الصفحة الرئيسية
خارطة الإمارات
خرائط الجزر
صور تاريخية للجزر
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 4
عدد المقالات : 55
عدد زوار المقالات : 39974
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » المخاوف الدولية » الفصل العاشر - رد فعل القوة العظمى على الاحتلال الإيراني
تاريخ الإضافة :: 28/02/2007   ||   عدد الزوار :: 606

الفصل العاشر - رد فعل القوة العظمى على الاحتلال الإيراني


في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، أي قبل يوم واحد من انتهاء العلاقات الخاصة المترتبة على المعاهدات المبرمة بين بريطانيا وكل من الشارقة ورأس الخيمة، قامت إيران بإنزال على جزيرة أبوموسى طبقاً لمذكرة التفاهم بينها وبين الشارقة، وقامت بإنزال قسري على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وكما ذكرت مجلة ميدل إيست إيكونوميك سيرفي Middle East Economic Survey في 3 كانون الاول/ ديسمبر، (..... لقد ترك توقيت الغزو بريطانيا، وذلك قبل يوم من إلغاء معاهدة الحماية معها، في حالة إخلال بالوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه رأس الخيمة من الناحية الفنية، وبالتالي جعلها عرضة لازدراء العرب لها بسبب ذلك، وقد أسهم ذلك كله في نهاية مخزية تماماً للوجود البريطاني الذي دام قرناً من الزمان في الخليج).
والواقع انه في اليوم الذي حدث فيه الإنزال الإيراني في طنب الكبرى وطنب الصغرى، كانت حاملة الطائرات البريطانية صاحبة الجلالة إيجل HMS Eagle والطراد صاحبة الجلالة ألبيون HMS Albion في خليج عُمان. لكنهما لم يعملا على إيقاف إيران التي لم تقتصر على نشر طوافاتها الحاملة للجنود ومروحياتها، بل أرسلت أيضاً مدمرات وطائرات الفانتوم النفاثة في عملها العسكري.
خلال الأسبوع الأول من كانون الاول/ ديسمبر عبر مسؤولو وزارة الخارجية البريطانية، من أمثال جفري آرثر وجوليان ووكر ودوجلاس هيوم عن أسفهم للخسائر البشرية لكنهم ذكروا بحذر ان بريطانيا كانت قد نبهت رأس الخيمة لنية الشاه احتلال الجزيرتين بالقوة. وقالت وزارة الخارجية البريطانية أيضاً في 1 كانون الاول/ ديسمبر إنه لا يوجد مبرر لقطع العراق علاقاته الدبلوماسية ببريطانيا بسبب تآمرها مع إيران في عملية الاستيلاء على طنب الكبرى وطنب الصغرى. إن الطبيعة (غير المشرفة) للانسحاب البريطاني لم يؤد إلى ازدراء عربي فحسب، بل أدى أيضاً إلى تصوير الشاه للبريطانيين على انهم قوة استعمارية سابقة محتقرة.
تم في 2 كانون الاول/ ديسمبر الاستعاضة عن معاهدات الحماية بإبرام معاهدة صداقة جديدة بين بريطانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة التي أقيمت حديثاً، وكذلك معاهدة صداقة بين بريطانيا ورأس الخيمة. وقد وقع المقيم السياسي آرثر المعاهدة الاولى مع الشيخ زايد والثانية مع الشيخ صقر. وقدم أول سفير إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تشارلز تريدويل Charles Treadweel أوراق اعتماده إلى الشيخ زايد في 6 كانون الاول/ ديسمبر، وأصبح جوليان ووكر القنصل العام البريطاني في رأس الخيمة. وقام البريطانيون بتسليم قاعدة القوات الجوية الملكية في الشارقة إلى الشيخ خالد في 20 كانون الاول/ ديسمبر، كما سلموا كشافة ساحل عُمان بوصفها نواة لقوات الدفاع لدولة الإمارات العربية المتحدة وذلك في أواخر كانون الاول/ ديسمبر. واحتفظت بريطانيا بعدد صغير من المستشارين العسكريين داخل الدولة، مع حق القيام بزيارات دورية لقواتها البحرية والبرية والجوية التي اشتملت على حقوق الطيران في أجواء الدولة وتسيير المركبات فيها وذلك لصالح القوات الجوية الملكية، وتسهيلات التدريب للقوات البريطانية، كما قامت بتقديم المساعدات لقوات الأمن بدولة الإمارات العربية المتحدة. وقد سارعت الولايات المتحدة الامريكية أيضاً إلى الاعتراف بدولة الإمارات العربية المتحدة، وبدأت التخطيط لتمثيلها الدبلوماسي فيها. وفي 6 شباط / فبراير وردت تقارير بأن وليم ستولتزفس William Stoltzfus السفير الامريكي إلى البحرين والكويت وقطر سيكون سفيراً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعُمان.
