الفصل الحادي عشر - الوقائع في عهد الجمهورية الإسلامية
الإيرانية
كانت الثورة الإيرانية في عامي 1978 و 1979 التي أطاحت الشاه وأعلنت قيام الجمهورية
الإسلامية الإيرانية نهاية للسياسة الأمريكية القائمة على الاعتماد على إيران قوية
وحليفة لتلعب دوراً مهماً في حماية المصالح الغربية في الخليج. وبعد ذلك جاء الغزو
السوفيتي لأفغانستان في كانون الأول/ ديسمبر 1979 الذي قرب السوفييت من الخليج،
ولذلك فقد حذّر الرئيس جيمي كارتر، بإعلانه في كانون الثاني/ يناير 1980 لمبدأ
كارتر، أن الولايات المتحدة الامريكية لها مصالح حيوية في الخليج وستستخدم كل
الوسائل الضرورية، ومنها القوة، للدفاع عنها ضد التهديدات الخارجية. ونتيجة لذلك تم
إنشاء قوة انتشار سريع أمريكية لأجل التدخل المحتمل في الخليج، وأبرمت الولايات
المتحدة اتفاقية مع سلطنة عُمان سهلت وصول القوات العسكرية الامريكية إلى القواعد
الجوية والموانئ البحرية العُمانية، واستمرت المبيعات العسكرية الأمريكية للمملكة
العربية السعودية.
وقعت المنطقة في مزيد من الاضطراب مع اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية في أيلول/
سبتمبر 1980. ومنذ البداية سعت كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا
للحيلولة دون تعقيد قضية الجزر للحرب وتوسيع نطاقها في مراحلها الأولى. وعندما
اكتشف البريطانيون في بداية تشرين الاول/ أكتوبر 1980 أن العراقيين كانوا يخططون
لاحتلال الجزر انطلاقاً من قواعد في سلطنة عُمان، سعى البريطانيون والأمريكيون لصرف
السلطنة عن دعم هذه العملية، بينما تولى السعوديون إقناع العراقيين بالتخلي عنها.
وكانت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لا تريدان رؤية النطاق الجغرافي للحرب
يتسع إلى الجزء الجنوبي من الخليج، حيث يمكن أن يتعرض المرور بمضيق هرمز والممرات
البحرية المؤدية إلى المضيق والمنطلقة منه للخطر.
منذ بداية هذه الحرب نبهت الولايات المتحدة الامريكية والجماعة الأوروبية على ضرورة
عدم تعرض حرية الملاحة في الخليج ومن الخليج وإليه لاعتداء الأطراف المتحاربة. وقد
سارعت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا أيضاً إلى تعزيز قواتها البحرية
في الخليج وبالقرب منه، وكان لحصول الأمريكيين على تسهيلات في البحرين وعُمان دور
مهم في إطار هذا الجهد. وفي الواقع كانت إدارة كارتر قد نشرت بالفعل طائرات نظام
الإنذار والسيطرة المحمول جواً (أواكس) في المنطقة الشرقية من المملكة العربية
السعودية في خريف عام 1980 لتوفير الحماية من إيران. وقد وافقت إدارة الرئيس
الأمريكي رونالد ريجان الجديدة على بيع طائرات الأواكس وقاذفات إف-16 المقاتلة
للمملكة العربية السعودية عام 1981، إضافة إلى المبيعات العسكرية لدولة الإمارات
العربية المتحدة وبقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي
تأسس حديثاً، خلال الفترة المتبقية من الحرب.
في تشرين الأول، أكتوبر 1983، وبعد أن هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز، وبدأت تعزيز
حامياتها في جزر لاراك وصري وفارسي، وزادت مواقع المدفعية في قشم وطنب الكبرى، حذر
الرئيس ريجان من أن الغرب لن يتسامح مع مثل هذا الإغلاق، وان الولايات المتحدة
الامريكية لم تستبعد القيام بعمل عسكري لوقفه. لكن إيران لم تنفذ تهديدها، واقتصرت
الولايات المتحدة الامريكية – التي تابعت تطوير قوة الانتشار السريع وأنشأت القيادة
المركزية CENTCOM عام 1983 – على الدعوات الدبلوماسية إلى التمسك بمبدأ حرية
الملاحة، مثلما نص عليه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 540 الصادر في 31
تشرين الأول/ أكتوبر 1983.
