الصفحة الرئيسية
خارطة الإمارات
خرائط الجزر
صور تاريخية للجزر
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 4
عدد المقالات : 55
عدد زوار المقالات : 43233
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » المخاوف الدولية » الفصل العاشر - المجتمع الدولي ونزاع الجزر في السبعينيات
تاريخ الإضافة :: 28/02/2007   ||   عدد الزوار :: 528

الفصل العاشر - المجتمع الدولي ونزاع الجزر في السبعينيات


في 18 حزيران/ يونيو 1970، عندما فاز المحافظون بالسلطة في المملكة المتحدة استمروا في انتقاد قرار حزب العمال الانسحاب من الخليج، كما فعلوا وهم في المعارضة وفي أثناء الحملة الانتخابية أيضاً. فقد أخبر وزير الخارجية الجديد السير أليك دوجلاس هيوم مجلس العموم في 6 تموز/ يوليو بأن بريطانيا يمكن أن تحتفظ بوحدات صغيرة وقواعد صيانة في الخليج، وأن تساعد على تسوية العديد من النزاعات التي قال ان قرار الحكومة العمالية قد أطلق لها العنان، وان تتشاور مع قادة الخليج حول كيفية المساهمة في الاستقرار في المنطقة، ولكنه لم يعد بالرجوع عن قرار حزب العمال ذاك.
في 10 تموز/ يوليو أجرى دوجلاس هيوم مشاورات مع الشاه الذي قام بالفعل بدعوة حكومة المحافظين، التي كان يرأسها إدوارد هيث، إلى تنفيذ قرار الانسحاب. وقد كتب أسدالله علم يقول : إن الشاه (سُرَّ) بذلك الاجتماع. وبالفعل فإن دنيس رايت أشار بعد ذلك الاجتماع إلى ان دوجلاس هيوم (عاد وهو يشعر – على ما أظن – بان حكومة جلالتها يجب ان تفعل أكثر مما فعلته حتى ذلك الوقت للضغط على الشيوخ من أجل الجزر). كما كتب أيضاً :
طرت عائداً إلى طهران في اليوم التالي وأنا أشعر أن رحلتي كانت جديرة بالعناء، وأن وزارة الخارجية البريطانية كانت تسلك (أسلوباً عقلانياً) بشأن الخليج (أي بشأن الحاجة إلى الانسحاب وإلى تمكين الشاه من الجزر)، علماً أنني أشك فيما إذا كان المسؤولون (البريطانيون) المعنيون بالمصالح العربية يشاطرونني الرأي.

والواقع أنه حتى كروفورد – الذي احتج على قرار الانسحاب عام 1968- وبقية المسؤولين البريطانيين في العواصم العربية اتفقوا مع دنيس رايت والعديد من مسؤولي وزارة الخارجية البريطانية في لندن على ان عملية الانسحاب قد قطعت شوطاً بعيداً يجعل من المستحيل الرجوع عنها. أضف إلى ذلك أن إيران والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت قالت جميعاً في الأسابيع التي تلت ذلك إنها تريد انسحاب البريطانيين، علما أن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي قال إن الإمارات الأصغر حجماً كانت جمعها ترغب في ان يبقى البريطانيون.
لقد ثبت مع مرور الوقت ان سياسية المحافظين إزاء الانسحاب – وحيال قيام الاتحاد أيضاً – لا تختلف عن سياسة حزب العمال، في حين ان سياستهم إزاء جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى لم تكن أكثر تلبية للمطالب الإيرانية من سياسة العماليين، علاوة على ان المحافظين يتلقون دعماً لسياستهم حيال الجزر الثلاث من وزارة الخارجية الأمريكية.
