن الشاه قد سعى إلى تحقيق الهيمنة الإيرانية في الخليج. ومنذ عامي 1964 و 1965 أوضح الشاه للبريطانيين أن إيران تستطيع الاضطلاع بالدور البريطاني في الخليج وعبّر عن معارضته لتحرك الولايات المتحدة الامريكية للتدخل لكي تحل محل البريطانيين في المنطقة. وعقب إعلان البريطانيين في عام 1968 بأن بريطانيا سوف تسحب قواتها من الخليج عام 1971، عبّر الشاه في المرحلة المبدئية عن بعض الاهتمام المتذبذب بالتعاون الدفاعي الإقليمية بين الدول المطلة على الخليج. ومع ذلك، فقد أبدى الشاه اعتزامه واتخذ الاستعدادات التي تمكن إيران من التحول إلى الحارس الرئيسي للخليج، إلى حد سعيه لتثبيط الجهود الرامية لإقامة أي قواعد عسكرية أمريكية، وقطعاً أية قواعد عسكرية سوفيتية، في منطقة الخليج.
أشار عدد من المحللين إلى الحجة التي طرحها الشاه، والتي قال فيها ان الجزر الثلاث ذات أهمية استراتيجية وأنه لابد لإيران من ان تسيطر عليها نظراً لوقوعها عند مدخل مضيق هرمز. وعلى أي حال، فهذا المضيق هو الطريق الذي تمر عبره أغلب صادرات إيران من النفط والغاز ووارداتها الحيوية، فضلاً عن أغلب نفط دول الخليج العربية المتدفق إلى المستهلكين الغربيين. وفي إِشارة إلى الجزر، في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1971، عبر الشاه عن قلقة بشأن (احتمال سقوط بعض المواقع الاستراتيجية في أيدي جهات غير مرغوبة، مثل ان تتمكن جماعة صغيرة من الرجال الذين يستخدمون قارباً ومدفع بازوكا تهديد الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي). وأوضح الشاه الذي كان يتحدث عن جزيرة أبوموسى على وجه التحديد في كانون الثاني/ يناير 1972 قائلا : (لقد أرسلت قواتنا إلى الجزر لكي تتخذ مواقع لها على مرتفعات استراتيجية هناك لكي تتمكن من ضمان أمن المنطقة).
وكان الشاه ايضا قد عبر في وقت سابق عن مخاوفه من تيار القومية العربية الراديكالي الذي تزعمه الزعيم المصري جمال عبد الناصر في الحرب الأهلية في اليمن وفي منطقة الخليج، والذي شدد على التمسك بالهوية العربية لكل من البحرين وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في الخليج. وكان الشاه قد أبلغ اللورد هوم، وزير الخارجية البريطاني، عام 1963 أنه يخشى وقوع المشيخات في الخليج تحت سيطرة عبد الناصر، كما أبدى تذمره أمام مجلس الشورى الوطني الإيراني في عام 1964 بشأن ما أسماه (تآمر) عبد الناصر و(خططه الهدامة) وسياسته العدوانية والتوسعية في منطقة الخليج، غير ان هذا الخوف قد زال تدريجياً عقب الهزيمة التي تعرضت لها مصر من قبل إسرائيل في حرب عام 1967، وانسحاب مصر لاحقاً من اليمن وتوقفها عن التدخل في شؤون الخليج.
كما عبّر الشاه عن قلقه من احتمال توسع دائرة التمرد في إقليم ظفار العُماني وامتداده إلى أنحاء الخليج الاخرى، وهو تمرد كان يحظى بدعم من النظام الماركسي-اللينيني في اليمن الجنوبي، بالإضافة إلى دعمه من قبل النظام البعثي في العراق حينذاك. وكان اليمن الجنوبي والمتمردون الذين عرفوا باسم الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتمل، وفي مرحلة لاحقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، قد تعهدوا بـ (تحرير) دول الخليج الواقعة تحت الحماية البريطانية. وكان الشاه قلقاً من احتمال ان يتمكن اليمن الجنوبي والجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي أو الأطراف الهدامة الأخرى من الاستيلاء على الإمارات والجزر ومن ثم تعطيل حركة تصدير النفط. ففي تموز/ يوليو 1971 على سبيل المثال، علّق الشاه على موضوع الجزر قائلا: (ان موقعها الجغرافي قد يحعلها موضعا ذات قيمة عسكرية كبيرة. وقبل قليل فقط، أصدر اليمنيون الجنوبيون بياناً أقسموا فيه على نشر الثورة في منطقة - الخليج الفارسي –
بأكملها).
وبعد سيطرة الشاه على الجزر في نهاية عام 1971، ازداد قلقه حول تزايد وجود البحرية السوفيتية في بحر العرب والمحيط الهندي، ومن ذلك تزايد عدد الزيارات التي تقوم بها قطع البحرية السوفيتية إلى الموانئ العراقية وتسليم طلبيات الأسلحة السوفيتية إلى العراق. وبناء عليه، فقد بدأ الشاه بتوسيع خط الدفاع الإيراني من شمال الخليج عبر الجزء الجنوبي من الخليج والجزر، ومنها إلى خليج عُمان.
