الفصل التاسع - مقترحات التسوية البريطانية
في 21 أيار/ مايو 1968 أعدت وزارة الخارجية البريطانية مذكرة شاملة عن الحلول
الممكنة للنزاع حول الجزر. وقد جاءت المذكرة بعد أسبوع واحد من زيارة وحدات الأسطول
السوفيتي إلى العراق، وورد في بدايتها ما يلي :
يتمثل هدفنا في استقرار المنطقة لضمان أمن استثماراتنا ومصالحنا التجارية،
وللحيلولة دون الاختراق السوفيتي، ويتمثل الخطر الأكبر في المواجهة العربية/الإيرانية،
سواء قبل مغادرتنا أو بعدها. ولذلك فإن من مصلحتنا إلى حد بعيد إحلال تسوية للقضايا
موضع النزاع، وذلك كأساس لنظام أمني في الخليج، وإلا فإننا قد نضطر في نهاية المطاف
إلى اختيار سياسي بين مصالحنا الاقتصادية في إيران ومصالحنا في الأراضي العربية،
وتعتبر الأخيرة في مجموعها هي الأكبر.
وقبل استعراض الحلول الممكنة، أفادت المذكرة بما يلي :
حتى عهد قريب لم يركز الإيرانيون تركيزاً جاداً على مطالبتهم بأبوموسى، لكنهم الآن
بنوا مطالباتهم بها على الأساس نفسه الذي بنوا عليه مطالبتهم بجزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى. وإذا أطلقنا حكمنا من خلال المحادثات الأخيرة للشاه مع السير دنيس
رايت (في 6نيسان/ إبريل)، فقد يكون هذا موقفاً تساومياً يخفي وراءه المرونة بشأن
أبوموسى، ومن جهة أخرى فليس هناك خروج عن نهج زاهدي الأخير في ان تصميم الإيرانيين
على عدم التنازل عن موقفهم بشأن الجزر يفسر عدم رغبتهم في التفاوض حول الخط الفاصل.
كذلك ذكرت المذكرة أن تطمينات الشاه السرية بأنه في الوقت الذي لم يكن فيه ينوي
الإلحاح على مطالبة إيران بالبحرين، فإنه كان بحاجة إلى مخرج مشرف من النزاع، مثل
إجراء استفتاء عام، من أجل تجنب معارضة القوميين في إيران.
أما بالنسبة إلى الحلول فقد اعتبرت المذكرة بيع طنب الكبرى وطنب الصغرى بصورة
منعزلة بأنه غير محتمل. وكان ثمة اعتقاد بأنه من الصعب إنجاز صفقة إجمالية لتحديد
الخط الفاصل في الخليج بكامله، حيث تم توزيع الجزر وحقول النفط حسب موقعها على
جانبي الخط الفاصل، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار النزاعات بين إيران والعراق
والكويت. وبدلاً من ذلك أوصت المذكرة بقوة بالسعي لإبرام صفقة (إجمالية مخفضة)
تشتمل خطاً فاصلاً بمحاذاة الحدود السعودية – الإيرانية، بما في ذلك القطاع المقابل
للبحرين، يحث يمتد الخط الفاصل إلى جنوب الخليج بين الإمارات المتصالحة وإيران،
بحيث يتم توزيع الجزر وحقول النفط أيضاً حسب موقعها على جانبي الخط الفاصل. وسوف
يجعل ذلك البحرين وأبوموسى من نصيب العرب، بينما تصبح صري وطنب الكبرى وطنب الصغرى
من نصيب إيران. ولتفصيل القضية أوضحت المذكرة ما يلي :
ستقل صعوبة التوزيع غير العادل للربح والخسارة بالنسبة للحكام إذا كان بالإمكان
اعتبار اتحاد الإمارات العربية كياناً واحداً يتم فيه امتصاص الربح والخسارة. وعلى
الرغم من ان الشاه قد لا يكون على استعداد في الوقت الحاضر للاعتراف بهذا، فإن
إدخال البحرين في الاتحاد يمكن ان يساعد كلا الجانبين: الجانب العربي بموازنة أي
تنازل عن طنب الكبرى وطنب الصغرى أو قاع البحر، والجانب الإيراني بإضفاء مظهر أكبر
لتسوية شاملة يمكن فيها للتنازل الإيراني عن البحرين ان يكسب إيران السمعة الحسنة.
وحتى إن كان من الممكن معاملة الاتحاد بوصفه كياناً واحداً بهدف التفاوض على خط
فاصل، فإنه ينبغي مع ذلك ان يكون هناك عنصر تلطيف وترغيب للخاسر الحقيقي الرئيسي،
وهو حاكم راس الخيمة. وقد يكون العنصر المرغّب على شكل دفعة نقدية و/ أو تنازل عن
قاع البحر.
ذكرت المذكرة أيضاً صفقة مماثلة ولكنها أكثر محدودية لا تتضمن الحدود السعودية –
الإيرانية، بما في ذلك المنطقة المواجهة للبحرين، لكنها رأت أن حظوظ نجاحها أقل.
وبالنسبة لفكرة تنازل إيران عن البحرين مقابل تخلي العرب عن جزر طنب الكبرى وطنب
الصغرى وأبوموسى، كما هو اقتراح الشاه في 6 نيسان/ إبريل، أوضحت المذكرة أنها لم
تكن تعتقد ان الحكام سيوافقون عليها، لكن ثمة إمكانية لأن يوافقوا إذا كان هناك
تعويض عن طنب الكبرى وطنب الصغرى. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان ينظر إلى (استيلاء
إيران على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى واحتفاظ الشارقة بأبوموسى) على أنه صعب
للغاية.
