الفصل التاسع - سجل الدول الكبرى
في أوائل عام 1968، قررت حكومة العمال البريطانية الانسحاب من الخليج بحلول عام
1971، وقد استفادت كثيراً من محادثاتها مع إيران خلال الخمسينيات والستينيات من
القرن الماضي. وكانت إيران قد عرضت التخلي عن البحرين مقابل الحصول على جزر طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في فترة مبكرة وذلك منذ عام 1954، وفي عام 1955 ألمحت
إلى ان قضية البحرين يمكن ان تطرح للنقاش السياسي. وقابلت بريطانيا ذلك باقتراح ان
تتخلى إيران عن البحرين وكذلك عن جزيرة أبوموسى مقابل حصولها على طنب الكبرى وطنب
الصغرى وصري. وكانت رأس الخيمة قد فكرت ببيع جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، لكنها
فضلت تأجيرهما عام 1954، وبذلك ظهر ان العناصر العامة لصفقة إجمالية كانت قد أرسيت
في منتصف الخمسينيات.
وبعد عقد من الزمان تقريباً، أي في أوائل عام 1964، لم تكن وزارة الخارجية
البريطانية تعتقد ان إيران على استعداد للتخلي عن مطالبها في البحرين وطنب الكبرى
وطنب الصغرى وأبوموسى. لكن شاه إيران محمد رضا بلهوي صرح بعد ذلك بفترة خلال عام
1964 ان إيران قد تتخلى عن البحرين في المستقبل. وقد شارك المقيم السياسي البريطاني
السير وليم لوس السفير البريطاني في طهران السير دنيس رايت الرأي بأن الشاه قد يكون
مرناً فيما يتعلق بالبحرين، وربما ضمن صفقة إجمالية تتعلق بالخط الفاصل (للمياه
الإقليمية) وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وبعد ذلك عقدت بريطانيا وإيران
عدة جولات من المفاوضات خاصة بالجرف القاري في الخليج العربي وبقضايا الخليج الأخرى.
في أثناء الجولة الأولى التي عقدت في نيسان/ إبريل 1965 قال الشاه إنه لا نية لديه
بالتشديد على مطالبته بالبحرين عليها، ولكنه لا يملك إلا ان يعترض على قبول البحرين
في وكالات الأمم المتحدة لاسباب داخلية. وفي صيف عام 1965 علمت إيران ان البحرين
يمكن ان تصبح جزءاً من اتحاد ومن عملة عربية خليجية، فقالت إن مباحثات الخط الفاصل
ستكون مستحيلة في الوقت الذي تلوح فيه أزمة بشأن البحرين. وبعد جولة ثانية غير
حاسمة من المفاوضات عقدت في أيلول/ سبتمبر 1965، قالت إيران إنها لن تفاوض على خط
فاصل إلا بعد حل مشكلة جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وفي أثناء الجولة
الثالثة التي جرت في شباط/ فبراير 1966/ حينما وقعت بريطانيا على محضر متفق عليه مع
إيران يتعلق برسم خط فاصل بين إيران وقطر، تم الاتفاق على ان موضوع جزيرتي طنب
الكبرى وطنب الصغرى يجب ان يحظى بالأولوية في المحادثات اللاحقة.
لكن إيران مرة أخرى لم تكن على استعداد لتقديم أية وثائق تتعلق بأساس دعواها بملكية
هذه الجزر. وبالفعل قام السفير الإيراني في بريطانيا عباس آرام بإخبار وزارة
الخارجية البريطانية في بداية عام 1967 أنه بما أن مصلحة إيران في الجزر تعد
استراتيجية، فليس بإمكانها المجازفة بأية خطوات أو إجراءات دولية مثل التحكيم في
حال عدم كسبها القضية. وفي حزيران/ يونيو 1967 طرح السفير آرام بصورة غير رسمية
إمكانية إعطاء جزيرة أبوموسى إلى الشارقة، بينما تأخذ إيران طنب الكبرى وطنب الصغرى
وصري، مع إعطاء تعويضات إلى رأس الخيمة، وذلك ضمن اتفاقية حول الخط الفاصل، لكن
عندما عقدت بريطانيا وإيران محادثات بلندن حول الجرف القاري في الخليج العربي في
أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، طرحت بريطانيا مسألة الخط الفاصل من دون إخلال
بقضية الجزر.
ومع ذلك فإن الوكيل السياسي البريطاني في دبي روبرتس D.A. Roberts اتصل بالشيخ صقر
بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة في كانون الاول/ ديسمبر 1967 بشأن بيع جزيرتي طنب
الكبرى وطنب الصغرى. وفي الوقت الذي عبر فيه روبرتس عن رأيه بأنه وجد اهتماماً لدى
الشيخ صقر، فإنه أوضح ان الحاكم كان على استعداد لعملية تفاوض طويلة الأمد، وانه
كان يريد ان تتصل به إيران رسمياً، ربما لأن ذلك سيعني في النهاية اعترافاً بسيادته.
وفي 3 كانون الثاني/ يناير 1968 اجتمع آرام مع مسؤولين في لندن وطرح فكرة الاستغلال
المشترك للجزر والأحواض البحرية المتنازع عليها. لكن الشكوك ساورت البريطانيين حول
صدق الإيرانيين.