كان رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية على أحداث 30 تشرين الثاني/ نوفمبر في معظمه يتسم بالهدوء. وفي 4 كانون الاول/ ديسمبر أعدت وزارة الخارجية النص الأولي للملاحظات الأمريكية المعدة لاجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 9 كانون الاول/ ديسمبر الخاص بالجزر. وقد وضع هذا النص قضية الجزر ضمن السياق الكلي للانسحاب البريطاني الطوعي من الخليج، ونيل دول وإمارات الخليج استقلالها، والحاجة إلى تسوية عد من المشكلات، بما فيها مطالبة إيران بالبحرين، وإقامة اتحاد الإمارات العربية، وبقية النزاعات الإقليمية. ويقول النص ان الولايات المتحدة الامريكية لم تشارك مباشرة في النزاع على ملكية الجزر، ولم تتخذ أي موقف حيال السيادة عليها، لكنها حثت كافة أطراف النزاع على تبني حل ودي. وعلى هذا الأساس فإنها رأت أن الترتيبات الخاصة بجزيرة أبوموسى تعكس روح التعاون الضرورية في الخليج، وينبغي ان توافق عليها الأمم المتحدة.
عبّرت الولايات المتحدة الأمريكية عن أسفها للخسائر البشرية المؤسفة (التي نجمت عن سوء تفاهم ظاهر عندما نزلت القوات الإيرانية في جزيرة طنب الكبرى في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر)، لكنها كانت تأمل في ان تسعى إيران ورأس الخيمة لتسوية خلافاتهما وتتعاونا من أجل مصالحهما المتبادلة ومصالح المنطقة. ووفقاً للنص المعد، كان الوقت وقد تعاون، لا تبادل الاتهامات، وبالتأكيد ليس وقت تدخل خارجي. لكن الولايات المتحدة الأمريكية امتنعت عن أي تحرك. ومما يثير الاهتمام أنه لم يتم عرض أي من الملاحظات المشار إليها سالفاً في أثناء اجتماع مجلس الأمن 9 كانون الاول/ ديسمبر. وبدلاً من ذلك بقي مندوب الولايات المتحدة الأمريكية صامتاً طوال فترة النقاش.
كان لدى البريطانيين بالطبع ما يقولونه أكثر مما لدى الأمريكيين، لكنهم لم يكونوا واضحين ومتناغمين وصريحين تماماً في تصريحاتهم. وقد تحدث وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيوم بدقة أمام مجلس العموم في 6 كانون الاول/ ديسمبر بأنه بموجب مذكرة التفاهم الخاصة بأبوموسى (لم يتنازل أي من الأطراف عن مطالبه أو يعترف بسيادة الطرف الآخر). لكنه لاحقاً قال في تعليقاته : (وفيما يتعلق بطنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى فإن مسألة السيادة قد تركت مفتوحة). وعندما سئل ثانية عن هذا الأمر أجاب بقوله: (إن وجهة نظر إيران كما أفهمها هي ان قضية السيادة لم يتم إثارتها من قبل أي من الطرفين). لقد كان القول ان مذكرة التفاهم حول أبوموسى تركت قضية السيادة مفتوحة قراءة دقيقة من الناحية الفنية لمذكرة التفاهم، لكنه ليس دقيقاً أنه لم تتم إثارة قضية السيادة على طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وبالفعل فقد ادعى رئيس الوزراء الإيراني أمير عباس هويدا أمام مجلس الشورى الوطني الإيراني في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر بأن السيادة الإيرانية على الجزر (قد استعيدت عقب مفاوضات طويلة مع الحكومة البريطانية)، وأن إيران (لم ولن تتنازل بأي طريقة من الطرق التي يمكن تصورها عن سيادتها التي لا تقبل الجدل وحق السيطرة على جزيرة أبوموسى بأكملها).