ومن بين الافكار الأخرى جعل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى منزوعتي السلاح، وهي
الفكرة التي رأت المذكرة أنها تستحق المتابعة، وفكرة السيادة المشتركة التي لم
ترجحها المذكرة، وفكرة دفع إيران إيجار لقواعد عسكرية في الجزيرتين، الأمر الذي رأي
أنه أكثر واقعية من فكرة السيادة المشتركة. وفيما يتعلق بإمكانية موافقة
البريطانيين على استيلاء إيران على الجزر، أشارت المذكرة إلى انه بعد إخفاق التسوية،
(علينا ان نوضح للشاه أننا لا يمكننا أن ننفض أيدينا من المشكلة مادمنا في المنطقة،
وأن نترك أي دلالة ضمنية يُفهم منها عدم مبالاتنا بما سيحدث بعد عام 1971، دون أن
يصل ذلك إلى حد التفاهم الصريح. فلن يكون من الحكمة ان ندخل في مثل هذا التفاهم مع
الإيرانيين، لأن فعل ذلك سيحد من حريتنا في اللجوء إلى الأمم المتحدة من طرف واحد).
أخذت المذكرة في الاعتبار أيضاً التسوية من خلال طرف ثالث، أي التحكيم والإحالة إلى
محكمة العدل الدولية، لكنها رأت أنه لم يكن بالإمكان الحصول على قبول الطرفين بهذا
الخيار. وتمت دراسة عملية التوفيق والوساطة التي اعتبرت معقولة، وكذلك اللجوء إلى
الأمم المتحدة الذي اعتبر طريقة ممكنة لإحباط أي عمل عسكري إيراني قبل الانسحاب
البريطاني. وأخيراً ورد ذكر إجراء استفتاء عام حول البحرين.
في 30 أيار/ مايو 1968 أصدرت وزارة الخارجية تعليمات ومعلومات إلى السفير البريطاني
رايت في طهران عن خلفية نزاعات الجزر تضمنت نسخة من المذكرة السالفة الذكر المؤرخة
في 21 أيار/ مايو، حيث طلب إلى رايت المساعدة لجعل إيران والإمارات والدول العربية
تشارك في محادثات مباشرة، بالنظر إلى ان ذلك سيوضح لرأس الخيمة والشارقة أن
المسؤولية البريطانية في أفول، ويسهم في التقليل من مطالبتهم الفعلية بالدفاع عن
الجزر في حال حدوث هجوم إيراني. ولعل هذه المحادثات أيضاً تقنعهم جميعاً، ولا سيما
الشاه، بضرورة تقديم تنازل لتفادي تعريض أمن المنطقة للخطر، وحماية حريتها من تدخل
القوى الكبرى. وتم إخطار السفير بالقول : (لن نعمد نحن بأنفسنا إلى ان نقوم بدور
ريادي أكثر من اللازم نيابة عن الحكام في أية مفاوضات حقيقية).
وكما ورد في التعليمات، فإن العرب – بمن فيهم المملكة العربية السعودية والكويت –
طلبوا إلى بريطانيا الوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدات الحماية قبل خروجها من
المنطقة، وبخاصة فيما يتعلق بالبحرين وكذلك الجزر. في تلك الاثناء كانت إيران تريد
إقحام بريطانيا في تأكيد مطالبتها بالجزر قبل ان تنال الإمارات العربية استقلالها
وتتعزز ملكيتها للجزر. وبذلك تكون بريطانيا وسيطاً في المفاوضات، وليست طرفاً أصيلاً
أو مطلق الصلاحية.
وورد في التعليمات الموجهة إلى رايت انه ينبغي ان يقنع الشاه بمخاطر اتخاذ أي إجراء
مباشر لفرض مطالباته، وبضرورة تقديمه تنازلات في المفاوضات. كما ينبغي ان تبذل
بريطانيا جهداً لإقناع رأس الخيمة والشارقة ان لدى إيران قضية تستحق المناقشة، وأن
تسعى لإقناع رأس الخيمة بالتنازل عن طنب الكبرى وطنب الصغرى مقابل مبلغ نقدي أو
كجزء من (صفقة إجمالية تقيم خطاً فاصلاً تتنازل بموجبه إيران عن مطالبتها بالبحرين
وأبوموسى، بشرط ان يتخلى حاكم الشارقة عن مطالبته بصري). وقد أوضحت التعليمات صراحة
ان هذه (الصفقة الإجمالية المخفضة) كانت أكثر الحلول إغراء، وبالتالي كان
البريطانيون يسعون إلى تحقيقها، إذ (إنها ستعطي الشاه جزيرتي طنب الكبرى وطنب
الصغرى، وتخلصه من مشكلة البحرين ....). وكانت الصفقة الإجمالية المحدودة هي ثاني
أفضل حل، على الرغم من أن (الحكام سيكونون أكثر عزلة وبالتالي أكثر تخوفاً من تقديم
تنازلات)، كما أنها (لن ... تمنح غطاء لتنازل إيراني عن البحرين). وسيكون بيع
جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى (مرضياً) لكنه (غير محتمل). ويجب متابعة موضوع جعل
طنب الكبرى وطنب الصغرى منزوعتي السلاح مع الشاه. ويمكن ذكر حلول وإجراءات أخرى،
دون تأييدها. وكان اتفاق الشاه والملك فيصل حول مصلحتهما المشتركة في التوصل إلى
تسوية لتكون منطلقاً للاستقرار والتحرر من التغلغل الأجنبي في المنطقة، يعتبر شرطاً
أساسياً لعقد تسوية، وينبغي للبريطانيين ان يقنعوهما بذلك.
