الصفحة الرئيسية
خارطة الإمارات
خرائط الجزر
صور تاريخية للجزر
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 4
عدد المقالات : 55
عدد زوار المقالات : 43242
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » التداعيات الإقليمية » الفصل الثامن - ردود فعل العالم العربي تجاه سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية
تاريخ الإضافة :: 28/02/2007   ||   عدد الزوار :: 1072

الفصل الثامن - ردود فعل العالم العربي تجاه سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية


تم إحياء قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى لفترة وجيزة بوصفها قضية عربية عند بداية الثمانينيات من القرن الماضي. وبعد الاضطراب الثوري في إيران وعزلة مصر بسبب اتفاقية السلام الموقعة بينها وبين إسرائيل في آذار/ مارس 1979، سعى العراق من جديد إلى تولي دور القيادة في منطقة الخليج، ووجد العراق البعثي، الذي كان هدفاً مبكراً لأعنق انتقاد من آية الله الخميني، فرصة وقتها لتعديل اتفاق الجزائر لعام 1975 حول شط العرب، وهدد رسمياً بإلغاء الاتفاق في تشرين الاول/ أكتوبر 1979. كما سعى العراق أيضا إلى الحصول على الدعم العربي من خلال إثارة قضية الجزر مرة أخرى. وفي نيسان/ إبريل 1980 حينما ازداد التوتر والاشتباكات على طول الحدود العراقية – الإيرانية وتزايدت احتمالات نشوب صراع بين البلدين. كتب وزير الخارجية العراقي سعدون حمادي خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم ذكر فيه أن الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر صرح مؤخراً ان إيران لن تعيد الجزر، وبيّن فيه أيضا ان العراق لم يعترف مطلقاً بالاحتلال الإيراني غير الشرعي للجزر، ودعا إيران من جديد إلى الانسحاب منها. وفي أيار/ مايو من العام نفسه استشهد العراق باحتفاظ إيران بالجزر بوصفه دليلاً على نزعتها التوسعية، وذلك في مذكرة موجهة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي.
يعود تأكيد العراق من جديد للمطالبات العربية بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في جانب منه إلى عدد كبير من الأسباب نفسها التي أوضحها ممثلة لدى مجلس الأمن الدولي في أثناء مناقشة هذه القضية عام 1971، ولا سيما قلق العراق من إمكانية استخدام إيران لهذه الجزر لتهديد المنفذ الوحيد للعراق ودول الخليج العربية الأخرى إلى أعالي البحار. ولكن من جانب آخر، قد تمثل مطالبات العراق أيضاً مسعى لاستثمار مظلمة عربية لتوسيع أجندة العراق تجاه إيران، وخاصة استعادة السيطرة على شط العرب وعلى مناطق في خوزستان، ولكسب التأييد من دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها لهذه الأهداف وللحرب الوشيكة ضد إيران. وفي الوقت الذي بدأت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة ودول خليجية أخرى، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، تنظر إلى العراق بوصفه قوة موازنة لإيران، فإنهم ظلوا متشككين إزاء دعم العراق بالنسبة لموضوع الجزر، وذلك لأسباب نفسها التي أفرزت الشكوك عام 1971، وهي التهديد المحتمل الذي يمكن أن يشكله العراق الراديكالي عليهم.
لكن العراق لم يكن الدولة العربية الوحيدة التي دعت إلى عودة الجزر المحتلة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ففي حزيران/ يونيو 1980 عبرت المملكة العربية السعودية ايضا، في مؤتمر منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بالجزائر، عن دعمها التام لمطلب دولة الإمارات العربية المتحدة باستعادة السيادة على هذه الجزر. وقد جاء هذا التصريح بعد تصريحات الرئيس الإيراني بني صدر ووزير الخارجية صادق قطب زاده بأن إيران لن تعيد الجزر، وعكس ذلك القلق السعودي من أن الجزر في أيدي النظام الثوري في إيران تشكل تهديداً بالنسبة إليهم. وبالإضافة إلى ذلك فإن المملكة العربية السعودية لم تكن على استعداد في ذلك الوقت لقبول ان يعلب العراق دور البطولة في الدفاع عن هذه القضية. وقد شجع هذا الدعم السعودي دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ جاء من جهة تدافع عن الحفاظ على (الوضع القائم)، ولم تكن قد قدمت دعماً قوياً في هذه القضية في سبعينيات القرن الماضي، وفي الواقع برزت المملكة العربية السعودية، بعد سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي، بوصفها أكثر المدافعين مصداقية عن دول الخليج العربية، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومع اندلاع الحرب بين إيران والعراق في أيلول/ سبتمبر 1980، استمر العراق في إثارة قضية الجزر لكي يحشد الدعم لعملياته العسكرية. وعندما طالب العراق بإعادة الجزر إلى أصحابها العرب كشرط للسلام، كانت إيران تكرر الرد بأنها لن تتخلى عنها. وقد أوردت صحيفة فايننشال تاميز الصادرة في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1980 ان العراقيين أرسلوا قوة صغيرة من الرجال والمروحيات إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لقصف الجزر المحتلة واستعادة السيطرة عليها. لكن الشيخ زايد، كما ذكرت صحيفة ديلي تلجراف في 3 تشرين الاول/ اكتوبر، كان شخصياً ضد استخدام القوة لاستعادة الجزر. إن دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعها المملكة العربية السعودية وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، لم تكن تريد ان ترى النطاق الجغرافي للحرب يتسع ليصل إلى المنطقة الجنوبية من الخليج العربي. وقد تبين أن ذلك مسلك حذر، لأن آية الله الخميني، وزعيم الحزب الجمهوري الإسلامي حجة الإسلام محمد علي خامنئي، والرئيس بني صدر، أصدروا جميعاً تحذيرات في بداية تشرين الاول/ أكتوبر 1980 للدول الخليجية العربية التي ساندت العراق. وقد حذر بني صدر بصورة خاصة من ان إيران ستقصف المنشآت النفطية في الدول الخليجية التي تساند العراق، بينما أوضح مسؤولون آخرون أن إيران يمكن ان تقوم بزرع ألغام في مضيق هرمز.
مع تكشّف هذه الاحداث قام الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة بزيارة الرئيس العراقي صدام حسين، وهي زيارة دلت على دعم رأس الخيمة للمجهود الحربي العراقي ولمطالبة العراق بالجزر. لكن الشيخ صقر اعترف في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر بأن قضية احتلال إيران للجزر الثلاث هي مسؤولية الحكومة الاتحادية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وصرح في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر ان الحكومة الاتحادية كانت قد طالبت في السابق بإعادة الجزر. وقال أيضاً : (مطلبنا بسيط. إن الإمارات تريد ان ترى الجزر وقد عادت لأصحابها الشرعيين، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، بأسرع ما يمكن ...).
وفي 25 أيار/ مايو 1981 انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وكان ذلك بصورة عامة رداً على الثورة الإيرانية، وبصورة خاصة على ميل النظام الثوري الإيراني إلى تصدير الثورة إلى الأنظمة العربية المحافظة في الخليج العربي، وعلى الغزو السوفيتي لأفغانستان الذي جعل القوات العسكرية السوفيتية قريبة إلى (المياه الدافئة) في الخليج العربي، وعلى اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية التي كانت تهدد باتساع نطاقها ونزع الاستقرار من منطقة الخليج بكاملها. وكان الهدف من إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعزيز التنسيق بشأن السياسات الخارجية والأمنية، وكذلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لدوله الأعضاء الست.
بقيت دول الخليج المحافظة قلقة من أطماع النظام البعثي العربي الاشتراكي الراديكالي في العراق ومن تصرفاته، لكنها كانت تشعر بقلق أشد إزاء أطماع النظام الثوري الإسلامي في إيران وتصرفاته. وقد اكتسب هذا الأمر أهمية كبرى حينما بدأت إيران في عهد الخميني تشن حرباً دعائية ضد الأنظمة العربية في الخليج، حتى إنها شككت في الشرعية الإسلامية للنظام السعودي. وكانت النتيجة ان قدمت دول الخليج العربية الدعم للعراق الراديكالي، في الوقت الذي كانت تحافظ فيه رسمياً على حالة عدم المشاركة في القتال في أثناء الحرب. ولعل المملكة العربية السعودية ودول الكويت وحدهما ساهمتا بما يتراوح بين 50 و 60 مليار دولار في فترة الحرب بأكملها. ومن جهة أخرى استمرت دبي في علاقاتها التجارية المهمة مع إيران، كما استمرت الشارقة في اقتسام عوائد حقل نفط مبارك مع إيران طوال فترة الحرب.
خلال ربيع عام 1982 وبعده، حينما ردت القوات العراقية عن مواقعها في إقليم خوزستان جنوب إيران، لاسيما عندما استولت القوات الإيرانية من جديد على ميناء خرمشهر الرئيسي في أيار/ مايو 1982، وحينما ظهر ان الحرب ستطول أدت مساعي دولة الإمارات العربية المتحدة للمحافظة على الحياد في بعض الأحيان إلى التعرض للنقد من العراق. لكن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت تدرك تماماً ما يمكن ان تشكله إيران من اخطر على أمنها واستقرارها.
والواقع ان الضغط الإيراني كان في ازدياد. وكانت البحرين بالفعل ضحية محاولة انقلاب فاشلة مدعومة من إيران عام 1981، كما عانت المملكة العربية السعودية من حوادث شغب إيرانية في أثناء موسم الحج في عامي 1981 و 1982. كذلك شهدت دولة الكويت فيما بعد اضطرابات من الشيعة مدعومة من إيران، وتفجيرات السفارات الأجنبية عام 1983، ومحاولة اغتيال أمير دولة الكويت عام 1985. أضف إلى ذلك انه بعد استعادة إيران لخرمشهر في أيار/ مايو 1982، مارست الحكومة الإيرانية الضغط على دبي وبقية الإمارات لكي تعمل على الحد من توجه أبوظبي نحو مزيد من التعاون الدفاعي مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى. وقد أدى مثل هذا الضغط الإيراني إلى إقناع دولة الكويت بعدم التوقيع على اتفاق أمني ثنائي مع المملكة العربية السعودية، علماً أن دولة الإمارات العربية المتحدة وبقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تابعوا عملية التوقيع.
وفي الوقت نفسه الذي تراجعت فيه القوات العراقية عن مواقعها في خوزستان وسعى العراق إلى التفاوض لوضع حد القتال، عرضت دولة الإمارات العربية المتحدة استخدام وضعها الحيادي في الوساطة. وقد أبلغ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي في اثناء زيارة الأخيرة لأبوظبي في بداية أيار/ مايو 1982 أنه إذا أرادت إيران من دولة الإمارات العربية المتحدة المساعدة على تسوية سلمية للحرب العراقية – الإيرانية (فنحن عندئذ جاهزون). كما أبلغ أيضاً جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بأن دولة الإمارات العربية المتحدة والجزائر على استعداد للوساطة بين إيران والعراق. وكان العراق شديد الحرص على التوصل إلى حل عبر التفاوض إلى درجة أنه تخلى عن مطالبه المتعلقة بشط العرب وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. لكن إيران التي لم تكن تثق بدعوات بغداد للمفاوضات، وشعرت بوجود فرصة لهزيمة العراق وإنهاء حكم صدام حسين والترويج للثورة الإسلامية لقلب الأوضاع في العالم العربي، لم تكن مهتمه بالتفاوض أو الوساطة في ذلك الوقت. ونتيجة لذلك فإنها لم تلق بالاً للمناشدات العديدة من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة لإنهاء الحرب عام 1982. وقد زاد ذلك من تصلب الموقف الإيراني، وحال دون إتاحة أية فرصة لدولة الإمارات العربية المتحدة للمطالبة بالجزر في ذلك الوقت.
في أيار/ مايو 1983، بينما كان العراق يدافع عن أرضه ضد الهجمات الإيرانية، بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت في الوساطة باسم مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وكانتا مهتمتين بترتيب وقف لإطلاق النار لئلا تنهار السيطرة العراقية على جنوب العراق الذي تسكنه الشيعة وتحل محلها السيطرة الإيرانية. وخلال إحدى جولات هذه الوساطة، قالت إيران إنها ستدرس وقفاً لإطلاق النار إذا استطاع الوسطاء إقناع العراق بوقف هجماته الجوية على منشآت النفط والشحن الإيرانية، كتلك الموجودة في جزيرة خرج. لكن العراق واصل حملته الجوية طوال عام 1983. وفي أواخر أيلول/ سبتمبر وأوائل تشرين الاول/ أكتوبر رد الخميني وولايتي بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وبالقيام فعلاً بتعزيز الحاميات العسكرية الإيرانية في جزر لاراك وهنجام وصري وفارسي، بينما زادت مواقع المدفعية والأسلحة الإيرانية المضادة للطيران في جزيرتي قشم وطنب الكبرى. وقد حذرت دولة الإمارات العربية المتحدة إيران من إغلاق المضيق، وعبرت في الوقت نفسه عن إيمانها بأن إيران لن تنفذ تهديدها. وقد جاءت اللغة الحذرة لدولة الإمارات العربية المتحدة تعبيراً من جديد عن استعدادها للتوسط بين الطرفين المتحاربين.
في عام 1984 كثف العراق حملته الجوية ووسعها، وانتقمت إيران بشن هجمات على السفن التابعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية المساندة للعراق، ولا سيما دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. واستمرت جهود الوساطة لدولة الإمارات العربية المتحدة في أثناء حرب الناقلات في الفترة 1984-1985، بينما نجحت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مساعيها الحثيثة لإصدار قرار مجلس الأمن رقم 552 بتاريخ 1 حزيران/ يونيو 1984، الذي دان الهجمات على السفن المحايدة المتجهة إلى الموانئ الكويتية والسعودية والقادمة منها وطالب بوضع حد لها، وإن لم يذكر إيران بالاسم. وفي الوقت الذي حدث فيه تبادل زيارات بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني عام 1985، ازداد الوضع سوءاً. وكما كتب جوزيف توينام يقول:
سرعان ما تلاشت احتمالات تحسن العلاقات مع إيران، فضلاً عن الآمال بإنهاء الصراع، ولا سيما بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وفي أعقاب الاستفزازات الإيرانية، من القيام بأعمال شغب في مكة خلال موسم الحج (وبخاصة في عامي 1986و 1987) وأعمال إرهابية مختلفة، أصبحت المملكة العربية السعودية ودولة الكويت في السنوات الأخيرة من الحرب أكثر حكومات دول المجلس تشدداً في موقفها تجاه إيران.

علاوة على ما تقدم، فقد تصاعدت الهجمات العراقية على السفن الإيرانية والهجمات الإيرانية على السفن المحايدة، بما فيها السفن السعودية والكويتية مقابل السواحل الإماراتية خلال عامي 1986 و1987. أضف إلى ذلك ان القوات الإيرانية عبرت في شباط/ فبراير 1986 شط العرب واستولت على الميناء العراقي الموجود في شبه جزيرة الفاو، حيث أصبحت القوات الإيرانية في منطقة يمكنها منها قصف دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. وأخيراً قطعت المملكة العربية السعودية علاقاتها الدبلوماسية بإيران في نيسان/ إبريل 1988.