وقال آخرون إن دوافع إيران كانت (إمبريالية) و(توسعية) وإن ادعاءاتها التاريخية كانت مجرد (دعاية)، وإن إيران (لم تكن مدفوعة باعتبارات الاستقرار والأمن في المنطقة)، وإنها سوف تستخدم الجزر لاعتراض وقطع طريق وسائل الملاحة التابعة لأطراف أخرى. وكان المندوب العراقي الذي شارك في مناقشات مجلس الأمن حول احتلال إيران للجزر في كانون الاول/ ديسمبر 1971 قد طرح هذه الآراء، حيث أكد ان الجزر الثلاث ومضيق هرمز يشكلان شريان الحياة الاقتصادية لدول الخليج العربية، وان المضيق هو المنفذ الوحيد الصالح للملاحة عبر مياه الخليج الضحلة إلى أعالي البحار. وحذر من أن إيران قد تستخدم حشدها العسكري وموقعها على الجزر لتهديد هذا الشريان الحيوي، ولكي تمارس ضغوطاً على الدول العربية التي تعتمد عليها. كما عبّر المندوب الكويتي الذي شارك في هذا النقاش عن هذه المخاوف نفسها. وعلى النسق نفسه، حذّر مندوب اليمن الجنوبي من أن إيران تهدف لاستغلال هذه الجزر للتدخل في عُمان وإنهاء ثورة ظفار.
ويمكن عرض نموذجين آخرين لآراء متعارضة، فقد قال المؤرخ جيه بي كيلي إن المواقع الإيرانية على جزر صري وقشم وهنجام ولاراك ربما كانت كافية لكي تمكن إيران من توفير الحماية الاستراتيجية لخطوط الملاحة البحرية، وأن جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى ليست كافية لهذا الغرض. وبدلاً من ذلك، فهو يقول إن الهدف الحقيقي لإيران هو المطالبة بامتلاك أي اكتشافات نفطية مستقبلية حول الجزر. أما روح الله رمضاني، المؤرخ والمتخصص في العلوم السياسية، فقد اتفق مع الرأي الذي طرحه الشاه حول الأهمية الاستراتيجية للجزر في حماية خطوط الملاحة البحرية، وحول التهديد الذي تمثله القوى العربية الراديكالية، وقال إن (المصلحة الحقيقية لإيران هي سياسية – استراتيجية أكثر منها حدودية – تاريخية).
إجمالاً، يبدو ان نوايا الشاه في احتلال هذه الجزر الثلاث تتضمن، حسب ترتيبها التالي من حيث الأهمية كل الحجج الاستراتيجية والاقتصادية والقومية والداخلية التي طرحها هو وكبار المسؤولين في حكومته. وشملت هذه الحجج أيضاً الدوافع الاستراتيجية غير المعلنة المتعلقة بامتلاك القدرة على اعتراض سير التجارة العائدة للآخرين والتدخل في إقليم ظفار أو في أماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية.
وكانت الآراء المتعارضة بشأن أهداف ونوايا الجمهورية الإسلامية الإيرانية في احتلال الجزر ونشر قدراتها العسكرية عليها منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين قد ركزت على العوامل والاعتبارات الداخلية والقومية والاقتصادية والاستراتيجية نفسها التي طرحت في عهد الشاه، إلى جانب الدوافع الإسلامية لتصدير الثورة أو الدفاع عنها. وقال مسؤول إماراتي ان اضطرار إيران للتنازل عن الأرض عند تسوية النزاعات الحدودية مع العراق وجيرانها الآخرين قد تجعل إيران أكثر تصميماً على التمسك بهذه الجزر، وخاصة في وقت ماتزال لديها نزاعات حدودية قائمة مع أفغانستان وباكستان، وأنها قد لا ترغب في تقديم المزيد من سوابق التنازل عن الأراضي. ويعتقد هذا المسؤول أيضاً أنه منذ عام 1992 تحديداً، أصبحت قضية الجزر وسيلة لإضفاء الشرعية على النظام القائم في إيران، وللتعبئة الشعبية التي ترفدها مشاعر العزلة والاستياء لدى الإيرانيين (يمكن الرجوع إلى ما أوردناه سابقاً بشأن أسباب شعور إيران بالاستياء).
وقد يتفق مسؤول إماراتي آخر مع الرأي القائل بأن إيران قد تهورت في تحويل قضية الجزر إلى مشكلة قومية. وقال إن هذا أدى إلى تعقيد المشكلة وزاد من صعوبة التوصل إلى تسوية بشأنها. وعلى الرغم من تغير الاوضاع الديمغرافية والسياسية في إيران، مع قيام جيل الشباب من السكان بالتصويت لصالح قوى الإصلاح الداخلي، وإنهاء العزلة الدولية، فإنه لا يعتقد ان قضية الشرف الوطني سوف تنحسر وتؤدي إلى تحسين احتمالات التفاوض.
وقد عبّر كما خرازي وزير خارجية إيران الحالي، في أثناء عمله سفيراً لإيران لدى الأمم المتحدة عام 1994، عن هذا الفهم المنتشر على نطاق واسع في إيران بوجود دعوى صحيحة عندما قال : (لدينا وثائق تثبت ان هذه الجزر ظلت جزءاً من الأراضي الإيرانية لعدة قرون). وكان مسؤولون براجماتيون آخرون في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد أبلغوا مؤلف هذا الكتاب ان الشعب الإيراني يعتقد أن الجزر إيرانية، وبالتالي لا يجوز للنظام ان يتنازل عنها ويعقد تسوية بشأنها.