في أواخر تموز/ يوليو 1970، قام دوجلاس هيوم بتكليف حاكم عدن السابق والمقيم السياسي في الخليج لاحقاً السير وليم لوس بالتشاور مع حكام الخليج ورفع تقرير حول خيارات بريطانيا في الخليج. وقد نشر لوس وجهات نظره حول موضوع دور بريطانيا في الخليج بعد تقاعده عام 1966، وذلك قبل صدور قرار الحكومة العمالية عام 1968 بالانسحاب من الخليج بوقت غير قليل. كما كتب عام 1967 ان بريطانيا تهتم باستمرار بحفظ السلم والأمن في الخليج الذي ينطوي بطبيعته على عدم الاستقرار، ويعود ذلك بصورة خاصة إلى أهمية نفطه لدى الغرب. وحسب رأي لوس لم تكن هناك قوة خليجية واحدة تنظر بعين المودة إلى المصالح النفطية الغربية يمكن ان تملأ الفراغ الذي سيخلفه انسحاب بريطاني مبكر. كما كان من المهم – في رأيه – إبرام اتفاقية سعودية – إيرانية حول عدم انتهاك حرمة أراضي دول الخليج، وإقامة اتحاد الإمارات الصغيرة بقيادة المملكة العربية السعودية، وعقد مصالحة بين المملكة العربية السعودية وعُمان.
وعلى الرغم من ان لوس كان يرى ان ينبغي ألا يتم تحديد وقت الانسحاب البريطاني النهائي بصورة انفرادية أو اعتباطية، فإنه اعترف بأنه سيكون على بريطانيا ان تنسحب في نهاية المطاف. وبالتالي فقد أكد انه ينبغي لبريطانيا ان تكافح (لكي تنهي بصورة مشرفة علاقتنا الخاصة القائمة على معاهدة مع إمارات الخليج، وتنسحب من دون تعريض سلم المنطقة واستقرارها للخطر). وبعد ذلك بعامين – وذلك في تشرين الاول/ أكتوبر 1969 – عقب قرار الحكومة العمالية بالانسحاب، قال إن أي تردد في الانسحاب في الموعد المقرر سيضعف حافز الإمارات نحو إقامة اتحاد. لكنه حذر من ذلك من ترك المنطقة (مفتوحة على مصراعيها أمام النفوذ الروسي دون مقاومة)، ونادى بالتالي بتقديم طمأنات بدعم قيام اتحاد عربي ونشر قوة بحرية بريطانية في المحيط الهندي بحيث تقوم بزيارات متكررة إلى الخليج.
لدى مغادرة لوس الخليج في 19 آب/ أغسطس 1970، قال إنه سيجري (محادثات واسعة النطاق مع زعماء الخليج حول أفضل الترتيبات الامنية المقبولة على نحو متبادل لأجل المنطقة). وعلم في تلك المحادثات ان المملكة العربية السعودية والكويت وقطر وعُمان والعراق ومصر في عهد عبد الناصر كانت تريد من بريطانيا ان تنسحب في الموعد المقرر، لكن معظم الإمارات الصغيرة كانت ترغب في بقاء بريطانيا. وسمع أيضاً بوجود تأييد عام بين تلك الدول لقيام اتحاد من تسع إمارات، على الرغم من إفصاح البحرين عن رغبتها في الاستقلال.
ركز لوس ايضاً على قضية الجزر. وحينما اجتمع مع الملك فيصل في 22 آب/ أغسطس أوضح ان (حكومة جلالتها كانت تقترح ان يقوم حاكم رأس الخيمة بالتوصل إلى اتفاقية مع الإيرانيين على إقامة حامية إيرانية في طنب الكبرى وطنب الصغرى، على أن تتضمن مقدمة الاتفاقية صيغة تنص على عدم الإجحاف بوجهات نظر الأطراف فيما يتعلق بالسيادة على الجزر). وقال لوس لكمال أدهم في وقت آخر من ذلك اليوم إنه (أصيب بخيبة أمل) من رفض الملك فيصل لهذه الأفكار، وان بريطانيا (مقتنعة) بان الشاه (لم يهتز تصميمه على ان ينال ما يرضيه عاجلاً).