أوضحت السنوات الأخيرة من الحرب الاستخدامات التي يمكن لإيران ان تسخر الجزر لها والتهديد الذي يمثله ذلك لدولة الإمارات العربية المتحدة ولدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وللغرب. فقد استخدمت إيران في أثناء الحرب جزيرة أبوموسى بصورة خاصة، وكذلك طنب الكبرى وطنب الصغرى، كقواعد للقوات المسلحة النظامية الإيرانية وللقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني. وفي الفترة 1986-1988 أصبحت الجزر قواعد لشن هجمات بالمروحيات وبالزوارق الصغيرة ضد السفن في الخليج، ولتكبيد المنشآت النفطية البحرية الإماراتية بعض الأضرار. فقد هوجمت الناقلة السعودية (النسر العربي) مثلاً قبالة سواحل دبي من قبل المروحيات الإيرانية المنطلقة من جزيرة أبوموسى في أيار/ مايو 1986، وتحطمت الناقلة القبرصية أوجست ستار August Star مقابل شواطئ ميناء جبل علي بدبي في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1986 بواسطة هجوم بمروحية إيرانية منطلقة من جزيرة أبوموسى، وتعطلت الناقلة جراند ويزدم Grand Wisdom، ذات الطاقم الأمريكي، مقابل شواطئ جبل علي بواسطة زوارق سريعة منطلقة من جزيرة أبوموسى في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987. وفي هذا الشأن أشار مارتن نافياس وإي هوتون إلى ما يأتي :
إن أكثر الهجمات (ضد السفن المحايدة) تم تنفيذها بواسطة الحرس الثوري .. في عام 1987 كان الحرس الثوري يضم 20.000 رجل، وله قاعدتان بحريتان رئيسيتان في جزيرة أبوموسى وفارسي. وقد توزعت بينهما بالتساوي زوارق (بوغامر مارين) الصغيرة التي عملت ضمن دوريات يتألف كل منها من ثلاثة أو أربعة رجال من قواعد متقدمة في جزيرة خرج ومنصة نفط رشادات (رستم سابقاً) .... ولاراك وصري وطنب الكبرى وطنب الصغرى وقشم وهنجام وكران ... وقد وقع معظم (هذه الهجمات في أواخر عام 1987) مقابل الساحل الغربي لدولة الإمارات العربية المتحدة، أما الهجمات على سفينتي دياموند مارين Diamond Marine وبتروشب بي Petroship B فقد كانت في الواقع في مضيق هرمز، حيث استخدام المهاجمون قاعدة أقيمت في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت وباقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ترحيبها وتأييدها لرفع علم الولايات المتحدة الامريكية على السفن الكويتية وحماية القوات الأمريكية لها، وتأييدها كذلك للضربات الأمريكية التي استهدفت القطع البحرية الإيرانية المستخدمة في مهاجمة السفن في الخليج في الفترة 1987-1988. وفي تلك الأثناء سمحت دولة الإمارات العربية المتحدة باستخدام الولايات المتحدة الامريكية لموانئها ومنشآت الصيانة البحرية فيها ومطاراتها وأجوائها على أساس كل حالة بمفردها. وقد عملت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً – بوصفها عضوا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عامي 1986و 1987 – على استصدار قرارات وقف إطلاق النار التي أصدرها مجلس الأمن خلال تلك الفترة، بما في ذلك القرار رقم 598 الصادر في تموز/ يوليو 1987، والذي قبله العراق عام 1987 بينما لم توافق عليه إيران إلا في تموز/ يوليو 1988.
وفي الوقت الذي أكدت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة سيادتها على الجزر طوال فترة الحرب العراقية- الإيرانية، فإنها وشركاءها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانوا منشغلين معظم الوقت بقضايا الحرب الأكثر أهمية. ولم يكن من الحكمة السعي إلى أخذ الجزر بالقوة في خريف عام 1980 أو في أي وقت آخر خلال حرب الثماني سنوات. ولم يكن بإمكان المرء ان يتوقع حلاً دبلوماسيا للمطالبات المتضاربة بهذه الجزر بينما الحرب ما زالت مستمرة. وهكذا ركزت الجهود الدبلوماسية على الترتيب لعقد هدنة. وحتى في الفترة 1986-1988، عندما كانت إيران تستخدم جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، كان اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى منصباً على مشكلة التغلب على معارضة إيران لقرار مجلس الأمن رقم 598. ولم تكن إضافة قضية الجزر إلى الأجندة الدبلوماسية، لا سيما في أثناء العام الأخير، لتعتبر مثمرة.
لم يكن متوقعاً التوصل إلى حل دبلوماسي لقضية الجزر عقب اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية. وعندما قبلت إيران أخيراً بقرار مجلس الأمن رقم 598 في تموز/ يوليو 1988، بعد عام كامل من الرفض، طلب العراق إلغاء اتفاق الجزائر الخاص بشط العرب والذي أبرم في الجزائر عام 1975، لكنه لم يطالب بالجزر. ثم قام بغزو دولة الكويت في 2 آب/ أغسطس 1990، وذلك بعد عامين من المساعي الفاشلة للوصول إلى اتفاقية سلام بين إيران والعراق. ولكي يتفرغ العراق لهذه الحرب الجديدة قام بعد ذلك بالإعلان عن قبوله لشروط إيران من اجل السلام، بما فيها إعادة تأكيد اتفاق الجزائر، على الرغم من أن هذا الاتفاق لم يتم تنفيذه مطلقاً. وكان من الواضح ان العراق، بعد ان قامر بتوريط نفسه في هذه الحرب الجديدة، لم يكن وضعه يسمح له بمطالبة إيران بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.
وفي هذا السياق ينبغي التطرق إلى دور جامعة الدول العربية في أثناء الحرب الإيرانية – العراقية، وكذلك في أثناء حرب تحرير دولة الكويت. لقد جست الجامعة بصورة عامة مستوى معيناً من مستويات الوحدة والتعاون العربيين، لا سيما في قضايا التحرر من الاستعمار الغربي. لكنها كانت مقيدة أيضاً بقدر كبير من التنافس والنزاع في نطاق العالم العربي. وقد أسهم التنافس وتغير المصالح بين مختلف الدول العربية الأعضاء في تعويق قدرة الجامعة على الاتفاق حول السياسات ودفع مسيرتها إلى الأمام طوال فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كما حدث مثلاً بالنسبة لاحتلال إيران للجزر الثلاث في عام 1971.
وقد أصيبت جامعة الدول العربية بالضعف على نحو خطير عندما وقعت مصر على اتفاقية سلام منفصلة مع إسرائيل في آذار/ مارس 1979، الأمر الذي جعل مصر منبوذة من غالبية الدول العربية. ونتيجة لذلك لم يتم عقد اجتماعات منتظمة للجامعة في الفترة 1982-1985. وعندما التأمت اجتماعات الجامعة فعلاً عام 1985 كان هناك انقسام عميق بين مجموعة يقودها الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت تميل إلى عقد مفاوضات مع إسرائيل، ومجموعة تقودها سوريا كانت تعارض مثل هذه المفاوضات. وبذلك فإن دولة الإمارات العربية المتحدة وباقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تكن تعوّل على تلقي دعم كبير من الجامعة، لا سيما بشأن قضية الجزر. ولم تتمكن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والملك حسين ملك الأردن من تنظيم مؤتمر قمة عربي لمعالجة موضوع الحرب الإيرانية – العراقية حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 1987. وقد عبرت هذه القمة العربية عن دعمها لسلامة أراضي العراق ودانت إيران لمقاومتها المطالب الدولية بإنهاء القتال، الأمر الذي عاد على مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتأييد عربي أوسع للمواقف التي تبناها المجلس في أثناء الحرب.
اتضح ضعف جامعة الدول العربية مرة أخرى في أعقاب غزو العراق لدولة الكويت، عندما رفضت منظمة التحرير الفلسطينية والأردن واليمن والسودان إدانة العراق، وتغيبت ليبيا والعراق عن الاجتماع. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى، التي كانت على الدوام تتعرض للتهديد سراً وعلناً من العراق، فقد اعترفت بأنها لا يمكنها الاعتماد على الجامعة كمنظمة أو على القومية العربية كأيديولوجية للمساعدة في قضية غزو دولة الكويت، والى درجة أقل فيما يتعلق بقضية الجزر. لكن مصر أعادت تأهيل نفسها بالنسبة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما كسبت سوريا الحظوة لدى المجلس عندما أرسلت كلتا الدولتين قوات عسكرية للمشاركة في عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء، وتعهدتا في إعلان دمشق بتاريخ 6 آذار/ مارس 1991 بمواصلة تعاونهما مع دول مجلس التعاون الست لأغراض أمنية، علماً ان قواتهما ما لبثت أن تم سحبها من منطقة الخليج. وبدلاً من ذلك تحققت دول المجلس من انها لا يمكنها الاعتماد على قدراتها العسكرية أو على قدرات العالم العربي وإمكاناته العسكرية من أجل ضمان أمنها على المديين القصير والمتوسط. ولم يكن بالإمكان تحقيق ذلك إلا من خلال العلاقات مع القوى العسكرية الغربية، لا سيما الولايات المتحدة الامريكية.
خرج العراق من حرب الأعوام الثمانية الطويلة بشيء من الهيبة في العالم العربي، ويعود ذلك بشكل عام إلى أنه صمد أمام الهجمات الإيرانية على مدى سنوات، وفي نهاية المطاف كبّد الإيرانيين خسائر جسيمة. لكن العراق بدد هذه الهيبة عندما غزا دولة الكويت وهزم في عاصفة الصحراء، وتعرض بالتالي لعقوبات وعزلة دوليتين. وقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وباقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بإدانة العراق، وتعاونت مع العمل العسكري الغربي ضد العراق، وأيدت العقوبات المفروضة عليه. لقد أسهم العراق في تقليص مكانته الإقليمية ومكن بالتالي إيران من تحسين وضعها في المنطقة. وبدأت إيران تخرج من عزلتها شيئاً فشيئاً بعد اتباعها خطاً براجماتياً رسمه لها الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني.
وحتى قبل ان تبدأ عاصفة الصحراء، فقد رحب البيان الختامي للدورة الحادية عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت بالدوحة في دولة قطر في نهاية كانون الاول/ ديسمبر 1990، بـ (رغبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تحسين علاقاتها مع كافة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتطويرها)، علما ان البيان أكد (أهمية العمل الجاد والواقعي لحل الخلافات العالقة بين إيران والدول الأعضاء)، وأكد أيضا (رغبة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في إقامة علاقات متميزة مع إيران على أساس حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة والاستقلال، والتعايش بسلام المستمد من الروابط المتبادلة القائمة على الدين والتراث و التي تربط بين دول المنطقة).
وحتى دولة الكويت والمملكة العربية السعودية اللتان كانتا أكثر عرضة للاستفزازات والهجمات الإيرانية في أثناء الحرب الإيرانية – العراقية، فقد أفصحتا عن استعدادهما لتدارس بعض الخطوات في اتجاه المصالحة. وفي اثناء احتلال العراق لدولة الكويت، قام وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد بزيارة طهران، واعتذر من دعم الكويت السابق للعراق خلال الحرب الإيرانية – العراقية. فقد كان من الواضح ان الكويت بحاجة إلى تعاون إيران إبان الأزمة. كما كانت المملكة العربية السعودية ترغب في تطبيع علاقاتها مع إيران من أجل بيئة خليجية مستقرة يمكن فيها التخفيف من الأطماع الإيرانية في الوقت الذي تم فيه إحباط الأطماع العراقية.
التي ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبد العزيز آل سعود الرئيس رفسنجاني في السنغال في كانون الاول/ ديسمبر 1990، وأعادت المملكة العربية السعودية وإيران علاقاتهما الدبلوماسية في آذار/ مارس 1991. وقد اتفق الطرفان بعد ذلك على عدد الحجاج الإيرانيين الذين سيسمح لهم بالسفر إلى مكة لأداء فريضة الحج. وتلا ذلك زيارة قام بها الرئيس رفسنجاني إلى الرياض، حيث التقى الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود في نيسان/ إبريل 1991، ثم زيارة وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل إلى طهران في حزيران/ يوليو 1991. وفي تلك الأثناء صرح وزير خارجية دولة قطر مبارك الخاطر في اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أيار/ مايو 1991 بقوله إن إيران كانت دولة صديقة وينبغي ان تلعب دوراً في أمن المنطقة.
في حزيران/ يونيو 1991 أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بياناً عبروا فيه عن تطلعهم إلى التعاون مع إيران. كما التقى وزراء الخارجية ايضا وزير الخارجية الإيراني في أيلول/ سبتمبر 1991 وتهدوا معاً بـ (احترام السيادة وسلامة الأراضي وحرمة الحدود المعترف بها دولياً والتسوية السلمية للنزاعات، وعدم اللجوء إلى القوة والتهديد بالقوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهم البعض). وعبر البيان الختامي للدورة الثانية عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في كانون الاول/ ديسمبر 1991 في دولة الكويت عن (رضاه عن تطور العلاقات الإيجابي والملموس) مع إيران، مع إيران، كما عبر عن (رغبته في دفع العلاقات الثنائية قدماً إلى الأمام).
لكن خرق إيران لمذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى عام 1992 نسف بشدة الجهود التي كان رفسنجاني يبذلها لتحسين العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال الفترة 1989-1992. وقد رد ناطق باسم وزارة الخارجية الإماراتية على أعمال إيران العسكرية بقوله أن الاعمال الإيرانية كانت لها انعكاسات سلبية على العلاقات الإماراتية – الإيرانية في وقت كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ترغب في إقامة علاقات جوار وتعاون طيبة مع إيران. وفي الأول من أيلول/ سبتمبر 1992، قال الأمين العام المساعد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية آنذاك سيف المسكري ان تصرفات إيران سيكون لها تداعيات (سلبية للغاية) على العلاقات بين دول المجلس وإيران، حيث ستؤدي إلى انعدام الثقة والتوتر. كما عبر عن قلق المجلس وخيبة أمله العميقين بصورة خاصة، لأن تصرفات إيران جاءت بعد فترة تحسن في العلاقات، وأفصح عن أمل المجلس في ان تقوم إيران بإعادة النظر في سياستها.
وفي أعقاب خروقات إيران لمذكرة التفاهم، بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة تتلقى دعماً دبلوماسياً إقليمياً، وكان أهم مصدر دعم لها هو مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ففي 9 أيلول، سبتمبر 1992 أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بياناً شديد اللهجة عبروا فيه عن (إدانتهم الشديدة للإجراءات التي اتخذتها إيران في الجزيرة، لان ذلك يمثل انتهاكاً لسيادة إحدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووحدة أراضيها، ويقوض امن المنطقة واستقرارها). وطالب البيان إيران باحترام مذكرة التفاهم الموقعة مع الشارقة، (مع التشديد بشكل خاص على حقيقة ان جزيرة أبوموسى قد أصبحت من مسؤولية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ إعلان الاتحاد). كما نص أيضاً على ان صرف إيران (يخالف الاهتمام المعلن عنه بالتعزيز المتبادل للعلاقات)، وبأنه :
يخالف المبادئ التي تحكم العلاقات بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران والاتفاقات الثنائية القائمة على المحافظة على علاقات مبنية على احترام مبادئ القانون الدولي : الاستغلال، والسيادة، وسلامة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونبذ استعمال القوة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وعبر البيان عن (التأييد الكامل لدولة الإمارات العربية المتحدة وسيادتها الكاملة على جزيرة أبوموسى والدعم التام لكافة الإجراءات التي تتخذها الإمارات لتأكيد سيادتها على الجزيرة). وعبر البيان أيضاً عن (رفضه الصريح) لاحتلال إيران المستمر لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
وفي 10 أيلول/ سبتمبر 1992، أصدر وزراء خارجية دول إعلان دمشق (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومصر وسوريا) بيان تأييد لدولة الإمارات العربية المتحدة شبيهاً ببيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد عبر هذا البيان عن (الإدانة الشديدة للإجراءات غير الضرورية المتخذة في الجزيرة والتي تنتهك سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة ووحدة أراضيها وتخالف مبادئ القانون الدولي التي تدعو إلى احترام الاستقلال والسيادة ووحدة الأراضي وحل النزاعات بالوسائل السلمية). وطالب وزراء الخارجية إيران باحترام مذكرة التفاهم بينها وبين الشارقة، كما رفضوا أيضاً احتلال إيران المستمر لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
كانت انتهاكات إيران لمذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى أيضاً سبباً في عودة الوحدة بين وزراء خارجية الدولة الأعضاء في جامعة الدولة العربية الذين أصدروا القرار رقم 5223/98/3 بتاريخ 3 ايلول/ سبتمبر 1992، والذي أعلنوا فيه تأييدهم لـ (السيادة الكاملة ) لدولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر الثلاث، و(دانوا) احتلال إيران بوصفه (غير قانوني). وقد قدمت الجامعة (الدعم التام) لجميع الإجراءات التي تتخذها دولة الإمارات العربية المتحدة لتأكيد سيادتها، ولعرض مسألة الانتهاكات الإيرانية – التي ينظر إليها على أنها (تشكل أخطر تهديد لأمن المنطقة واستقرارها) – على مجلس الأمن، ودعوا إيران إلى (احترام) اتفاقاتها وعهودها مع دولة الإمارات العربية المتحدة وسيادة الأخيرة على الجزر. كما طلبوا إلى أمين عام جامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبد المجيد مناقشة المسألة. وقد تم أيضا توزيع هذا القرار بوصفه وثيقة رسمية من وثائق الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة.
