الفصل السادس - موقف دولة الإمارات العربية المتحدة
إن دولة الإمارات العربية المتحدة صغيرة في مساحتها، لكنها غنية بمواردها، ويبلغ
حجم قواتها المسلحة بأكملها حوالي 64.500 فرد، منهم 59.000 فرد في القوات البرية (الجيش)،
و1500 فرد في القوات البحرية، و 4000 فرد في القوات الجوية. وتدرك دولة الإمارات
العربية المتحدة التفاوت الكبير في القوة بينها وبين إيران التي يبلغ عدد أفراد
قواتها المسلحة 300 ألف فرد، ونتيجة لذلك تعكف دولة الإمارات العربية المتحدة على
تطوير قواتها الجوية وتزويدها بقدرات هجومية ودفاعية لصد أي أعمال عدائية إيرانية.
كما يجري تطوير إمكانيات القوات البحرية الإماراتية، وسوف تمتلك قدرة متنامية على
تعقيد أي محاولات إيرانية لتعطيل أنشطة إنتاج ونقل النفط والغاز وحركة الملاحة في
الخليج. وتخضع القوات البرية الإماراتية للتطوير أيضاً.
إن مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في الإطار الأمني الجماعي لمجلس التعاون
لدول الخليج العربية هو عامل آخر يعوض جزئياً عن بعض هذا التفاوت في القوة مع إيران.
ففي تموز/ يوليو 2001، أقرت دولة الإمارات العربية المتحدة معاهدة الدفاع المشترك
التي تم قبولها في قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عُقدت في البحرين في
كانون الاول/ ديسمبر 2000. وتنص المعاهدة على ان أي هجوم على أي عضو سوف يعتبر
هجوماً على جميع الدول الموقعة على هذه المعاهدة. ووافق الموقعون أيضاً على تجميع
مواردهم وتوسيع قوة دفاع (درع الجزيرة) وتجيزها بنظام إنذار مبكر وشبكة اتصالات.
وفي آذار/ مارس 2001، دخل مشروع (حزام التعاون) ، الذي يكلف 160 مليون دولار،
المرحلة العملية حيث يربط بين القيادة العسكرية وشبكات الرادار الخاصة بالدول الست
الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ويسمح هذا الحزام بإجراء الاتصالات
العسكرية الفورية وتكوين نظام تصوير جوي موحد للمنطقة. وتشارك دولة الإمارات
العربية المتحدة أيضاً بصورة منتظمة في التمارين العسكرية المشتركة بين دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية.
وفي الوقت نفسه، تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة علاقتها الأمنية بالولايات
المتحدة الأمريكية والقوى الغربية الأخرى ذات أهمية كبيرة لموازنة التفاوت الحالي
في القوة مع إيران. وتدرك دولة الإمارات العربية المتحدة تماماً أن أي إطار إقليمي
أو قوة عالمية لم يردعا إيران عن سياسة احتلال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
وتحصينها عسكرياً، غير انها لديها ثقة في أن علاقاتها الأمنية بشركائها الغربيين،
وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، تردع إيران عن القيام بتنفيذ هجمات علنية
ومباشرة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، وربما تردعها عن الإقدام على فرض تحديات
أقل شأناً أيضاً.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة تتبع الإجراءات الدبلوماسية والقانونية لحل نزاع
الجزر مع جارتها الأكثر قوة، وهي تعلم أنها لا تستطيع اللجوء إلى القوة لطرد إيران
من الجزر واستعادتها، ومن المؤكد أنها لا تسعى لاستخدام القوة من قبل الولايات
المتحدة الأمريكية أو شركائها الأمنيين الآخرين لإخراج إيران من الجزر. وتدرك دولة
الإمارات العربية المتحدة ان إيران سوف تظل دائماً الجارة الكبيرة إلى الشمال منها،
وتأمل في هذا الصدد ان تثمر سياسة التعايش السلمي والجهود الدبلوماسية والعلاقات
التجارية في نهاية المطاف. وكما ذكرنا من قبل، فقد حاولت دولة الإمارات العربية
المتحدة أسلوب التفاوض مع إيران في عام 1992 و 1995، وما تزال تطالب بالمفاوضات أو
إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وقد دعمت دولة الإمارات العربية المتحدة بكل
صبر جهود اللجنة الثلاثية التي شكلها مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتشجيع
المفاوضات الثنائية خلال عامي 1999 و 2000. وفي الوقت نفسه، يواصل حاكم إمارة
الشارقة التعامل بصورة مباشرة مع إيران بخصوص قضية جزيرة أبوموسى. وتحرص إمارة
الشارقة على وجه الخصوص على تجنب الدخول في مواجهة مع إيران، وتميل بقدر أكبر نحو
الحوار مع طهران. وفي الواقع، فإن حقل مبارك الذي تتقاسمه الإمارة مع طهران يعد
واحداً من موارد الدخل القليلة لإمارة الشارقة.