بحث لوس هذا المقترح أيضاً في الاسابيع التالية مع ولي عهد الكويت الشيخ جابر وأمير البحرين الشيخ عيسى وحاكم أبوظبي الشيخ زايد وحاكم دبي الشيخ راشد وحاكم الشارقة الشيخ خالد وحاكم رأس الخيمة الشيخ صقر. وأكد لوس للشيخ صقر ان صيغة (عدم الإجحاف ستسمح بعدم المساس بمسألة السيادة، أي ان كلا الطرفين سيستمر – كما فعل الآن – في ادعاء السيادة على طنب الكبرى وطنب الصغرى). وتشكك لوس في ان يكون الشاه على استعداد لطلب إذن كتاب بإقامة حامية في طنب الكبرى وطنب الصغرى، كما كان الشيخ صقر يريده ان يفعل، وأكد أن (إدراج عبارة – من دون إجحاف – ستضمن مطالبة رأس الخيمة بالسيادة. وسوف تسهم فكرة توقيع إيران على اتفاقية إلى حد ما في تعزيز موقف رأس الخيمة). وأخيراً طلب إلى رأس الخيمة ان تدرس عقد صفقة إجمالية بصيغة (من دون إجحاف).
في منتصف أيلول/ سبتمبر اجتمع لوس مع الشاه ورئيس الوزراء أمير عباس هويدا ووزير الخارجية أردشير زاهدي. وأخبر زاهدي المراسلين الصحفيين ان إيران قد جددت تأكيد معارضتها لأي وجود عسكري بريطاني في الخليج بعد عام 1971. ويضيف دنكان سليتر Duncan Slater، مساعد لوس، القول ان الشاه قال أيضاً إنه لا يمكن ان يكون ثمة اتحاد إلى ان يتم إرضاؤه بشأن الجزر. وقبل مغادرة لوس طهران متجهاً إلى القاهرة في 22 أيلول/سبتمبر قال ان بريطانيا لم تكن مصرة على إقامة الاتحاد كشرط لسحب القوات البريطانية، بل إنها كانت (تسعى بشدة حقاًً) للإسراع بتشكيله. وقد اختتام لوس جولته في الخليج، تقدم بتوصية أولية لانسحاب مجدول ووضع قوة بحرية في الجوار، وهو أساساً ما دافع عنه قبل ذلك في كتاباته التي نشرها.
بعد عودة لوس إلى لندن وإصداره تقريراً حول مهمته، أكد وزير الخارجية دوجلاس هيوم للمسؤولين الإيرانيين والأمريكيين أهمية وجود دور سعودي في حل قضية الجزر. وبعد ان اجتمع دوجلاس هيوم بزاهدي في نيويورك في 25 أيلول/ سبتمبر، تساءل عما إذا كان الملك فيصل (ما يزال غير مستعد للتوصية بأن يتوصل الحاكمان إلى اتفاق مع إيران)، فأجاب زاهدي بأن الملك فيصل وأمير الكويت كانا قد قالا ان القضية لم تكن تشكل أهمية بالنسبة إليهما. وفي 17 تشرين الاول/ أكتوبر قال دوجلاس هيوم لعضو مجلس الشيوخ الإيراني وصديق الشاه الحميم عباس مسعودي إنه (ستزول إحدى المصاعب الرئيسية إذا ما قام الملك فيصل بإخبار الحاكمين بضرورة إحراز تقدم)، فبريطانيا كانت (تفعل ما باستطاعتها، غير ان الحاكمين يهمهما الرأي العربي ... ويمكن التوصل إلى اتفاقية بمساعدة الملك فيصل. ويمكنه تحقيق ذلك لو أراد). وهكذا أخبر دوجلاس هيوم في 20 تشرين الأول/ أكتوبر وزير الخارجية الامريكي وليم روجرز ومساعد وزير الخارجية جوزيف سيسكو الآتي :
المشكلة الرئيسية (أمام تحقيق اتحاد من تسع إمارات) هو ان الملك فيصل لن يستعمل نفوذه للتشجيع على ذلك، أو لإقناع المشيختين بالتوصل إلى تسوية معقولة حول جزر الخليج. وان أي شيء تستطيع الحكومة الأمريكية فعله بلباقة لإقناع الملك فيصل بأداء دور مساعد سيكون أمراً مفيداً . لقد كان إيجاد حل لمشكلة الجزر المفتاح لضمان دعم إيراني لقياد دولة الإمارات العربية المتحدة.