وجدير بالذكر ان سوريا انتقدت موقف إيران من الجزر، على الرغم من مصالحهما المشتركة في احتواء العراق ودعم مقاومة حزب الله للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. والواقع ان تأييد سوريا لموقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإعلان دمشق وجامعة الدول العربية من الجزر كان بمنزلة غصة لإيران، وكذلك مشاركة سوريا في مؤتمر مدريد للسلام مع إسرائيل. وقد تضمنت رؤية سوريا لأمن الخليج واستقراره احتواء العراق، لكنها لم تتضمن تحدي غيران لدولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ومع ذلك فإن علاقات سوريا الوثيقة مع إيران وتأييدها لحقوق دولة الإمارات العربية المتحدة، واهتمامها باستقرار الخليج جعلها مستعدة وقادرة على الوساطة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. وقد التقى الرئيس السوري حافظ الأسد الرئيس المصري حسني مبارك في 16 أيلول/ سبتمبر 1992، واتفق الرئيسان على ضرورة إقناع إيران باتباع سياسة لا تسهم في تفاقم المشكلة. وبعد ان اجتمع الرئيس الأسد إلى الشيخ زايد، اجتمع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع إلى وزير الخارجية الإماراتية راشد عبدالله النعيمي ثم اجتمع إلى وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي. وعلى الرغم من عدم حل النزاع، فإنه على الأقل انتزع موافقة على دخول إيران في محادثات مباشرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
كان تأييد مصر للتصريحات السالفة الذكر حول الجزر مصدر قلق لإيران، وبخاصة عندما ترافق التزام مصر باحتواء العراق بتعهدها بدعم دولة الإمارات العربية المتحدة ضد (التوسع الإيراني). وقد سحبت مصر قواتها من منطقة الخليج في أيار/ مايو ثم فعلت سوريا الشيء نفسه في حزيران/ يونيو 1992. ومع ذلك فقد تبعت تصريحات الدعم المصري المساعي الدبلوماسية المكوكية للرئيس المصري حسني مبارك في كانون الاول/ ديسمبر 1992، وذلك بين الرياض والدوحة للتهيئة لعقد اتفاق لترسيم الحدود بين البلدين، ثم أتبعها بزيارة رفيعة المستوى إلى منطقة الخليج في أيار/ مايو 1993.
وهكذا ظهرت مصر وسوريا ملتزمتين بدورهما كلاعبين دبلوماسيين في القضايا الخليجية، وإن لم يكونا لاعبين عسكريين. أضف إلى ذلك ان العراق طرح في منتصف أيلول/ سبتمبر 1992 بأنه كان الدولة الوحيدة في المنطقة القادرة على حماية الجزر من إيران. ومرة أخرى منح النزاع الذي لم تتم تسويته العراق فرصة لترويج أجندته الخاصة، وكان هذه المرة لتبرير سرعة إعادة دمجه في النظامين الإقليمي والعالمي، وذلك بعد عامين تقريباً من غزوه دولة الكويت.
وعقب إخفاق المفاوضات الثنائية عام 1992 حول الجزر بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران، أعلنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعدد من الدول العربية الأخرى بيانات تؤيد موقف دولة الإمارات العربية المتحدة. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في الدورة السابعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة ان المملكة العربية السعودية قد علمت (بقلق بالغ بإخفاق جهود دولة الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى حل سلمي وودي مع إيران لاستعادة سيادتها على جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى)، وقد عبر عن (تأييد المملكة العربية السعودية لدولة الإمارات العربية المتحدة ولمساعيها إلى إلغاء الإجراءات التي اتخذتها إيران من جانب واحد لحل هذه المشكلة بالتفاوض والتحكيم بما ينسجم مع القانون والشرعية الدوليين). لقد كان بيان الأمير سعود الفيصل العلني مهماً للغاية نظراً للدور البارز للمملكة العربية السعودية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولأن المملكة العربية السعودية لم تسمح للدفء في علاقتها مع إيران بأن يقف في طريق دعمها لدولة الإمارات العربية المتحدة في هذه القضية. ولذلك أظهرت المملكة دعمها للاتفاقية الأمنية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية من دون ان تسمح للعراق باستغلال القضية لمصلحته.
وفي أثناء دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة نفسها قال وزير الدولة للشؤون الخارجية بسلطنة عُمان يوسف بن علوي بن عبدالله ان (دولة الإمارات العربية المتحدة قد أعلنت عن إخفاق مساعيها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدار العام للتوصل إلى تفاهم ودي حول حقوق السيادة على الجزر الثلاث في الخليج، وهي جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى)، وقال ان ذلك سبّب (قلقاً بالغا لعمان بشأن التطورات السلبية المحتملة لهذا الوضع)، ودعا إيران (التي تربطنا بها روابط الصداقة والجوار والمصالح المتبادلة إلى ان تجتهد في البحث عن وسيلة سلمية لحل هذا النزاع بطريقة تحمي حقوق جميع المعنيين بالقضية والمصالح المتبادلة للدول الاعضاء في مجلس التعاون). لقد كانت رغبة سلطنة عُمان في التحدث بوضوح عن الجزر مهمة أيضا لأنها كانت تتقاسم المسؤولية مع إيران في مضيق هرمز، وكانت قد اتفقت مع إيران حول حدودهما البحرية، كما كانت علاقاتها بإيران أوثق من علاقات الأخيرة بدول مجلس التعاون الأخرى.
استخدمت دول الكويت ودولة قطر ودولة البحرين لغة أكثر حذراً في خطاباتها في هذه الدورة للجمعية العامة، حيث اقتصر كل منها على الإشارة إلى جزيرة أبوموسى، لكنها عبرت بوضوح عن تأييدها للدولة الإمارات العربية المتحدة. فدولة الكويت التي كانت ما تزال تترنح من آثار غزو العراق لها كانت تنظر إلى إيران بوصفها عامل توازن مع العراق. أضف إلى ذلك ان دولة الكويت قد عانت وابلاً من الاحتجاجات الإيرانية عندما وقعت على اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية في ايلول/ سبتمبر 1991، بالتالي فإنها قد لا ترغب في مزيد من استعداء إيران.
أما دولة قطر فبالنظر إلى علاقاتها المتوترة مع المملكة العربية السعودية في عامي 1991 و 1992 بشأن اتفاقية الحدود لعام 1965، وانفجار هذه القضية في مركز الخفوس الحدودي في أيلول/ سبتمبر 1992، فلعلها كانت لا ترغب في حدوث نفور بينها وبين إيران التي كانت ترى فيه قوة موازنة محتملة للمملكة العربية السعودية. وقد تكون المحادثات التي عقدت في عامي 1991 و 1992 بين دولة قطر وإيران لتسوية نزاعهما حول حقل غاز القبة الشمالية البحري (الذي تطلق عليه إيران حقل جنوب فارس) قد لعبت دوراً إضافياً. وتعتبر البحرين ببساطة قريبة جداً من إيران، وبالتالي فهي عرضة للنفوذ الإيراني على سكانها من الشيعة إلى درجة إنها لا يمكنها ان تعادي إيران علناً، ومع ذلك فقد ساندت هذه الدول الثلاث البيانات الرسمية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وقد لمّح وزير الخارجية المصري آنذاك عمرو موسى إلى الجزر الثلاث جميعاً والى اهتمام مصر بمنطقة الخليج بقوله: (إننا نشهد في منطقة الخليج التي هي جزء من منطقة الشرق الاوسط توتراً آخر عند حدودها الشرقية، ينعكس في احتلال إيران لجزر عربية، كان آخرها جزيرة أبوموسى)، ودعا إيران إلى (إعادة الوضع كما كان عليه سابقاً). كذلك عبر وزراء الخارجية الليبي والتونسي والأردني عن تأييد دولهم لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة بالنسبة للجزر الثلاث، وذلك في كلماتهم التي ألقوها في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة المذكورة آنفاً. وقد تحدث عمرو موسى إلى نادي الصحافة القومي في واشنطن في الأول من تشرين الاول/ أكتوبر 1992 قائلاً: (حاولت إيران أن تستغل التوتر الذي كان سائداً بالمنطقة منذ الغزو العراقي للكويت وبدأت تتخذ أعمالاً وإجراءات صنعت الأزمة الحالية في جزيرة أبوموسى). وأكد أن (التأييد المصري لدولة الإمارات العربية المتحدة في نزاعها مع إيران صادر عن موقف ثابت لا صلة له بالنزاعات القائمة بين القاهرة وطهران)، وهي نزاعات تتمحور حول اقتناع مصر بأن إيران دعمت العناصر المناوئة للحكم داخل مصر.
قدمت الدورة الثالثة عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية المنعقدة في أبوظبي في كانون الاول/ ديسمبر 1992، مزيداً من التأييد لدولة الإمارات العربية المتحدة في قضية الجزر الثلاث. و كانت القمة قد أصدرت في البداية (إعلان أبوظبي) الذي كان موجهاً إلى سلوك إيران، فبعد إخفاق المفاوضات الثنائية الإيرانية – الإماراتية في أيلول/ سبتمبر، أكد البيان (تبني مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمبدأ الحوار والتفاوض كوسيلة أساسية لحل النزاعات بين الدول)، وكذلك سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر الثلاث، مسمياً إياها( جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة)، كما أكد أيضا (رفض المجلس التام للاحتلال المستمر لهذه الجرز الثلاث من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية).
علاوة على ذلك، دان المجلس الأعلى لمجلس التعاون في بيانه الختامي تصرف إيران (لما يمثله من انتهاك لسيادة ووحدة أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة)، وعبر (عن أسفه الشديد وقلقه البالغ للإجراءات الإيرانية غير المبررة، لما فيها من إخلال بالرغبة المعلنة لتطوير العلاقات بين الجانبين)، مؤكداً ان (تطوير العلاقات بين الجانبين مرتبط بتعزيز الثقة وبما تتخذه الجمهورية الإسلامية الإيرانية من إجراءات تنسجم مع التزامها بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة ووحدة أراضي دول المنطقة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية).
وقد نص البيان الختامي على ان (استمرار الاحتلال الإيرانية للجزر الثلاث والإجراءات التي اتخذتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في جزيرة أبوموسى تمثل إخلالاً بتلك المبادئ وبالرغبة المعلنة في تطوير العلاقات بين الجانبين)، وطالب البيان إيران (بإلغاء وإزالة كافة الإجراءات التي اتخذتها في جزيرة أبوموسى، وإنهاء احتلالها لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لدولة الإمارات العربية المتحدة، و- إنه – يدعم كافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تراها مناسبة لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث، وذلك استناداً إلى الشرعية الدولية وانطلاقاً من مبدأ الأمن الجماعي).
أثارت بيانات مجلس التعاون لدول الخليج العربية ردة فعل عنيفة وسريعة لدى الرئيس الإيراني رفسنجاني الذي رد بأن (إيران هي بالتأكيد أقوى من أمثالكم .. من يريد ان يصل إلى الجزر فعليه ان يعبر بحراً من الدماء ... إننا نعتبر هذه المطالبة باطلة تماماً). وكما سبق ذكره فقد قامت إيران بنشر قوات إضافية من الحرس الثوري الإيراني في الجزر واعلنت أنها على استعداد للدفاع عن الجزر ضد أي هجوم. وذكرت أيضاً جيرانها العرب الخليجيين بانها كانت على استعداد لأن تستمر في الحرب ضد العراق لمدة ثمانين عاماً. وقد هيّأ رد الفعل العدواني الإيراني تجاه بيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلفية لبيان تأييد آخر لدولة الإمارات العربية المتحدة صدر عن جامعة الدول العربية بتاريخ 19 نيسان/ إبريل 1993. كما انتقد الرئيس المصري حسني مبارك بشدة التصرفات والأطماع الإيرانية في الخليج العربي وفي المنطقة بكاملها.
في تلك الأثناء سعت المملكة العربية السعودية إلى المحافظة على (دفء العلاقات) بينها وبين إيران. ففي تشرين الأول/ أكتوبر 1993 أيدت المملكة مطالبة رفسنجاني السابقة بزيادة حصة إيران من إنتاج النفط، ودعمت رسمياً زيادات الانتاج الإيرانية والكويتية وإبقاء مستويات الإنتاج السعودي على حالها، وذلك في اجتماع لاحق لمنظمة الأوبك عقد في فيينا في 4 تشرين الأول/ أكتوبر. وكان فهم المملكة العربية السعودية يرتكز على ان إيران ستكون مقابل ذلك مستعدة لحل نزاع الجزر سلمياً من خلال المفاوضات الثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك أعلن وزير الخارجية الإيرانية ولايتي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر في دولة قطر بأن الملك فهد بن عبد العزيز قد قبل دعوة رسمية لزيارة إيران.
وفي هذا الصدد، كتب صالح المانع يقول : (بدا ان ذلك هو ذروة شهر العسل، وان البلدين كانا على مشارف مصالحة تاريخية كادت تسوي كافة القضايا الكبرى موضع الخلاف). لكن زيارة الملك فهد لم تتم، ويعود ذلك من جهة إلى الاحتجاجات والنقد الإعلامي الذي أبداه المتشددون في إيران والذي أغضت السعوديين. كما ن الحكومة الإيرانية لم تكن لتوافق على مناقشة موضوع الجزر الثلاث جميعاً في المفاوضات الثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي دفع وزير الدولة للشؤون الخارجية الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان إلى إلغاء زيارة كانت مقررة إلى طهران، وهو ما أثار قلق السعوديين كثيراً. واستنتجت المملكة العربية السعودية ان إيران قد أساءت تفسير سياسات المملكة التصالحية تجاهها على انها علامة على ضعف السعوديين، ولذلك قررت اتخاذ موقف صلب تجاه إيران، وهو الموقف الذي ظهر بوضوح في أثناء موسم الحج في أيار/ مايو 1994 حينما قررت المملكة تخفيض عدد الحجاج الإيرانيين المسموح لهم بالحج.
في الدورة الثامنة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1993، دعا وزير الخارجية الإماراتي راشد عبد الله النعيمي إيران من جديد إلى الدخول في محادثات مباشرة حول الجزر الثلاث جميعاً. وقد أصدرت حينها دولة الكويت بيان تأييد لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة إزاء الجزر الثلاث. كما أصدرت دولة البحرين ودولة قطر بيانين أكثر حذراً، إلى حد ما، دعتا فيهما إلى (إزالة جميع المسائل العالقة) بشأن الجزر الثلاث. وهكذا لم تمض إلا خمسة شهور على التقارير التي وردت في الصحافة الإيرانية عن تحسن العلاقات مع دولة الكويت في أعقاب زيارة ولايتي إليها في أيار/ مايو 1993، حتى عادت الصحف نفسها تنتقد دولة الكويت بسبب دعمها لدولة الإمارات العربية المتحدة.
أوضح ريتشارد شوفيلد أنه منذ قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت عام 1992 في أبوظبي، فإن بيانات القمة الخليجية تتناول مصادر القلق المباشرة للدولة المضيفة للقمة. وتدليلاً على هذه الملحوظة فإنه يذكر ان قمة عام 1994 في المنامة ركزت على قضية جزر حوار وفشت الدبل، وبما ان قضية حدود سلطنة عمان قد تمت تسويتها، فإن قمة عام 1995 في مسقط لم تركز على المشكلات الحدودية. وهكذا فقد يكون من دلائل الأهمية غير العادية للنزاع حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ان تبرز القضية بشكل واضح في سائر البيانات الختامية للقمم الخليجية منذ عام 1992.