تدل الوثائق البريطانية الرسمية المفرج عنها على ان البريطانيين عرضوا في عام 1968،
وبعد قرارهم بالانسحاب من منطقة الخليج، الحجج الدبلوماسية والقانونية المؤيدة
لسيادة رأس الخيمة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في محادثاتهم التي أجروها مع
الإيرانيين. لكنهم كانوا متناقضين ومتأرجحين حولها، و
دعوا مرة أخرى إيران إلى تقديم وثائقها المؤيدة لدعواها. كان البريطانيون يريدون من
رأس الخيمة ان تبيع جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى ويريدون من إيران أن تشتريهما،
وسعوا للحصول على الدعم السعودي في تحقيق ذلك بصورة غير رسمية، كجزء من صفقة
إجمالية تم طرحها في حزيران/ يونيو 1967 من قبل السفير الإيراني آرام. أضف إلى ذلك
انه في اعقاب التحركات البحرية الإيرانية حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى
والتهديدات المبطنة باستعمال القوة، قرر البريطانيون عدم الدفاع عن الجزر. وبدلاً
من ذلك (أوهموا) الشاه انهم كانوا على استعداد للدفاع عن الجزر إلى حين انسحابهم،
و(لمحوا) إلى انهم لن يعارضوا العمل العسكري الإيراني بعد انسحابهم، لكي يشجعوا
التفاوض للتوصل إلى تسوية مقبولة للطرفين. وبعد حجج ونقاشات متكررة من قبل مسؤولين
بريطانيين في منطقة الخليج، وافقت وزارة الخارجية البريطانية على الدفاع عن جزيرة
أبوموسى في ظروف معينة، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعتقدون ان إيران لم تكن تريد
جزيرة أبوموسى على أية حال.
بحلول أيار/ مايو 1968 قبل البريطانيون علناً صفقة إجمالية لخط فاصل تحصل إيران
بموجبه على جزيرة صري وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وتتخلى عن مطالباتها بالبحرين
وأبو موسى، رغم أنهم كانوا يدركون ان الشاه لم يكن حقاً يريد البحرين، واعتقدوا أنه
قد لا يكون على درجة كبيرة من التصميم فيما يتعلق بجزيرة أبوموسى. وفي حزيران/
يونيو طرح البريطانيون هذه الصفقة الإجمالية بالذات على الشاه وكذلك على الملك فيصل
بن عبد العزيز، معتقدين ان الاتفاق بين إيران والمملكة العربية السعودية هو السبيل
إلى ترويج هذه الصفقة وتعزيز الاستقرار في منطقة الخليج. لكن البريطانيين لم يطرحوا
الصفقة على حاكمي رأس الخيمة والشارقة. وسرعان ما علم البريطانيون ان البنود
المقترحة لم تكن مقبولة لدى الشاه الذي طالب بأبوموسى علاوة على طنب الكبرى وطنب
الصغرى. كما عارض أيضاً قيام اتحاد ضم الإمارات ما لم يتم حل قضية البحرين بطريق
تحفظ ماء الوجه وتحصل إيران على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وهكذا كان
على البريطانيين ان يعيدوا النظر في استراتيجيتهم لحل هذه القضايا.
عقب الإعلان في 4 كانون الثاني/ يناير 1968 عن انسحاب بريطاني مزمع، بدأ وزير
الدولة البريطاني للشؤون الخارجية جورونوي روبرتس Goronwy Roberts جولة في منطقة
الخليج. وفي أثناء اجتماعه مع الشاه في 7 كانون الثاني/ يناير، أكد الشاه أهمية
التسوية السريعة لمشكلة (الجزر الصغيرة) وتلا ذلك بحث قضية جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى. وقد عبر روبرتس عن تعاطفه مع القضية الإيرانية حول الجزر واقترح جعل جزيرتي
طنب الكبرى وطنب الصغرى منزوعتي السلاح. لكن الشاه قال أن هذه الفكرة غير مقبولة،
واحتج بأنه لا يمكن لإيران ان تتخلى عن حق تسليح ما يعتبر أراضيها الخاصة.
ذكر برينشلي T.F. Brenchly ، المسؤول في وزارة الخارجية البريطانية، ان خبراء
القانون في وزارة الخارجية يعتقدون ان حاكم رأس الخيمة له مطالبة قوية بجزيرتي طنب
الكبرى وطنب الصغرى، وأن من الممكن ان تدعمه بقية الدول العربية. وعبر عن مخاوفه من
ان القضية إذا لم يتم حلها ودياً فإنها ستنسف احتمالات التعاون العربي- الإيراني،
ورد الشاه بأنه ليس على استعداد لفقدان اية أراض أخرى، وان العرب إذا لم يعجبهم ذلك
فعليهم ان (يتحملوه)، وأنه على الرغم من ان إيران كانت ترغب في التعاون فإنها تملك
من القوة ما يكفي لان تمضي قدما وحدها إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك، وبالفعل، سرعان
ما اتضح انه كلما زاد البريطانيون من سعيهم للوصول إلى تسوية، ازداد الشاه تصميماً
على المضي بمفرده إذا دعت الضرورة.
في 8 و9 من كانون الثاني/ يناير اجتمع روبرتس مع حكام الكويت والبحرين وقطر
والإمارات المتصالحة، وأصيب الحكام بالصدمة لما علموا بخطة انسحاب بريطانيا من
الخليج، وذلك بعد شهر واحد فقط من قدوم روبرتس إلى المنطقة لطمأنتهم بان بريطانيا
ستبقى ما دام ذلك ضرورياً لضمان السلام والاستقرار في منطقة الخليج، وقال الشيخ
زايد حاكم ابوظبي لروبرتس ان بإمكانه المساهمة مالياً بهدف استمرار الوجود
البريطاني، وما لبث حكام قطر والبحرين ودبي ان قدموا عروضاً مماثلة، لكن بعد قليل
من الدراسة والتفكير لم يقبل البريطانيون تلك العروض، وعندما سئل البريطانيون عما
إذا كان الانسحاب البريطاني يعني نهاية العلاقات المرتبطة بالمعاهدة، أجابوا بأن
المفروض بحكام الخليج ان يجتمعوا معاً وينشئوا لأنفسهم تجمعاً أمنياً جديداً، لكن
بحلول شهر نيسان/ إبريل أعلم البريطانيون الحكام بأن العلاقات المرتبطة بالمعاهدة
ستنتهي بالفعل مع الانسحاب البريطاني من الخليج.
في 10 كانون الاول، يناير اجتمع روبرتس مع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود عاهل
المملكة العربية السعودية الذي عبر له عن قلقه من ان إيران تطالب ببعض الاراضي
العربية، فقال روبرتس ان الشاه قد طمأنه بأنه لا توجد لديه نية للتدخل في البحرين،
لكنه لم يستطع التصريح بذلك علناً مراعاة للرأي العام الإيراني الداخلي. وعند
مناقشة اهتمام الشاه بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، استنتج روبرتس ان الملك فيصل
كان يعتبر القضية غير مهمة، ومن ثم عبر هو نفسه عن هذا الرأي. وقد عبر الملك فيصل
بالفعل عن دعمه لقيام اتحاد للإمارات في الخليج. وفيما بعد عرضت المملكة العربية
السعودية أيضاً المساعدة المالية مقابل استمرار الوجود العسكري البريطاني، ولمحت
الكويت إلى إنها يمكن ان تفعل الشيء نفسه.