وعلاوة على ما سبق، فعندما قام رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث بزيارة الأمم المتحدة في الفترة 19-24 تشرين الاول/ أكتوبر، نصح إيران ان تستمر في حث المملكة العربية السعودية وغيرها من الأصدقاء العرب، وربما النظام الجديد في مصر بعد وفاة عبد الناصر، على ان يشجعوا رأس الخيمة والشارقة على التوصل إلى اتفاق مع إيران حول الجزر على أساس وجود حاميات عربية/ إيرانية في الجزر، مع ترك مسألة السيادة معلقة.
في تلك الأثناء قام لوس بزيارة الخليج مرة أخرى في الفترة 13-19 تشرين الاول/ أكتوبر لإجراء محادثات في البحرين والكويت وقطر. وكان هدفه الرئيسي من تلك الزيارة التشجيع على قيام اتحاد من تسع إمارات، لكنه لمخ يحقق النجاح في هذا الأمر لأسباب عدة : فأولاً، كانت قطر تعارض إدخال البحرين في الاتحاد. وثانياً، أوضحت اجتماعاته في البحرين ان البحرين نفسها كانت حريصة على الاستقلال. وفي تلك الآونة أخطرت إيران بريطانيا والإمارات رسمياً أنها لن تعترف بالاتحاد أو تؤيده ما لم تحصل على الجزر. وبعد ذلك عبر مسؤول بريطاني للقنصل الامريكي في الظهران عن تشاؤمه بشأن قيام اتحاد يضم الإمارات التسع.
في أواخر أيلول/ سبتمبر بّذلت جهود بريطانية قام بها السير جاوين بيل Gawain Bell للوساطة في النزاع حول عمليات التنقيب عن النفط في مياه أبوموسى الإقليمية، لم تثمر تلك الجهود عن أية نتائج. وعلى مدى الشهور التي تلت ذلك بقيت وزارة الخارجية الأمريكية تلزم جانب الحياد في هذا النزاع الذي شمل شركتين امريكيتين هما شركة أوكسدينتال بتروليوم وشركة بيوتس غاز آند أويل، وأذعنت للوساطة البريطانية في النزاع. ففي أواخر تشرين الاول/ أكتوبر مثلاً رفضت وزارة الخارجية الامريكية طلباً من مندوبي شركة بيوتس لإقناع بريطانيا بالخضوع لمسألة التحكيم الملزم.
تأثرت وزارة الخارجية الأمريكية جزئياً بموقف إيران من القضية، وأوعزت إلى مندوبي شركة بيوتس بأن مسؤولاً من وزارة الخارجية الامريكية قد قيل له في طهران ان إيران أكدت بجلاء سيادتها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وإن من الضروري لإيران ان تسيطر على هذه الجزر، علماً أن إيران ستكون كريمة مع الحاكمين، ومرنة فيما يتعلق بشكليات السيطرة، وستترك مسألة السيادة (مبهمة). ولم يقرر دوجلاس هيوم إلا في نيسان/ إبريل 1971 ان وساطة السير جاوين بيل قد أخذت مجراها الطبيعي، وأوصى بالتحكيم إزاء المطالبات المتنازع حولها بين الشارقة وأم القيوين (وعجمان).