إن تعليمات 30 أيار/ مايو، وكذلك مذكرة 21 أيار/ مايو التي أرفقت بها، تعتبران
دليلاً صريحاً على ان بريطانيا قبلت الربط والمقايضة بين صري وطنب الكبرى وطنب
الصغرى من جهة والبحرين وأبوموسى من جهة أخرى ضمن صفقة إجمالية تشمل خطا فاصلا
ويفضل أيضاً ان تشمل اتحاداً فيدرالياً. ومن الواضح ان الصفقة التي كان الشاه
يفضلها كانت تختلف عن الصفقة البريطانية، فقد كان الشاه يريد أبوموسى لإيران بينما
كان البريطانيون يريدونها للعرب. ومع ذلك كان البريطانيون يريدون التقليل من مطالبة
كل من رأس الخيمة والشارقة بالدفاع البريطاني عن الجزر، حتى إن كانوا قد وافقوا
مؤخراً على وضع حامية في أبوموسى في حال وقوع هجوم وشيك من قبل إيران. وتضمنت
التعليمات أيضاً دليلاً واضحاً على ان البريطانيين كانوا يسعون إلى التقليل من
مسؤوليتهم عن التفاوض لأجل التوصل إلى مثل هذه التسوية، وأنهم كانوا يعملون على
تشجيع إبرام التسوية من خلال مفاوضات مباشرة مدعومة من قبل الأطراف العربية
الرئيسية في منطقة الخليج. وتدل المذكرات اللاحقة على ان البريطانيين عرضوا بالفعل
الصفقة الإجمالية على الشاه وعلى الملك فيصل، وليس على حاكمي رأس الخيمة والشارقة.
وفي 2 حزيران/ يونيو 1968 نقل السفير رايت المقترحات البريطانية إلى الشاه. وأكد
رايت ان بريطانيا لم تستطع إجبار حاكمي رأس الخيمة والشارقة على قبول مطالبات إيران،
ولم تتمكن إلا من تقديم خدماتها للتوصل إلى تسوية تكون عادلة بالنسبة للحاكمين.
وأفاد ان الاتفاق بين إيران والمملكة العربية السعودية شرط أساسي لعقد التسوية، وأن
بريطانيا أرادت من الشاه أن يدرس هذه المقترحات مع الملك فيصل، وأنه (إذا وافق
الملك فيصل على آراء الشاه وكان على استعداد لعرضها على الحاكمين، فإننا من جانبنا
سنبذل قصارى جهدنا لإقناعهما بقبولها). ووافق الشاه على بحث هذه الأفكار مع الملك
فيصل مستقبلاً. ووافق أيضاً على أسلوب تقوم فيه بريطانيا بدور الوسيط، لا دور الطرف
الأصيل.
فضل الشاه الصفقة الإجمالية لتحديد خط فاصل للخليج بكامله، رغم انه كان يدرك انه
ستكون هناك صعوبات مع العراق والكويت. لكنه استمر في الإصرار، ليس على المطالبات
الإيرانية بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى فحسب، وإنما على المطالبة بأبو موسى أيضاً،
علما انه وافق على خط فاصل يترك أبوموسى في الجانب العربي. واستمر أيضاً في معارضته
للدعم البريطاني لإقامة اتحاد مؤلف من تسع إمارات، وكان مصراً على إجراء استفتاء
عام بخصوص البحرين قبل ان يتخلى عن مطالبته بها.
أوضح رايت في تقاريره إلى وزارة الخارجية البريطانية أن إصرار الشاه على أبوموسى قد
يكون عبارة عن (ورقة مساومة). لكنه ذكر أيضاً ان الشاه لمح إلى أنه قد يضطر أخيراً
إلى احتلال الجزر حتى لو كان في ذلك مجازفة بنشوب حرب مع بريطانيا. وفي 4 حزيران/
يونيو بحث رايت الاقتراحات البريطانية مع وكيل وزارة الخارجية الإيرانية أمين خسرو
أفشار الذي استاء من الصفقة الإجمالية لأنها كانت تشمل العراق، وكان يفضل الصفقة
المحدودة. وأخبره رايت انه إذا أصر الشاه على أبوموسى فستكون التسوية المستندة إلى
الصفقة الإجمالية أمراً مستحيلاً.
في 6 حزيران/ يونيو نقل القائم بالأعمال البريطاني في جدة جيمس كريج James Craig
إلى وزارة الخارجية قلقه من ان الموقف البريطاني كان يهدف إلى (استرضاء) الشاه.