وبالفعل فقد أصدر المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بياناً ختامياً عقب نهاية القمة الرابعة عشرة التي عقدت في الرياض في كانون الاول/ ديسمبر 1993، مؤكداً (تضامنه التام وتأييده المطلق لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة ودعمه كافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تراها مناسبة لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث استناداً إلى مبادئ الشرعية الدولية). وقد دعا البيان إيران إلى (الاستجابة) لدعوة الشيخ زايد إلى بدء (حوار مباشر) مع إيران فيما يتعلق باحتلال الجزر، وهي دعوة وجهها الشيخ زايد في أثناء احتفالات العيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من كانون الاول/ ديسمبر، وقد رحب البيان ايضا ببيان الحكومة الإيرانية الصادر في اثناء اجتماع قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، معبراً عن الأمل بأن (يكون ذلك مؤشراً لإلغاء كافة الإجراءات والتدابير التي اتخذتها إيران في جزيرة أبوموسى وإنهاء الاحتلال لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لدولة الإمارات العربية المتحدة)، معيداً تأكيد (ان تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرتبط بتعزيز الثقة وبما تتخذه من إجراءات تنسجم مع التزامها بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة ووحدة أراضي دول المنطقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية).
وبعد إخفاق جهود المملكة العربية السعودية في تسخير مساعيها الحميدة في خريف عام 1993، وإخفاق النداء الموجه إلى إيران في أثناء استضافة المملكة العربية السعودية للقمة الخليجية في كانون الاول/ ديسمبر 1993، وقبيل الاتفاق المعدل على الحدود بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في صيف عام 1994، أشارت التقارير إلى ان الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود اهتم شخصياً بالترويج لمقترحات تهدف إلى إعادة الجزر سلمياً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في أوائل صيف عام 1994. وفي اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في نيسان/ إبريل 1994، دعا وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل أيضاً إيران إلى إعادة الجزر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، والى مراعاة (الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول)، وذلك كأساس (للتعاون البنّاء) بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
لكن رد إيران كان برفض (التدخل) السعودي وبتكرار التحذيرات التي أطلقتها في كانون الاول، ديسمبر 1992. وقد أوضح وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد المشكلة بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران بلغة عبرت صراحة عن تضامن دولة الكويت مع المجلس، بقوله في تموز/ يوليو 1994 إن (الحوار المطروح من قبل إيران يخص جزيرة واحدة فقط، ونحن في الحقيقة نريد ان يشمل الحوار الجزر الثلاث جميعاً).
في تلك الأثناء، وبعد أن تولى الأمين العام الجديد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي منصبه في كانون الاول/ ديسمبر 1993، طرح مواطن إماراتي من عائلة القواسم برأس الخيمة فكرة مفادها انه ينبغي رفع النزاع حول الجزر إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي أو تحويله للتحكيم من قبل طرف ثالث نزيه. وفي ضوء إخفاق المفاوضات الثنائية والوساطة أو المساعي الحميدة من طرف ثالث في الفترة 1992-1994، وفي ضوء بيان الأمين العام الجديد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي عكس تصريحات الشيخ زايد والشيخ حمدان بن زايد وراشد عبدالله النعيمي، أصدر المجلس الوزاري لمجلس التعاون بياناً في ختام اجتماعه في ايلول/ سبتمبر 1994، دعا فيه إيران إلى إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1994، سلط وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني الضوء على هذه الدعوة لتحويل النزاع إلى محكمة العدل الدولية عندما عبر علناً عن شكوكه حول إمكانية نجاح الوساطة. وقد حث البيان الختامي للدورة الخامسة عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون التي عقدت في المنامة في كانون الاول/ ديسمبر 1994 أيضاً على تحويل القضية إلى محكمة العدل الدولية، فقد جاء فيه :
وإذ يقدر المجلس الأعلى الجهود التي بذلتها دولة الإمارات العربية المتحدة لحل هذا الخلاف ثنائياً، ونظراً لعدم إبداء إيران الرغبة الجادة في بحث إنهاء احتلالها للجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى، فإن المجلس يدعو إيران إلى القبول بإحالة هذا الخلاف إلى محكمة العدل الدولية.

وفي 12 آذار/ مارس 1995 أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بياناً مشتركاً آخر (عبر من جديد من تقديرهم العميق لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة لحل قضية الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث) و(حث الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الاستجابة لمبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة والموافقة على تحويل هذا النزاع إلى محكمة العدل الدولية).
وقد عبر وزراء خارجية دول إعلان دمشق عن تحول بسيط في هذا الموقف في بيانهم الصادر في تموز/ يوليو 1995، الذي ورد فيه أنه قد (جدد الوزراء تأييدهم ومساندتهم لدولة الإمارات العربية المتحدة في سيادتها على جزرها الثلاث، ويدعون إيران إلى إجراء مفاوضات مباشرة، حول تلك الجزر، مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في أقرب فرصة، وهم في الوقت نفسه يؤيدون دعوة دولة الإمارات العربية المتحدة لإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق عن طريق الحوار).
وطبقاً لريتشارد شوفيلد فإن هذه الدعوة المتجددة إلى إجراء محادثات مباشرة قبل أخذ القضية إلى محكمة العدل الدولية قد يكون لها صلة بقرار قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في المنامة عام 1994 بالسعي إلى تسوية ثنائية للنزاع البحريني – القطري قبل السعي إلى التسوية من خلال محكمة العدل الدولية. وفي هذه القمة تردد مجلس التعاون لدول الخليج العربية في التغاضي عن نظر محكمة العدل الدولية في قضية النزاع حول جزر حوار وفشت الدبل، لا سيما ان الدولة المضيفة (البحرين) عارضت ذلك، وبالتالي فإن الدعوة إلى نقل قضية طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى إلى محكمة العدل الدولية، بعد ان استنفدت كافة الجهود الثنائية لحلها، كانت أكثر انسجاماً مع التوجيهات الصادرة عن المجلس الأعلى لمجلس التعاون للدول لحل نزاعاتها الحدودية بشكل ثنائي.
ولعل الدعوة المتجددة إلى المحادثات المباشرة مرتبطة أيضاً بالقلق المتزايد في دولة الإمارات العربية المتحدة من أنه على الرغم من أنها قد تحظى بفرصة ممتازة لإقرار ملكيتها لجزيرة أبوموسى من قبل محكمة العدل الدولية، فإن هناك أيضاً إمكانية – في ضوء قرارات المحكمة الدولية الأخيرة حول النزاعات الحدودية التي سعت إلى إرضاء كل الطرفين – ان تتخذ المحكمة قراراً سياسياً من حيث الأساس بمنح طنب الكبرى وطنب الصغرى لإيران، وذلك لكي لا تكون إيران مستاءة تماما. وقد يكون البيان الصادر عن دول إعلان دمشق أيضاً ذا صلة بالقلق المتزايد حول النشاط العسكري الإيراني في الجزر في أواخر عام 1994 وفي عام 1995، وبالرغبة في التوصل إلى تسوية على نحو أسرع ما يمكن تحقيقه من خلال محكمة العدل الدولية.
وفي أيلول/ سبتمبر 1995 عبر وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومن بعدهم وزراء خارجية دول جامعة الدول العربية عن تأييدهم لدولة الإمارات العربية المتحدة في قضية الجزر الثلاث. وكان ذلك قبيل الجولة الثانية للمفاوضات الثنائية المباشرة التي جرت بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، وذلك في أعقاب دعوة وجهها وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى كل من إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أخفقت تلك المحادثات عندما رفض الإيرانيون النظر في جدول أعمال دولة الإمارات العربية المتحدة الخاص بالمحادثات. وعقب انهيار المحادثات قالت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إن دولة الإمارات العربية المتحدة دخلت المحادثات بحسن نية، وبالتالي اتبعت التوجيهات التي صدرت عن مؤتمر القمة الخليجية عام 1994 في المنامة، وأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد ووجهت مرة أخرى بالرفض الإيراني.
عبر البيان الختامي الصادر في نهاية القمة الخليجية المنعقدة في مسقط بسلطنة عُمان في كانون الاول/ ديسمبر 1995 (عن أسفه البالغ لعدم تجاوبها –إيران – مع الدعوات المتكررة الجادة والصادقة من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى حل سلمي لهذه القضية). كما عبر أيضاً (عن قلقة من مواصلة الحكومة الإيرانية اتخاذ إجراءات ترمي إلى تكريس احتلالها للجزر الثلاث)، وأعاد تأكيد (دعمه التام وتأييده المطلق لكافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها - دولة الإمارات العربية المتحدة – لإستعادة سيادتها على الجزر الثلاث). وفي الختام دعا إيران ثانية إلى ( القبول بإحالة الخلاف إلى محكمة العدل الدولية).
وفي 2 حزيران/ يونيو 1996 أعاد المجلس الوزاري لمجلس التعاون تأكيد دعمه المطلق لدولة الإمارات العربية المتحدة ولكافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث، بما في ذلك تحويل النزاع إلى محكمة العدل الدولية. وذكر أن إيران واصلت ترسيخها لاحتلالها للجزر، وقال عن إصرار إيران على مواصلة احتلالها غير الشرعي بالقوة كان استفزازياً ويشكل انتهاكاً لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة وحقوقها. وأضاف المجلس الوزاري القول ان سياسات إيران وتصرفاتها تعرض للخطر أمن المنطقة واستقرارها. وأكد أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية الجديد جميل الحجيلان، أن سلوك إيران في الجزر يناقض علاقات حسن الجوار.
وفي 14 تموز/ يوليو 1996، عبر وزراء خارجية دول إعلان دمشق، في بيانهم الختامي الذي صدر في ختام اجتماعهم في مسقط، عن (قلقهم البالغ) من احتلال إيران للجزر، مستذكرين (المبادرات والدعوات المتكررة، الجادة، والصادقة، الموجهة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول إعلان دمشق، ومجلس جامعة الدول العربية)، ومؤكدين (تأييدهم ومساندتهم المطلقة لكل الإجراءات والوسائل السلمية، التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر)، ودعا البيان إيران (إلى انهاء احتلالها للجزر الثلاث، والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن تنفيذ أي إجراءات من طرف واحد، وإزالة أي إجراءات أو منشآت، سبق تنفيذها من طرف واحد، في الجزر الثلاث، واتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقواعده، والقبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية). كما أكد الوزراء أيضاً ان (أمن واستقرار دولة الإمارات العربية المتحدة والمحافظة على استقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها الإقليمية، جزء لا يتجزأ من امن دول الخليج العربية، والأمن القومي العربي).
وورد في البيان الختامي للدورة السابعة عشرة للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون التي عقدت في الدوحة في كانون الاول/ ديسمبر 1996 ان المجلس اذ لاحظ استمرار الحكومة الإيرانية في تنفيذ إجراءات ترمي إلى (تكريس احتلالها للجزر الثلاث إمعاناً في اتباع سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة)، فقد كرر المجلس (أسفه الشديد لاستمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الامتناع عن الاستجابة للدعوات المتكررة الجادة والصادقة الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول إعلان دمشق ومجلس جامعة الدول العربية ومؤتمر القمة العربية الداعية إلى حل هذا النزاع حلاً سلمياً ). ويمضي نص البيان إلى القول :
وإذ يجدد المجلس الاعلى تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، ودعمه المطلق لكافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر، يكرر المجلس دعوته للحكومة الإيرانية إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث، والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن تنفيذ أية إجراءات من طرف واحد، وإلغاء أية إجراءات وإزالة أية منشآت سبق تنفيذها من طرق واحد في الجزر الثلاث، واتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

كما عبر البيان أيضاً (عن قلقه الشديد من قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بنشر صواريخ أرض – أرض في الخليج العربي، بما في ذلك نشرها للصواريخ على جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة، مما يعرض دول المجلس ومنشآتها الحيوية للتهديد المباشر).
كان رد فعل وزراء خارجية دول إعلان دمشق إيجابياً تجاه انتخاب رجل الدين الإصلاحي محمد خاتمي لرئاسة إيران ودعوته إلى فتح فصل جديد في العلاقات العربية – الإيرانية. ففي البيان الختامي الصادر في نهاية اجتماع جزيران/ يونيو 1997 أكد وزراء الخارجية استعدادهم لبناء علاقات ودية مع إيران على أساس حسن الجوار، غير انهم أكدوا مع ذلك أهمية حل قضية الجزر قبل ذلك.
وفي بداية آب/ أغسطس 1997، وبعد تولي الرئيس محمد خاتمي منصبه، نقلت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن عن أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية آنذاك جميل الحجيلان قوله : (لا يمكنني القول ان هناك خطراً صادراً من إيران، فأنا لا أعتقد بذلك .... فإيران تعرف جيداً مصالحها في المنطقة. إنها دولة كبيرة جارة لنا، ونحن حريصون تماماً على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مبنية على نوايا حسنة... من المستحيل ان أقول إن إيران تشكل خطراً على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية). وقال الحجيلان إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يكن يريد ان تبقى العلاقات الأمريكية – الإيرانية متوترة، لأن ذلك له تأثير سلبي على الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وقال أيضاً: (إن إيران جارة كبيرة وقوية، وهي تمثل عاملاً رئيسياً في استقرار المنطقة، لذلك يعتبر الاتفاق مع إيران وتعمق أقتناعها بالحاجة إلى التعاون مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية مهماً لاستقرار المنطقة). لقد كان الحجيلان، وهو من المملكة العربية السعودية، يعكس الفكرة القائلة ان العلاقات السعودية – الإيرانية وعلاقات مجلس التعاون لدول الخليج العربية بإيران بدأت تنتعش من جديد بعد انتخاب خاتمي. لكن هذه التصريحات لم تكن تعني أنه سيحدث أي تراخ سريع في سياسات مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو المملكة العربية السعودية تجاه احتلال إيران للجزر.
رحب المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في أيلول/ سبتمبر 1997 مثلاً، بدعوات الرئيس خاتمي إلى إقامة علاقة جديدة مع إيران، غير أنه نبه من جديد على انه ينبغي لإيران تسوية نزاع الجزر مع دولة الإمارات العربية المتحدة. كما نوه أيضاً عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية ووزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الذي عقد في القاهرة في الشهر نفسه بالدعوات التي أطلقتها القيادة الإيرانية لتحسين العلاقات، لكنهم دعوا إيران إلى الاستجابة لدعوات دولة الإمارات العربية المتحدة بانتهاج الوسائل السليمة لإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر. وأعادوا تأكيد الدعم لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر الثلاث، ورفضوا جميع الإجراءات الإيرانية لفرض سيطرتها على هذه الجزر، وناشدوا الأمم المتحدة ان تبقي قضية هذا النزاع على جدول أعمالها. وقد أيد وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل مواقف دولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص الجزر في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت في خريف عام 1997. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر قام وزير الخارجية الإيراني الجديد كمال خرازي بجولة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يحمل رسالة عامة لتحسين العلاقات، لكنه لم يأت بمقترحات جادة بشأن الجزر.
وفي عشية القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في طهران في كانون الأول/ ديسمبر 1997، بعث أمين عام جامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد رسالة مفتوحة إلى الرئيس خاتمي يدعوه فيها إلى تسوية سلمية لقضية الجزر مع دولة الإمارات العربية المتحدة عن طريق التحكيم الدولي، ثم قال بعد ذلك إنه سيسعى إلى إقناع المسؤولين الإيرانيين في أثناء القمة للتوصل إلى تسوية سلمية للقضية مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أشار عبد المجيد في كلمته الموجهة إلى القمة إلى دستور منظمة المؤتمر الإسلامي والى الكلمة التي ألقاها خاتمي في وقت سابق من اليوم نفسه، وقد دعت كلتا الكلمتين إلى تسوية سلمية للنزاعات بين الدول الأعضاء، وناشد إيران أن تستجيب لدعوات دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تسوية سلمية لنزاع الجزر. وقد انضم إليه في هذه المساعي رئيس الوفد الإماراتي وزير الخارجية راشد عبدالله النعيمي الذي دعا إلى تسوية سلمية للنزاع في كلمته الرسمية التي ألقاها في العاشر من كانون الاول/ ديسمبر.