وهناك أيضاً الحجة الاقتصادية، فنظراً لكون الاحتياطات المؤكدة من نفط إيران، التي يبلغ حجمها 47.9 مليار برميل سوف تنضب قبل وقت طويل من نضوب احتياطيات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية البالغة 452.4 مليار برميل، فقد رأى بعض المحللين ان إيران ادعت السيادة على الجزر وامتلاك الحق الحصري بإعلانها عن إنشاء حزام بطول 12 ميلاً من المياه الإقليمية حول كل جزيرة بهدف فرض تحد قانوني ومادي للحقوق السيادية لدولة الإمارات العربية المتحدة في ملكية حقول النفط والغاز البحرية في هذه المياه. ويتضمن هذا حقل مبارك الواقع على مقربة من ساحل جزيرة أبوموسى وأي حقول أخرى قد تكتشف لاحقاً ضمن الحزام المكون من 12 ميلا حول جزيرة أبوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، حيث ما تزال أنشطة الاستكشاف متواصلة فيها منذ عام 1999.
وقيل ان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان قد عبّر عن قلقه من أن هذا العامل هو الدافع الحقيقي لاحتلال الجزر. وفي الواقع، فقد وصف أحد الباحثين الإيرانيين النفط المستخرج من حقل مبارك بأنه (افضل نفط من حيث الجودة يتم إنتاجه في – الخليج الفارسي-). وعلاوة على ذلك، فقد استشهدت إيران بالخلاف الذي دار حول تبعية حقل مبارك ووصفته بأنه مبرر للإجراء الذي اتخذته في نيسان/ إبريل 1992 على جزيرة أبوموسى، عندما ادعت أنها لم تحصل على حصتها العادلة من الداخل العائد من هذا الحقل. وعلى الرغم من ذلك، يقول مسؤول بريطاني سابق في الإمارات المتصالحة ان هذا ليس هو الدافع الفعلي على الأرجح، وأشار إلى ان إيران ظلت لفترة طويلة تتقاسم الدخل العائد من حقل مبارك النفطي مع إمارة الشارقة. ومع ذلك، فإن استمرار ادعاءات إيران واحتلالها لهذه الجزر هي التي تتيح لها تحديداً الحصول على هذا الدخل.
ويرى أغلب المسؤولين والمحللين الأمريكيين والبريطانيين والعرب ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شأنها في ذلك شأن إيران في عهد الشاه، تسعى إلى تحقيق الهيمنة في منطقة الخليج، وان إيران الإسلامية محبطة من ان طموحاتها نحو إعادة فرض قوة الإمبراطورية الإيرانية قد أجهضت بسبب توسع القوة الأمريكية. ويقول مسؤول إماراتي ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما تزال تتمسك بالتوجه الإيراني التوسعي تجاه منطقة الخليج، وتعتبر الجزر (أملاكاً) إيرانية. ويعتقد هذا المسؤول ان الإيرانيين ظلوا يفكرون دائماً من منطلق الهيمنة بسبب تاريخهم وحجم دولتهم وعدد سكانهم، وهم يعتقدون أن هذه العوامل تؤهلهم لأحقية القيام بدور إقليمي مهيمن خارج نطاق حدودهم. وفي الواقع، فهم يعتقدون ان احتياجات إيران النفطية والاقتصادية والتنموية ينبغي ان تمنح أولوية على احتياجات الآخرين. ومن المؤكد ان الموقف الإيراني الذي يعتبر وجود القوى العسكرية الأجنبية في الخليج عقبة شديدة أمام ممارسة إيران لدورها الإقليمي المرتجى، ظل ثابتاً منذ عهد الشاه رضا بهلوي. وعلى النسق نفسه، فإن اللغة المتعالية التي تستخدمها إيران تجاه الدول العربية تكشف عن موقف سلبي من القوى العسكرية الأجنبية وشركائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وبعدم الإشارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى بأسمائها المعترف بها دولياً، والاكتفاء بتسميتها بـ (المشيخات) أو (مجموعة أو شعوب الساحل الجنوبي من –الخليج الفارسي-)، فإن إيران تحاول نزع صفة الشرعية عن يهذ الدول والإيحاء بأنها تحت قبضة السيطرة المؤثرة للقوى الأجنبية. إن إيران تنتهج هذا التوجه بدلاً من مناقشة الأسس الموضوعية التي تستند إليها دعوى دولة الإمارات العربية المتحدة في المطالبة بالجزر الثلاث.
ويطرح مسؤول امريكي سابق في المنطقة آراء مبنية على الأسس نفسها، حيث يقول ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر نفسها القوة صاحبة الحق في الهيمنة على الخليج، وتعامل الدول العربية الناشئة حديثاً في المنطقة بوصفها دولاً صغيرة وضعيفة ينبغي ان تتطلع إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية. وهكذا، فإن الإيرانيين الذين يعلمون ان دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت تنازلات عن بعض أراضيها للمملكة العربية السعودية في سبعينيات القرن العشرين، اعتقدوا مخطئين ان الشيخ زايد سوف يقبل الاحتلال الفعلي لجزيرة أبوموسى عام 1992. وقال قائد سابق للقيادة المركزية الأمريكية ان إيران اعتقدت انها يمكن ان تمرر قضية الجزر هذه في غفلة من دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1992، غير أنها ووجهت برد فعل إماراتي تعتبره غير ملائم. ويرى هذا المسؤول انه لابد من النظر إلى دوافع إيران بوصفها تتسم بالهيمنة والانتهازية. ويرى محلل آخر أن الحشد العسكري الذي قامت به إيران على أرض الجزر في تسعينيات القرن العشرين، وعلى وجه التحديد منذ عام 1994، يهدف إلى رفض موقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية الداعم لمطالبة دولة الإمارات العربية المتحدة بالجزر، وهو أيضاً مؤشر على عزم إيران الاحتفاظ بهذه الجزر.