وأشار إلى ان الاقتراحات البريطانية صورت إيران بالفعل على أنها ستحصل على طنب
الكبرى وطنب الصغرى وإن لم تكن أبوموسى معهما، وتساءل عما إذا كان هناك المزيد من
التنازلات البريطانية، وسأل: (ألم نتنازل بالفعل عن جزء كبير من موقفنا؟). مع ذلك
أوعزت وزارة الخارجية إليه بعض هذه المقترحات على الملك فيصل، مع الحرص على التأكيد
بأن بريطانيا كانت تتصرف نيابة عن دول ذات سيادة، وأنها لا تملك الصلاحية لترويج
تلك المقترحات من دون موافقة هذه الدول المستقلة، وهي حجة لم تكن صريحة تماماً ما
دامت الإمارات المتصالحة لم تكن حتى تعلم بوجود هذه المقترحات. أضف إلى ذلك ان كريج
كان يلتمس رأي الملك فيصل في إجراء استفتاء عام حول البحرين ويريد ان يوضح أن
بريطانيا لم تكن ترى ان يتم استبعاد هذه الفكرة.
قام كريج – في اجتماع له بوزير الخارجية السعودي عمر السقاف في منتصف حزيران/ يونيو
– بنقل المقترحات البريطانية، قائلاً ان تلك المقترحات قد قدمت إلى الشاه، وطلب أن
يقوم الملك فيصل ببحثها مع الشاه. وأورد فكرة تخلي إيران عن البحرين مقابل جزر طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى باعتبار ان ذلك مقترح لتسوية ممكنة. غير ان كريج أوضح
أيضاً ان بريطانيا ستدعم حصول الحكام على (حقوقهم الكاملة).
عندما قرأ السفير رايت التقارير الخاصة بالاجتماعات المنعقدة بين كريج والسقاف أوضح
أنه يمكن تفسير عبارة (الحقوق الكاملة) بأن الحكام سيحتفظون الجزر جميعاً. وقال
أيضاً إن مقايضة البحرين بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى كانت فكرة قد رفضتها
بالفعل المذكرة البريطانية بتاريخ 21 أيار/ مايو، وبالتالي فإن رايت لم يذكرها
للشاه. بعد ذلك تلقى رايت تعليمات بإخبار السعوديين ان عبارة (الحقوق الكاملة) لم
تكن تعني عدم تقديم العرب تنازلات من طرفهم، وان خيار مقايضة البحرين بجزر طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى قد تم رفضه. وفي الوقت الذي وافق فيه الملك فيصل على
مسعى لإبرام تسوية شاملة وعلى بحث ذلك مع الشاه، قال أيضاً ان اتحاد جميع الإمارات
الواقعة تحت الحماية البريطانية كان شرطاً أساسياً لإجراء مفاوضات شاملة.
بعد ذلك أشار كروفورد إلى ان حكام الخليج إذا علموا بهذه المحادثات من خلال القنوات
السعودية، فقد يؤدي ذلك إلى حالات سوء تفاهم. وللتقليل من أية اضرار قد تنجم عن
تسريب السعوديين لهذه المعلومات إلى رأس الخيمة، نصح وزارة الخارجية البريطانية بأن
تبلغ السعوديين وجهة النظر البريطانية بشأن قوة الأسس القانونية لمطالبة رأس الخيمة
بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى والحاجة إلى التعويض إذا كان سيتم التخلي عنهما.
لكن وزارة الخارجية رفضت هذه النصيحة، وأفادت بأنه قد يكون هناك في الواقع فائدة
تكتيكية إذا ما سمع الحكام من خلال القنوات السعودية بأن هناك صيغة ما للتسوية قد
تكون ضرورية. وهكذا تم إبلاغ كروفورد بألا يطلع الحكام على المقترحات البريطانية
ومحادثات السفير رايت مع الشاه إلا إذا وصلتهم (نسخ محرفة) عنها.
في تلك الأثناء أطلع البريطانيون وزارة الخارجية الأمريكية على المقترحات
البريطانية وعلى اجتماع رايت مع الشاه. وطلب البريطانيون إلى الولايات المتحدة
الامريكية ان تشجع الشاه والملك فيصل على التعاون ضمن شروط عامة، لكن دون التوصية
بأية مقترحات، ووافقت الولايات المتحدة الاميريكية على ذلك. وفي 3 حزيران/ يونيو
اجتمع الشاه مع الملك فيصل في مطار جدة وهو في طريقه إلى الولايات المتحدة
الامريكية، مفتتحاً بذلك فصلاً جديداً في علاقاتهما بعد ان ألغى الشاه زيارته في
شباط/ فبراير إلى المملكة العربية السعودية.
برغم هذا كان واضحاً ان هناك خلافات مهمة بين الجانبين ما تزال موجودة. فقد أعلن
الملك فيصل دعم المملكة لقيام اتحاد بين الإمارات في 22 أيار/ مايو، في حين صرح
الشاه بمعارضته لذلك الاتحاد في 24أيار/ مايو. ولم يفلح اجتماعهما في 3 حزيران/
يونيو في حل الخلاف، ولم يقم الشاه حتى بإخبار الملك فيصل عن المقترحات البريطانية
المتعلقة بالخط الفاصل والجزر خلال اجتماعهما القصير. وبعد إطلاع كريج للملك فيصل
على التفاصيل في منتصف حزيران/ يونيو، أخبر الملك فيصل البريطانيين بأن إقامة اتحاد
فيدرالي يعد شرطاً أساسياً للمفاوضات وللصفقات التي اقترحتها بريطانيا، لكن وزارة
الخارجية الإيرانية عادت في 8 تموز/ يوليو إلى التعبير عن معارضتها لقيام الاتحاد.