قام وزير الخارجية البريطاني جورج براون بنقل رسالة الانسحاب البريطاني إلى
الولايات المتحدة الامريكية في 11 كانون الاول/ يناير، وطلب الرئيس ليندون جونسون
ووزير الخارجية دين رسك إلى بريطانيا الاستمرار في الحفاظ على قواعدها في الخليج
وإعادة النظر في انسحابها وتأجيله. وعلى الرغم من التنافس التجاري الأنجلو- امريكي
في المنطقة، فقد رأت الولايات المتحدة الامريكية ان الوجود العسكري والسياسي
البريطاني كان ضماناً لتدفق النفط واستقرار الانظمة المحافظة في وجه التهديدات
السوفيتية والعربية الراديكالية. ولذلك فإن الانسحاب البريطاني سيترك فراغاً تتعرض
فيه المصالح الغربية للتهديد.
استمرت الولايات المتحدة الامريكية في المحافظة على وجود بحري وجوي صغير ورمزي (قوة
الشرق الاوسط MIDEASTFOR) في البحرين إظهاراً لاهتمام الولايات المتحدة ومصلحتها في
الخليج، وكان هذا الوجود قد بدأ عام 1949. لكن إدارة جونسون المتورطة بشدة في حرب
فيتنام التي تلقى معارضة شعبية متزايدة لم تكن تنوي ان تحل الولايات المتحدة
الامريكية محل البريطانيين وتتبنى دورهم في منطقة الخليج. وقد اقترح وكيل وزارة
الخارجية الامريكية يوجين روستو Eugene Rostow في 19 كانون الثاني/ يناير 1968 ان
تعتمد الولايات المتحدة الامريكية بدلاً من ذلك على تجمعات أمنية تشمل إيران وتركيا
وباكستان والكويت والمملكة العربية السعودية. وفي نهاية المطاف اتفقت الولايات
المتحدة الامريكية مع بريطانيا بالفعل على سياسة تقوم على (دعامتين)، تقومان بموجب
هذه السياسة بتزويد إيران أولاً والمملكة العربية السعودية ثانياً بالمبيعات
والتدريب العسكريين، في عرض يهدف إلى ان تسهم هاتان الدولتان في نشر الاستقرار
والترويج للمصالح الغربية في منطقة الخليج. كما دعمت الولايات المتحدة الامريكية
أيضاً المساعي البريطانية لتشجيع إقامة اتحاد مؤلف من تسع إمارات، وكذلك التحركات
البريطانية لحل النزاعات حول البحرين وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.
رحب الاتحاد السوفيتي بقرار الانسحاب البريطاني. والواقع ان الأمل كان يراود
السوفييت طويلاً بالتقليل من النفوذ الإمبريالي الغربي في منطقة الخليج. وفي رد على
تقرير في صحيفة اطلاعات الإيرانية مفاده ان روبرتس كان قد اقتراح ترتيبات دفاعية
مشتركة تشمل إيران والكويت والمملكة العربية السعودية والمشيخات الواقعة جنوب
الخليج، كتب وكالة الأنباء السوفيتية (تاس) في 8 كانون الثاني/ يناير ان فكرة إقامة
(نظام دفاعي مشترك لدول - الخليج الفارسي- ) كان محاولة للحفاظ على النفوذ
البريطاني، وتنبأت ان ذلك لن يحظى بتأييد العالم العربي. وفي 3 آذار/ مارس كتبت
وكالة (تاس) في تقرير لها ان الزيارة التي قام بها مسؤولون بريطانيون وأمريكيون إلى
إيران مؤخراً كانت محاولة (لفرض ما يسمى بنظام دفاعي مشترك لأغراض استعمارية
جديدة)، بما في ذلك الدفاع عن (الاحتكارات النفطية الرأسمالية) والتحديات (ضد أمن
الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي). وحذر التقرير من ان الاتحاد السوفيتي (يعارض
بحزم المحاولات الجديدة التي تقوم بها الدوائر العدوانية في الولايات المتحدة
الامريكية وبريطانيا للتدخل في شؤون الدول في منطقة - الخليج الفارسي – وإملاء
إرادتهما عليها).
بعد ذلك قامت سفن الأسطول السوفيتي بزيارة هي الأول من زيارات عديدة إلى مياه
الخليج حتى ميناء أم قصر العراقي في 12 أيار/ مايو، الأمر الذي دل بوضوح على اهتمام
السوفيت بمد نفوذهم في الخليج في أعقاب قرار الانسحاب البريطاني. ورغبة من الاتحاد
السوفيتي في إقامة علاقات، ليس مع الدول العربية الراديكالية وحتى المحافظة في
الخليج فحسب، وإنما مع إيران أيضاً، فإنه لم يفصح عن آرائه في النزاعات حول البحرين
أو جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، لكنه عارض قيام اتحاد بين الإمارات
العربية في الخليج بوصفه مسعى بريطانياً آخر للحفاظ على نفوذ بريطانيا في المنطقة
وحذر من أن مصيره الفشل.