ويعتقد أغلب المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين ان اهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية فيما يتعلق بالجزر منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، مثلما كانت أهداف إيران الإمبراطورية خلال سبعينيات القرن الماضي، ظلت تتضمن الدفاع البحري والجوي عن خطوط الملاحة البحرية التي تمر عبرها معظم صادرات إيران من النفط والغاز، بالإضافة إلى الدفاع عن منشآت إيران النفطية البحرية. وفي الواقع، قامت إيران في تشرين الأول/ أكتوبر 1982 بتعزيز تحصيناتها العسكرية على جزر فارسي وصري ولاراك، بالإضافة إلى تعزيز مدفعيتها وأسلحتها المضادة للطائرات على جزيرتي طنب الكبرى وقشم، وذلك تحسباً للخطر الذي يواجه السفن والمنشآت الإيرانية في الجزء الجنوبي من الخليج نتيجة حصول العراق على طائرات سوبر إتندار Super Etendard الفرنسية الضاربة، المسلحة بصواريخ إكسوسيت Exocet جو- أرض. غير ان أحد المسؤولين العسكريين الأمريكيين يرى ان الدفاع البحري والجوي عن وسائل الملاحة الإيرانية ومنشآتها النفطية هو أحد الدوافع، ولكنه ليس الدافع الأساسي لاحتلالها الجزر وتحصينها، وان الإمكانيات العسكرية التي تملكها إيران على ساحل أراضيها الرئيسية يمكن ان توفر لها هذه القدرات الدفاعية.
وثمة اتفاق عام أيضا يرى ان نوايا الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن الجزر تضمنت القدرة على اعتراض وسائل الملاحة التابعة للأطراف الأخرى والتي تمر عبر الممرات البحرية في الجزء الجنوبي من الخليج. والمعروف ان إيران قد أظهرت نواياها في هذا الصدد خلال الحرب الإيرانية – العراقية. فكادت وسائل الملاحة التجارية العراقية التي تمر عبر الخليج ان تتوقف خلال هذه الحرب لان العراق لجأ إلى استخدام طرق التصدير وخطوط الأنابيب الأردنية والسعودية والتركية. ولكن، كان هناك قدر كبير من حركة السفن عبر الخليج من قبل مؤيدي العراق في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتعرضت هذه السفن لهجمات إيرانية خلال الفترة 1984-1988. وفي الفترة 1986-1988 وقعت الكثير من الهجمات الإيرانية في منطقة جنوب غربي الخليج، على مقربة من سواحل دولة الإمارات العربية المتحدة وفي اتجاه مضيق هرمز، ضد سفن تجارية متجهة إلى موانئ كويتية وسعودية أو قادمة منها.
وتم شن الكثير من هذه الهجمات من جزيرة أبوموسى بالمروحيات وبزوارق بوغامر وبوسطن ويلر التي كانت تقصف السفن برشاشات والقذائف الصاروخية. وقال مسؤول في الإدارة القانونية بوزارة الخارجية الامريكية ان جزيرة أبوموسى ربما استخدمت لشن عدد أكبر من الهجمات ضد وسائل الملاحة خلال حرب الناقلات مقارنة بالهجمات التي تم شنها انطلاقاً من المنصات النفطية البحرية التابعة لإيران. وخلال هذه الفترة هاجمت إيران 200 سفينة، وقامت الزوارق الحربية (الطرادات) الإيرانية الصغيرة بتنفيذ الهجمات ضد ثلث هذا العدد من السفن. وتم تنفيذ عدد كبير من هذه الهجمات، ربما ثلثها أو نحو نصفها، انطلاقاً من جزيرة أبوموسى، وخاصة إذا أخذنا في الحسبان المواقع التي وقعت فيها هذه الهجمات. ويستند هذا الرأي إلى المعلومات الاستخبارية التي تم الحصول عليها من قباطنة السفن التجارية وشهود عيان يقومون بأعمال الصيانة في المنشآت النفطية الذين شاهدوا الزوارق الحربية الصغيرة وهي متوقفة عند المرسى في جزيرة أبوموسى، كما ان هجمات بالمروحيات انطلقت من الجزر. ولم يرد في التقارير ما يشير إلى ان جزيرة طنب الكبرى كانت قاعدة نشطة لشن هذه العمليات، وإنما في الواقع، هناك حوادث مسجلة تم فيها استخدام جزيرة طنب الكبرى كقاعدة لتنفيذ بعض هذه العمليات.