استمرت القوى الكبرى في اعتمادها بشكل رئيسي على الخطاب الدبلوماسي بدلاً من العمل
العسكري خلال العامين التاليين، حيث ركز الرئيس ريجان ونائبه جورج بوش (الأب) ووزير
الخارجية جورج شولتز ومساعد وزير الخارجية ريتشارد ميرفي على أهمية حرية الملاحة
وتدفق النفط، علماً أن الأسطول الامريكي أيضاً بدأ بالفعل مرافقة العدد القليل من
السفن التجارية التي رفعت العلم الأمريكي في الخليج عام 1986. وقد تمثل أحد الجهود
الرئيسية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في قرار مجلس الأمن رقم
598 بتاريخ 20 تموز/ يوليو 1987 الذي طالب بوضع نهاية للقتال وللهجمات على السفن
المحايدة، وحدد الشروط التي يتفاوض الأمين العام للأمم المتحدة عليها لإبرام معاهدة
سلام بين الطرفين المتحاربين، واستشهد بالمادتين 39 و 40 من الفصل السابع من ميثاق
الأمم المتحدة، بما في ذلك استعمال القوة ضد الطرف الرافض للقرار.
وعندما لم تقبل إيران بالقرار، وعلى الرغم من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة
خافير بيريز دكويلار في أيلول/ سبتمبر 1987 إلى طهران، ضغطت الولايات المتحدة
الامريكية وحلفاؤها الغربيون لفرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران، لكن الاتحاد
السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية امتنعا عن تأييد ذلك. وفي النهاية لم تردع هذه
القرارات والإجراءات الأخرى إيران عن استعمال هذه الجزر قواعد للمروحيات ولهجمات
الزوارق الصغيرة ضد الملاحة خلال تلك السنوات.
في كانون الثاني/ يناير 1987 أعلن مستشار الأمن القومي الامريكي فرانك كارلوتشي ان
الولايات المتحدة الامريكية لن تتسامح تجاه أي تدخل إيراني في الملاحة في الخليج.
وما لبث ان قدم خطة إلى الرئيس ريجان لرفع علم الولايات المتحدة الامريكية على
السفن الكويتية ومرافقتها بهدف حمايتها. وعلى الرغم من تقديرات وكالة الاستخبارات
المركزية الامريكية للقدرات الإيرانية التي أفادت بأنه ليس ثمة من سبيل لوقف تحرشات
إيران بالملاحة، فقد تم في آذار/ مارس اتخاذ القرار باستبدال علم السفن الكويتية
ومرافقتها. وعند إعلان ريجان لهذه العملية في 19 أيار/ مايو قال : (لن يملي
الإيرانيون استخدام الممرات البحرية على هواهم، ولن يسمح بخضوع هذه الممرات لسيطرة
الاتحاد السوفيتي. وسوف يبقى -الخليج الفارسي- مفتوحاً للملاحة أمام دول العالم).
توجد خطوط الملاحة البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز بصورة أساسية في القنوات
الملاحية العميقة في الناحية الجنوبية من المضيق، في مياه عُمان الإقليمية. وكانت
السفن التجارية والسفن الحربية، بما فيها سفن الحماية بقيادة الولايات المتحدة،
قادرة عموماً على استعمال هذه الممرات في اثناء حرب الناقلات، رغم وقوع حوادث، مثل
الهجمات الإيرانية على سفينتي دياموند مارين وبتروشب بي اللتين هاجمتهما في المضيق
قوات إيرانية انطلاقاً من جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وتوجد الممرات الملاحية
داخل الخليج إلى الشمال والجنوب من جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى والى الشمال من
جزيرة أبوموسى. وقد أعلنت إيران منذ بداية الحرب ان المياه الواقعة بين سواحلها
والخط البالغ طوله 12 ميلاً بحرياً جنوب أبوموسى وصري وفارسي هي منطقة حرب بحرية،
وهي منطقة تشمل الممرات الملاحية.