وعلاوة على ذلك أوضح وزير الخارجية زاهدي أن الاعتراض الإيراني على الاتحاد لم يكن
مبنياً على مطالبة إيران بالبحرين فحسب، وإنما أيضاً على مطالبتها بجزر أخرى هي طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. ونتيجة لذلك بقي الخلاف الجوهري الرئيسي بين الأفكار
البريطانية والإيرانية فيما يتعلق بعقد صفقة إجمالية.
في أواخر حزيران/ يونيو 1968 أصدرت وزارة الخارجية البريطانية (مذكرة شاملة من
إعداد الدائرة العربية ودائرة الشرق: الجزر والخط الفاصل في الخليج الفارسي. وقد
تضمنت هذه المذكرة لمحة عامة موجزة، وتعليمات 30 أيار/ مايو إلى رايت، وعرض 21
أيار/ مايو للحلول الممكنة. وفي الوقت الذي أقرت فيه اللمحة العامة في البداية ان
(بريطانيا مسؤولة عن حماية الإمارات العربية الواقعة تحت الحماية وعن علاقاتها
الخارجية)، فإنها طرحت ان إيران كانت قلقة على أمنها بعد الانسحاب البريطاني، ولا
ثقة لها بالعرب لأن يقوموا بمقاومة الراديكالية والشيوعية، وقد واجهت معارضة داخلية
للتخلي عن المطالبات الإيرانية. وقد اعترفت بان الشاه فهم بصورة شخصية ان عليه ان
يتخلى عن المطالبة بالبحرين بطريقة فيها حفظ لماء وجهه، غير أنها ذكرت انه كان
عنيداً حيال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، ولعله لأسباب تكتيكية كان عنيداً أيضاً
حيال أبوموسى.
أقرت اللمحة أيضاً بأن بريطانيا كانت تعرف أن الشاه كان يفكر بالاسيتلاء على الجزر
قبل مغادرة البريطانيين، لا بعدها. كذلك نصت على ان الإمارات العربية الواقعة تحت
الحماية لم تكن قد اقتنعت بعد بالحاجة إلى الوحدة، ولا بإعادة النظر في مطالباتها،
وكانت ما تزال تعتمد على بريطانيا لكي تفرض حلاً. ومع ذلك فإنه يتعين على بريطانيا
ان تستمر في السعي إلى تشجيع عقد مفاوضات شاملة تؤدي إلى تسوية، وهذا أمر يتوقف على
الإمارات الساحلية وليس على بريطانيا. وقد شمل ذلك اتفاقاً سعودياً – إيرانياً، على
تسوية، على الرغم من وجود شكوك متبادلة وتحفظات بين هاتين الدولتين، واختتمت اللمحة
بالقول ان على بريطانيا ان تضع نصب عينيها إبرام صفقة إجمالية مخفضة.
في 1 تموز/ يوليو استعرض برينشلي، المسؤول في وزارة الخارجية البريطانية، المقترحات
البريطانية مع السفير آرام الذي كان يفضل الصفقة الإجمالية المخفضة من قطر إلى رأس
الخيمة. وفي 11 تموز/ يوليو قام وكيل وزارة الخارجية أفشار بإخبار رايت بأن جزيرة
أبوموسى هي المشكلة الرئيسية التي تعوق التوصل إلى اتفاق، وان إيران يمكنها ان
تتخلى عن البحرين بسهولة أكبر. وأصر رايت على أنه لا يمكن لبريطانيا ان توافق على
استيلاء إيران على جزيرة أبوموسى التي ستكون واقعة في الجانب العربي من الخط
الفاصل. وقال أن بريطانيا غير واثقة من قدرتها على إقناع رأس الخيمة بالتخلي عن طنب
الكبرى وطنب الصغرى، لكن سيكون هناك بعض المنطق على الاقل في هذا ما دامت جزيرتا
طنب الكبرى وطنب الصغرى ستقعان في الجانب الإيراني من الخط الفاصل. ونبه أفشار رايت
إلى ان الشاه لم يعجبه المقترح الخاص بتسوية قضية الجزر على اساس الخط البحري
الفاصل. أما بالنسبة لقضية الاتحاد الفيدرالي فقد قال أفشار ان إيران لن تشعر
بالقلق من قيام الاتحاد بعد تسوية قضية البحرين. لكن إيران ستظل تعارض الاتحاد إلى
ان تتم تلك التسوية.
في أواخر تموز/ يوليو أوردت صحيفة التاميز اللندنية تقريراً عن إمكانية تقديم عرض
بالاعتراف بمطالبات إيران بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وكذلك جزيرة أبوموسى، لكي
تتخلى إيران عن معارضتها لقيام اتحاد الإمارات العربية في الخليج ومطالبتها
بالبحرين. ونص التقرير على ان المملكة العربية السعودية ساندت هذه الفكرة. وكانت
وزارة الخارجية البريطانية قلقة من ان هذا الخبر سيجعل من الصعب على الملك فيصل ان
يتفاوض مع الشاه، وسيؤدي إلى مقاومة له من جانب حكام الإمارات المتصالحة. وهكذا
أنكرت وزارة الخارجية في مؤتمر صحفي عقدته أنها طرحت هذا الاقتراح. وفي الوقت نفسه
فإن وزارة الخارجية تجاوزت الحقيقة بادعائها القائل (لا يمكننا طرح أية مقترحات حول
أرض لا تعود إلينا ملكيتها، وبالتالي فإننا لم نفعل ذلك).