وعلى الرغم من ذلك كله، تحتاج إيران إلى التصدير عبر الخليج، وعليه يبرز السؤال عن الأسباب الداعية لقيام إيران باعتراض حركة الملاحة، وخاصة عندما يكون الوجود العسكري الامريكي والقدرات الامريكية على الرد الانتقامي أكبر كثيراً مما كانا عليه خلال الفترة 1986-1988. ويرى دبلوماسي أمريكي سابق أنه لا يوجد سبب يدعو إيران إلى اعتراض سفن الآخرين إلا لأسباب دفاعية خلال الحرب، وحتى في هذه الحال لا يحدث الاعتراض خلال وجود قطع البحرية الغربية في هذه المنطقة. ولكن، كما حدث في ثمانينيات القرن العشرين، إذا هوجمت منشآت إيران النفطية وسفنها مرة أخرى وانخفض حجم صادراتها عبر الخليج، أو إذا تعرضت منشآتها النووية إلى ضربة في هجوم استباقي، فإنها قد ترغب في التمكن من استخدام جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى لشن هجوم معاكس. وإذا حكمنا على الوضع على أساس قدراتها العسكرية على أرض الجزر، وما أجرته من تمارين ومناورات عسكرية على أرض الجزر وفيما حولها، فإن إيران قد ترغب على الأقل في استخدام الجزر لاعتراض حركة السفن بصورة أكثر فاعلية مما فعلت خلال الحرب الإيرانية – العراقية، حتى في ظل وجود عسكري امريكي أكبر عدداً وعتاداً في منطقة الخليج.
وضمن سيناريو محتمل تتعرض فيه صادرات إيران لحظر اقتصادي، أو تحاصر وسائل الملاحة التابعة لها أو توقف نهائياً بسبب القصف، قد تلجأ إيران إلى استخدام الجزر في محاولة لإغلاق مضيق هرمز. وبينما تبدو هذه الخيارات دفاعية في ظاهرها، فإن إيران قد تثير الصراع الذي يؤدي إلى هذه السيناريوهات. وعلاوة على ذلك، من الممكن ان يكون استخدام الجزر لاعتراض حركة السفن التجارية جزءاً من عملية إيرانية هجومية، وخاصة إذا تم تخفيض عدد القوات الامريكية أو سحبها، كما أن مجرد التهديد باعتراض حركة الملاحة وإغلاق المضيق سيدفع شركة لويدز أوف لندن Lloyd\'s London إلى زيادة أسعار التأمين لديها، وبذلك تثني بعض السفن عن دخول الخليج، على غرار ما جرى أثناء الحرب الإيرانية – العراقية. وسيؤدي اعتراض حركة الملاحة وإيقافها فعلياً إلى رفع أسعار النفط والغاز.
وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون تصرفات إيران على ارض الجزر هي رد فعل على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة الذي تعتقد إيران أنه موجه ضدها. ويرى مسؤول إماراتي ان قيام إيران في عام 1992 بانتهاك مذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبوموسى الموقعة عام 1971، وما تلا ذلك من انتهاكات إيرانية متواصلة، مدفوع جزئياً بالرغبة في إرسال إشارات سياسية تعبر عن عدم رضا إيران عن استبعادها من ترتيبات وضع نظام لأمن الخليج عقب عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء العسكريتين. ان الضرر الذي تعرضت له قدرات العراق العسكرية والصناعية جراء عملية عاصفة الصحراء والقيود التي فرضت على سيادته عقب تلك العملية قد خلقت عدم توازن عسكري في الخليج، كان يمكن لإيران ان تستغله لصالحها. وكانت إيران تحذر جيرانها في الخليج العربي من عدم التمادي في جلب القوات الأمريكية، وخاصة القوات البحرية، إلى الخليج العربي بهدف تصحيح هذا الاختلال. ويرى هذا المسؤول الإماراتي ان زيارة الرئيس رفسنجاني إلى جزيرة أبوموسى في آذار/ مارس 1992 وتصعيد لغة الحماس والتعصب القومي بشأن الجزر، ومن ضمن ذلك التحذير الذي أطلقه رفسنجاني نفسه حول ما أسماه (بحر الدماء) يعد إشارة إلى عدم رضا إيران عن الترتيبات العسكرية التي يجري التفكير فيها وتنفيذها بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الامريكية.
لقد صرح مسؤول أمريكي رفيع في إدارة الرئيس كلنتون في كانون الاول/ ديسمبر 1994 ان إيران تعتقد ان الولايات المتحدة الامريكية تستغل الوضع في العراق لزيادة حجم قواتها العسكرية في الخليج، كما تعتقد ان السبب الحقيقي للوجود العسكري الامريكي هو لمهاجمتها، وان اهداف هذا الهجوم تتضمن طردها وإخراجها من الجزر الثلاث. ويرى محلل امريكي آخر ان تحصين الجزر أصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى إيران بعد ان عجلت الولايات المتحدة الامريكية بإرسال قوات إضافية إلى الخليج في تشرين الأول/ أكتوبر 1994 بهدف ردع أي تهديد عراقي جديد لدولة الكويت، حيث اعتقدت إيران أن الولايات المتحدة الامريكية تخطط لمهاجمتها تحت مبررات مثل احتلالها للجزر. وضمن وجهة النظر هذه، ترى إيران ان الجزر تعد من المقومات الاستراتيجية، وهي أحد عناصر الدفاع المتعدد المستويات ضد القوات البحرية الامريكية، وهي تتخوف من ان الولايات المتحدة الامريكية تريد الاستيلاء على الجزر وحرمانها من هذه المواقع الدفاعية.