كانت عدد كبير من السفن، بما فيها السفن المبحرة بحماية أمريكية، يتفادى منطقة
الحرب البحرية وبالتالي الممرات الملاحية، لكن إيران هاجمت ايضاً كثيراً من السفن
خارج نطاق تلك المنطقة مقابل ساحل دولة الإمارات العربية المتحدة بالمروحيات
والزوارق الصغيرة انطلاقاً من جزيرة أبوموسى. ومعنى ذلك أنه على الرغم من إصرار
الولايات المتحدة الامريكية على حرية الملاحة، فإن احتلال إيران لطنب الكبرى وطنب
الصغرى وأبوموسى، ومطالبتها بحزام عرضه 12 ميلاً من المياه الإقليمية حول كل من هذه
الجزر، مكّنها من إجبار السفن الخاضعة للحماية الأمريكية داخل الخليج على عدم
استخدام ممرات الملاحة المتجهة غرباً وشرقاً. لكن الولايات المتحدة الأمريكية قامت
بالفعل بإطلاق النار على السفن الإيرانية داخل منطقة الحرب البحرية التابعة لإيران
في مناسبات عديدة انتقاماً لهجمات إيرانية على حركة الملاحة خارج تلك المنطقة.
وفي أثناء دخول أول قافلة سفن بحماية أمريكية أصيبت الناقلة بريدجتون Bridgeton
الحاملة للعلم الأمريكي، والمعروفة سابقاً باسم الرقة، في 24 تموز/ يوليو 1987،
بلغم بحري في ممر الملاحة الرئيسي على مسافة 19 ميلاً بحرياً إلى الغرب من جزيرة
فارسي، أي خارج منطقة الحرب البحرية الإيرانية، ولعله تم زرعه في اثناء نشاط لقارب
صغير تم اكتشافه بطائرة أواكس قبل ذلك بليلة. وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستهاجم
كل من يزرع ألغاماً في الممرات البحرية الدولية. كما تم نشر سفن حربية بريطانية
وفرنسية وإيطالية وحتى سوفيتية في الخليج، إما لزيادة عدد السفن، أو للبدء في تأمين
سفن الحماية الخاصة لهم بعد الهجمات الإيرانية على سفنهم. كما تم نشر كاسحات ألغام
بريطانية وفرنسية وإيطالية وهولندية وبلجيكية وسوفيتية في الخليج لتقديم المساعدة
على إزالة الألغام.
حذر وزير الدفاع البريطاني جورج ينجر George Younger من ان السفن الحربية
البريطانية في الخليج سترد بإطلاق النار إذا ما هوجمت تلك السفن أو السفن التجارية
المسجلة في بريطانيا، لكن سفينة الحماية أرميلا باترول Armilla Patrol لم ترافق
السفن الخاضعة للحماية إلا لمسافة 40 ميلاً بحرياً غرب دبي ولم تواجه حوادث كثيرة.
وفي ليلة 20/21 أيلول/ سبتمبر قامت الولايات المتحدة الامريكية باعتراض سفينة (إيران
أجر) Iran Ajr ومهاجمتها والاستيلاء عليها في أثناء زرعها للألغام. وفي 8 تشرين
الأول/ أكتوبر فوجئت أربعة زوارق صغيرة تابعة للحرس الثوري الإيراني بمروحيات تابعة
للجيش الأمريكي من طراز MH-6 على بعد 15 ميلاً بحرياً إلى الجنوب الغربي من جزيرة
فارسي، أي خارج منطقة الحرب البحرية الإيرانية، وعندما فتح الإيرانيون النار أغرقت
المروحيات زورقاً واحداً وأصابت اثنين آخرين ثم تم الاستيلاء عليهما. وفي 16 تشرين
الاول/ أكتوبر أصيبت الناقلة الحاملة للعلم الأمريكي سي آيل سيتي Sea Isle City،
وهي راسية في ميناء الأحمدي بدولة الكويت، بصاروخ سيلكوورم أطلقه الحرس الثوري من
قاعدة صواريخ في شبه جزيرة الفاو. وقد رفضت مجموعة تخطيط الأمن القومي الامريكية
بقيادة نائب مستشار الأمن القومي الجنرال كولن باول مهاجمة بطارية صواريخ سيلكوورم
لأن ذلك سيشكل دلالة على الدعم الأمريكي للعراق. وقد فضل رؤساء أركان القوات
المشتركة والقوات المسلحة شن هجوم على قاعدة الحرس الثوري في جزيرة فارسي أو على
فرقاطة تشارك في التعرض للملاحة، ولكن وزارة الخارجية عارضت ذلك. وبدلاً من هذا
قامت المدمرات الأمريكية بقصف منصتي نفط رشادت (رستم سابقاً) ورسالت (رخش سابقاً)،
اللتين كانتا تستخدمان كقاعدتين للحرس الثوري واللتين استخدمتا في إطلاق النار على
مروحية أمريكية قبل ذلك بأحد عشر يوماً.