استجابت وزارة الخارجية الامريكية للطلبات البريطانية والإيرانية ودعمت جهودهما لإقناع رأس الخيمة والشارقة بالتوصل إلى اتفاق مع إيران حول الجزر، وخاصة بطلب المساعدة من المملكة العربية السعودية. وفي 23 تشرين الأول/ أكتوبر قامت السفارة الأمريكية في طهران بتزويد وزارة الخارجية بمذكرة استناداً إلى تقرير قدمه وكيل وزارة الخارجية الإيرانية عباس علي خلعتبري عن اجتماع جرى في جنيف في 17 تشرين الاول/ أكتوبر بين وزير الخارجية الإيراني زاهدي والعاهل السعودي الملك فيصل، حيث زعم خلعتبري ان الملك فيصل قال ان نزاع الجزر (ليس من شأنه). وقالت المذكرة : (فيما يتعلق بطلب خلعتبري إلى السفير - دوجلاس- ماك آرثر – الثاني – أن ترسل الحكومة الأمريكية مبعوثاً إلى فيصل دعماً لجهود زاهدي – المرجع أ - ، فقد أخبرته انه في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومة الأمريكية اتخاذ الترتيبات اللازمة لإرسال مثل هذا الشخص، فقد نقل السفير ثاتشر Thacher إلى وزارة الخارجية السعودية الاهتمام الأمريكي القوي في التعاون السعودي – الإيراني في الخليج وطلب أن يتم إعلام فيصل بوجهات نظرنا – المرجع ب-).
في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، أي بعد ستة أيام من طلب دوجلاس هيوم مساعدة الولايات المتحدة الامريكية لدى المملكة العربية السعودية، سأل مساعد وزير الخارجية الأمريكي جوزيف سيسكو وزير الخارجية السعودي بالوكالة عمر السقاف عما إذا كان بإمكان المملكة العربية السعودية تشجيع حاكمي الشارقة ورأس الخيمة للتوصل إلى ترتيب مع إيران. وكما ورد آنفاً، أجاب السقاف أنه ليس بإمكان المملكة العربية السعودية ان تفعل ذلك، لأن ذلك سيكون معناه أنها تدعم المساومة على حقوق العرب في الجزر.
قام البريطانيون أيضاً بإطلاع الأمريكيين على الجهود البريطانية المستمرة في هذا الشأن. وفي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، حملت برقية من وزارة الخارجية القول ان المقيم السياسي البريطاني الجديد السير جفري آرثر الذي حل محل كروفورد في تشرين الأول/ أكتوبر، كان قد حث حاكمي رأس الخيمة والشارقة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر على التسوية الفورية لنزاع جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى مع إيران. وقام آرثر بإخبار الشيخ صقر حاكم رأس الخيمة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر أنه إذا لم يتم حل قضية طنب الكبرى وطنب الصغرى، فلن يكون هناك اتحاد الإمارات العربية، وسوف تستولي إيران على الجزيرتين عندما تنسحب بريطانيا، ولا يمكن لرأس الخيمة ان تتوقع مساعدة من بريطانيا أو من أي جهة أخرى، وأنه (لم يعد بإمكان صقر النظر في المطالبة الإيراني على أسس تاريخية أو قانونية، بل غدت مشكلة سياسية تتطلب حلاً عاجلاً). وكان فحوى الرسالة البريطانية إلى صقر هو ان حقوق رأس الخيمة التاريخية والقانونية لم تكن لتمنع بريطانيا من الضغط على رأس الخيمة لإرضاء إيران. ولعل آرثر قدم الرأي ذاته لحاكم الشارقة. وبالفعل نقلت صحيفتا الرأي العام وكيهان إنترناشونال في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر ان إيران ستستخدم القوة للاستيلاء على الجزر إذا لم تتم تلبية مطالبها. ونقلت كيهان إنترناشونال ان الشاه أبلغ هذا التحذير للشارقة ورأس الخيمة على حد سواء عن طريق بريطانيا والمملكة العربية السعودية.