وعلى الرغم من ذلك، وبعد التهديد الذي فرضته إيران خلال الحرب الإيرانية – العراقية،
وقيام العراق بغزو دولة الكويت عام 1990، وزيادة إيران لتحصيناتها العسكرية في جزر
طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في تسعينيات القرن العشرين، سعت دولة الإمارات
العربية المتحدة للحصول على مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لدعم أمنها
ضد التهديدات الخارجية عن طريق إقامة علاقات أمنية ثنائية والمشاركة في تمارين
عسكرية مشتركة والحصول على أسلحة حديثة. وإذا دعت الضرورة، فسوف تبحث دولة الإمارات
العربية المتحدة أيضاً عن مساعدات طارئة من شركائها الأمنيين، ومن ذلك مثلاً
المساعدة التي قدمت لها في الدفاع عن سفنها ووسائل الملاحة التابعة لها ضد الهجمات
الإيرانية خلال الفترة 1987-1988، والمساعدة في تحرير دولة الكويت من الاحتلال
العراقي عام 1990، وردع العراق عن تكرار محاولة غزو دولة الكويت في عام 1994. لقد
وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة
الامريكية عام 1994، تسمح للسفن الحربية الامريكية ان ترسو في موانئها، وتتيح
للولايات المتحدة الامريكية الدخول إلى المنشآت الجوية التابعة لدولة الإمارات
العربية المتحدة، وتسمح لها بنشر قوات ومعدات عسكرية على أراضيها خلال وقت الأزمات.
كما وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا عام 1995،
ومذكرة تفاهم بشأن التعاون الدفاعي مع بريطانيا في عام 1996، وعملت على تطوير
علاقات دفاعية مع ألمانيا خلال الفترة الأخيرة.
ومن أهم اتفاقيات التسليح وأحدثها الموقعة بين دولة الإمارات العربية المتحدة
والولايات المتحدة الامريكية، الاتفاقية المبرمة بعد القرار الذي اتخذته دولة
الإمارات العربية المتحدة في أيار/ مايو 1998 بالحصول على 80 طائرة مقاتلة أمريكية
الصنع من طراز إف-16 بلوك-16. وفي ربيع عام 1999، وافقت الولايات المتحدة الامريكية
على تزويد هذه الطائرات بشفرات برمجيات للحرب الإلكترونية كانت دولة الإمارات
العربية المتحدة قد طلبتها في السابق. وسوف تجهز الطائرات بصواريخ جو – جو وصواريخ
جو – ارض وصواريخ جو – بحر، ذات مدى طويل، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للإشعاع ذات
سرعة عالية. وعقب التوقيع في أيار/ مايو 2000 على الاتفاقية الخاصة بشراء هذه
الطائرات، تم تسلم الدفعة الاولى منها في أيار/ مايو 2005 ومن المتوقع ان يتم تسليم
بقية الطائرات بحلول عام 2007. وقد تسمح هذه الاتفاقية أيضاً للولايات المتحدة
الامريكية بتمركز الطائرات الامريكية وتخزين معدات أمريكية في القاعدة الجوية التي
يجري توسيعها لاستقبال طائرات إف-16. كما بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة
مفاوضات مع فرنسا عام 1998 للحصول على 30 طائرة ميراج 2000 الفئة 9، وتحديث طائرات
الميراج 2000 التابعة لها وعددها 33 طائرة، ضمن صفقة تم التوصل إليها في نهاية عام
2002.