وفي الواقع، فإن إيران تعتقد ان أمنها القومي يقتضي استمرار السيطرة على الجزر لاستخدامها في الدفاع ضد الولايات المتحدة الامريكية. إن نشر إيران قدرات عسكرية على الجزر وتنفيذها لمناورات بحرية إنما تهدف إلى إرسال رسالة مفادها ان الإيرانيين على استعداد للدفاع عن الجزر وعن سواحلهم وموانئهم وأراضيهم الرئيسية. ومن الممكن ان تكون هذه المبررات قد خطرت على تفكير المسؤولين الإيرانيين خلال نشر القوات الامريكية في منطقة الخليج في الفترة 2002-2003 استعداداً للعمل العسكري الامريكي ضد العراق، وهو الانتشار الذي دانه كل من رفسنجاني وخاتمي وخامنئي.
وهكذا فإن إيران قد تريد امتلاك القدرة على استخدام صواريخها المضادة للسفن وقدراتها الاخرى على الجزر، بالإضافة إلى قدراتها المتوافرة على أراضيها الرئيسية لمهاجمة سفن البحرية الامريكية في مياه الخليج أو في موانئه، مثل تلك الموجودة في ميناء جبل علي بإمارة دبي، إذا رأت ان دفاعها عن نفسها يقتضي القيام بهذا الإجراء. ويتفق قائد سابق في القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM مع الرأي القائل بأنه يبدو ان إيران تستعد وتدرب قواتها على صد محاولة امريكية-إماراتية محتملة للاستيلاء على الجزر. وطبقاً لما قاله أحد المسؤولين الإماراتيين فإن القادة الإيرانيين يفكرون بعقلية المؤامرة ويتخوفون من احتمال قيام الولايات المتحدة الامريكية بالاستيلاء على الجزر واستخدامها ضد إيران. وعلاوة على ذلك، عندما حاولت إيران حشد قوتها وبسط نفوذها خارج منطقة الخليج إلى داخل المحيط الهندي، فقد اعتبرت الجزر جزءاً من خط دفاع بحري يمتد من مضيق هرمز إلى جزيرة لاراك ثم جزيرة قشم ومنها إلى جزيرة هنجام، ومن ثم جزيرة طنب الكبرى وجزيرة أبوموسى، وفي ضوء حصول إيران على غواصات بحرية واحتمال استخدامها في خليج عُمان، حيث يمكن ان تستخدم في محاولة لمنع السفن البحرية التابعة للدول الغربية من المرور عبر مضيق هرمز ومن ثم إلى داخل الخليج، يمكن القول ان إيران أضحت الآن تعتبر الجزر جزءاً من خط دفاعي بحري من قبيل الخط الذي ذكرناه آنفاً.
ويرى المحللون الاستخباريون في الولايات المتحدة الامريكية ان إيران تسعى لتحقيق أهداف كثيرة فيما يتعلق باحتلال الجزر، وهي: تقليص أو إنهاء الوجود العسكري الغربي في الخليج، وتأكيد دورها بوصفها قوة عسكرية رئيسية في الخليج، ثم حماية سفنها ومراقبة وتهديد السفن التجارية التابعة لأطراف أخرى في الخليج، والسيطرة على دخول قطع البحرية الأجنبية إلى الخليج وخليج عُمان، وامتلاك القدرة على الاشتباك مع القوات البحرية الاجنبية داخل الخليج وفي خليج عُمان، والسيطرة على الجزر ليس فقط بسبب هذه الجوانب المتعلقة بتحقيق الهيمنة الإقليمية وإنما لضمان النظام الإيراني القائم. وبهذا الفهم، يرى مسؤول امريكي ان ادعاء إيران السيادة على الجزر وإعلانها عن حقها الحصري في إنشاء حزام طوله 12 ميلاً من المياه الإقليمية حول كل جزيرة، يهدف أساساً إلى جعل القدر الأعظم من خطوط الملاحة في الخليج يدخل ضمن حدود مياهها الإقليمية. ولم تكتف غيران بفرض حدود مياهها الإقليمية المكونة من حزام طوله 12 ميلاً حول الجزر، بل أجازت أيضاً تشريعاً يمنع مرور السفن الحربية عبر مياهها الإقليمية بدون الحصول على إذن مسبق. وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة الامريكية تطالب فقط بحق (المرور البريء) لسفنها الحربية عبر المياه الإقليمية، ونعني بذلك المرور الذي لا يلحق ضرراً بأمن سواحل إيران، والذي يتم من دون الحصول على إذن مسبق. وفي الواقع، فإن البحرية الأمريكية تمر عبر المياه التي تدعي إيران أنها ضمن حدود مياهها الإقليمية لكي تظهر لإيران ان الولايات المتحدة الامريكية تعتبر هذه المياه مياهاً دولية، وأنها قد فعلت ذلك عندما مرّت سفنها بمحاذاة جزيرة أبوموسى.
يجب أيضاً ان نأخذ في الحسبان النوايا الهجومية الإيرانية، إذ يرى محلل من المنطقة انه من غير المحتمل ان تقوم إيران بشن هجوم عسكري علني، منسوب لها بصفة مباشرة، ضد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بسبب تجربتها المؤلمة في الحرب الإيرانية – العراقية وما أدركته إثر عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء من أن مهاجمة تلك الدول ستكون خطأ فادحاً. وربما قدم القادة العسكريون الإيرانيون النصح للقيادة السياسية في بلادهم بتجنب أي عمل قد يثير رد فعل عسكرياً من التحالف الخليجي – الغربي. وفي الوقت نفسه، فإن إضعاف الالتزام الغربي نحو حماية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد يشجع إيران على التحرك ضد دول المجلس أو يدفعها للسعي إلى إثارة الاضطرابات وزعزعة استقرار هذه الدول من الداخل. وعلى الرغم من ذلك، بما أن إيران تدرك النتائج المدمرة على مؤسستها العسكرية التي قد تنجم عن هجوم معاكس تقوم به دول المجلس وشركاؤها في الدفاع عن أمن الخليج، فإن احتمال شن هجوم علني ومباشر ضد دول المجلس (تم ردعه بفاعلية خلال المستقبل القريب). وبهذا الفهم على الاقل يمكن أن نعتبر ان إيران أضحت عقلانية في تصرفها. وعلاوة على ذلك، هناك من يرى ان القادة العسكريين الإيرانيين يعتبرون القيادة السياسية الجهة التي تملك اتخاذ القرار في نهاية المطاف.