كان (الحل الذي اقترحته إيران، وبدا أن بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية تقبلان به في ذلك الوقت، هو إقامة حامية إيرانية على الجزر، وتعويض رأس الخيمة والشارقة، و (التعتيم) على قضية السيادة. لكن ذلك لم يمنع الوكيل السياسي البريطاني في دبي جوليان بولارد من ان يكتب إلى حاكم الشارقة الشيخ خالد في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 ما يلي : (ترى حكومة صاحبة الجلالة ان السيادة على أبوموسى منوطة بالشارقة وليس بأي دولة أخرى).
قال السير وليم لوس أيضاً في الوقت نفسه ما يلي : (إن الحكومة البريطانية لم تستول على أبوموسى من الإيرانيين وتسلمها إلى الشارقة وقت دخولها إلى الخليج. لقد اعتبرت الحكومة البريطانية – منذ دخولها منطقة الخليج – أبوموسى عربية، وحسب الوثائق القديمة الموجودة في عهدة الحكومة البريطانية كانت الجزيرة عربية).
في تشرين الثاني/ نوفمبر اشترك البريطانيون في مناورات بحرية مع الولايات المتحدة الامريكية وإيران في شمال خليج عُمان. وقد أظهرت هذه المناورات الاهتمام الامريكي بالخليج، ولا سيما في ضوء الزيارات السوفيتية المتكررة إلى المنطقة. كما أبرزت أيضاً الفكرة البريطانية والأمريكية بأن إيران هي القوة الإقليمية الأفضل قدرة على لعب دور دفاعي إقليمي. والملحوظ ان إيران ذاتها شاركت في الشهر نفسه في مناورات بحرية وجوية وبرية قرب جزيرة فرور إلى الغرب من طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، مما يؤكد تصميمها على لعب ذلك الدور. كما قررت الولايات المتحدة الامريكية أيضاً في تشرين الثاني/ نوفمبر أنها ستحتفظ بقوة صغيرة في البحرين، هي (قوة الشرق الأوسط).
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر أيضاً، وفي أثناء المحادثات الأنجلو- أمريكية حول الشرق الاوسط في واشنطن، عبر مساعد وزير الخارجية الأمريكي سيسكو عن دعمه للجهود البريطانية للتشجيع على إقامة اتحاد من تسع إمارات وحل المشكلات العالقة في الخليج، ووعد بالدعم الامريكي لإيران. وطلب السفير البريطاني في دولة الكويت من الأخيرة السعي إلى إقناع رأس الخيمة والشارقة بالتوصل إلى اتفاق مع إيران حول الجزر : (لقد أكدت بصورة خاصة الخطر المتمثل في ان تحول إيران دون حدوث أية تحركات نحو الاتحاد إذا لم تتم تسوية هذه المشكلة. كما أكدت أيضاً ان موضوع نقل السيادة لم يتم طرحه).
في الوقت نفسه كان البريطانيون يأملون في ان توفر المحادثات البريطانية – السعودية في لندن في كانون الاول/ ديسمبر (فرصة ممتازة ... لإيضاح المشكلات المتعلقة بتشكيل الاتحاد وبنزاع الجزر، وإظهار ان السياسات السعودية المتعلقة بكلتا القضيتين عامل مهم في تفادي عدم الاستقرار الذي يقول الملك فيصل إنه يخشاه). التقى دوجلاس هيوم الامير السعودي فهد بن عبد العزيز قبل تلك المحادثات وعبر عن الأمل في (أن تساند المملكة العربية السعودية بفاعلية قيام اتحاد من تسع إمارات، وتتعاون بالمساعدة على حل مشكلات الخليج لصالح تحقيق الاستقرار والسلم الذي كان يرى أنها شريكة فيه). وافق السقاف على إدراج قضية الجزر على جدول أعمال المحادثات البريطانية – السعودية، غير انه قال إنه لم يطرأ تغير في الموقف السعودي إزاء هذه القضية، واشار إلى ان الشاغل الرئيسي بالنسبة للسعوديين يتمثل في قيام اتحاد الإمارات. وفي الوقت نفسه قال دنيس رايت للشاه ولاسد الله علم ان السعوديين والكويتيين سيساعدوننا على حل قضية الجزر، ولن تكون هذه القضية موضوع البحث الرئيسي في المحادثات البريطانية – السعودية. وعندما عقدت هذه المحادثات في الفترة 8-14 كانون الاول/ ديسمبر، وافق السعوديون على أهمية إقامة اتحاد، غير انهم شددوا على مطالباتهم الخاصة بالحدود مع أبوظبي. وفي كانون الثاني، يناير 1971 ألحت وزارة الخارجية البريطانية على الشيخ زايد للتسليم بالمطالب السعودية.