وفيما بعد وصف عبد المجيد محادثاته مع الزعماء الإيرانيين على هامش قمة منظمة المؤتمر الإسلامي بأنها (مشجعة)، وقال إن موقف الحكومة الإيرانية الجديدة من الحل السلمي للنزاع كان يبدو (إيجابياً). وبالفعل ففي مؤتمر صحفي عقد في طهران بعد القمة بوقت قصير، أجاب الرئيس خاتمي عن سؤال حول زيارة دولة الإمارات العربية المتحدة للتفاوض بشأن الجزر بقوله : (لقد قلنا ذلك في مكان آخر، ونقوله مؤكدين الآن، إننا على استعداد للذهاب إلى هناك). لكنه رفض وساطة أي طرف ثالث، وقال : (إن نزاعنا حول الجزر ليس بحاجة إلى تدخل أطراف خارجية).
وعقب قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي اجتماع القمة الثامنة عشرة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي انعقد في دولة الكويت في كانون الاول/ ديسمبر 1997، رأى بعض قادة دول المجلس من جديد أن من الضروري، والممكن أيضاً، إصدار نداء إلى قادة إيران الجدد. وفي الوقت الذي كان مضيف القمة، أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، يقول إن قادة إيران الجدد كانوا يسعون إلى إقامة علاقات أوثق مع دول الخليج العربية، فإنه مع ذلك دعا إيران إلى (الاستجابة للدعوات المتكررة لاتباع الوسائل الكفيلة بحل النزاع الحالي حول جزر الإمارات الثلاث وفقاً للقانون الدولي، لكي نتمكن من فتح صفحة جديدة في علاقاتنا).
وقال أمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ان (هناك مشاكل عالقة، ومنها احتلال جزر الإمارات الثلاث، ولا أعتقد ان بإمكاننا التحدث عن أية شراكة أمنية – مع إيران- ما لم نتغلب على كافة هذه القضايا). وقد جاءت رغبة الشيخ عيسى للتحدث علناً بعد اتهامات دولة البحرين عام 1996 لإيران بالتورط في القلاقل السياسية ومؤامرة الانقلاب في البحرين. والواقع انه كان من المتوقع ان تدرس قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية زيادة التعاون الدفاعي بين دول المجلس الذي كان يرتكز على قوة درع الجزيرة، والذي جاء بتصور نظام دفاعي ساحلي يعتمد على توحيد أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات للدول الأعضاء، وذلك في خطوة أولى نحو إقامة درع دفاعية جوية تغطي المنطقة كلها.
وقد عكس البيان الختامي للقمة القلق المتواصل للمجلس الأعلى الذي (كرر أسفه الشديد لاستمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الامتناع عن الاستجابة للدعوات المتكررة والجادة والصادقة الصادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وعن المنظمات والهيئات والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى، الداعية إلى حل هذا النزاع حلاً سلمياً. كما استعرض المجلس الأعلى تصريحات فخامة الرئيس محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي عبر فيها عن رغبته باللقاء بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، واستمع إلى ترحيب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بهذا التوجه، ورحب المجلس الأعلى بأي لقاء يعقد بين قيادتي البلدين).
وقد جدد بيان المجلس الأعلى تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وعمه المطلق لكافة الإجراءات الوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر، وكرر مطالبته الحكومة الإيرانية بإنهاء احتلالها للجزر الثلاث، والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن إقامة منشآت إيرانية في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كافة الإجراءات وإزالة المنشآت التي سبق تنفيذها من طرف واحد في الجزر الثلاث، واتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.
وفي شباط/ فبراير 1998 صرح الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني، في أثناء زيارة قام بها إلى المملكة العربية السعودية استغرقت أسبوعين وتوقف خلالها في دولة البحرين، بأن إيران ترغب في إجراء مفاوضات ثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة لإيجاد حل للمشكلة، لكنه طالب بأن ترسل دولة الإمارات العربية المتحدة وفداً إلى إيران حيث سبق أن قام وزير الخارجية الإيراني السباق ولايتي بزيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وعقب زيارة رفسنجاني إلى المملكة العربية السعودية، وعشية اجتماع المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في المملكة العربية السعودية في آذار/ مارس، فإن كل ما استطاع أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية جميل الحجيلان قوله هو : (إن رغبتنا في التعاون مع إيران هي أحد المبادئ الاساسية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وإننا نأمل ان يكون هذا الموقف من جانب مجلس التعاون لدول الخليج العربية تجاه إيران دافعاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية للاستجابة للمساعي المبذولة لحل مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران سلمياً عن طريق المفاوضات أو بالذهاب إلى محكمة العدل الدولية).
وقد عبر البيان الصادر في ختام اجتماع المجلس الوزاري لمجلس التعاون في آذار/ مارس عن (الأسف الشديد) لعدم تجاوب إيران مع دعوات دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى حل سلمي للنزاع، وجدد دعمه لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر، و(طالب بأن تنهي الحكومة الإيرانية احتلالها للجزر الثلاث .... وتوقف سياسة فرض الحقائق على الأرض). وفي أيار/ مايو 1998 قام وزير الخارجية الإيراني خرازي بزيارة أخرى إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنه أيضاً لم يجلب معه مقترحات جديدة حول الجزر.
وفي أثناء التحضيرات للقمة الخليجية التاسعة عشرة التي انعقدت في أبوظبي عام 1998، صرح أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية الحجيلان مرة أخرى بقوله : (إننا نأمل في ان تستجيب القيادة الإيرانية لدعوات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لإنها احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث وحل النزاع سلمياً). لكن قبل القمة بأيام صرح ناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية بأن (إيران تتطلع قدماً إلى تسوية كافة القضايا في إطار اتفاق عام 1971) حول أبوموسى، وأعاد تأكيد السيادة الإيرانية على الجزر الثلاث، وهو موقف كان كفيلاً بإثارة رد فعل سلبي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. أضف إلى ذلك إن إيران بدأت تمارين بحرية في مداخل مضيق هرمز بوحدات البحرية النظامية والوحدات البحرية التابعة للحرس الثوري في الأيام التي سبقت افتتاح القمة. وقد امتد نطاق هذه التمارين البحرية على مساحة امتدت من مضيق هرمز إلى المياه الإقليمية المحيطة بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.
على الرغم من أن أمين عام جامعة الدولة العربية عصمت عبد المجيد، وفي أثناء قمة منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1997، قد اعتبر موقف الحكومة الإيرانية الجديدة من حل سلمي لنزاع الجزر موقفاً إيجابياً، فإنه جدد دعوته لإيران إلى الاهتمام بمساعي دولة الإمارات العربية المتحدة الهادفة إلى إيجاد حل سلمي عن طريق المفاوضات أو إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. وقد كشف كوفي أنان، الذي كان أول أمين عام للأمم المتحدة يحضر قمة خليجية، عن أنه كان قد اقترح ان تعقد دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران محادثات تحضيرية حول الجزر، وأن الشيخ زايد وكمال خرازي قد تجاوبا مع الاقتراح. وقد عرض كوفي أنان، كما ذُكر، على الشيخ زايد استعداده (للوساطة بين دولته وإيران إذا ما أخفقت المفاوضات الثنائية). وبالفعل فقد دعا الشيخ زايد إيران قبل ذلك بأسبوع إلى قبول إجراء (حوار بنّاء أو اللجوء إلى التحكيم) لدى محكمة العدل الدولية. وقد رحب خرازي بعرض المحادثات المباشرة، لكنه قال إن أنان لم يعرض عليه الوساطة.
وقد ورد في البيان الختامي للدورة التاسعة عشرة للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون التي عقدت عام 1998 ان المجلس (لاحظ استمرار الادعاءات الإيرانية، غير المقبولة، بشأن الجزر الثلاث واستمرار الإجراءات الإيرانية الرامية إلى تكريس الاحتلال)، كما أكد :
المجلس الأعلى مجدداً على ضرورة استجابة الحكومة الإيرانية للدعوات العديدة، الجادة والصادقة، الصادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ودول مجلس التعاون، ودول إعلان دمشق، وجامعة الدول العربية، وعن المنظمات والهيئات والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى، الداعية إلى حل هذا النزاع سلمياً، وبما يكسب التوجهات الإيجابية لحكومة الرئيس محمد خاتمي المصداقية الضرورية لبناء الثقة المتبادلة، وتطوير التعاون، والمحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وقد جدد البيان (تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، ودعمه المطلق لكافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر، ومطالبته الحكومة الإيرانية بإنهاء احتلالها للجزر الثلاث، والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن إقامة منشآت إيرانية في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كافة الإجراءات، وإزالة جميع المنشآت التي سبق إقامتها من طرف واحد في الجزر الثلاث، واتباع الوسائل السلمية لحل النزاع، وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية). كذلك (رحب المجلس الأعلى بالجهود التي يبذلها معالي كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة، بهدف الوصول إلى إطار للمفاوضات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران لحل النزاع القائم بينهما، بشأن الجزر الثلاث، ودعا المجلس الأعلى الأمين العام للأمم المتحدة إلى الاستمرار في جهوده ورعاية المفاوضات. كما دعا المجلس الأعلى الحكومة الإيرانية إلى الاستجابة الجادة لجهود معالي الأمين العام للأمم المتحدة بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة).
وعقب افتتاح إيران لمبنى جديد للبلدية ولمؤسسة تعليمية في جزيرة أبوموسى في شباط/ فبراير 1999، احتجت دولة الإمارات العربية المتحدة لدى جامعة الدول العربية وطلبت إلى أمينها العام عصمت عبد المجيد وضع موضوع احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث على جدول أعمال اجتماع المجلس الوزاري للجامعة المقرر عقده في آذار/ مارس. وأدلى الأمن العام للجامعة ببيان إلى صحيفة الحياة جدد فيه رفضه الإجراءات الإيرانية في الجزر الثلاث، وحث المسؤولين الإيرانيين على التجاوب مع مساعي دولة الإمارات العربية المتحدة الداعية إلى حل سلمي، بما في ذلك إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. وبدوره حذر الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية من أن إيران إذا ما (استمرت في احتلال هذه الجزر وترسيخ احتلالها لها، فلن يكون ذلك في مصلحة العلاقات بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران). وقال أيضاً : (ان تجاوب إيران مع الدعوات الإماراتية إلى حل الصراع بالمفاوضات المباشرة أو عن طريق محكمة العدل الدولية سيقطع شوطاً بعيداً نحو تمتين العلاقات).
وفي الوقت الذي أدلى فيه الحجيلان بهذا الحديث، بدأت إيران في تمارين بحرية جديدة استمرت لمدة تسعة أيام، حيث نفذت تمارين (الفاتح-77) الذي شاركت فيه إحدى عشرة سفينة حربية وغواصتان وثماني مروحيات وثلاث وحدات غواصين وعشر وحدات عمليات خاصة والقوات الجوية، وفي منطقة تمتد من مضيق هرمز إلى جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وقد عبرت جامعة الدول العربية عن (بالغ القلق) من تلك التمارين الإيرانية، محذرة من أنها يمكن ان يكون لها (تداعيات سلبية) على العلاقات مع دول الخليج العربية. وفي الوقت نفسه بدأت القوات الجوية الست لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تمارينها الجوية السنوية المشتركة تحت مسمى (بيرق الحق 99). وفي تلك الاثناء ردت إيران على احتجاجات دولة الإمارات العربية المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية بتكرار ادعائها السيادة على الجزر الثلاث واستعدادها (للاستمرار في مفاوضاتها البنّاءة مع دولة الإمارات العربية المتحدة على أساس اتفاقيات عام 1971 ومن دون شروط مسبقة)، أي التفاوض حول تطبيق مذكرة التفاهم حول أبوموسى، ولكن ليس حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، ولا حول السيادة.
بعد ذلك قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة احتجاجاً آخر لدى جامعة الدول العربية، وقال سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في القاهرة موضحاً : (إن دولة الإمارات العربية المتحدة تنظر إلى جميع الإجراءات التي نفذتها إيران في الجزر في الماضي أو التي تقوم بها في المستقبل بوصفها استفزازات غير ملائمة)، وحث إيران على حل النزاع من خلال المفاوضات الثنائية أو التحكيم الدولي. وأعلن عصمت عبد المجيد ان (تصرفات إيران تجاه العرب لا تنسجم مع السياسات العربية تجاه الجمهورية الإسلامية. إن الدول العربية ملتزمة بإقامة علاقات طيبة مع إيران، ولذلك فإن المفروض بإيران ان تقابل ذلك بالمثل). وفي رد فعل على انتقادات جامعة الدول العربية قال مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية إن (مناورات إيران العسكرية هي في الأساس استخدام لقوات إيران الاحتياطية في الدفاع عن سلامة أراضيها). وأضاف القول ان المفروض بجامعة الدول العربية ان (تشجع دولة الإمارات العربية المتحدة على تبني موقف واقعي إزاء إيران والتفاوض مع الجمهورية الإسلامية بدلاً من كيل التهم لها).
رأت دولة الإمارات العربية المتحدة في المناورات العسكرية الإيرانية اسفتزازاً وتهديداً خطيرين، فدعت إلى عقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي لبحث انتهاكات إيران وتمارينها العسكرية الجديدة. وفي عشية الاجتماع الطارئ للمجلس سافر وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إلى سلطنة عُمان لالتقاء وزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي بن عبدالله، وقال: (إنني أتمنى أن أرى إيران تتجاوب مع دعوات رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للتفاوض حول قضية الجزر). وقال ان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانت تتجنب أي استفزاز، وكانت تسعى لحل كافة المشكلات من خلال المفاوضات، وإن النزاع على الجزر كان أهم مشكلة تتطلب الحل، وإن كافة المشكلات يمكن حلها من خلال حسن النوايا. وصرح بأنه جرى بحث نزاع الجزر خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني التي كان قد اختتمها إلى المملكة العربية السعودية، وأنه كان قد أبلغ خرازي بأن المملكة العربية السعودية تود أن تتم تسوية النزاع (بشكل مباشر)، وأن خرازي قد (عبر عن رغبة بلاده بتسوية القضايا بشكل سلمي)، و (أننا بانتظار الافعال). وكان وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد قد صرح أنه : (إذا لم يكن هناك اتفاق على إجراء محادثات مباشرة، فهناك إذن محكمة العدل الدولية .... وآمل ان يتم تحويل هذه القضية إلى المحكمة). وعبر عن الأمل بان تتولى محكمة العدل الدولية حل النزاع (الذي ليس في مصلحة إيران، وليس فيه فائدة للمنطقة).
لعل التقاء وزير الخارجية السعودي وزير الدولة للشؤون الخارجية العُماني عشية اجتماع المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون كان مجهوداً يرمي إلى التنسيق المسبق للتأكد من ان دعم مجلس التعاون لدول الخليج العربية لدول الإمارات العربية المتحدة لن يقوض العلاقات الثنائية السعودية – الإيرانية في هذه الفترة المهمة. وكانت المملكة العربية السعودية تريد من إيران ان تلتزم بالتخفيضات المتفق عليها في إنتاج النفط والتي تهدف إلى دعم أسعار النفط المتدنية بحيث يمكن الاتفاق على مزيد من التخفيضات في اجتماع منظمة الأوبك الذي كان من المزمع عقده في فيينا في أواخر آذار/ مارس، وبالتالي خفض فائض إمدادات النفط في السوق العالمية، والسماح لأسعار النفط العالمية بالارتفاع. كذلك كانت المملكة العربية السعودية تريد من الإيرانيين السلوك الجيد في أثناء موسم الحج التالي في آذار/ مارس. وقد رغبت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت على حد سواء في تعاون الإيرانيين معهما في احتواء العراق الذي كان يدعو إلى إطاحة هذين النظامين بسبب دعمهما للعمليات العسكرية الامريكية ضد العراق ما بين كانون الأول/ ديسمبر 1998 وآذار/ مارس 1999.