حين صدور هذه البيانات، اجتمع رايت مع وزير البلاط الإيراني أسد الله علم ليقترح
عقد اجتماع مع الشاه، وصرح بأن إصرار إيران على جزيرة أبوموسى سيبدد الآمال حول
التوصل إلى تسوية مستندة إلى صفقة إجمالية. وقد استبعد رايت تعليل أسد الله علم بأن
جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى كانت ذات أهمية استراتيجية أو أنها كانت مسألة
تتصل بهيبة إيران. لكن رايت اخبر علم بالفعل – كما أخبر أفشار من قبل، وكما أخبر
برينشلي آرام – ان الملك فيصل لم يستبعد فكرة التنازل لإيران عن جزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى، غير أن فكرته كانت تقضي بأن يتم ذلك في سياق اتحاد يضم تسع إمارات.
في 28 تموز/ يوليو قام كلارك T.J. Clark من مقر الوكيل السياسي البريطاني في دبي
بإخبار حاكم رأس الخيمة حول التقرير الذي نشرته صحيفة التايمز والإنكار البريطاني
بعد ذلك. وكان رد الحاكم هو ان أي قرار يعلق بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى عائد
إليه هو، ولي إلى أي اتحاد. وفهم كلارك المضمون، وهو ان طنب الكبرى وطنب الصغرى (لا
يمكن استخدامهما كعامل مساومة بهدف اعتراف غيران بدولة الإمارات العربية المتحدة
على ان تضم البحرين). وفي اليوم نفسه أفاد أنتوني بارسونز Anthony Parsons من مقر
الوكيل السياسي البريطاني في البحرين في تقرير له بأن رد فعل حاكم البحرين إزاء
مضمون التقرير تمثل في انه سيكون سعيداً بصفقة تحصل بموجبها إيران على جزر طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى مقابل تخلي الشاه عن مطالبته بالبحرين، وأن بإمكان
أعضاء الاتحاد ان يقنعوا حاكمي رأس الخيمة والشارقة بأن عليهما تقديم تضحيات لصالح
الاتحاد، وأنه يمكن للشاه ان يقلل من حجم التضحيات بدفع ثمن مقابل الجزر. وعندما
أوضح بارسونز ان رد الفعل هذا كان متوقعاً، كتب احد المسؤولين البريطانيين في
الهامش – بشعور ظاهر بالارتياح والرضى – ما يلي : (كان الخليج يتوقع منذ بضعة أشهر
ان أي فكرة تقتضي التفريط بذرة من الأرض العربية المقدسة ستجعل العالم العربي
بأجمعه يقف ضدنا، ابتداء بحكام الخليج الآخرين).
في 31 تموز/ يوليو كتبت وزارة الخارجية البريطانية إلى رايت تقول له إن عليه ان
يخبر الشاه بأن بريطانيا لا يمكن ان تنصح العرب بالتخلي عن أبوموسى، لكنها نبهته
إلى الآتي :
على اية حال لا نود ان يصل الأمر بك إلى حد إخبار الشاه بأن إصراره على الاستيلاء
على أبوموسى يقضي على أي فرصة للتفاوض من أجل تسوية، ما دام أساس الاسلوب الذي
تتبعه هو ان المشاكل الحالية يجب تسويتها من خلال المفاوضات بين الإيرانيين والعرب،
ونحن لا نريد ان يتمكن الشاه من الزعم بأننا نضع قيوداً أمام فرص التفاوض بينهم،
بغض النظر عن كوننا على استعداد لاستخدام مساعينا الحميدة مع العرب.
وعلاوة على ما سبق، فقد قيل لرايت إن بإمكانه أن يتطوع بالتوضيح للشاه بأنه إذا تم
إبرام معاهدة صداقة بين بريطانيا والاتحاد فإنها لن تتضمن أية التزامات بالحماية
البريطانية للاتحاد. لكن الاجتماع بين رايت والشاه في 5 آب/ أغسطس انتهى إلى طريق
مسدود. وقد كتب رايت يقول :
لم يتقبل أياً من المقترحات التي طرحتها عليه، ولم يبد تنازلاً بخصوص موضوع الجزر
وأصر على ان يكون هناك استفتاء شعبي في البحرين قبل ان يتخلى عن المطالبة الإيرانية
بها. ولم يتأثر بقولي ان اختبار رأي شعب لم يصوت في حياته بهذه الطريقة كان أمراً
غير عملي، وسيكون على أية حال غير مقبول لدى الحاكم.
ومن الواضح ان الشاه كان يصر على المطالبة بجزيرة أبوموسى وكذلك طنب الكبرى وطنب
الصغرى.
خلال فصلي الصيف والخريف، وجه الشاه الدعوة إلى عدد من شيوخ الساحل المتصالح وكذلك
قطر لزيارة طهران لمناقشة مستقبل الخليج. ولم تكن المفاوضات شاملة كما كانت البحرين
تأمل، غير انها كانت على الأقل من نوع المناقشات المباشرة التي يرغب فيها
البريطانيون. وقبل زيارة حاكم رأس الخيمة لطهران في الفترة 15-22 آب/ أغسطس، نصحه
كلارك بألا يبرم اتفاقاً قبل التشاور مع بريطانيا، ونبهه إلى ان الشاه سيعارض أي
مقترح لتأجير الجزر، لان ذلك سيعني ضمناً ان ملكيتها لا تعود إلى إيران. وسأل كلارك
عما إذا كان الشيخ صقر سيدرس التخلي عن طنب الكبرى وطنب الصغرى مقابل اعتراف إيراني
باتحاد يضم البحرين، فأجاب الشيخ صقر: لا. وفي أثناء المحادثات في طهران طرح الشاه
ومسؤولوه عرضاً بدفع تعويضات لرأس الخيمة مقابل استعمال إيران لجزيرتي طنب الكبرى
وطنب الصغرى، دون إثارة لموضوع السيادة، وعبر الشيخ صقر عن استعداده لدراسة هذا
العرض.