عبر آرثر عن قلقه من ملاحظات هويدا، وعبر السفير البريطاني بيتر رامسبوتام أيضاً عن قلقه بشأن هذه الملاحظات لأسد الله علم ووزير الخارجية عباس علي خلعتبري والشاه. ولم تكن تصريحات هويدا حول جزيرة أبوموسى سوى التفسير الإيراني لمذكرة التفاهم. أما بالنسبة لتصريحات لوس بشأن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى فقد أعطى تعهداً للشاه في اجتماع عقد في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 بأن (حكومة صاحبة الجلالة ستقبل لاحقاً دمج طنب الكبرى وطنب الصغرى في إيران كجزء لا يتجزأ منها). وهكذا فإن دوجلاس هيوم لم يعترف بالقصة بكاملها.
تحدث السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة كولين كرو Colin Crowe أيضاً في 9 كانون الاول/ ديسمبر 1971، وطور كثيراً من النقاط التي ذكرها دوجلاس هيوم أمام مجلس العموم. وقال كرو ان البريطانيين قد اعتبروا ان إقامة اتحاد وحل الخلافات الإقليمية هما شرطان أساسيان للاستقرار في الخليج بعد الانسحاب البريطاني، واشار إلى النجاحات التي تحققت في إنجاز كلا المطلبين. وذكر ان البحرين وقطر كانتا في ذلك الوقت عضوين في الأمم المتحدة، وان دولة الإمارات العربية المتحدة قد تأسست وأصبحت عضواً في الأمم المتحدة، وعبر عن الأمل بأن تنضم إليها رأس الخيمة أيضاً.
قام كرو ان البحرين (هي الأهم إلى حد بعيد) بين جزر الخليج موضع النزاع، وذكر ان الجزيرة مستقلة الآن. وأشار إلى جزيرة أبوموسى بأنها (الثانية من حيث الحجم والأهمية، وان كانت لا تقارن مطلقاً بالبحرين)، وقال عن مذكرة التفاهم إنها (اتفاقية تسوية معقولة). وفيما يتعلق بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى قال كرو : (إن مما يؤسف الحكومة البريطانية جداً أنه لم يكن بالإمكان الوصول إلى تسوية عبر التفاوض). لكن إجمالاً (في نظر الحكومة تمثل هذه النتيجة أساساً مقبولاً لأمن المنطقة مستقبلاً، وهذا بدوره ينبغي ان يقوم على التعاون بين كافة دول الخليج، العربية منها وغير العربية).
على الرغم من ان التصريحات السالفة الذكر تعتبر صريحة، فإن كرو لم يكن مباشراً تماماً في بعض ملاحظاته الأخرى. فقد أشار إلى أبوموسى فقط بوصفها (جزيرة يديرها حاكم الشارقة)، ولم يعترف بأن بريطانيا كانت على مدى فترة طويلة من الزمن تعترف بأن الشارقة كانت تتمتع بالسيادة على الجزيرة. وقال إن طنب الكبرى وطنب الصغرى (قد طالبت بهما إيران لفترة طويلة) وأن (الحكومة البريطانية قد سعت أعواماً عديدة لتحقيق حل متفق عليه بين إيران والحاكم)، ولم يقر بأن بريطانيا كانت تعترف لمدة طويلة بسيادة رأس الخيمة على الجزيرتين، كما رفضت خلال فترة طويلة من الزمن أيضاً المطالبة الإيرانية بهما.
تأثر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعدم اتخاذ أي إجراء حول هذا النزاع بموقف بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، إذ كان بإمكان كل منهما أن تستعمل حق النقض ضد صدور قرار، علماً ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت تنوي الامتناع عن التصويت. وكانت بريطانيا تريد تعزيز الأمن والاستقرار قبل الانسحاب من الخليج بهدف ضمان حصولها على النفط من المنطقة، وحماية استثماراتها فيها، ومشاركتها في التنمية الاقتصادية للمنطقة، وحفاظاً على سمعتها.
بالإضافة إلى هذه المصالح التجارية والسياسية الإقليمية كانت بريطانيا حريصة بشكل خاص على علاقاتها بالشاه، لأنها كانت تأمل في أنه سيضطلع بدور الشرطي الإقليمي والوقاية ضد الراديكالية العربية وتغلغل النفوذ السوفيتي، وأن يكون بإمكان بريطانيا الترويج لمبيعات السلاح البريطانية لإيران. وكانت بريطانيا أيضاً ترغب في إقامة علاقات طيبة بالمملكة العربية السعودية لأسباب اقتصادية، ولأنها كانت تأمل في ان تكون المملكة العربية السعودية ضامنة للوضع القائم في المنطقة وسوقاً للأسلحة البريطانية. وختاماً فإن بريطانيا اعتبرت ان حصيلة جهودها المتعلقة بالبحرين والجزر والاتحاد قد حققت نجاحاً معقولاً في تعزيز هذه الأهداف جميعاً.