وفي الوقت الذي كان فيه المسؤولون البريطانيون يطلعون المسؤولين الخليجيين
والأمريكيين بقرار بريطانيا بالانسحاب من الخليج، ركزت إيران في اتصالاتها مع
البريطانيين على قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وفي 8 و9 كانون الثاني/
يناير 1968، وبعد ايام فقد من اجتماع روبرتس مع الشاه، وكما حذر وزير الخارجية
الإيرانية أردشير زاهدي في ذلك الاجتماع، أصدرت إيران احتجاجات للسفارة البريطانية
في طهران ولوزارة الخارجية في لندن، زاعمة ان رأس الخيمة قامت بإنزال مسلح على
جزيرة طنب الكبرى ورفعت علم رأس الخيمة، ومحذرة من أنها قد تضطر إلى اتخاذ إجراء من
جانبها. وأشار قائد القوات البريطانية في الخليج إلى ان علم رأس الخيمة كان يرفرف
هناك على مدى سنوات. كما أفاد أيضاً بأن فرقاطة إيرانية في المنطقة كانت قد وجهت
مدفعيتها نحو طائرة استطلاع بريطانية، لكن لم ينزل أي إيراني في جزيرة طنب الكبرى
وأن الفرقاطة ما لبثت ان غادرت المنطقة.
ومع هذا فإن القائم بالأعمال البريطاني في طهران تشارلز ويجين Charles Wiggin قام
رداً على هذه التطورات بتسليم مذكرة شديدة اللهجة من وزارة الخارجية البريطانية إلى
وزير الخارجية الإيراني زاهدي في 13 كانون الثاني، يناير 1968، يؤكد فيها حق رأس
الخيمة في الجزيرة، ويذكر أن علم رأس الخيمة كان يرفرف بانتظام في الماضي. وتم
تذكير إيران باتفاق عام 1966 بخصوص تبادل الوثائق بشأن مطالبات رأس الخيمة وإيران
بالجزر. ورفضت المذكرة أيضاً دعوى إيران، وطلبت إلى إيران ألا تقدم عل أي عمل
انفرادي، واحتجت على التصرف الإيراني بإرسالها سفينة بحرية إلى المياه الإقليمية
للجزر. ورد زاهدي بالتصريح بأنه لا يمكن استئناف المحادثات حول الجزر إلا بعد إنزال
العلم، وهدد من جديد باتخاذ إجراء. وبالإضافة إلى ذلك فقد احتجت السفارة الإيرانية
في لندن في 15 كانون الثاني/ يناير بأن طائرة بريطانية قامت بعمليات طيران
استفزازية فوق سفينة بحرية إيرانية (في المياه الساحلية لإيران في – الخليج
الفارسي-) وهددت بان السفينة ستتخذ (الإجراء الذي تراه مناسباً) فيما لو تكرر ذلك
العمل، على الرغم من إيضاح ويجين قبل ذلك لزاهدي في 13 كانون الثاني، يناير بأنها
كانت مجرد طائرات استطلاع بريطانية.
وفي 15 كانون الثاني، يناير اجتمع السفير الإيراني آرام مع وزير الدولة البريطاني
روبرتس، وقال آرام إنه نظراً لعزم بريطانيا الانسحاب من الخليج، فإن إيران ترغب في
ان تقوم رأس الخيمة علمها عن الجزر. وأكد روبرتس انه لم يطرأ تغيير على موقف
بريطانيا من موضوع السيادة على الجزر، وأن هناك التزامات على بريطانيا بموجب معاهدة
بينها وبين رأس الخيمة، وان بريطانيا دافعت عن حق رأس الخيمة في رفع علمها. وأوضح
ان بريطانيا وإيران قد اتفقتا في أوائل عام 1966 على بحث موضوع طنب الكبرى وطنب
الصغرى، وان بريطانيا كان لديها رغبة ببحث القضية على مدى العامين السابقين. لكن
روبرتس قال إنه مالم تقدم إيران وثائقها ومستنداتها وتثبت دعواها، فلن تخون
بريطانيا ثقة رأس الخيمة فيها. وعبر عن قلقه من إرسال إيران سفينة حربية إلى
المنطقة، وحث إيران على عدم الإقدام على عمل انفرادي لتغيير الوضع الراهن. وقام
أيضاً بتسليم المذكرة البريطانية في 13 كانون الثاني/ يناير رداً على الاحتجاج
الإيراني في 9 كانون الثاني/ يناير. واعترف آرام بأن لرأس الخيمة حقاً في طنب
الكبرى وطنب الصغرى، لكنه احتج بأن رأس الخيمة لا تستطيع حماية الجزيرتين. وأوضح
روبرتس ان الجزر ستكون بالغة الأهمية في النظام الأمني مستقبلاً، واقترح من جديد ان
جعل الجزر منزوعة السلاح قد يكون هو الحل. لكن ذلك لم يكن مقبولاً في رأي آرام.
وفي 17 كانون الثاني/ يناير أوضحت وزارة الخارجية البريطانية ان المقيم السياسي
البريطاني بالبحرين سير ستيوارت كروفورد Stewart Crawford أوصى بوضع كشافة ساحل
عُمان في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى كإجراء استباقي لأي عملية إنزال إيرانية
هناك، أما القائم بالأعمال البريطاني في طهران ويجين فقد أوصى بالنقيض من ذلك.
وأقرت وزارة الخارجية بان ذلك سيبعث الطمأنينة في نفوس الحكام الذين صدمهم إعلان
الانسحاب البريطاني، لكنها قالت إن ذلك سيزعج الإيرانيين وبالتالي سيعرض للخطر
رحلات الطيران البريطاني فوقها وحقوق تجميع قواتها فيها. وعلاوة على ذلك فإنه سيثير
تساؤلات حول كيف ومتى يتم سحب كشافة ساحل عُمان، الذين لم يستطيعوا الدفاع عن الجزر
بعد الانسحاب البريطاني، وسيقوض الفكرة الرائجة في السابق بأن الشاه قد يشتري
الجزر. وبذلك فإن وزارة الخارجية البريطانية لم تكتف بمعارضة توصيات كروفورد، بل
إنها حتى فكرت (فيما إذا كان علينا المضي أبعد من ذلك بأن نسترضي الإيرانيين ونقترح
على المقيم السياسي إمكانية ان يستبدل بالعلم المسبب للضيق رمزاً ما أقل بروزاً يدل
على سيادة رأس الخيمة).