كانت المملكة العربية السعودية تتوقع أيضاً من الرئيس الإيراني خاتمي بعد ذلك في آذار/ مارس. وقد شاطرت سلطنة عُمان المملكة العربية السعودية اهتمامها بالحصول على التعاون الإيراني بالنسبة لإنتاج النفط وأسعاره، ولم يكن ثمة نزاع بينها وبين إيران، كما كانت تتجه إلى إبرام اتفاقية جزئية على الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي اتفاقية تم التوصل إليها والتوقيع عليها في 1 أيار/ مايو 1999. وبذلك أثبت عمان أنها شريك يتمتع بأهمية محتملة في مسعى سعودي لتشجيع رد فعل من قبل الاجتماع المزمع عقده للمجلس الوزاري لا يؤدي إلى إقصاء إيران. لكن على الرغم من كل هذه الاعتبارات فإن المملكة العربية السعودية أيدت بياناً قوي اللهجة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما فعلت سلطنة عُمان الشيء نفسه.
أعلن البيان الصادر في ختام الاجتماع الطارئ للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي عقد في أبوظبي في أوائل آذار/ مارس 1999 أن (المجلس الوزاري يدي هذه المناورات العسكرية الإيرانية الاستفزازية التي تجريها إيران في جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة ... ومياهها الإقليمية. ويطالب إيران بالكف الفوري والسريع عن مثل هذه الأعمال الاستفزازية التي تهدد الأمن والاستقرار في الخليج العربي، وتشكل مصدر قلق بالغ ولا تساعد على بناء الثقة باعتبارها خرقاً لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة ومحاولة من جانب إيران تكريس احتلالها للجزر الثلاث المحتلة). وأكد المجلس الوزاري رفضه القاطع لاستمرار احتلال إيران لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث، وأعاد تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة الكاملة على الجزر، ودعا إيران مجدداً إلى إنهاء احتلالها للجزر.
وشدد المجلس الوزاري على (الرغبة الأكيدة ) و(المبادرات الصادقة) من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون والدول العربية لبناء علاقات طيبة مع إيران، وأشار إلى أن :
تلك المبادرات قوبلت من جانب إيران بمزيد من تكريس الاحتلال وانتهاك صارخ للسيادة الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، بل زادت من ذلك إلى تحويل الجزر الثلاث إلى مناطق عسكرية وتكرارها إقامة المناورات العسكرية البحرية والجوية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي يشكل مصدر قلق بالغ لدول المجلس وتناقضاً بين الأقوال والأفعال الإيرانية.

وجدد دعوته لإيران للقيام بترجمة توجهاتها المعلنة برغبتها في تحسين العلاقات مع دول المجلس إلى خطوات عملية، وذلك بالاستجابة لدعوات دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون ودول إعلان دمشق وجامعة الدول العربية والمنظمات الإقليمية والدولية والأمين العام للأمم المتحدة، الداعية إلى حل النزاع حول الجزر الثلاث من خلال المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وأفاد البيان ان المجلس الوزاري كلف وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بإجراء الاتصالات مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإقليمية والدولية من أجل :
شرح خطورة الوضع في المنطقة في ظل برامج التسلح الإيراني، وخاصة في مجال برامج الصواريخ، وبرامج أسلحة الدمار الشامل باعتبارها تفوق احتياجات إيران الدفاعية المشروعة، وتشكل مصدر قلق بالغ لدول مجلس التعاون، وتهدد الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج العربي.

لقد كان هذا البيان قوياً للغاية في تأييد دولة الإمارات العربية المتحدة. لكن من الملاحظ ان دولتي الكويت وقطر لم تبعثا بوزيري خارجيتهما لحضور الاجتماع، بل بعثتا بمسؤولين أقل مستوى بدلاً منهما. ووفقاً لمراقبين في دولة الإمارات العربية المتحدة فإن من المؤكد ان دولة الكويت كانت تريد من إيران ان تكون قوة موازنة للتهديد الصادر من العراق، وان تتعاون في موضوع إنتاج النفط وتحديد أسعاره في وقت كانت فيه هاتان القضيتان تتمتعان بأهمية بالغة. أضف إلى ذلك ان ولي عهد دولة الكويت ورئيس وزرائها الشيخ سعد عبدالله السالم الصباح كان من المقرر ان يقوم بزيارة رسمية إلى إيران بعد الاجتماع الطارئ للمجلس الوزاري ببضعة أيام. أما دولة قطر الحريصة عادة على تجنب نشوء أي عداوة مع إيران أو المملكة العربية السعودية، والراغبة ايضاً في ان يسهم تعاون إيران في رفع أسعار النفط، فقد تكون بعثت بمسؤول أدنى مستوى لأسباب مماثلة.
رفضت وزارة الخارجية الإيرانية البيان الصادر من المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوصفه (استفزازياً)، ووصفته بأنه (تدخل سافر في شؤون إيران الداخلية). واحتجت بأن (هذه المناورات لا تهدد أمن المنطقة، بل تؤدي أيضاً إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة). وأضافت : (من المستغرب ان هذه المزاعم الباطلة ضد إيران تأتي في وقت كانت فيه الدول الإقليمية نفسها تجري مناورات). وأخيراً أدعت ان الجزر الثلاث كانت (جزءاً لا يتجزأ) من إيران، وطرحت من جديد فكرة إجراء محادثات ثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة على أساس اتفاقية عام 1971.
وفي اجتماع عادي للمجلس الوزاري بالرياض في منتصف آذار/ مارس 1999، أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون بياناً قوياً آخر قالوا فيه ان المجلس (لاحظ استمرار الادعاءات الإيرانية، غير المقبولة، بشأن الجزر الثلاث، والقيام بإجراء مناورات عسكرية استفزازية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وفتح دار للبلدية الإيرانية ومجمع تعليمي في جزيرة أبوموسى بهدف تكريس الاحتلال، وفرض الأمر الواقع)، وأكد المجلس مجدداً أهمية قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بترجمة توجهاتها المعلنة، في عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، برغبتها في تحسين العلاقات مع دول المجلس إلى خطوات عملية ملموسة، وذلك بالاستجابة الصادقة للدعوات الصادرة من أطراف إقليمية ودولية عديدة، الداعية إلى الدخول في مفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لحل النزاع حول الجزر الثلاث.
وجدد بيان المجلس الوزاري تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر، وعبر عن (دعمه المطلق) لكافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها عليها، وطالب الحكومة الإيرانية بإنهاء احتلالها للجزر الثلاث، (والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن إقامة منشآت إيرانية في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كافة الإجراءات، وإزالة جميع المنشآت التي سبق إقامتها من طرف واحد في الجزر الثلاث). وبشأن المناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة قرب جزر دولة الإمارات العربية المتحدة المحتلة ومياهها الإقليمية، فقد دعا إيران إلى (الكف عن الأعمال الاستفزازية التي تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، وتمثل تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار في المنطقة وتعرض الملاحة الإقليمية والدولية في الخليج العربي للخطر). وجدد البيان التعبير عن اقتناع المجلس بأن (بناء الثقة يتحقق من خلال تبني إيران خطوات عملية ذات مصداقية هادفة لحل المشاكل القائمة) بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران، وذكر بالتحديد نزاع الجزر.
وبعد ذلك بأيام، صرح أمين عام جامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد في اجتماع للجامعة في منتصف آذار/ مارس بقوله : (إننا نراقب عن كثب آخر التطورات المتعلقة بجزر دولة الإمارات العربية المتحدة، ونأمل ان تستجيب إيران للدعوات المتكررة من جانب الإمارات لحل النزاع بالوسائل السلمية أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية). وفي الوقت الذي أوضحت المصادرة السورية ان سوريا عرضت جهود الوساطة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران، وكانت قد سعت إلى ذلك بالفعل عام 1992، فإن المصادر الإماراتية قالت ان ذلك العرض لم يتم التقدم به.
وقد أكد البيان الصادر في نهاية اجتماع جامعة الدولة العربية على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر الثلاث وعلى الدعم الكامل لكافة المساعي السلمية لاستعادة سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة عليها، وشجب الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث ومحاولاته تثبيت الاحتلال، وانتهاك سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، والمناورات العسكرية الإيرانية التي شملت الجزر. ودعا البيان إيران إلى إيقاف استفزازاتها التي قوضت الثقة وعرضت أمن المنطقة واستقرارها للخطر، والى إنهاء احتلالها للجزر وفرضها الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن بناء منشآت في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كافة الإجراءات، وإزالة جميع المنشآت التي سبقت إقامتها من طرف واحد في الجزر. وأضاف البيان التأكيد على ضرورة قيام إيران بترجمة توجهاتها المعلنة برغبتها في تحسين العلاقات مع الدول العربية إلى خطوات عملية ملموسة، وذلك بالاستجابة الصادقة للعديد من الدعوات العربية الداعية إلى حل النزاع بالوسائل السلمية من خلال الدخول في مفاوضات مباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وأعلن البيان أيضاً عن قرار بإعلام الأمم المتحدة بأهمية إبقاء القضية على جدول أعمال مجلس الأمن إلى ان تنهي إيران احتلالها للجزر وتستعيد دولة الإمارات العربية المتحدة سيادتها الكاملة عليها.
وبعد الاجتماع صرح الأمين العام للجامعة عصمت عبد المجيد بقوله : (لن تكون هناك علاقات طيبة بين العرب وإيران إذا ما استمرت إيران في احتلالها لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث. وبمجرد انتهاء هذا الاحتلال ستصبح العلاقات طيبة). وفي غضون أسبوع كتب عبد المجيد إلى أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان ورئيس مجلس الأمن طالباً إلى مجلس الأمن النظر في قضية احتلال إيران للجزر، وإدانة مناورات إيران العسكرية الأخيرة قرب الجزر، والدعوة إلى وضع حد لسياسة إيران الهادفة إلى فرض الأمر الواقع في الجزر. وبالفعل فقد واصل التركيز على هذه النقاط خلال الاسابيع التي تلت ذلك.
وفي أعقاب هذه البيانات القوية الصادرة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، أوردت الصحيفة الإيرانية اليومية الناطقة باللغة الإنلجيزية طهران تاميز Tehran Times ان الرئيس خاتمي كان في صدد إلغاء رحلته إلى المملكة العربية السعودية بسبب ما كانت طهران تعتبره (موقف الرياض الخاطئ من الجزر الإيرانية الثلاث). لكن وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إيرنا) ذكرت في غضون أسبوع من ذلك ان خاتمي كان مسروراً جداً من التعاون السعودي – الإيراني في موضوع النفط، وأنه سيمضي في زيارته إلى المملكة العربية السعودية. وعلاوة على ذلك فإن زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود المقررة إلى إيران تأجلت حتى أيار/ مايو 1999. لكن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قام بزيارة إلى طهران في منتصف نيسان/ إبريل لإجراء مباحثات مع خاتمي وخرازي حول العلاقات الثنائية وقضايا منظمة الأوبك، وكذلك قام وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني بزيارة خاتمي في طهران.
وعندما قام الامير سلطان بزيارة طهران في أوائل أيار/ مايو 1999، قام وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني بالدعوة إلى عقد محادثات حول خطة أمنية إقليمية، كما وجه الرئيس الإيراني خاتمي الدعوة إلى إقامة تحالف عسكري مع المملكة العربية السعودية، فرد عليه الأمير سلطان بقوله : (إن مسألة التعاون العسكري ليست سهلة بين بلدين انقطعت العلاقات بينهما أعواماً وباشرا الآن بداية طيبة علينا أن نبدأ بالتعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي). لكنه وافق بالفعل على تبادل ملحقين عسكريين في سفارتي البلدين. في تلك الاثناء قام وزير خارجية البحرين الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة أيضا بزيارة إلى إيران لمناقشة القضايا الثنائية والإقليمية، مسجلاً بذلك تحسناً كان قد بدأ حتى قبل وفاة الشيخ عيسى وتولي الأمير الجديد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مكانه في آذار/ مارس 1999.
في 10 أيار/ مايو 1999، وفي أعقاب هذه الزيارات السعودية والقطرية والبحرينية إلى طهران، وفي عشية زيارة خاتمي إلى المملكة العربية السعودية، اجتمع حكام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في جدة لعقد أولى قممهم التشاورية نصف السنوية المقررة. وعلى الرغم من عدم صدور أي بيان عن القمة، فقد صرح الأمير سلطان بن عبد العزيز بعد الاجتماع ان أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية (رحبوا وقبلوا) بتحسين العلاقات مع إيران، ورأوا أن ذلك سيسهم في تعزيز (الأمن والاستقرار) الإقليميين. وكرر القول ان الوقت ما زال مبكراً لعقد أية اتفاقية أمنية بين المملكة العربية السعودية وإيران، وقال ان هناك العديد من القضايا التي لم يتم حلها، ومنها النزاع على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وقال أحد أعضاء وفد دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً : (إننا نرحب بتحسين العلاقات بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونعتقد انه سيساعدنا ولا يعوقنا عن البحث عن حل للنزاع حول الجزر مع إيران). وفي الأسبوع التالي، ربط المسؤولون البحرينيون والكويتيون تحسين العلاقات مع إيران بحل النزاع حول الجزر.
وعندما قام الرئيس الإيراني خاتمي بزيارة المملكة العربية السعودية في منتصف أيار/ مايو، رحب الملك فهد بفرصة تحسين العلاقات مع إيران. كما دعا وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى بناء الثقة من خلال حل المشكلات العالقة، وقال: (سوف يكون للزيارة أثر إيجابي في المنطقة بأكملها، حيث أصبح بإمكان الدولتين ان تؤديا دوراً رئيسياً في حل النزاعات في المنطقة). ونقلت صحيفة الرياض السعودية ان المسؤولين السعوديين بحثوا قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى مع الرئيس خاتمي، لكن مسؤولاً سعودياً قال فيما بعد ان خاتمي (لا يبدو قادراً على جعل موقف إيران أكثر مرونة أو تقديم تنازلات في هذه القضية في الوقت الحاضر). وفي أثناء زيارة خاتمي اللاحقة إلى دولة قطر لإجراء محادثات حول تعزيز التعاون بين البلدين، أنكر أن تكون إيران قوة احتلال في الجزر، وزعم ان إيران تملك أدلة تثبت حقها في الجزر، وأكد ان النزاع مع دولة الإمارات العربية المتحدة ليس سوى (سوء تفاهم).
وقبل ان يختتم خاتمي جولته وجه إليه أمين عام جامعة الدول العربية الدعوة للاستجابة إلى دعوات دولة الإمارات العربية المتحدة لحل النزاع. وفي الأسبوع التالي أجرى خاتمي أيضا محادثات ثنائية مع وزير الدولة للشؤون الخارجية بسلطنة عمان في طهران. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من تشدد خاتمي في السر والعلن بشأن الجزر، فإن ولي العهد السعودي الأمير عبدالله أكد من جديد القول: (بإفساح الطريق أمام إخوتنا في إيران، يمكننا المساهمة في تسوية المشاكل العالقة، ولا سيما مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث). واضاف قائلاً : (لإيران الحق في تطوير قدراتها العسكرية لضمان أمنها من دون الإضرار بحقوق الآخرين). لقد كان هذا التصريح قوي الحجة، لكنه أثار تساؤلات في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ففي أعقاب جولة خاتمي انتقد وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة مساعي بعض الدول الأعضاء، الذين لم يسمهم، في مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتحسين العلاقات الثنائية مع إيران، فقال إن (هذه الفردية ضارة بالعمل الجماعي وبقضية الجزر الإماراتية)، وأكد أن (إيران قد استغلت هذه الزيارات – المتبادلة- لدعم مصالحها. وإننا نرى الآن القوات الإيرانية طليقة اليدين لتفعل ما تشاء في الجزر).