لقد دعمت الولايات المتحدة الامريكية الجهود البريطانية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة لأسباب تجارية وسياسية مماثلة. كما ان النظر إلى إيران والمملكة العربية السعودية بطريقة متماثلة كان منسجماً مع مبدأ نيكسون لعام 1969 الذي كان يهدف إلى تقديم العون العسكري والاقتصادي للقوى الإقليمية لحماية مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وبالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا كان هذا التفكير التجاري والاستراتيجي يسبق من حيث ترتيب الأولويات السجل التاريخي والقانوني للجزر، وحقوق رأس الخيمة والشارقة، وبعدها حقوق دولة الإمارات العربية المتحدة، ومسؤوليات الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك فإن بريطانيا والولايات المتحدة تحققتا من ان دول الخليج العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، كانت لا ترغب في مواجهة إيران أو بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية بسبب قضية الجزر، في الوقت الذي رأوا في إيران أيضاً حماية من خطر الراديكالية العربية والاتحاد السوفيتي.
بعد الانسحاب البريطاني تابعت الولايات المتحدة الامريكية التطورات في المنطقة عن كثب، وسعت إلى تعزيز التعاون والاستقرار فيها. وقد لاحظت الولايات المتحدة التوترات الإقليمية بشكل خاص، علماً أنها لم تكن دائماً تقدرها تقديراً دقيقاً، وكانت أحياناً تعتمد في معلوماتها على البريطانيين. وقد قدمت الدعم لإيران والمملكة العربية السعودية وحثتهما على التعاون بصورة أوثق، وخاصة في دعم عُمان والجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) ضد التحديات القادمة من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي).
من المنظور الأمريكي، سرعان ما اتضح ان نفور المملكة العربية السعودية من التعاون مع إيران كان يرجع إلى المخاوف من هيمنة إيران على الخليج، بما في ذلك استيارها من الاحتلال الإيراني لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. وبذلك كان من المهم أن تأخذ المملكة العربية السعودية بزمام المسؤولية عن تطبيع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك ان تدعم كلاً من عُمان واليمن الشمالي. وقد شجع البريطانيون عموماً السياسات نفسها، وعملوا مع الولايات المتحدة الامريكية على تشجيعها. كما حث البريطانيون دولة الإمارات العربية المتحدة على تطبيع علاقاتها مع إيران.
في وقت مبكر منذ منتصف كانون الاول/ ديسمبر 1971، قام نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيز بزيارة إلى منطقة الخليج، وأكد في اجتماعاته مع حكام الخليج أهمية التعاون بين جميع الدول في الخليج، بما في ذلك حاجتهم إلى دعم سلطان عُمان بسبب أهمية الاستقرار في عُمان. وقد عاد ديفيز ليبلغ وزارة الخارجية انه وجد ان حكام الخليج يقدرون الحاجة إلى التعاون، بما في ذلك التعاون مع إيران. ومن الأمثلة المهمة على هذا النوع من التعاون في السنوات التي تلت ذلك اشتراك الأسطول العُماني الصغير بقيادة ضباط بريطانيين في تحمل المسؤولية مع الأسطول الإيراني الأكبر حجماً في دوريات مشتركة بمضيق هرمز.
في أواخر أيار/ مايو 1972 قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة طهران في طريقه عائداً إلى الوطن من اجتماع القمة في موسكو. وقد وافق نيكسون على طلب الشاه طائرات إف-14 وإف-15، كما وافق أيضاً على المصادقة على الطلبات الإيرانية المستقبلية. وبالفعل تم إصدار بيان مشترك في نهاية هذه الزيارة في 31 أيار/ مايو نص على ان الدول المطلة على الخليج تتحمل المسؤولية الأساسية عن أمن الخليج، وان الولايات المتحدة الامريكية ستستمر في التعاون مع إيران لتعزيز دفاعاتها. في تلك الأثناء، وفي 15 تموز/ يوليو تحديداً، فازت شركة فرنسية على منافساتها البريطانية والأمريكية والسوفيتية في بيع اثنتي عشرة طائرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من المبيعات العسكرية الأمريكية لإيران والمملكة العربية السعودية، والتنافس الأمريكي على عقود توريد السلاح لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت عموماً سياسة متحفظة، ولم تقم إلا بمبيعات متواضعة للمعدات العسكرية الدفاعية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد عام 1973، مختلفة في ذلك عن فرنسا وبريطانيا وألمانية الغربية.