ويؤكد مسؤول إماراتي نقطة مهمة، وهي ان إيران تفهم تماماً ان الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل قيام إيران بأي هجوم ضد دولة الإمارات العربية المتحدة أو الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وليس بوسع إيران ان تتمادى في استخدام الجزر لكي تدعم سياستها الخارجية أو لتصدير مشكلاتها الداخلية للخارج، حيث ان قلقها على اقتصادها يجعلها غير قادرة على تحمل نوعية التبعات الاقتصادية التي عانى منها العراق منذ عام 1990. ويرى هذا المسؤول انه حتى قيام إيران بأي تحركات ضد حقول النفط الإماراتية قد يثير رد فعل أمريكياً قد يعيد إيران إلى الوراء بعقد كامل من الزمان.
أظهرت السنوات القليلة الماضية ان إيران مهتمة بكسر عزلتها الإقليمية والدولية، فسياسية الوفاق والمصالحة التي انتهجتها إيران مؤخراً مع بضع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإقامة علاقات سياسية أوثق مع جميع الدول الأوروبية كلها منجزات لا تريد إيران التفريط فيها. وعلى الرغم من ان علاقاتها بالولايات المتحدة الامريكية ما تزال متوترة، فقد كانت هناك مؤشرات تدل على أن الطرفين ربما يسعيان إلى إيجاد سبل لإقامة شكل من أشكال الحوار. وبناء عليه، لا يبدو محتملاً ان تثير إيران مواجهة في الخليج في وقت تسعى فيه إلى تجاوز الشكوك السابقة إزاءها. وكما أشار مسؤول بريطاني سابق، فإن إيران تريد الهيمنة على جيرانها، ولكنها لا تريد احتلال أراضيهم بالفعل، وليس بالضرورة ان تكون الجزر وسيلة للهيمنة.
وبدلاً من ذلك، يُنظر إلى إيران على أساس أنها تعمل من أجل حشد قوتها العسكرية المتنامية وقوتها الديمغرافية والجغرافية لزيادة نفوذها على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد يتضمن هذا ترهيب هذه الدول وحملها على المساهمة باستثمارات مالية تحتاجها إيران بشدة في قطاعات إعادة البناء والتنويع الاقتصادي، بالإضافة إلى إعطاء إيران نفوذاً أكبر في التأثير في السياسات النفطية لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو على الأقل في السياسات النفطية على مستوى الخليج. وعلى نحو أكثر تحديداً، قد تريد إيران الاحتفاظ بالجزر لتكون جزءاً من أي استراتيجية لتهديد وترهيب وممارسة نفوذها للتأثير في موقف دولة الإمارات العربية المتحدة.
وعلى الرغم من ذلك، لا يتفق مساعد سابق للسير وليم لوس مع القائلين بأن هذه الدوافع هي التي تقف وراء تحصين الجزر، ويرى أن مجرد الحجم والقوة اللذين تتمتع بهما إيران يكفي لترهيب الدول العربية من دون الحاجة إلى استخدام الجزر في القيام بذلك. وبالإضافة إلى ذلك، عقب انتخاب الرئيس محمد خاتمي، ظلت إيران تقول بوضوح إنها ترغب في إقامة علاقات أكثر وفاقاً وتصالحاً مع دول الخليج العربية. وأشار مسؤول أمريكي إلى ان إيران انتهزت مفاوضات عام 1992 مع دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجزر كفرصة للحصول على تأييد دولة الإمارات العربية المتحدة لزيادة حصة إيران من إنتاج النفط في منظمة أوبك. وفي مطلع عام 1999 اتفقت إيران بالفعل مع المملكة العربية السعودية على تخفيضات الإنتاج التي أقرتها منظمة أوبك غير ان هذه الخطة كانت من أجل إيقاف انخفاض حاد في الأسعار. وفي آذار/ مارس 2000، عارضت إيران الزيادات في الإنتاج التي أقرتها منظمة أوبك لأن هذه الزيادات كانت تهدف إلى إيقاف زيادة كبيرة في الأسعار. وقد تحتاج إيران إلى تعزيز إنتاجها النفطي في وقت لاحق، وقد تستخدم الجزر كوسيلة نفوذ لموازنة أي معارضة عربية في حينه.