في 28 تشرين الأول/ أكتوبر أعلنت الولايات المتحدة فرض حظر على الواردات من إيران
والصادرات إليها، وسعت إلى تشجيع فرض حظر عالمي عليها. وفي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر
قامت زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري منطلقة من جزيرة أبوموسى بمهاجمة الناقلة (جراند
ويزدم)، ذات الطاقم الأمريكي، على بعد 20 ميلاً بحرياً إلى الغرب من ميناء جبل علي
في دبي. وفي 14 نيسان/ إبريل 1988 أصيبت فرقاطة الصواريخ الامريكية صامويل بي
روبرتس Samuel B. Roberts إصابة شديدة بلغم، وهي في طريقها من دولة الكويت إلى
البحرين بعد مرافقتها لقافلة ناقلات إلى دولة الكويت. وكان الحرس الثوري قد زرع حقل
الألغام هذا قبل ذلك بيوم، وحدث هذا مرة أخرى خارج منطقة الحرب البحرية الإيرانية.
وفي اجتماع عقد في المكتب البيضاوي كان الأميرال وليم جيه كرو (الابن) William
J.Crowe, Jr.، رئيس هيئة الأركان المشتركة، يريد الانتقام من سفينة حربية إيرانية،
وكان كارلوتشي الذي كان وزير الدفاع في ذلك الوقت يميل إلى الموافقة على ذلك. ولكن
كان كل منهما يعارض الآخر في أثناء الاجتماع. وفي النهاية أقر الرئيس ريجان الهجمات
ليس على المنصات النفطية البحرية التي يستخدمها الحرس الثوري كمنصات رصد وتتبع فحسب،
وإنما على أية سفن إيرانية تقترب من السفن الأمريكية أيضاً.
وهكذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية في 18 نيسان/ إبريل بمهاجمة منصة ساسان
(سلمان حالياً)، وكذلك منصة النصر قرب جزيرة صري، وأغرقت زورق دورية إيرانياً
حاملاً للصواريخ بعد إطلاقه صاروخاً على سفينة وينرايت الأمريكية Wainwright . بعد
ذلك اكتشفت الولايات المتحدة الفرقاطة الإيرانية زهان Zahan، وكذلك سرب من زوارق
الدورية الإيرانية بوغامر Boghammer كان متجهاً نحو مجموعة من منصات النفط البحرية
الإماراتية. وقد هاجمت زوارق بوغامر الإيرانية مروحية أمريكية وسفينة إمداد أمريكية
وناقلة بريطانية ومنصة نفط تتولى تشغيلها شركة كريسنت بتروليوم Crescent Petroleum
الأمريكية في حقل مبارك النفطي في المياه المحيطة بأبوموسى. وبعد تفويض شخصي من قبل
الرئيس ريجان قامت طائرات من طراز A-6 من حاملة الطائرات الأمريكية إنتربرايز
Enterprise بمهاجمة الفرقاطة الإيرانية زهان واثنين من زوارق بوغامر. وقد كتب كرو
يقول: ما كان من بقية زوارق بوغامر (إلا ان تراجعت بسرعة إلى قاعدتها في أبوموسى
امام الطائرات المطاردة لها ). لكن الملاحظ ان الطائرات الامريكية لم تهاجم بقية
زوارق بوغامر عندما وصلت قاعدتها في أبوموسى ولم تهاجم قاعدة أبوموسى نفسها.