وفي 18 كانون الثاني/ يناير أبلغت وزارة الخارجية كروفورد برفضها توصياته، وطلبت
إليه أيضاً أن يثير من جديد مع حاكم رأس الخيمة فكرة بيع الجزر (الآن وقد أصبح لديه
علم بالتاريخ الذي لن يستطيع بعده الاعتماد على حمايتنا). أخيراً، على الرغم من
الدفاع في السابق عن حق رأس الخيمة في رفع علمها في الاجتماع الذي جرى مع آرام في
15 كانون الثاني/ يناير، وبرغبة واضحة في (استرضاء) إيران، كتبت وزارة الخارجية
البريطانية أنه (سيكون من المفيد بوضوح لو أمكننا اختراع رمز يدل على سيادة الحاكم
أقل ظهوراً من رفع العلم في مكانه الحالي، وبشرط ان يتم طرح ذلك دون إيحاء للحاكم
بأننا قد ضعفنا عن دعم مطلبه)، وطلبت الوزارة إلى كروفورد ان يزودها بأفكار حول
كيفية تحقيق هذا الهدف.
في 23 كانون الثاني/ يناير أبرق المقيم السياسي كروفرود إلى وزارة الخارجية قائلاً
بما أنه لم يتم إبلاغ الملك فيصل بشأن الدعوى الإيرانية حول الجزر، فيجب ان يتم
إطلاعه عليها قبل زيارة الشاه المقبلة إلى المملكة العربية السعودية، وإلا فإنه قد
يقتنع بالاتفاق مع الشاه. وقد ردت وزارة الخارجية بتزويد السفارة في جدة بنبذة
مقترحة لإطلاع الملك فيصل عليها حول المطالبات الإيرانية بالبحرين وصري وطنب الكبرى
وطنب الصغرى وأبوموسى. وقد تضمنت النبذة حججاً مؤيدة ومناقضة للمطالبات الإيرانية،
مع تصريح لوزارة الخارجية ترفض فيه دعاوى إيران.
في الوقت نفسه قامت وزارة الخارجية البريطانية أيضاً بتزويد السفارة بـ (النقاط
مثار النقاش) لإطلاع السعوديين على المفاوضات حول الجزر والخط الفاصل، وقد اقترحت
هنا إبلاغ السعوديين بأن البريطانيين سيعتبرون بيع طنب الكبرى وطنب الصغرى (حلاً
مناسباً) يتماشى مع العرض غير الرسمي من جانب السفير آرام في حزيران/ يونيو 1967
بان تكون صري من نصيب إيران، وأبوموسى من نصيب الشارقة، وجزيرتا طنب الكبرى وطنب
الصغرى لإيران مع تعويض حاكم رأس الخيمة عنهما.
نصح كروفورد وزارة الخارجية البريطانية في 1 شباط/ فبراير 1968 بأنه ينبغي ألا يقوم
السفير البريطاني في جدة بإبلاغ السعوديين بأن بريطانيا ترى في بيع جزيرتي طنب
الكبرى وطنب الصغرى إلى إيران (حلاً مناسباً). ودلل على قوله بإنه في أعقاب الإعلان
عن الانسحاب البريطاني من الخليج سوف تسهم مساندة بريطانيا لتسليم أرض عربية إلى
إيران في اهتزاز ثقة الحكام فيها. لكن الشاه قام في اليوم نفسه بإلغاء زيارته
الرسمية إلى المملكة العربية السعودية، وتعين تأجيل المساعي البريطانية لطلب
المساعدة السعودية مع إيران.
في 1 شباط/ فبراير رفع المقيم السياسي في البحرين كروفورد توصية تعارض أي اتصالات
أخرى برأس الخيمة بشأن بيع جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، محتجاً بأنه ينبغي ان
تكون إيران هي التي تقوم بأية مبادرات أخرى. كما رفع كروفورد أيضاً توصية ضد التخلي
عن الوضع القائم والطلب إلى رأس الخيمة ان تنزل علمها. وفي برقية مؤرخة في 3 شباط/
فبراير قال كروفورد إنه إذا أخفقت بريطانيا في ثني الشاه عن عزمه القيام بعمل عسكري
ضد جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بالوصول إلى هناك أولاً، (نكون بذلك قد اثبتنا
للعرب ان هناك ما يبرر اتهام القوميين لنا بأننا نتآمر مع أجل تقدم الإيرانيين في
الخليج). وأوضح كروفورد ثانية أنه إذا ما ظهر ان احتلال إيران لإحدى الجزيرتين
وشيك، فينبغي ان يبادر إلى العمل الاستباقي المتمثل في وضع قوة من كشافة ساحل عُمان
على الجزيرة المذكورة. وتضمنت برقية مرسلة من قائد القوات البريطانية في الخليج، في
5 شباط، فبراير، موافقة على ما طرحه كروفورد، بالرغم من انها اعترفت بأن ذلك قد
يعرض للخطر استخدام خط الطيران المنصوص عليه من قبل منظمة المعاهدة المركزية CENTO،
وهو تحالف بين بريطانيا والولايات المتحدة وإيران وباكستان.
وجهت وزارة الخارجية إلى كروفورد مذكرة بتاريخ 7 شباط/ فبراير اعتبرت فيها ان هناك(
أملاً ضئيلاً من تبادل بيانات المطالبة والدعاوى – مع إيران – وما يتبعها من حجج
قانونية وتاريخية)، كما عبرت عن الشك في (كون الإيرانيين في وضع يمكنهم من إبراز
ملف يدعم دعواهم)، واتفقت مع كروفورد على انه ليس بإمكان بريطانيا التخلي عن الوضع
الراهن والضغط على رأس الخيمة لإنزال العلم. لكن المذكرة أشارت إلى ان إخلاء الجزر
من الوجود العسكري لم يكن مقبولاً لدى إيران، وان الوجود العسكري المشترك تحت
السيادة الإيرانية كان غير مقبول لدى العرب، وأكدت بالتالي ان الصفقة الإجمالية
المقترحة سابقاً من قبل آرام تعتبر صفقة جيدة، لأنه بخلاف ذلك سيستولي الشاه على
جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وربما جزيرة أبوموسى، بعد انسحاب بريطانيا من
الخليج، واقترحت المذكرة أيضاً تعويض رأس الخيمة بقاع بحر إضافي، وذلك من خلال رفض
مطالبة إيران بان تكون جزيرة قشم خط الأساس لها، وتختم المذكرة بأنه إذا تم تشكيل
اتخاذ فسوف يتم تعويض التنازل عن طنب الكبرى وطنب الصغرى نوعاً ما بالاحتفاظ بجزيرة
أبوموسى، ولم تشر المذكرة إلى البحرين كجزء من هذه الصفقة الإجمالية.