ومع ذلك، هناك عدد من السيناريوهات المحتملة التي قد ينجم عنها هجوم إيراني ضد أهداف إماراتية، سواء كان هجوماً علنياً ومنسوباً بصورة مباشرة لإيران أو كان خفياً ولا يمكن ان ينسب مباشرة إليها. ان فشل إيران في الفوز بتعاون دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حسبما كان متصوراً تحت مبادرات الوفاق التي حدثت مؤخراً، إلى جانب تزايد التوترات داخل إيران نفسها، قد يؤثر في التحركات العسكرية الإيرانية على المستوى الإقليمي، وقد يتضمن ذلك القيام بمغامرة في الخارج لصرف الأنظار والانتباه عن الفشل الذي منيت به السياسة الخارجية الإيرانية أو لكبح المعارضة الداخلية. وقد تتجاوب إيران أيضاً مع فرصة غير متوقعة أو تقوم برد فعل تجاه تحد يظهر فجأة.
وفي هذا السياق، كتب أنتوني كوردزمان قائلاً : (تواجه إيران والعراق – في عهد صدام حسين – قيوداً أقل في استخدام القوة للترهيب وتنفيذ هجمات محدودة مقارنة بحجم القيود التي تواجهانها في استخدام القوة، أو تهدد باستخدامها، على الرغم من نقاط الضعف العسكرية التي تعاني منها، في حالات طارئة متنوعة). وبالإضافة إلى الاحتمالات التي أوردناها فيما سبق، هناك سيناريوهات محتملة أخرى قد تنتج عن حدوث اضطراب داخلي في إحدى دول الخليج العربية، أو حدوث معركة جوية أو بحرية في الخليج إثر نزاع على حقوق نفطية أو ممرات للملاحة، أو وقوع نزاع على حقول نفط أو غاز برية أو بحرية، إلى جانب ظهور تحد عسكري لسيطرة إيران على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وإذا أخذنا في الحسبان الوجود المتواصل للقوات العسكرية التابعة للدول الغربية في منطقة الخليج في الوقت الحالي، فإن من المرجح ان تلجأ إيران إلى الأعمال السرية والتي لا يمكن نسبتها إليها بصورة مباشرة، وهي الأعمال التي قد لا تؤدي إلى إثارة رد فعل عسكري من قبل الدول الغربية. غير ان الالتزام الغربي بحماية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد يضعف في المستقبل، وبالتالي يشجع إيران على التحرك ضد هذه الدول أو السعي لإثارة عدم الاستقرار فيها من الداخل.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك احتمال استخدام الجزر لتنفيذ عمليات تخريب سرية لحقول النفط والغاز التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة وموانئها البحرية، إلى جانب ضرب السفن البحرية التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى التي قد توجد في هذه الموانئ. وتقع أغلب حقول النفط الإماراتية في اتجاه الغرب البعيد، غير ان حقل مبارك وحقول النفط الأخرى مثل البيح وفتح وراشد وبخا وبخا الغربي وصالح وحقول الغاز التابعة لإمارتي الشارقة وام القيوين كلها تقع على مسافة قريبة نسبياً من الجزر. ولم يتضح بالكامل الإجراء الذي ستقوم به الولايات المتحدة الامريكية في حالة وقوع هجوم مدبر بصورة سرية ولا يمكن ان ينسب إلى إيران بصورة مباشرة. وبناء عليه، يبرز التساؤل حول ما إذا كان بإمكان إيران لان تنفذ عملية ناجحة بهذا الاسلوب، ومن الممكن ان يتم استخدام وحدات القوات الخاصة العاملة تحت سطح الماء والتابعة للحرس الثوري والغواصات الصغيرة ومركبات التوصيل العائمة لهذا الغرض.
وبينما يوفر الوجود الإيراني على أرض الجزر وعسكرتها لها عدداً من القدرات العسكرية العلنية والسرية التي ذكرناها سابقاً، فإن بعض المحللين سوف يقولون ان هذه القدرات هي حصيلة ثانوية للوجود والحشد الإيراني وليس نتيجة لأي أهداف مباشرة.
ويؤيد مسؤول إماراتي هذا الرأي ويشكك في أن إيران إنما تتعمد زيادة قدراتها العسكرية على الجزر وتوفيرها إلى اليوم الذي يمكنها القيام فيه بعمل هجومي. ويرى هذا المسؤول ان الإيرانيين ربما يستعدون للسيناريو الأسوأ، الذي سينفذ فيه عمل عسكري لاستعادة الجزر منهم، وخاصة أنهم يعتبرون الجزر جزءاً من خط الدفاع البحري الإيراني، ومع ذلك، ليس لدى هذا المسؤول شك في ان إيران سوف تستخدم قدراتها المتوافرة على ارض الجزر عند اندلاع أزمة، وقد تلجأ إلى احتلال المزيد من الأراضي أو حقول النفط. وهذا في حد ذاته يعد سبباً كافياً يستدعي القلق حسب منظور دولة الإمارات العربية المتحدة.
ان العرض الذي قدمناه هنا يظهر لنا وجود اختلافات كبيرة بين آراء المسؤولين والمحللين بشأن نوايا إيران وأهدافها الحقيقية فيما يتعلق بالجزر. ومع ذلك، فإن استخدام إيران للجزر سابقاً، وشعورها بالاستياء، وقدراتها، والآراء القائلة بأن إيران قد تسعى مجدداً لاستخدام الجزر في عمليات سرية وعلنية متنوعة ضد حركة الملاحة وحقول النفط والغاز والقوات البحرية الأجنبية، وربما حتى في عمل حربي ضد دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها، كل هذه مؤشرات موثوقة وهي تدل على التهديد الأمني المحتمل الذي يمثله استمرار احتلال إيران للجزر وعسكرتها لها.

عودة »»