بعد ذلك وبعد ان أطلقت الفرقاطة الإيرانية زبالون Zabalon صاروخاً على الفرقاطة
الامريكية جاك ويليامز Jack Williams وصاروخاً آخر على طائرات البحرية الامريكية،
أحدثت طائرات A-6 و A-7 إصابات بالغة بزبالون، لكن كارلوتشي وكرو أمرا بالسماح
للفرقاطة الإيرانية بالعودة إلى الميناء من دون إغراقها. وقد كتب كرو يقول : (أردت
ان يفهم الإيرانيون أننا يمكننا في أي وقت نشاء أن نبدأ اصطياد سفنهم، ولا يمكنهم
فعل شيء حيال ذلك. وقد أسهمت احداث 18 نيسان/ إبريل في إيصال تلك الرسالة جهراً
وبوضوح. وكانت الخيارات الوحيدة التي لم يلجؤوا إليها هي صواريخ سيلكوورم، ولكنهم
كانوا يدركون ان استعمالها ضدنا ستؤدي إلى رد مدمر). وبالفعل فقد حذرت الولايات
المتحدة إيران في صيف عام 1987 من أنها ستدمر صواريخ سيلكوورم الإيرانية في منطقة
مضيق هرمز وفي قشم وفي كوهستك، في حال استخدامها لمهاجمة السفن المبحرة تحت حماية
أمريكية. وقد تم إطلاق خمسة صواريخ، ولعلها من طراز سيلكوورم، على الفرقاطة جاك
ويليامز الأمريكية في وقت متأخر من يوم 18 نيسان/ إبريل، لكنها أخطأت هدفها. ولو ان
الفرقاطة أصيبت وعُر ف ان الصواريخ كانت من طراز سيلكوورم، لكان التهديد الامريكي
قد تمت تجربته وربما تنفيذه.
وفي 3 تموز/ يوليو 1988 أسقطت السفينة الامريكية فنسنس طائرة إيرباص إيرانية، حيث
أصابتها بالخطأ بدلاً من طائرة إف-14 إيرانية، وقتلت 290 راكباً مدنياً. وقد وقعت
هذه المأساة بينما كانت فنسنس في غمار الاشتباك مع زوارق بوغامر في المناطق الغربية
من مضيق هرمز. وقط أطلقت هذه الزوارق النار على مروحية استطلاع أرسلتها فنسنس
للتحقيق في هجوم الزوارق على سفينة تجارية باكستانية محايدة. وبالنظر إلى ان
أبوموسى قاعدة للأسطول الإيراني من زوارق بوغامر، وان هذا الاشتباك قد وقع في
المناطق الغربية من مضيق هرمز، فقد تكون الحقيقة ان هذه الزوارق التي شاركت في هذا
الحادث، والتي ساهمت في صنع هذه المأساة، قد انطلقت في عملياتها من جزيرة أبوموسى.
قبلت إيران أخيراً قرار مجلس الأمن رقم 598 في تموز/ يوليو 1988، وقام أمين عام
الأمم المتحدة بالتفاوض على شروط وقف إطلاق النار في آب/ أغسطس 1988، وتم سحب الحرس
الثوري من قاعدتهم في جزيرة أبوموسى في تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وانتهت (عملية
الإرادة الجادة) في كانون الثاني/ يناير 1989.
ويجب هنا ملاحظة أن القرارات الأمريكية لضرب الأهداف الإيرانية في عملية الإرادة
الجادة أخذت في الحسبان الاعتبارات العسكرية والسياسية والقانونية. وقد ذكر
كارلوتشي فيما بعد ان الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت ان الأعمال العسكرية
الإيرانية المنطلقة من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى تشكل تهديداً للملاحة،
غير انه لم يتم مناقشة الجزر على أنها أهداف للانتقام من قبل مجموعة تشمله هو
ووانبيرجر وشولتز وكرو وباول وكبير موظفي البيت الأبيض جيمس بيكر. يقول أحد موظفي
وزارة الخارجية الأمريكية الذي كان مقره في أبوظبي في ذلك الوقت إنه كان بالإمكان
تحييد الجزر بصورة فورية، لكن لم يستقر الرأي على ان من الضروري عسكرياً قصف الجزر،
ولم يكن هناك من مبرر سياسي للقيام بعمل عسكري. وقد تابع الأسطول الأمريكي عن كثب
الأنشطة الإيرانية المنطلقة من الجزر، وتشاور مع دولة الإمارات العربية المتحدة في
شأنها. وفي الوقت الذي اعتبر فيه السلوك الإيراني نذير سوء، فإن المسؤولين
الأمريكيين لم يخطر في بالهم قط أنهم لا يستطيعون التعامل مع إيران.