وعلاوة على ذلك، فقط طلبت دولة الإمارات العربية المتحدة طائرات للدوريات البحرية
ومروحيات لاكتساب قدرات الحرب المضادة للسفن والحرب ضد الغواصات، كما طلبت تزويدها
بمروحيات مزودة بقدرات الهجوم الأرضي. واستلمت طلبية تضم فرقاطتين هولنديتين من فئة
كورتينير Kortenaer لقواتها البحرية خلال عامي 1997 و 1998، واشترت صواريخ هربون
Harpoon الأمريكية الصنع و المضادة للسفن لتجهيز هذه الفرقاطات بها، بالإضافة إلى
صواريخ أمريكية مضادة للطائرات. وتشمل الخطط المستقبلية شراء المزيد من الفرقاطات
المتطورة، وقوارب كبيرة للدوريات وصائدات ألغام وغواصات وطرادات. وسيتم تدريب
القوات البحرية لدولة الإمارات العربية المتحدة على الدفاع ضد وسائل الحرب النووية
والبيولوجية والكيماوية.
وعلاوة على ذلك، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة في شباط/ فبراير 2002، أنها قد
طلبت 12 قارباً للهجوم البرمائي، وثلاثة قوارب كبيرة لنقل المعدات الثقيلة، وستة
قوارب دورية مسلحة بالصواريخ طراز (بينونة). وأدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة
أول دفعة من قوارب الهجوم البرمائي المذكورة سابقاً في الخدمة الفعلية في شباط/
فبراير 2003. وبدأ تسليم دبابات القتال الفرنسية الصنع من طراز لوكليرك Leclerc في
منتصف تسعينيات القرن العشرين، مع تسليم آخر دبابة منها في عام 2003. وأخيراً، تضم
المعدات التي تملكها دولة الإمارات العربية المتحدة صواريخ سكود بي البالستية، وهي
تخطط لشراء صواريخ جوالة تطلق من الجو، وخاصة الصواريخ الجوالة من نوع (شاهين
الأسود) التي تصنعها شركة Matra BAe Dynamics، والتي يبلغ مداها 400 كيلومتر، وذلك
لكي تجهز بها أسطولها الجوي من طائرات ميراج 2000. وينبغي أن تؤدي كل هذه التطورات
إلى تحسين قدرة دولة الإمارات العربية المتحدة على الدفاع عن أراضيها الرئيسية،
وسواحلها، وموانئها البحرية، ومنشآت النفط والغاز البحرية، وسفنها، والجزر التابعة
لها ضد الهجمات الإيرانية، بل إن طائرات إف-16 قد تساعد على تمكين دولة الإمارات
العربية المتحدة من تحييد القوات الإيرانية المتمركزة في جزر طنب الكبرى وطنب
الصغرى وأبوموسى.
تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة مع الولايات المتحدة الامريكية والقوى الغربية
الأخرى إلى وضع استراتيجية لردع الهجمات غير التقليدية والهجمات التقليدية التي
يحتمل ان تقع ضدها، بالإضافة إلى ردع الأشكال المحدودة من الاعتداءات ومحاولات
الترهيب الموجهة ضدها. غير ان المسؤولين الإماراتيين يؤكدون أنهم لا يسعون إلى
الدخول في مواجهة مع إيران، ولا يريدون ان تلجأ الولايات المتحدة الامريكية إلى
استخدام القوة. ويتفق مسؤول إماراتي مع ما تقوله الولايات المتحدة الامريكية بشأن
تنامي قدرات إيران والحاجة إلى ردعها. غير أن هذا المسؤول يرى ان لجوء دولة
الإمارات العربية المتحدة و/أو الولايات المتحدة الأمريكية لاستخدام القوة لتحرير
الجزر ليس خياراً مطروحاً حتى الآن، وهو يقول إن دولة الإمارات العربية المتحدة لا
تبحث عن مواجهة مع إيران ولا ترغب في ان يطغى النزاع حول الجزر على العلاقات
الأمريكية – الإيرانية. وإدراكاً منها لاحتمالات أن يؤدي أي عمل عسكري امريكي إلى
إثارة رد فعل إيراني ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن هذه الأخيرة ترغب في
ضرورة التشاور معها و(أن تكون لها كلمة) بشأن إمكانية استخدام القوات الامريكية
المتواجدة في منطقة الخليج لهذا الغرض.