مع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية رأت في دولة الإمارات العربية المتحدة شريكاً في تعزيز الاستقرار في المنطقة. وفي 22 آب/ أغسطس أطلعت وزارة الخارجية الأمريكية وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة أحمد خليفة السويدي على النشاطات التخريبية لليمن الجنوبي في الخليج، وذكرت ان سياسة الولايات المتحدة الامريكية كانت تقضي بتقوية عُمان واليمن الشمالي، لأنهما كانتا أكثر عرضة من المملكة العربية السعودية للخطر الذي مصدره اليمن الجنوبي، وحثت دولة الإمارات العربية المتحدة على ان تفعل الشيء نفسه. ومما ذكرته وزارة الخارجية الامريكية الآتي :
في اعتقادنا ان الأنظمة التي تحظى بالشعبية وتتمتع بالنجاح في هذه الدول تستطيع على المدى الطويل ان تقاوم التخريب الوارد من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ولسنا نسعى لأية مشاركة مباشرة في الجهود التي تستهدف إطاحة النظام في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ونعتقد ان الأمن في شبه الجزيرة العربية إنما هو مسألة إقليمية تماماً. وخير دور يمكن ان تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة يتمثل في المساعدات السخية للنظامين في صنعاء ومسقط في الوقت الذي يتعرضان فيه للضغط من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية المتعصبة والجيدة التسليح.

لكن لم يرد في هذه المناقشة ذكر لقضية الجزر.
قامت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً بحث المملكة العربية السعودية على التعاون مع إيران وتطبيع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي 8 كانون الثاني/ يناير 1973 نقلت السفارة الأمريكية في جدة تصريح الدبلوماسي السعودي عمر السقاف إلى السفير الأمريكي ثاتشر بأن المملكة العربية السعودية لن تدع نزاع الجزر يؤثر في التعاون السعودي – الإيراني، وقد حثه ثاتشر على مزيد من الدراسة لما يمكن اتخاذه من خطوات ملموسة للتعاون السعودي – الإيراني، لكن السقاف عبر عن شيء من الشك في إمكانية التعاون بين أجهزة الاستخبارات في البلدين. كذلك أشار السفير ثاتشر إلى العلاقات الإيرانية المتحسنة مع دولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودعا إلى تسوية نزاع الحدود السعودي – الإماراتي، مؤكداً ان (العبء ينبغي ان يقع على عاتق أقوى الجارتين على إخراج الوضع الحالي غير المرغوب فيه من حالة الجمود).
لكن الولايات المتحدة الامريكية كانت تنظر إلى القوة العسكرية الإيرانية على انها مهمة بصورة مركزية. ففي 9 كانون الثاني/ يناير 1973 قامت السفارة الأمريكية في طهران بتكليف من وزارة الخارجية الأمريكية بدراسة القوة العسكرية والعلاقات الخارجية لإيران، وأفادت بما يلي :
إن المشيخات الخليجية والمملكة العربية السعودية لا تشكل تهديداً لإيران، ولكنها ينظر إليها في طهران على أنها تربة خصبة لنمو القومية العربية المتطرفة من الطراز العراقي أو اليمني الجنوبي. وإذا تمت الاستعاضة عن الحكام المحافظين بمغامرين معادين، فإن إيران تخشى ان تتعرض ممراتها الاستراتيجية في الخليج للتهديد. وعليه فقد شاركت حكومة إيران بالفعل، إلى حد ما، في مساعدة حكومتي اليمن الشمالي وعُمان، بما في ذلك تقديم بعض المساعدات العسكرية. وإننا نتوقع ان يستمر هذا النمط من المساعدة ضد الغزو أو التخريب الراديكالي.