في بداية كانون الاول/ ديسمبر كان لوس قد اصدر تقريراً يلخص توصياته المتعلقة بالسياسة البريطانية في الخليج، وهي تحديداً ضرورة تنفيذ الانسحاب العسكري البريطاني وفقاً لجدول زمني، وإنهاء الحماية البريطانية والاتفاقيات الحصرية، وقيام قوة بحرية بريطانية في المحيط الهندي بزيارات دورية للخليج، وقيام وحدات بريطانية بحرية وجوية وبرية صغيرة بالتواصل مع القوات العسكرية للاتحاد وتدريبها ومساندتها. وكتب يقول ان نزاع الجزر كان (ملحاً)، وقد يقود إلى (مواجهة إيرانية – عربية)، وقد يحول دون تشكيل اتحاد الإمارات، لكن (يكاد يكون من غير المتصور أن الدخول في نزاع مع إيران حول الجزر يخدم المصالح البريطانية ....).
من ذلك نستخلص انه في حين ان لوس أوصى بأن إقامة معاهدة صداقة مع الاتحاد سوف تستلزم بالتالي تقديم المشورة في حالات الطوارئ، فإنه أوصى أيضاً (إذا لم تتم تسوية نزاع الجزر والنزاع على الحدود بين السعودية وأبوظبي، فمن المحتمل إما أن نستبعد مسبقاً من مجال تقديم المشورة أي تهديدات للسلم تنشأ عن النزاعين، أو نقر بان تقديم المشورة يجب ألا يقودنا إلى نزاع مع إيران أو المملكة العربية السعودية). وفي حال عدم القدرة على تشكيل اتحاد قبل الانسحاب البريطاني، فقد أوصى بعدم إبرام أية اتفاقيات حماية أو صداقة بريطانية مع الشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة. ومن بين الاسباب التي اوردها كتب ما يلي :(إن لم يتم بالفعل إيجاد حل لمشكلة الجزر، فإن إطالة أمد حمايتنا لرأس الخيمة والشارقة يمكن أن يؤدي إلى مصاعب خطيرة مع إيران). وأعرب عن أمله في ان يسهم إبلاغ هذا القرار إلى الإمارات الخمس في تشجيعها على الاتفاق على الاتحاد. وقد أعرب كل من دوجلاس هيوم وإدوارد هيث عن موافقتهما على التقرير، وكذلك فعلت لجنة الدفاع والسياسات الخارجية البريطانية، غير أنه تم اتخاذ قرار بعدم إعلان محتوياته إلا بعد ان تحيط وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والكومنولث بالمضامين العملية للتقرير وبعد حصول لوس على فرصة لإبلاغ حكام الخليج وجيرانهم بالتوصيات التي تضمنها التقرير.