ويؤكد مسؤول أمريكي آخر كان مقره في أبوظبي في ذلك الوقت أنه من غير المعقول ضرب
الجزر ما دامت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى الانتقام والردع فحسب. ولم يكن
بإمكان الولايات المتحدة الامريكية تحييد الجزر بصورة دائمة ما لم يتم وضع قوات
أمريكية في الجزر، ولو تم وضع حامية في الجزر لأدى ذلك إلى تعقيدات للولايات
المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة على حد سواء.
كتب كرو يقول إنه كلما تم بحث الانتقام الأمريكي إبان حرب الناقلات، أكد مسؤولو
وزارة الخارجية الامريكية انه يجب ان يكون (متناسباً) مع العدوان و(ليس تصعيداً بأي
شكل من الأشكال). ويؤكد مسؤول في الدائرة القانونية التابعة لوزارة الخارجية
الأمريكية أيضاً ان هناك مبدأ عاما وجّه قرارات تحديد الأهداف الأمريكية في أثناء
حرب الناقلات، وهو الرغبة في عدم تصعيد النزاع وعدم تعريض فكرة الحياد الأمريكي
للخطر، وأن أي انتقام أمريكي ضد أراض إيرانية، حتى الأراضي موضع النزاع كالجزر
مثلاً، من شأنه أن يعرض تلك الفكرة للخطر. أما منصات النفط الإيرانية، فعلى الرغم
من انها كانت ممتلكات إيرانية، فإنها كانت في مياه دولية، وبالتالي فإن الانتقام
منها لم يكن ينطوي على الخطر نفسه.
في تشرين الثاني/ نوفمبر 1992 رفعت إيران شكوى ضد الولايات المتحدة الأمريكية في
محكمة العدل الدولية بسبب إطلاقها النار على منصات النفط البحرية الإيرانية في
أثناء حرب الناقلات. وقد ادعت إيران ان الولايات المتحدة الأمريكية قد انتهكت
معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية المبرمة بينها وبين الولايات
المتحدة عام 1955، والتي ضمنت حرية الملاحة والتجارة بين طرفي المعاهدة. وقد فندت
الولايات المتحدة الأمريكية الدعاوى الإيرانية، وذلك في مذكرتها ودعواها المضادتين
المرفوعتين إلى محكمة العدل الدولية. وقد أرفقت الولايات المتحدة الامريكية الوثائق
المثبتة لاستعمال إيران هذه المنصات النفطية في مهاجمة السفن الامريكية وغيرها من
السفن المحايدة، وتضمنت تلك الوثائق العديد من الادلة، ومنها الاتصالات العسكرية
الإيرانية التي تم التقاطها، مع تقارير شهود العيان، والتقارير الرسمية، والصور،
وشظايا الصواريخ. وقد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بأن أعمالها العسكرية كانت
(ضرورية لحماية مصالحها الأمنية الأساسية)، وبالتالي فهي غير خاضعة لما نصت عليه
المعاهدة. كما أكدت الولايات المتحدة الامريكية أنها قامت بأعمالها العسكرية من
قبيل الدفاع عن النفس المشروع ضد الهجمات المسلحة غير المشروعة التي نفذتها إيران
على سفن الولايات المتحدة الأمريكية ومواطنيها، مبيّنة ان تلك الأعمال كانت (ضرورية
ومناسبة لاستعادة أمنهم والحيلولة دون استمرار الهجمات)، وأنها كانت (مقدرة بما
يتناسب والهجمات التي سبقتها)، وكانت (محدودة عن قصد من حيث نطاقها ومدتها)، وقد تم
(التخطيط لها وتنفيذها بحيث تتفادى إحداث معاناة لا داعي لها وأضرار ناجمة عنها)،
ولم تكن، كما ادعت إيران، (أعمالا انتقامية تهدف إلى إحداث ضرر اقتصادي).
وقد أفاد مسؤول في الدائرة القانونية من وزارة الخارجية الأمريكية بأن الرد
الأمريكي يعتبر وثيقة تدل أيضاً على استخدام جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى
لمهاجمة الملاحة البحرية. في تلك الحالة كان بالإمكان الأخذ في الحسبان اعتبارات
قانونية مماثلة تتعلق بالدفاع عن النفس باعتبار هذه الجزر أهدافاً محتملة. ومن
الممكن ان يكون قد تم اعتبار شن هجوم على زوارق بوغامر الراسية في جزيرة أبوموسى
ومنشآت الميناء في الجزيرة (عملاً ضرورياً ومتناسباً)، لأن زوارق بوغامر التي هاجمت
الملاحة قرب حقول مبارك النفطية في 18 نيسان/ إبريل كان مقرها في جزيرة أبوموسى.