وقد ترقع التقرير (إمكانية) تدخل عسكري إيراني، ومضى إلى القول :(من الممكن ان نرغب بهدوء في دعم (عمل أمني) عسكري مخصوص أو برنامج عون محدد تساهم به الحكومة الإيرانية. ومن الممكن أيضاً، لكنه أقل احتمالاً، أن يؤدي قيام إيران بعمل عسكري إلى الإضرار على نحو خطير بالمصالح الأمريكية الأخرى في المنطقة، ومن المتصور أننا سنسعى إلى استخدام قوة نفوذ النصح/ الإمدادات للتأثير في قرارات الشاه). وفي النهاية يقول التقرير :(على الرغم من كراهية الشاه لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد وعدم ثقته فيه، فقد وافق على تطبيع العلاقات عن طريق تبادل السفراء).
في 13 نيسان/ إبريل 1973 عبرت وزارة الخارجية الأمريكية عن قلقها من ان المملكة العربية السعودية بدت معارضة لبحث شؤون أمن الجزيرة مع إيران، وذكرت ان المملكة العربية السعودية تبدو منزعجة من وجود المروحيات الإيرانية والقوات الإيرانية الخاصة في عُمان، وأيضاً من تردد الإيرانيين في تقديم العون العسكري لليمن الشمالي، ودافعت عن (إجراء محادثات مبكرة وصريحة بين الرياض وطهران حول أدوار كل منهما ونشاطاته في دعم الدول في شبه الجزيرة العربية المعرضة للعدوان والتخريب من طرف اليمن الجنوبي). وأكدت أن السياسة الأمريكية تقضي ( بأن تستمر في تشجيع السعوديين والإيرانيين على تولي المسؤولية الأساسية عن الأمن الإقليمي)، وان الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي ألا تصبح وسيطاً لأن ذلك (يفسد سياستنا القاضية بحفز مزيد من التعاون الإقليمي والاعتماد على الذات). وهكذا فإن المفترض ان تتجه المساعي الأمريكية الى (الضغط على كلا الطرفين، ولا سيما السعوديون، للمضي في تطوير ذلك النوع من الحوار بينهما الذي يسهم حقاً في تسهيل التخطيط المفيد والمنسق للمساعدات المقدمة الى بقية دول شبه الجزيرة العربية).
صدر تقرير آخر بعد أربعة أشهر، أي في 3 آب/ أغسطس 1973، تابع التشديد على التعاون السعودي – الإيراني في الخليج، لكنه أيضاً ذكر ان قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى ما زالت تعد مشكلة. وعندما قام وزير الخارجية الإيراني خلعتبري بزيارة الرياض في تموز/ يوليو 1973، (أثار الملك فيصل قضية جزر الخليج التي أصر على أنها يجب تسويتها بطريقة مقبولة للمشيخات العربية)، فقال خلعتبري ان إيران لن تسمح لأحد بأن يطالب بـ (أراضيها). بعد ذلك كتب الشاه الى الملك فيصل قائلاً : (إنه لا يوجد إيراني – حتى من يخون وطنه – سواء الآن او في المستقبل، يرضى بالتنازل عن بوصة من ارض الوطن). واختتم التقرير بما يلي : (نتيجة للشكوك المتبادلة ونزعة الاعتزاز القومي لدى الطرفين، لم يصل التعاون السعودي – الإيراني في الخليج قط الى مستوى تنسيق السياسات، رغم التشجيع الأمريكي والبريطاني).
بحلول أواسط السبعينيات من القرن الماضي، أسهمت المساعدات العسكرية الإيرانية والمعونات المالية السعودية في سحق تمرد ظفار ودعم النظام في عُمان. وقد رافق ذلك إصلاحات داخلية بعيدة النظر أدخلها سلطان عُمان قابوس بن سعيد وأسهمت في مزيد من تعزيز الاستقرار في بلده. وعلى اي حال لم يكن للوجود الإيراني في الجزر دور مهم فيما آلت إليه الأمور. ومن المفارقات ان فقدان إيران للاستقرار في أواخر سبعينيات القرن الماضي، مقروناً بالاستقرار والازدهار اللذين شهدتهما دولة الإمارات العربية المتحدة، مع الأخذ في الحسبان سلوك النظام الإيراني الجديد في الجزر في الثمانينيات والتسعينيات، يدل على مخاطر التقليل من شأن القانون الدولي لمصلحة حسابات جيوسياسية ثانوية، وخاصة في مداولات احد أجهزة الأمم المتحدة.

عودة »»