على الرغم مما سبق، فقد كتبت صحيفة الديلي تلجراف Daily Telegraph اللندنية في 14 كانون الاول/ ديسمبر تقول ان حكومة المحافظين (قررت التمسك بخطة الحكومة العمالية التي تعرضت لنقد شديد والتي تقضي بانسحاب عسكري من الخليج بحلول نهاية عام 1971، بناء على نصيحة السير وليم لوس ... الذي قام بجولة في المنطقة ووجد ان هناك صعوبات كبيرة تواجه عملية قلب السياسات). وذكرت الصحيفة ان وزارة الخارجية البريطانية لم تصدر بياناً عن القضية، وإنما كان من المسلم به في الأوساط العليمة ان المحافظين سيلتزمون بخطة الانسحاب وجدوله الزمني. وفي ضوء الانسحاب الذي أصبح حينئذ مؤكداً، دعا مقال في صحيفة التايمز Times اللندنية بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر إلى ان تقدم الإمارات بعض التنازلات للمملكة العربية السعودية وإيران. كما نقلت الديلي تلجراف أيضاً في اليوم نفسه ان دوجلاس هيوم كتب للحكام التسعة ان (استمرار عجزهم عن اتخاذ قرار حول بنية الاتحاد قد شكل الآن تهديداً للمصداقية الدولية لنجاح الاتحاد المستقبلي).
في 17 كانون الاول/ ديسمبر تبادل دوجلاس هيوم الرأي حول تقرير لوس مع كل من روجرز وسيسكو، حيث ركز على صعوبة قيام اتحاد، ويعود ذلك جزئياً إلى النزاع على الجزر، وطلب استمرار مساعي الدعم الأمريكي لدى إيران والمملكة العربية السعودية، الأمر الذي تعهد به روجزر. وفي 18 كانون الاول/ ديسمبر أطلع رئيس الوزراء البريطاني هيث الرئيس ريتشارد نيكسون على تقرير لوس. وبعد ذلك بوقت قصير، وتحديداً في 27 كانون الاول/ ديسمبر، حذر زاهدي من ان إيران لن تتنازل عن حقوقها في الجزر، وما لم يتم الاعتراف بهذه الحقوق فلن يكون هناك سلام وأمن في الخليج أو في مضيق هرمز، وفي تلك الحال لن تؤدي إقامة اتحاد أو أي اجراء آخر يستهدف استقرار المنطقة إلى أي هدف. وفي أوائل كانون الثاني/ يناير 1971 قام لوس بنفسه بإطلاع روجرز وبقية مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية في واشنطن على تقريره.
تصادف عزم حكومة المحافظين البريطانية الانسحاب من الخليج مع رغبتها بنهاية عام 1970 في التشجيع على إقامة اتحاد من تسع إمارات، أو سبع منها في اقل تقدير إذا لم تنضم إليه البحرين وقطر. كذلك كانت بريطانيا ترغب في تمكين الشاه من الجزر وحث حاكمي رأس الخيمة والشارقة على فعل الشيء نفسه. وفي الوقت نفسه، وعندما لم يتم إحراز تقدم ملموس عاجل في تحقيق أهداف بريطانيا، أصبحت البيانات البريطانية أكثر فظاظة. وبالفعل فقد حذر المقيم السياسي آرثر حاكمي الشارقة ورأس الخيمة من ان بريطانيا لن تمنع إيران من استعمال القوة للاستيلاء على الجزر بعد الانسحاب البريطاني.
أدى ذلك إلى الملاحظة التالية لأسد الله علم، حيث كتب في 31 كانون الاول/ ديسمبر 1970: (الظاهر ان البريطانيين يبذلون ما في وسعهم ليضمنوا لنا بالنيابة عنا جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى ..). ومن جانب آخر، كتب السير دنيس رايت يقول : (أما من جانبي، فقد ظللت أذكر الإيرانيين ان أي محاولة للاستيلاء على الجزر في أثناء سريان مفعول معاهداتنا مع الحكام تعني نشوب حرب بيننا). لكن كان ذلك خادعاً، ومن المؤكد انه لم يكن فيه إشارة لإيران بأنه ستكون هناك حرب إذا ما استولى الإيرانيون على الجزر عندما ينتهي سريان مفعول المعاهدات.

عودة »»