وهناك مذكرة أعدتها الدائرة العربية بوزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 9 شباط/
فبراير تضمنت توصية ضد أي وجود عسكري استباقي في الجزر لردع إيران، أو أي عمل عسكري
لطرد إيران إذا ما استولت على الجزر، ودافعت بدلاً عن ذلك عن الاقتصار على الرد
الدبلوماسي، وتأييداً لدفاعها استشهدت بموافقة دائرة الشرق ودائرة الدفاع في وزارة
الخارجية، وكذلك وزارة الدفاع، وقد عبرت المذكرة عن الفكرة القائلة إنه إذا ما سعت
بريطانيا للحصول على طمأنة من الشاه بان إيران لن تقدم على أي عمل عسكري قبل
الانسحاب البريطاني، عندئذ (قد يكون ذلك إشارة إلى الشاه بأننا سنكون أقل قلقاً من
استيلائه على الجزر بعد انسحابنا من الخليج). ورغم انها شككت فيها إذا كان بالإمكان
الاعتماد على الشاه للاحتفاظ بهذا المنهج لنفسه، فإنها أوصت بالتالي بأن يقوم
السفير البريطاني في طهران دنيس رايت بالمراوغة بخصوص أي رد فعل بريطاني تجاه أي
تحرك عسكري إيراني قبل الانسحاب البريطاني، والتلميح إلى رد الفعل بعد الانسحاب.
كما ينبغي حث الشاه على احترام الوضع القائم :
باعتبار انه ما دامت رأس الخيمة والشارقة تحت حماية حكومة صاحبة الجلالة فسنكون
مضطرين إلى ان يكون رد فعلنا قوياً تجاه أية محاولة إيرانية لاحتلال جزيرتي طنب
الكبرى وطنب الصغرى أو جزيرة أبوموسى، وإذا ما سأل الشاه عن الوضع بعد انسحابنا
فيجب إعلامه انه على الرغم من ان حكومة صاحبة الجلالة لن تعود مهتمة بصورة مباشرة،
فسوف يتعين عليها مع ذلك ان تشجب علناً أي إجراء مفروض بالإكراه ضد الجزر ...
وافق وزير الخارجية جورج براون على ان بريطانيا ينبغي ألا تقوم بأي عمل عسكري إذا
ما استولت إيران على الجزر، وبالتالي رفض مذكرة وزارة الخارجية الموجهة إلى كروفورد
في 14 شباط/ فبراير طلبه الحصول على سلطة لاستباق إيران بتحريك جنود كشافة ساحل
عُمان إلى الجزر، محتجة بأن الوجود العسكري البريطاني الاستباقي في الجزر قد لا
يردع إيران وبالتالي قد يؤدي إلى نزاع حقيقي معها.
أجاب كروفورد في 17 شباط/ فبراير بأنه كان يأمل أن يقوم السفير رايت بتذكير الشاه
بأن لدى بريطانيا اتفاقيات لحماية الإمارات المتصالحة، وان رئيس الوزراء كان قد
اعلن ان بريطانيا ستحترم هذه الالتزامات، وان على الشاه بالتالي ألا يقوم بأي عمل
في الجزر يدفع الحكام إلى طلب الحماية البريطانية ويؤدي إلى مواجهة بين إيران
وبريطانيا. لكنه أكد أيضاً أنه لم يقتنع بأن الاستخدام الاستباقي لكشافة ساحل عُمان
سيؤدي إلى نزاع مع إيران، وأنه في حال وقوع عمل عسكري إيراني وشيك ضد إحدى الجزر
سيكون من واجبه أيضاً ان يوصي باستخدام تلك الكشافة.
في 22 شباط/ فبراير أوضحت مذكرة من وزارة الخارجية موجهة إلى كروفورد ان وزير
الخارجية البريطاني لم يتخذ قراراً ضد أي عمل استباقي فحسب، وإنما قرر أيضاً أنه في
حال احتلال إيران للجزر، (يتعين على حكومة صاحبة الجلالة ان تقصر دفاعها عن حقوق
الحكام على العمل الدبلوماسي، وألا تسعى إلى إخراج الإيرانيين بالقوة). وقد وسعت
المذكرة نطاق هذه السياسة لتشمل أبوموسى إلى جانب طنب الكبرى وطنب الصغرى، واحتجت
بأن هذا ضروري لتجنب عواقب نشوب نزاع مع إيران، وأوضحت كذلك ان رايت سيحث الشاه
بقوة على الحفاظ على الوضع الراهن، وقالت : (إننا لا ننوي ان نعطي الإيرانيين أي
مبرر للاعتقاد بأننا لن ندعم حقوق الشارقة ورأس الخيمة بأقصى ما نستطيع)، ولكنها
دعت هذا النهج (مراوغة)، والتي من الأرجح ألا تعتبرها إيران كذلك.
وفي 25و26 آذار/ مارس 1968 عقد كل من وزير الخارجية الجديد مايكل ستيوارت، والمقيم
السياسي البريطاني كروفورد، والسفير رايت، ومسؤولين آخرين محادثات حول الخليج
بوزارة الخارجية. كان رايت يرى ان المستعربين من أمثال كروفورد كانوا (لا يستاهلون
مع المطامع الإيرانية)، لكنه (أي رايت ) أحرز (بعض التقدم في ضمان ألا يجري إهمال
المصالح والمطالب الإيرانية بوصفها غير معقولة). وانتهى الاجتماع بقيام ستيوارت
بالدعوة إلى بحث حلول ممكنة للمطالبات المتعارضة بالجزر. وفي الوقت نفسه اطلعت
وزارة الخارجية على تقرير رايت بان الشاه على ما يبدو قد أصدر توجيهاته إلى وزير
الخارجية الإيراني أردشير زاهدي ليزود بريطانيا بالوثائق الإيرانية المتعلقة
بالجزر. وأفادت وزارة الخارجية البريطانية بأنه إذا لم تقم إيران بتزويدها بهذه
الوثائق، فيجب ان تجدد اقتراحها لإيران ان تفعل ذلك بعد ان تستكمل وزارة الخارجية
البريطانية مراجعتها لحلول ممكنة. وأوضحت أيضاً في ردها على التهمة الإيرانية
القائلة ان بريطانيا كانت تخطط للتخلي عن أراضي إيرانية كانت قد احتلتها سابقاً
بالقوة، فقالت :
ليس ثمة من أساس تاريخي للزعم بأننا (اغتصبنا) الجزر بالقوة والخديعة أو بغيرهما،
لقد كانت الجزر المتنازع عليها مأهولة من قبل عرب يدينون بالولاء لأجداد الحكام
(العرب) عندما أبرمنا معاهداتنا المختلفة مع هذه الإمارات.