صدرت مذكرة من وزارة الخارجية البريطانية في 10 أيلول/ سبتمبر اعتبرت تلك الزيارة
الخطوة الأولى للتفاوض حول طنب الكبرى وطنب الصغرى. وعليه فقد أوصت بقبول نصيحة
السفير رايت والمقيم السياسي البريطاني بالوكالة في البحرين مايكل وير Michael Wair
بأن تشجيع بريطانيا كلتا الدولتين على متابعة المفاوضات المباشرة حول طنب الكبرى
وطنب الصغرى دون مشاركة مباشرة منها، حتى لو قوضت أية فرصة مستقبلية للحصول على
موافقة إيرانية على صفقة إجمالية تحافظ على سيادة الشارقة على جزيرة أبوموسى. من
المفترض أن توصية رايت وموافقة وزير الخارجية البريطاني ستيوارت بعد ذلك على قيام
كل من رايت ووير بتشجيع المفاوضات الثنائية بين إيران ورأس الخيمة للتوصل إلى اتفاق
ثنائي بين الطرفين، قد جاءتا في ضوء رفض الشاه في 5 آب/ أغسطس لمقترحات رايت
المتعلقة بالصفقات الإجمالية لترك أبوموسى للشارقة. وبالإضافة إلى ذلك فقد أوضح
رايت في مقابلة أجراها المؤلف معه في تموز/ يوليو 1999 أن بريطانيا قد قررت في هذا
الخصوص أيضاً ألا تربط البحرين بقضية الجزر.
في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، أوضح رايت لأفشار أنه ينبغي ألا تقدم إيران على أي
تصرف يتعلق بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى إلا باتفاق مكتوب مع رأس الخيمة. وفي
الوقت نفسه علم البريطانيون ان إيران قد قدمت وثيقة جديدة إلى الشيخ صقر، تؤكد فيها
السيادة الإيرانية على الجزيرتين، وأن الشيخ صقر رفض التوقيع عليها، وأنه يدرس
إرسال مسودة مضادة تؤكد سيادة رأس الخيمة وتعرض على إيران توقيع عقد إيجار. واستطاع
الوكيل السياسي البريطاني في دبي جوليان بولارد Julian Bullard ان يقنع الشيخ صقر
بعدم التطرف إلى سيادة رأس الخيمة في وثيقته المضادة.
وقد نصح رايت إيران أيضاً بإيجاد صيغة لا تتضمن ضغطاً على الشيخ صقر للاعتراف
بالسيادة الإيرانية على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. لكن عندما حمل ولي عهد رأس
الخيمة الشيخ خالد بن صقر وثيقة رأس الخيمة المضادة إلى إيران في أواخر تشرين
الأول/ أكتوبر، طلب مسؤولو جهاز السافاك الإيراني إليه ان يوقع على الوثيقة
الإيرانية، قائلين له إن إيران توصلت إلى اتفاقية مع بريطانيا والمملكة العربية
السعودية على خط فاصل يجعل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في الجانب الإيراني. ونصح
رايت إيران بعدم الضغط على رأس الخيمة، وقال لهم ان من حق رأس الخيمة التمسك
بسيادتها، وأنه ينبغي لإيران ان تستخدم الجزرة وليس العصا لإقناع رأس الخيمة. وكان
جواب بولارد للشيخ صقر ان بريطانيا لم تتوصل إلى اتفاقية مع إيران على الخط الفاصل
والجزر، وان بريطانيا ما زالت تعترف بسيادة رأس الخيمة على الجزر.
وبينما كان صحيحاً ان بريطانيا لم تتوصل بالفعل إلى اتفاقية مع إيران حول خط فاصل
حول الجزر، فإنها كانت قد اقترحت على إيران صفقة إجمالية تتضمن اتفاقية خط فاصل
تمنح أبوموسى للعرب وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لإيران، مع دفع تعويضات إلى رأس
الخيمة. كذلك طرحت بريطانيا هذا الاقتراح على السعوديين وطلبت موافقة كل من الشاه
والملك فيصل على ان يبحثا ذلك وحصلت على هذه الموافقة. ولم يكشف البريطانيون لرأس
الخيمة عن انه قد تم بحث مثل هذا الاقتراح الإجمالي، وبذلك تركوا رأس الخيمة غير
مدركة للدور الذي كانت بريطانيا تلعبه وراء الكواليس.
وبالفعل فعندما قام الشاه بزيارة المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني/
نوفمبر، في أعقاب توقيع الاتفاقية السعودية – الإيرانية بشان الخط الفاصل في 24
تشرين الاول/ أكتوبر، أصدرت وزارة الخارجية البريطانية تعليمات إلى سفارتها في
الرياض لكي تطلب إلى السعوديين ان يقترحوا على الشاه خطا فاصلا بين إيران والإمارات
المتصالحة ترتكز على السواحل القارية بوصفها خط الأساس. ولكيلا تتسرب إلى رأس
الخيمة معلومات عن ان ذلك سيجعل صري وطنب الكبرى وطنب الصغرى في الجانب الإيراني،
والبحرين وابوموسى في الجانب العربي، تم نقل (المضامين) المتعلقة بالجزر شفوياً
بدلاً من نقلها كتابياً. وقد علق كروفورد بان بريطانيا قد تجد نفسها (في وضع خادع
جداً) مع رأس الخيمة، وأوصت بان يكون الملك فيصل لا البريطانيون من ينبغي ان يقنع
رأس الخيمة بقبول مثل هذه الصفقة الإجمالية.