وطبقاً للمسؤولين الأمريكيين، يبدو ان دولة الإمارات العربية المتحدة مقتنعة
بالسياسة الأمريكية في هذا الخصوص، إذ ان دولة الإمارات العربية المتحدة لا ترغب في
ان تثير الولايات المتحدة الامريكية ضجيجاً حول قضية الجزر، لأن إيران قد تتهم
حينئذ دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها (أداة) في يد الولايات المتحدة
الامريكية، وقد تلجأ إيران إثر ذلك إلى تفجير صراع و(تبريره). وبينما حاولت مملكة
البحرين استقطاب دعم الولايات المتحدة الامريكية للقيام بدور في نزاعها حول جزر
حُوار مع دولة قطر، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة ليس لديها نية من هذا القبيل
فيما يتعلق بالنزاع حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وفي الواقع، فإن دولة
الإمارات العربية المتحدة تعتقد أن تدخل الولايات المتحدة الامريكية في هذا النزاع
قد يؤدي إلى تصلب الموقف الإيراني بشأن الجزر. وعلى الرغم من ذلك، فبينما تستمر
دولة الإمارات العربية المتحدة في المطالبة بالتفاوض أو إحالة القضية إلى التسوية
القضائية أو إلى التحكيم، فإنها تسعى أيضاً لحشد الدعم الدبلوماسي من مصادر لقضيتها
ولدعوتها لانتهاج مسار الجهود الدبلوماسية وتحكيم القانون. لقد حصلت دولة الإمارات
العربية المتحدة على مثل هذه الدعم من مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومجموعة
دول إعلان دمشق وجامعة الدول العربية وبريطانيا والاتحاد الاوروبي والولايات
المتحدة الامريكية. وعلاوة على ذلك، فقد درجت دولة الإمارات العربية المتحدة سنوياً
على طلب إدراج قضية الجزر ضمن جدول أعمال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتقوم
دولة الإمارات العربية المتحدة بتوثيق الاحتجاجات التي توجهها إلى إيران لدى مجلس
الأمن. غير ان دولة الإمارات العربية المتحدة لم تعمل حتى الآن لاستصدار قرار من
مجلس الأمن حول القضية.
ومن حيث الجوهر، نجد ان دولة الإمارات العربية المتحدة انتهجت سياسة متأنية تضمنت
تحديث قواتها المسلحة، وصياغة وتوقيع اتفاقيات أمنية إقليمية وثنائية، وتبني خيار
التوصل إلى حل دبلوماسي وقانوني سلمي لهذا النزاع، مع العمل في الوقت نفسه على حشد
الدعم الدولي لموقفها. وإذا أخذنا في الحسبان استخدام إيران السابق للجزر كقاعدة
لتنفيذ الهجمات البحرية، وجوانب الاستياء السياسية التي تكنها إيران للغرب ودول
مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والقدرات العسكرية الإيرانية المتنوعة الموجودة
على أراضي إيران الرئيسية وعلى أرض الجزر، والدوافع والأهداف العريضة المحتملة
والممكنة التي تمت مناقشتها فيما سبق، والاحتمال الواضح بأن تُقدم إيران مرة أخرى
على استخدام هذه الجزر ذات الموقع الاستراتيجية في أعمال حربية ضد دولة الإمارات
العربية المتحدة والملاحة الدولية، فإن الموقف الذي تبنته دولة الإمارات العربية
المتحدة يبدو في غاية الحصافة والتعقل.