وفي 6 نيسان/ إبريل اجتمع السفير البريطاني رايت مع الشاه، وأبدى الشاه اهتماماً
بتسوية شاملة بشأن الخط الفاصل للمياه الإقليمية على طول الخليج بكامله، بما في ذلك
الجزر جميعاً، وقال إنه يرغب في الحديث مع الكويت والمملكة العربية السعودية حول
الموضوع. وكانت الفكرة البريطانية لمثل هذه التسوية تتلخص في إعطاء صري وطنب الكبرى
وطنب الصغرى إلى إيران، بينما تعطى أبوموسى والبحرين إلى العرب، علماً أنه ليس
واضحاً ما إذا كان رايت صريحاً بشأن ذلك في الاجتماع. لكن الشاه لمح بالفعل إلى
صفقة إجمالية مختلفة نوعاً ما. وقد ورد في مذكرة لوزارة الخارجية البريطانية حول
الاجتماع مؤرخة في 21 ايار/ مايو ما يلي :
تم طرح اقتراح (من الولايات المتحدة الامريكية بواسطة السيد روستو عام 1968، ومن
إيران بواسطة السيد آرام عام 1955، والسيد – نصرالله- انتظام عام 1954) مفاده اننا
إذا كنا سنسلم الجزر الصغرى (بما فيها أبوموسى) إلى إيران، فسوف يتنازل الإيرانيون
عن مطالبتهم بالبحرين. وقد لمح الشاه الآن (في نيسان/ إبريل 1968) لسفير صاحبة
الجلالة في طهران بأن صفقة على هذا الاساس يمكن ان تهيئ إطاراً عاماً يبعث على
الأمل للتوصل إلى تسوية.
علاوة على ما سبق، فإن زاهدي سبق أن قال ان تسوية قضية الجزر تعتبر شرطاً مسبقاً
لمحادثات الخط الفاصل. كما طرح الشاه أيضاً في أثناء اجتماعه مع السفير البريطاني
فكرة إجراء استفتاء عام بشأن البحرين. وبذلك فإنه على الرغم من الاحتجاجات
الإيرانية على الدعم السعودي للبحرين وعلى مشاركة البحرين في اتحاد فيدرالي، فقد
كان الشاه ما يزال يرسل إشارات سراً توحي بأنه مستعد للتخلي عن البحرين مقابل
الحصول على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى ضمن صفقة إجمالية، علاوة على ان
الصفقة تم طرحها من قبل مسؤول امريكي رفيع المستوى هو وكيل وزارة الخارجية
الامريكية روستو.
في 5 نيسان/ إبريل، وهو اليوم السابق لاجتماع رايت مع الشاه، أبرق كروفورد إلى
وزارة الخارجية وحذر من أن بحث حول لنزاع الجزر مع الشاه قد يدفعه إلى ان يتوقع
تعاوناً بريطانياً معه للحصول على الجزر. كما نبه أيضاً إلى ان أي محادثات بعد ذلك
مع حاكمي رأس الخيمة والشارقة حول الحلول قد تثير قلقهما وتدفعهما للضغط على
بريطانيا لتقديم التزامات بالدفاع عن الجزر، وخصوصاً إذا أسهمت المحادثات في إثارة
مخاوف العالم العربي عموماً من تنازل بريطانيا عن أراض عربية للآخرين.
وفي برقية أخرى مرسلة في اليوم نفسه، اثار كروفورد القضية مرة أخرى من أجل نشر
الوجود العسكري البريطاني في الجزر. لكنه إقراراً لاعتراضات وزارة الخارجية، أوصى
هذه المرة بأن تقوم بريطانيا بتطوير خطة طوارئ تسمح للقوات البريطانية بوضع حامية
على وجه السرعة في جزيرة أبوموسى إذا ما تحركت إيران لاحتلال جزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى. وأن ذلك يبرهن على استعداد بريطانيا لحماية الأراضي العربية، ويمكنها
من الحفاظ بصورة أفضل على مصالحها في العالم العربي، مع الالتزام في الوقت نفسه برد
دبلوماسي فقط على احتلال طنب الكبرى وطنب الصغرى.
تبين أن توصية كروفورد كانت مقنعة لوزارة الخارجية. وبدءاً من 9 نيسان/ إبريل قامت
وزارة الخارجية البريطانية، ووزير الدولة للشؤون الخارجية، ووزير الدولة لشؤون
الدفاع، بالموافقة جميعاً على تطوير مثل هذه الخطة، وصدرت التوجيهات إلى قائد
القوات البريطانية في الخليج بتنفيذ ذلك. ومع هذا فقد أبرقت وزارة الخارجية في 18
نيسان/ إبريل إلى كروفورد ليقوم بالدفاع عن منطقة البحث في حلول لنزاع الجزر مع
إيران. وذكروا أيضاً ان وزير الخارجية مايكل ستيوارت اطلع السفير عباس آرام على ان
بريطانيا كانت تبحث عن مخرج من المأزق.