وعلى الرغم من عدم ذكر المملكة العربية السعودية بالاسم، فقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تشعر بالقلق حيال رغبة المملكة العربية السعودية – وهي أقوى دولة عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية – في التقارب مع إيران، في غياب أي تقدم في قضية الجزر، وهي رغبة تقوض التضامن الأمني الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتشجيع دول المجلس على اتباع خطى المملكة العربية السعودية. وقد دفع ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة إلى التعبير عن النقد الشديد علناً وعلى نحو غير عادي لشركائها الخليجيين. بل أن وزير الخارجية الإماراتي راشد عبدالله حذر من ان دولة الإمارات العربية المتحدة ستعيد النظر في التزاماتها تجاه مجلس التعاون لدول الخليج العربية إذا ما تجاهلت كل دولة عضو فيه واجبها المتمثل في ربط تحسين علاقاتها مع إيران بحل نزاع الجزر. وعبر عن قلقه من أن إيران لاحظت ان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في مساعيها لتحسين علاقاتها مع إيران، لم تعد تهمها مصلحة دولة الإمارات العربية المتحدة في الجزر، وأن إيران وجدت في ذلك عزلة لدولة الإمارات العربية المتحدة.
رفض الامير سلطان بن عبد العزيز هذه الحجج باعتبارها (غير صحيحة بأي وجه من الوجوه). وبعد ان التقى أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية جميل الحجيلان في أبوظبي رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد، ووزير الدولة للشؤون الخارجية الشيخ حمدان بن زايد، ووزير الدفاع الشيخ محمد بن زايد آل مكتوم، قال ان الدول الأعضاء في مجلس التعاون والمجاورة لدولة الإمارات العربية المتحدة (كانت تسعى إلى استخدام تحسين العلاقات مع إيران للمساعدة على إيجاد تسوية) لنزاع الجزر. وصرح وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بقوله : (ان جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية، تؤيد دولة الإمارات العربية المتحدة). وفي الوقت نفسه قال وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بعد اجتماعه مع الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ان دولة الإمارات العربية المتحدة ( لا تملك حق إبداء اللوم فحسب، بل وأكثر من ذلك).
لم يفلح وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذين اجتمعوا في أواسط حزيران/ يونيو بالرياض في حل الخلاف، حيث أصرت المملكة العربية السعودية وقتها على ضرورة تلطيف الانتقاد الموجه إلى احتلال إيران للجزر في البيان الختامي. وقد كرر مسؤول إماراتي القول ان دولة الإمارات العربية المتحدة تملك (خياراً مفتوحاً) للانسحاب من مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقال : (سوف ننظر بالتأكيد في عضويتنا في مجلس التعاون لدول الخليج العربية إذا لم نر أي التزام من قبل الآخرين تجاه حل قضيتنا المتعلقة بالجزر). بعد ذلك أصدرت البحرين والأردن بياناً مشتركاً تؤيدان فيه دولة الإمارات العربية المتحدة، وقال وزير خارجية مصر عمرو موسى ان قلق دولة الإمارات العربية المتحدة (منطقي تماماً)، وبدأ أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية جميل الحجيلان جولة مكوكية بين عواصم دول المجلس لإنهاء هذا الخلاف العلني.
وفي 19 حزيران/ يونيو قام أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بوساطة لإنهاء الخلاف بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث اجتمع في أبوظبي إلى الشيخ زايد، ثم اصطحب مع الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وآخرين إلى الرياض للاجتماع إلى الملك فهد وولي عهده الامير عبدالله والامير سلطان والامير سعود الفيصل. وقال الشيخ حمدان والأمير سعود الفيصل بعد هذه الاجتماعات ان البلدين الآن يتشاطران (وحدة في الآراء). وقد رحبت دولة الإمارات العربية المتحدة بالموافقة السعودية على صدور قرار من مجلس التعاون لدول الخليج العربية يربط العلاقات الوثيقة مع إيران باستعداد إيران للتفاوض حول الجزر الثلاث، وانضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المملكة العربية السعودية في تجديد التأكيد على أهمية مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد عكست وساطة دولة قطر تحسن علاقاتها بدولة الإمارات العربية المتحدة بعد الاجتماع الأول الذي عقد في أيار/ مايو 1999 للجنة مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي. وخلال الأسابيع التالية تلقت دولة الإمارات العربية المتحدة تصريحات الدعم والتأييد من البحرين وسلطنة عُمان وجامعة الدول العربية واتحاد البرلمانيين العرب، والسلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي أوائل تموز/ يوليو أصدر اجتماع المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون في جدة بياناً يقولون فيه إنهم قد قرروا إنشاء لجنة وزارية ثلاثية مؤلفة من كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر مكلفة بـ (وضع آلية لبدء المفاوضات المباشرة لحل قضية احتلال إيران للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة)، على ان ترفع اللجنة توصياتها إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية بحلول أيار/ مايو 2000. ويمكن النظر إلى تشكيلها على أنه محاولة للجمع بين أقوى دولة عضو في المجلس والدولتين اللتين تتمتعان بأفضل العلاقات مع إيران، وذلك لزيادة فاعلية اللجنة.
وقد دعا بيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية أيضاً إلى (إقامة علاقات طيبة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أسس ومبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ونبذ استخدام القوة أو التهديد بها وحل الخلافات القائمة بالحوار والطرق السلمية). ورحب بـ (السياسات الإيجابية التي أعلنها فخامة الرئيس الإيراني محمد خاتمي أثناء زيارته لكل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر) وخاصة استعداد إيران لإجراء مفاوضات مباشرة في أبوظبي. وأصدرت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بياناً يساند بيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويدعو إيران إلى التجاوب مع موقف الدول العربية والتفاعل الإيجابي مع اللجنة الثلاثية التابعة لمجلس التعاون.
قام الأمير سلطان بن عبد العزيز بزيارة الشيخ زايد في أبوظبي وعبر عن الأمل بأن تتجاوب إيران مع اللجنة الثلاثية، لكن ناطقاً باسم وزارة الخارجية الإيرانية قال (لا حاجة إلى وساطة دولة ثالثة)، بما في ذلك اللجنة الثلاثية. مرة أخرى كان موقف إيران يتمثل في إجراء مفاوضات مباشرة تقتصر على بحث (سوء التفاهم) حول جزيرة أبوموسى. وبينما كانت اللجنة الثلاثية تعقد أول اجتماع لها في جدة، قال الأمير سلطان في أثناء وجوده في دولة الكويت ان على إيران ان تحل النزاع حول الجزر الثلاث بوصف ذلك (أساساً لتحسين التعاون مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية).
وفي منتصف أيلول/ سبتمبر 1999 تجاوز وزراء خارجية دول جامعة الدول العربية ما كان وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على استعداد لقوله، وأصدروا بياناً قوياً عبروا فيه عن دعمهم للجهود السلمية لدولة الإمارات العربية المتحدة لإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وشجبوا الإجراءات الإيرانية الرامية إلى إدامة الاحتلال بإجراء مناورات عسكرية في الواقع، وإزالة جميع المنشآت التي أقامتها على الجزر لتغيير التركيبة السكانية، والى قبول الوسائل السلمية لحل النزاع، بما في ذلك إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية.
وفي أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر صرح وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة بأن اللجنة الثلاثية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تُعلم دولة الإمارات العربية المتحدة عن (اية خطوات أو تقدم تم إحرازه)، وأوضح مسؤولون إماراتيون آخرون انهم سيطلبون إلى اللجنة الثلاثية في اجتماع قادم لوزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ان تقوم بإعداد جدول أعمال من أجل بحثه في القمة السنوية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقال الأمير سعود الفيصل في اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون إنه قد تحقق (تقدم ملحوظ) في علاقات دول مجلس التعاون مع إيران، لكنه ذكر أنه (ما تزال هناك بعض المشاكل التي تحتاج إلى حل لكي يتم إعادة العلاقات إلى أوضاعها السليمة، ومن بينها قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران).
لقد أبانت تعليقات الأمير سعود الفيصل عن ان اللجنة حتى ذلك الوقت لم تحقق تقدماً يّذكر لتبلغ عنه. ومع ذلك فعندما انعقدت قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 بالرياض، أصدر الحكام بياناً تضمن إشارة متساهلة إلى احتلال إيران للجزر الإماراتية، من دون انتقاد فعلي للتصرفات الإيرانية. ورأى الحكام ان إدانة إيران ستقضي على إصلاحات خاتمي وتدعم منتقديه المتشددين، ووافقت دولة الإمارات العربية المتحدة على ان تتحلى بالصبر بينما تواصل اللجنة الثلاثية مساعيها.
وفي 8 نيسان/ إبريل 2000 صرح مسؤول عماني في اثناء اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في جدة، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تكن راضية عن (الدور الغامض) للجنة الثلاثية لمجلس التعاون، وأن لديها (حساسية خاصة) إزاء انعدام فاعلية اللجنة. ودعا وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في كلمته الافتتاحية إيران إلى التعاون مع اللجنة، أما وزراء الخارجية ففي بيانهم الختامي (عبّروا عن أملهم في ان تتجاوب الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع هذه المساعي الجادة والخيرة). وقال الأمير سعود بعد ذلك : (هناك رسالة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية – إلى إيران – ونحن بانتظار الرد عليها).
وبينما كان أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية جميل الحجيلان يعد للقمة التشاورية الثانية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عبر عن أمله بأن تتجاوب إيران مع اللجنة الثلاثية. وعشية قيام سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي آنذاك، وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية، وراشد عبدالله النعيمي وزير الخارجية، بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، وصف مسؤول في وزارة الخارجية السعودية نزاع الجزر بأنه (حجر العثرة الوحيد الذي يفسد العلاقات بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران). وعندما وصل وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني إلى الرياض بعد ذلك بأيام وأثار موضوع إبرام معاهدة دفاع إقليمية، أجاب المسؤولون السعوديون مرة أخرى بأن مثل تلك المعاهدة لم يأت أوانها إلا إذا سوت إيران نزاعها مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر. وقال الأمير سلطان : (إن أي تعاون مباشر مع إيران لضمان حماية الخليج غير مقبول).
وقد قدمت اللجنة الثلاثية أول تقرير لها حول مساعيها إلى القمة التشاورية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت بمسقط في أواخر نيسان/ إبريل 2000. وعلى الرغم من ضآلة التقدم الملموس الذي تم إحرازه، فإن البيان الختامي للقمة (دعا اللجنة الثلاثية إلى مواصلة جهودها، وعبر عن الأمل بأن تتعاون الحكومة الإيرانية مع قضية اللجنة النبيلة). وقد أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بياناً مماثلاً يدعو إيران إلى ان (تتجاوب) مع مساعي اللجنة الثلاثية. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل: (إن عمل اللجنة مستمر، وإننا نتطلع إلى التعاون من جانب إيران في الجهود التي تبذلها اللجنة). وفي اليوم التالي أصدرت دول إعلان دمشق بياناً ترحب فيه بجهود اللجنة الثلاثية وحثت إيران على القبول بحل سلمي يضع حداً لاحتلالها للجزر. لكن إيران استطاعت في تلك الأثناء إبرام اتفاقية ثنائية مع سلطنة عُمان لمكافحة الجريمة المنظمة، ووردت تقارير بأنها كانت على وشك إبرام اتفاقية مماثلة مع المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، كما أبرمت ايضا اتفاقية لخطوط الرحلات البحرية مع البحرين والرحلات الجوية مع سلطنة عُمان.
في أوائل أيلول/ سبتمبر 2000، جدد وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الدعوة لإيران لكي تتجاوب مع مساعي اللجنة الثلاثية، وكشف الامير سعود الفيصل عن ان اللجنة طلبت ان يتم استقبالها في إيران لمناقشة قضية الجزر. وفي مؤتمر قمة الألفية للأمم المتحدة التي عقدت في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر، دعا وفد دولة الإمارات العربية المتحدة إيران إلى حل نزاع الجزر سلمياً بوصف ذلك (السبيل الوحيد لتحسين العلاقات بين البلدين وبين جميع دول المنطقة). وعلاوة على ذلك فإنه كان من المتوقع ان يبحث الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة القضية مع وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في أثناء القمة.
أخيراً أبلغت اللجنة الثلاثية القمة الخليجية التي انعقدت في كانون الأول/ ديسمبر 2000 بأن إيران لن تتعاون معها، وتوصلت القمة إلى نتيجة مفادها ان تكليف اللجنة قد (انتهى). وطلب البيان الختامي للقمة إلى المجلس الوزاري ان (يدرس كافة الوسائل السلمية المتاحة التي تؤدي إلى استعادة الحقوق الشرعية لدولة الإمارات العربية المتحدة في الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، التي ما تزال تحتلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية).
لقد عاد بيان القمة إلى اللغة النقدية التي تميزت بها البيانات في الأعوام السابقة، والتي تم حذفها من بيان عام 1999. وقد رفض المزاعم الإيرانية والاحتلال الإيراني والإجراءات الإيرانية في الجزر وحولها، بما في ذلك المناورات العسكرية الإيرانية، كالمناورات البحرية التي نفذتها إيران في مضيق هرمز وخليج عُمان في شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2000، وقال : (إن هذه الإجراءات جميعاً تشكل تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة، وتزيد التوتر فيها. وبالتالي فإن ذلك يهدد السلام والأمن الدوليين). وطلب إلى إيران من جديد تحويل النزاع إلى محكمة العدل الدولية، وبعد ذلك بوقت قصير قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل: (لقد رفض احد الطرفين، وهو إيران، إتاحة الفرصة للمفاوضات المباشرة. وان محكمة العدل الدولية هي الوسيلة المثلى لفض النزاع إذا لم يكن بالإمكان إجراء المفاوضات). وقال وزير الخارجية الإيراني خرازي ان إيران على استعداد لبحث قضية أبوموسى بموجب أحكام مذكرة تفاهم عام 1971، لكنه كان دور وزير الخارجية الإماراتي لزيارة إيران لإجراء مثل هذه المحادثات.
وفي شباط/ فبراير 2001 أصدر اتحاد البرلمانيين العرب بياناً أعلن فيه ما يلي : (يعبر المجلس عن دعمه التام لمبادرات دولة الإمارات العربية المتحدة الرامية لاسترجاع جزرها الثلاث التي احتلتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية). وفي منتصف آذار/ مارس دعا وزراء الخارجية العرب إيران إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث. كذلك أعلن وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في منتصف آذار/ مارس ان النزاع كان مصدر (عدم استقرار في المنطقة)، ودعوا إيران إلى الكف عن إجراء (المناورات العسكرية الإيرانية التي تجريها في جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة ومياهها الإقليمية)، كما طالبوها أيضاً بالتوقف عن بناء مساكن لتوطين الإيرانيين في الجزر. وقد جدد البيان الختامي للقمة العربية التي عُقدت في العاصمة الأردنية عمان في آذار/ مارس التأكيد على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر ودعا إيران إلى (إنهاء احتلالها للجزر الثلاث ووقف سياسة فرض الأمر الوقع بالقوة على الجزر، بما في ذلك إقامة منشآت لتوطين الإيرانيين في تلك الجزر).