في كانون الاول/ ديسمبر 1968 أوحى السفير البريطاني رايت لعباس مسعودي، عضو مجلس
الشيوخ الإيراني والصديق الحميم للشاه، بأن الأمم المتحدة قد تستطلع الرأي العام في
البحرين كبديل لإجراء استفتاء عام. وبعد ذلك بيومين قام مسعودي بإخبار رايت بأن هذه
الفكرة الجديدة قد راقت للشاه. بعد ذلك أصدرت وزارة الخارجية البريطانية لرايت
توجيهات بأن يعرض هذه الفكرة رسمياً على الشاه، وقام بعرضها عليه عشية عيد الميلاد.
وتجاوب الشاه مع الفكرة من جديد، غير انه قال إن تحضير الرأي العام الإيراني
لقبولها سيستغرق بعض الوقت.
وقد ذكر رايت بأنه لذلك لم يفاجأ عندما أعلن الشاه في 5 كانون الثاني/ يناير 1969
على الملأ بأنه لن يستخدم القوة للمطالبة بالبحرين، وأنه سيقبل إرادة سكان الجزيرة
إذا كانت تلك الإرادة سيعترف بها دولياً. ولا شك في ان فكرة رايت الجديدة وجدت صدى
لها لدى الشاه. لكن الشاه أيضاً لابد أنه فكر بعد زيارتيه الرسميتين في تشرين
الثاني/ نوفمبر إلى المملكة العربية السعودية والكويت بأنه سيحصل على مزيد من الدعم
من هاتين الدولتين ومن بريطانيا، حتى في حال استيلائه على طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى، إذا ما عبر علانية عن استعداده للتخلي عن مطالبته بالبحرين.
وهكذا مع نهاية عام 1968 وبداية عام 1969، اقترح البريطانيون على الشاه عقد مفاوضات
مباشرة مع العرب وصفقة إجمالية. وكان البريطانيون قد اقترحوا على حاكم رأس الخيمة
المفاوضات المباشرة مع الشاه، لكنهم لم يكشفوا عن المقترحات المتعلقة بالصفقات
الإجمالية. وبعد ان عبر الشاه في البداية عن اهتمامه بالعرض البريطاني عاد ورفضه،
لان النزاع الرئيسي كان حول أبوموسى. ثم شرع الشاه وعدد من الزعماء العرب في
مفاوضات ثنائية مباشرة، عقد الشاه في أثنائها محادثات مشجعة نوعا ما مع حاكم رأس
الخيمة حول التعويض عن طنب الكبرى وطنب الصغرى، وتوصل إلى اتفاق حول الخط الفاصل مع
الملك فيصل.
بعد ذلك قرر البريطانيون تأييد استمرار المفاوضات الثنائية المباشرة بين رأس الخيمة
وإيران، حتى لو قرض ذلك الفرص الضعيفة على ما يظهر أمام عقد صفقة إجمالية تشمل ترك
أبوموسى للشارقة. لكن المفاوضات بين رأس الخيمة وإيران ما لبثت ان وصلت إلى طريق
مسدود. ونتيجة لذلك ناشد البريطانيون المملكة العربية السعودية للمساعدة على إقناع
إيران بالموافقة على اتفاقية خط فاصل تمنح طنب الكبرى وطنب الصغرى لإيران، وتترك
أبوموسى للعرب، وإقناع رأس الخيمة بقبول ذلك، وهذا في جوهره إحياء لفكرة الصفقة
الإجمالية. ثم أوضح الشاه علناً استعداده للتخلي عن البحرين، وكان ذلك تنازلاً
رئيسياً توقعه البريطانيون منه بصفقة إجمالية أو بدونها.
في شباط/ فبراير 1969 أوضح البريطانيون للشاه أنهم حاولوا إقناع رأس الخيمة بالتوصل
إلى اتفاق مع إيران حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وهو التنازل الرئيسي الذي
توقعه البريطانيون من العرب بصفقة إجمالية أو بدونها، بل ربما نقلوا فكرة مفادها أن
رأس الخيمة ستوافق. لكن إيران ما لبثت ان أوضحت أنها لن تعقد أية صفقة حول البحرين
ما لم تحصل على أبوموسى أيضاً. وبالتدريج أصبح الشاه غاضباً من بريطانيا التي لم
تكن تروج للصفقة الإجمالية التي كانت إيران ترغب فيها، برغم مرونة الشاه العلنية
حول موضوع البحرين. وهكذا زاد من الضغط على بريطانيا. وحتى هذه المرحلة كانت
بريطانيا تمتنع عن التنازل عن أبوموسى لإيران. لكن البريطانيين اقترحوا في نيسان/
إبريل ان تشارك الشارقة أيضاً في محادثات مباشرة مع إيران، وبحلول تموز/ يوليو قدم
البريطانيون للشاه تطمينات بأنهم كانوا يسعون أيضاً إلى إقناع الشارقة بالتوصل إلى
اتفاقية مع إيران حول أبوموسى.