في تلك الأثناء كان ولي عهد الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح ووزير الدفاع الشيخ
سعد العبدالله السالم الصباح قد سألا السفير البريطاني في الكويت جفري آرثر
Geoffrey Arthur عن جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وعندما سأله الشيخ جابر
عما إذا كانت إيران ستستولي على الجزر بعد مغادرة بريطانيا للخليج، رد آرثر بأنه
يعتقد بأن إيران ستفعل ذلك. وقال آرثر ان كليهما حسب رأيه كانا في السر قد سلما
بفكرة هيمنة إيران على الخليج واستيلائها على الجزر، ولكن المتوقع منهما الدفاع عن
الحقوق العربية في العلن. وأبرقت وزارة الخارجية إلى آرثر في 25 نيسان/ إبريل
وأوصته بعدم إصدار أية تصريحات علنية حول المطالبات الإيرانية بالجزر. وفي 29
نيسان/ إبريل حذر كروفورد أيضاً من أنه إذا انتبه حاكما رأس الخيمة والشارقة إلى
المطالبات الإيرانية، فقد يطلبان تأكيدات من بريطانيا حول تأمين الحماية من عمل
عسكري إيراني. وافق آرثر على ذلك، لكنه قال إنه كان يجيب فقط عن أسئلة مباشرة موجهة
له من مسؤولين كويتيين.
في 29 نيسان/ إبريل اجتمع السفير الإيراني آرام مع مسؤولين من وزارة الخارجية
البريطانية، وتحدث عن تصميم الشاه على الاستيلاء على طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى، لأسباب استراتيجية من ناحية، ولكن لأسباب سياسية من باب أولى، وقال آرام
ان الشاه قد اقترح أن يشتريها البريطانيون من حاكمي الإمارتين ثم يحولوها إلى
إيران، فأجاب البريطانيون بأنهم سيدرسون إمكانية الشراء، وكذلك حلولاً أخرى ممكنة
خلال دراستهم للموضوع، غير انهم لم يكونوا متفائلين بإيجاد حل. وردد آرام القول ان
الشاه كان متقبلاً لإجراء استفتاء شعبي حول البحرين، وكان يريد إقامة علاقات أفضل
مع المملكة العربية السعودية. وقد حث البريطانيون إيران على السعي لتحسين علاقاتها
بالمملكة العربية السعودية. ثم طلب آرام مساعدة البريطانيين لإقناع حاكمي الإمارتين
بتلبية مطالبات إيران بالجزر وإقناع المملكة العربية السعودية بالتوصل إلى تفاهم مع
إيران.
في 1 أيار/ مايو 1998 قدم السير دنيس ألين Denis Allen، المسؤول في وزارة الخارجية
البريطانية، تقريراً عن محادثات أخرى مع السفير آرام الذي قال إن الشاه قد (لا يفعل
شيئاً) بشأن البحرين إذا وجد ما يرضيه بالنسبة لقضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى. وقد نصح دنيس ألين آرام بأن قدرة إيران على الحصول على هذه الصفقة ستتوقف
على إقامة علاقات قائمة على الثقة وحسن النية مع العرب في الخليج، ولا سيما مع
المملكة العربية السعودية، وطلب آرام إلى وزارة الخارجية البريطانية ان تقوم بإقناع
حاكمي الإمارتين، غير ان ألين أجاب بأن ذلك سيكون صعباً.
في هذين الاجتماعين ذكر آرام تصميم الشاه على ألا يقتصر على الاستيلاء على طنب
الكبرى وطنب الصغرى، بل على أبوموسى أيضاً، وذلك خلافاً لما قاله بشكل غير رسمي في
حزيران/ يونيو 1967. وكان البريطانيون ينوون مغادرة الخليج لأسباب مالية، ولم يردوا
في الحقيقة على الاقتراح بأن تشتري بريطانيا جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.
والواقع أنهم أجابوا بأنهم لم يكونوا متفائلين حول أي من الحلول، علماً أنهم كانوا
يظنون بالفعل ان رأس الخيمة قد تقبل بصفقة تشتري إيران فيها الجزيرتين. وقد تجاوز
آرام تلميحات الشاه في 6 نيسان/ إبريل وعرض بصراحة الربط والمبادلة بين البحرين
وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. ورداً على ذلك اقتصرت وزارة الخارجية
البريطانية على القول إن نجاحها سيتوقف على طبيعة العلاقات الإيرانية مع العرب في
الخليج. وهكذا بدا ان بريطانيا تحاول الترتيب لعقد اتفاقية إيرانية – سعودية، ومن
ثم تكلف الإيرانيين بالاتصال بحاكمي الإمارتين، مع إخفاء الأمور عنهما حتى ذلك
الوقت.
في تلك الأثناء، كانت منظمة المعاهدة المركزية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة
الامريكية قد عقدت اجتماعاً في 26 نيسان/ إبريل، وأكدت الحاجة الملحّة إلى ان تقوم
الإمارات العربية في الخليج، التي لم تكن قد شكلت اتحادها الذي تم اقتراحه في 30
آذار/ مارس، بحل خلافاتها والتوصل إلى اتفاق مع إيران حول الترتيبات لضمان تدفق
إمدادات النفط إلى الغرب. وبعد ذلك بوقت قصير شعرت كل من الولايات المتحدة
الامريكية وبريطانيا بالقلق من زيادة وحدات الأسطول السوفيتي إلى الخليج.
عندما زار الشاه واشنطن في حزيران/ يونيو 1968 ليطلب مبيعات عسكرية لإيران من
الولايات المتحدة الامريكية، أشار بيان مشترك إلى ان الشاه (أكد من جديد تصميم
إيران على المحافظة على قوة دفاعية حديثة كافية لضمان الأمن القومي لإيران، وعبر
الرئيس الامريكي عن رغبة الولايات المتحدة قد وافقت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1967
على تزويد إيران بسربين من المقاتلات النفاثة فانتوم إف-4 وأسلحة أخرى تم تمويلها
بقيمة 250مليون دولار على شكل قروض ائتمانية ميسرة. وقد بدأت الولايات المتحدة
الامريكية تسليم طائرات الفانتوم في حزيران/ يونيو 1968. وهكذا بدأت الاهتمامات
الجيوسياسية والاستراتيجية تغلب على مسألة الحق والعدل فيما يتعلق بالجزر.