وعلى الرغم من مساندة المملكة العربية السعودية لدولة الإمارات العربية المتحدة فيما يتصل بقضية الجزر، فقد وقعت اتفاقية تعاون أمني مع إيران في منتصف نيسان/ إبريل لمكافحة الجريمة والإرهاب وتهريب المخدرات. لكن الاتفاقية لم تتضمن – أو يحتمل ان تؤدي إلى – أي اتفاق بخصوص الدفاع العسكري مع إيران التي أجرت من جديد تمارين بحرية في الخليج في شهري آذار/ مارس ونيسان/ إبريل. وقد جدد وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اجتماعهم الذي عقد في جدة في أوائل حزيران/ يونيو نقدهم لـ (رفض إيران للمبادرات السلمية المتعددة لحل قضية الجزر الثلاث)، وبناء مساكن في الجزر لتوطين الإيرانيين، و(الاستفزازات) المتمثلة في مناوراتها العسكرية في الجزر، ودعوا إيران إلى رفع القضية إلى محكمة العدل الدولية. وفي كانون الاول/ ديسمبر 2001 – في نهاية العام الذي اجتمع فيه الشيخ حمدان بن زايد إلى كمال خرازي ومحمد خاتمي – أشار البيان الصادر عن الدورة الثانية والعشرين للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون إلى هذه الاتصالات، وأيد سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر وجهودها السلمية لإيجاد تسوية للنزاع، ورفض المزاعم والإجراءات الإيرانية، وجاء فيه : (بما أن هذه المزاعم باطلة ولا مبرر لها، فإنها لا تؤثر على الحقوق الشرعية لدولة الإمارات العربية المتحدة في الجزر الثلاث). وجدد البيان دعوته لإيران لإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.
وفي كانون الثاني/ يناير 2002، قام الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد الرحمن بن حمد العطية – الذي كان قبل ذلك وكيل وزارة الخارجية في دولة قطر – بالحث على حل النزاع بقوله : (سوف يسهم حل هذه المشكلة في تحسين جو الاستقرار والتعاون بين الجانبين). وفي منتصف آذار/ مارس (عبر وزراء خارجية الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية عن الأمل بأن تعيد إيران النظر في موقفها من رفض التوصل إلى حل سلمي للنزاع حول الجزر)، وشجبوا (بناء إيران لمساكن في تلك الجزر الثلاث لتوطين الإيرانيين، وكذلك المناورات العسكرية ) في المنطقة.
كذلك عبر المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أواسط آذار/ مارس عن (تأييده ودعمه التام لكافة الخطوات التي تتخذها دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث بالطرق السلمية)، وأكد المجلس رفضه (لكافة الادعاءات والإجراءات الإيرانية على الجزر الثلاث باعتبار ان تلك الادعاءات والإجراءات باطلة وليس لها أي أثر قانوني ولا تنتقص من حقوق دولة الإمارات العربية المتحدة الثابتة في جزرها الثلاث)، وحث المجلس إيران على القبول بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. وفي وقت لاحق في آذار/ مارس أيدت القمة العربية المنعقدة في بيروت سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على الجزر، ودعت إيران إلى إنهاء احتلالها، وحثتها على الذهاب إلى محكمة العدل الدولية، كما طلبت إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى دراسة القضية وتقديم تقرير إلى القمة المقبلة التي ستعقد في آذار/ مارس 2003.
وقد اشادت القمة التشاورية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية المنعقدة في أواخر أيار/ مايو 2002 بزيارة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان خلال الشهر نفسه إلى إيران. كما عقد المجلس أيضاً اجتماعاً بعد زيارة الشيخ حمدان بن زايد إلى طهران بوقت قصير، وأصدر بياناً في 8 حزيران، يونيو (جدد تأكيد تمسك المجلس بالموقف الثابت الذي اتخذته دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية دعماً لحق دولة الإمارات العربية المتحدة في السيادة على جزرها الثلاث). ونوه المجلس بالاتصالات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأعرب عن أمله في أن تؤدي زيارة الشيخ حمدان بن زايد إلى إيران، وزيارة الرئيس خاتمي المتوقعة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى (خطوات إيجابية ملموسة تسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، وتقوية أواصر الصداقة، وتطوير التعاون القائم بين دول المجلس والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة).
وقد ورد في صحيفة الشرق الاوسط في 10 حزيران/ يونيو 2002 أن دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران وافقتا على عدم تركيز وسائل الإعلام على قضية الجزر وتجنب إثارة القضية في المنتديات الدولية، بينما تسعى الاتصالات الثنائية المستمرة إلى تحقيق حل مقبول لدى الطرفين. ونقلت الصحيفة أيضاً تقارير عن تنازلات كبيرة من جانب إيران بالنسبة للجزر الثلاث. لكن في 2 تموز/ يوليو نقلت صحيفة الوطن السعودية عن مصادر إيرانية قولها ان أي اتفاق بين البلدين سيعتمد على مذكرة التفاهم المبرمة بشأن جزيرة أبوموسى، مع احتفاظ إيران بالسيطرة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وفي الأشهر التي تلت ذلك أشار مسؤولون إماراتيون إلى انه لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق ذي بال. وبعد ان جدد المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون في بداية أيلول/ سبتمبر تأكيده السيادة الكاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة المحتلة على الجزر الثلاث، (تطلع إلى ان يتمكن البلدان من إيجاد حل سلمي يضع نهاية لاحتلال الجمهورية الإسلامية الإيرانية للجزر الثلاث). وبعد ذلك بأيام أعرب وزراء الخارجية العرب عن دعمهم للموقف الإماراتي بعبارات أكثرة قوة، وقالوا في البيان: (يرفض الوزراء الاحتلال الإيراني المستمر لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة، ويؤيد السيادة الكاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة عليها كجزء لا يتجزأ من الأراضي الإماراتية). ودان البيان المناورات العسكرية الإيرانية بقوله : (إن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا تساعد على بناء الثقة المتبادلة، وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، وتعرض للخطر الملاحة الإقليمية والدولية في الخليج).
كما دان البيان الختامي للدورة الثالثة والعشرين للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون، التي انعقدت في الدوحة في كانون الاول، ديسمبر 2002، احتلال إيران للجزر الثلاث، وعبر عن الأمل في ان تثمر الاتصالات المباشرة الجارية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران (عن خطوات إيجابية ملموسة تسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتطوير التعاون بين دول المجلس والجمهورية الإسلامية الإيرانية وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة). وأكد المجلس الأعلى على موقفه الثابت في دعم حق دولة الإمارات العربية المتحدة الكامل في سيادتها على جزرها الثلاث وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخاصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة). وجدد المجلس الأعلى تكليفه للمجلس الوزاري بالاستمرار في النظر في كل الوسائل السلمية التي تؤدي إلى إعادة حق دولة الإمارات العربية المتحدة في جزرها الثلاث.
وعلى الرغم من ظهور بعض القيادات الإصلاحية في إيران، ورغم المساعي الجديدة للجنة الثلاثية لمجلس التعاون، فإن السياسة الإيرانية إزاء الجزر الثلاث بقيت كما هي. ولذلك فإن دعم دول إعلان دمشق وجامعة الدول العربية، ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على وجه الخصوص، يبقى مهماً لدولة الإمارات العربية المتحدة. فقد صرح الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة في مقابلة أجريت معه في نيسان/إبريل 1998 بقوله : (هناك دعم عرب كاسح، فلا مجال للين). لكن بعد عام واحد من هذا التصريح، وتحديداً في حزيران/ يونيو 1999، أدى استياء دولة الإمارات العربية المتحدة حيال التقارب السعودي – الإيراني إلى خلاف علني مع المملكة العربية السعودية. لذا ينبغي في الختام ان نستعرض وجهات نظر أخرى من دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول مدى الدعم العربي.
لقد أكد أمين عام سابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ان المجلس كان على الصعيد الرسمي شديد الدعم لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة بالنسبة للجزر، وان كان بعض الدول الأعضاء تبنّت بالفعل نهجاً مختلفاً. فدولة الإمارات العربية المتحدة لا تريد إقامة علاقات خاصة مع إيران، كما لا تريد أيضاً ان يقيم شركاؤها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية علاقات خاصة مع إيران، وذلك لتظهر عدم الرضى عن احتلال إيران للجزر. لكن سلطنة عُمان ودولة قطر كانتا لديهما أسبابهما الخاصة تاريخياً لإقامة علاقات وثيقة مع إيران، وقد طرحتا بأن تلك العلاقات الخاصة يمكن ان تمكنهما من إقناع إيران بتغيير موقفها من الجزر. وقال إنه ليس سهلاً معرفة ما يفكر به الشركاء الآخرون في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، غير انهم ملتزمون بموقف دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأكد أيضاً مساعد سابق للامين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية المذكور آنفاً، وهو الآن مسؤول في وزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يتحدث بصوت واحد عن الجزر، وأن بيانات الدعم والتأييد لدولة الإمارات العربية المتحدة لها ثقل حقيقي. وقد انضم وزير الخارجية القطري ووزير الدولة للشؤون الخارجية العُماني إلى بقية وزراء الخارجية الخليجيين في تأييد البيانات المشتركة لمجلس التعاون وبيانات القمم الخليجية. وعلى الرغم من ان دولة الكويت كانت أكثر انشغالاً بالعراق منها بإيران، فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما قامت إيران بعمل عسكري ضد دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويؤكد مسؤول إماراتي آخر ان أهمية دعم مجلس التعاون لدول الخليج العربية لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر تتمثل في حث إيران على التفاوض. لكن في الوقت الذي يذكر فيه هذا المسؤول أن دولة قطر تؤكد دعمها لدولة الإمارات العربية المتحدة في قضية الجزر، فإنه يتساءل عن مدى عمق هذا الدعم. وأكد ان هناك بعض الاختلاف بين الدعم الجماعي من طرف مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودعم دول أعضاء في المجلس بصورة منفردة، وأن إيران لم تكن ترى أنها تواجه في هذه القضية جداراً صلباً متمثلاً في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فقد تلقت إيران إشارات معينة في بعض الأحيان من دول، كقطر مثلاً ، مفادها ان هذا الجدار ليس صلباً.
بالطبع لا تتبع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست جميعاً سياسات متماثلة تجاه إيران. ويمكن عزو الاختلافات الموجودة بين سياسات هذه الدول الست إلى اعتبارات جيوستراتيجية متنوعة، وأولويات أمنية مختلفة، وعلاقات ثنائية متباينة. لقد سبق ذكر مبررات المملكة العربية السعودية، لموافقتها على دفء العلاقات مع إيران، ومسوغات عدم مناصبة البحرين العداء لإيران. لكن ينبغي ملاحظة ان جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي حاولت استخدام علاقاتها الثنائية الوثيقة نسبياً مع إيران في مسعى لإقناع إيران بالتجاوب مع نداءات دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما يتعلق بالجزر، قد أخفقت في مسعاها، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، العضو الذي يتمتع بثقل في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في عامي 1999 و2000. وقد انعكس هذا أيضاً في إخفاق اللجنة الثلاثية التابعة لمجلس التعاون في العامين المذكورين. ومع ذلك فإنه من الأهمية التشديد على ان هناك اعتباراً يوحدهم بالفعل، وينبغي ان يوحدهم في دعم دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ان كل دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعتبر هدفاً محتملاً للمطامع الإيرانية، وبالتالي فإنها قد تحتاج في يوم من الأيام إلى الدعم الذي تحتاج إليه الآن دولة الإمارات العربية المتحدة من مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
يرى مسؤول في وزارة الخارجية الإماراتية، والذي كان في السابق مساعداً للأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن اقوال إيران وأفعالها أدت بصورة عامة إلى عزلتها في المنطقة في الجزء الأعظم من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فقد تعاملت إيران مع دول الخليج العربية بمنطق التفوق، وقامت بوعظ العرب الخليجيين حول اصدقائهم وأعدائهم، ولعبت دور (الأخ الأكبر) لهم. وقد جعل ذلك من التعامل مع إيران أمراً صعباً على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وبصورة أكثر تحديداً، لقد أدى سلوك إيران بشأن الجزر منذ عام 1992 إلى إثارة الشكوك لدى دول مجلس التعاون جميعاً، بدرجات مختلة، حول نوايا إيران التي تقوم بإعادة التسلح في وقت لا يمكن للعراق ان يشكل قوة موازنة لها. لقد كانت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تشعر البريبة من الدعوات الإيرانية بين حين وآخر إلى إقامة نظام أمني إقليمي يستبعد الأطراف الخارجية. وكانت تشعر بالقلق على نحو خاص من دور الراديكاليين المتشددين في طهران حتى بعد انتخاب رئيس إصلاحي فيها.
ويرى الأمين العام الأسبق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبدالله بشارة ان سلوك إيران بشأن الجزر يدل على ان إيران لم تكن على استعداد للمشاركة في محادثات جماعية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران حول أجندة واسعة تشمل قضايا التجارة والاستثمارات والأمن. وقد أكد، بالإضافة إلى ذلك، ان إيران لن تجري مثل هذه المحادثات أو تقوم بالتعاون مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوصفه كياناً جماعياً إلا بعد تسوية قضية الجزر، وعبر عن القلق من ان حل القضية غير محتمل مادام المعتدلون من أمثال الرئيس محمد خاتمي ووزير الخارجية كمال خرازي، ليسوا هم المرجعيات الحقيقية في صنع السياسة الخارجية لإيران، وتبقى السلطة الحقيقية بدلاً منهم في أيدي المتشددين. وبالتالي فإنه يتعين على إيران ان تشترك في محادثات ثنائية مع كل دولة عضو في مجلس التعاون بمفردها، حيث ستقتصر هذه الدول في هذه المحادثات على الشؤون الثنائية في غياب قرار بتسوية قضية الجزر.
إن السلوك الإيراني فيما يخص قضية الجزر منذ عام 1992 ينظر إليه كجزء من استراتيجية أكبر لتخويف دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولا سيما في إطار إعادة تسلحها العسكري وتمريناتها العسكرية في الخليج. وقد أسهم ذلك السلوك في عدد من التطورات التي لم تكن مرغوبة لدى إيران، فقد قرب بين دول مجلس التعاون، ووفر أسباباً منطقية مستمرة لإشراك مصر وسوريا في شؤون منطقة الخليج، وكان سبباً في الوحدة المتجددة ضمن إطار جامعة الدول العربية، أضف إلى ذلك ان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كمجموعة والدول الأعضاء فيه بصفتها الفردية، قد اضطر إلى مزيد من الاعتماد على القوات العسكرية الأمريكية والغربية الأخرى. وقد أسهمت إيران في مزيد من التنفير للولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك أوجدت مسوغاً آخر لسياسة احتواء أمريكية أشد صلابة وحزماً.
لقد تضاءلت أية إمكانية لإدخال إيران ضمن أي إطار أمني في الخليج، وكذلك إمكانية إقناع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتخفيف صلاتها العسكرية مع الغرب. وفي الواقع، فإنه على الرغم من عدم ترحيب دول المجلس بذلك، فإن سلوك إيران حيال الجزر قد يسهم أيضاً في زيادة إمكانية الصراع المستقبلي مع الولايات المتحدة الامريكية والعقوبات المادية التي سيجرها ذلك على إيران. وقد تضاءلت الإمكانية الحقيقية لتلقي أية مساعدات مالية من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني وتنويعه بعد الحرب الإيرانية – العراقية. ويمكن قول الشيء ذاته عن تلقي المساعدات الفنية والاقتصادية والاستثمارات من الولايات المتحدة الامريكية. وأخيراً فإن تناقص دور العراق وإيران ومكانتهما، وتزايد دور الولايات المتحدة الامريكية، سمحا لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالرد على سلوك إيران حيال الجزر بتقديم دعم لدولة الإمارات العربية المتحدة بشأن قضية الجزر يفوق ما كان ممكناً في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
وفي الوقت الذي قامت به مؤخراً دول من مجلس التعاون لدول الخليج العربية بصورة منفردة بالتجاوب مع عمليات الانفتاح من جانب الزعماء الإصلاحيين في إيران، وذلك بترميم بعض العلاقات المتبادلة وإبرام بعض الاتفاقيات الثنائية، فإنه ما يزال هناك حد لما يمكن لإيران ان تتوقعه ما دامت تحتل الجزر، وتنشر عليها قدرات عسكرية، وتستخدمها في التمرينات العسكرية، وتصر على حصر المفاوضات في تطبيق مذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى. ويبدو أن الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تلزم جانب الحذر في التعامل مع إيران، وقد تمنى مطامع إيران بالفشل في غياب حل لنزاعها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما إذا كان هذا النزاع سيزداد حدة.

عودة »»