لكن حتى إن تم إبداء هذه الحجة القانونية، فإن الأسبقية قد تكون للمنطقين السياسي
والعسكرية اللذين يبرران عدم تصعيد النزاع بمهاجمة الأراضي التي تطالب إيران بها.
وقد تتأثر السياسية الأمريكية في المستقبل بدقة أو عدم دقة مذكرات صناع القرار في
أثناء حرب الناقلات، علاوة على دقة أو عدم دقة المعلومات التي كانت في حوزة صناع
القرار الحاليين، وبذلك يكون جديراً بالملاحظة ان بعض كبار المسؤولين الأمريكيين
خلال عملية الإرادة الجادة لا يتذكرون دور جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى في
أثناء حرب الناقلات، وان بعض المسؤولين الأمريكيين الأحداث عهداً والحاليين الذين
يتولون المسؤولية عن شؤون الخليج لا يدركون تماماً الدور الذي مثلته هذه الجزر.
ويقول أحد موظفي وزارة الخارجية الأمريكية إنه ربما تم استعمال الجزر لشن الغارات
الإيرانية، لكنه لا يذكر حصول ذلك.
الأهم من ذلك ان قائداً سابقاً للقيادة المركزية الأمريكية في التسعينيات من القرن
العشرين يقول إنه عندما كان يدير القيادة المركزية لم يسمع قط بأن جزيرة أبوموسى قد
استخدمت كقاعدة لانطلاق الهجمات في أثناء حرب الناقلات. من الحقائق ان عدداً من
المسؤولين الأمريكيين السابقين والحاليين لا يملكون معرفة عميقة جداً بملكية دولة
الإمارات العربية المتحدة التاريخية للجزر وحقها فيها. ويقول مسؤول حالي في وزارة
الخارجية الأمريكية، الذي عمل في السفارة الأمريكية بأبوظبي في أثناء حرب الناقلات،
إنه لم يتوصل قط إلى اقتناع تام حول ما إذا كانت المطالبة الإماراتية بالجزر هي
الأقوى أم المطالبة الإيرانية، وأن القضية لم تلفت انتباه عدد كبير من زملائه، وان
الولايات المتحدة الأمريكية لم تتخذ أي موقف رسمي من القضية إبان الحرب. ان توافر
معلومات تاريخية أكثر دقة عن طريقة استخدام إيران لهذه الجزر في أثناء حرب الناقلات
والمزيد من المعرفة بقوة المطالبة الإماراتية بالجزر على الصعيدين التاريخي
والقانوني سوف يساعد صناع القرار الامريكيين حين التعاطي مع هذه القضية في
المستقبل.
يذكر دبلوماسي امريكي سابق ان الولايات المتحدة الامريكية لم تعر اهتماماً كبيراً
للجزر إلا بعد انتهاك إيران لمذكرة التفاهم حول جزيرة أبوموسى عام 1992. فقد نزلت
الولايات المتحدة الأمريكية عند رغبة دولة الإمارات العربية المتحدة واستحسنت عزمها
السعي للتوصل إلى حل سلمي للنزاع. كما فضلت إبرام تسوية من خلال المفاوضات الثنائية
مع إيران، وأدركت ان دولة الإمارات العربية المتحدة كانت تثير هذه القضية في
المنتديات الدولية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية،
لكي تشجع إيران على المشاركة في مفاوضات ثنائية. لكن الولايات المتحدة الامريكية لم
تكن تريد اتخاذ موقف من المطالبات القانونية المتعارضة حول الجزر. كذلك لم يكن
العمل العسكري الأمريكي خياراً مطروحاً في الرد على أحداث عام 1992.
في الفترة 1992-1993، جرت محادثات بين الولايات المتحدة الامريكية ودولة الإمارات
العربية المتحدة بشأن استصدار قرار لمجلس الامن التابع للأمم المتحدة حول الجزر،
لكنهما قررتا عدم التركيز عليه، إذ ما لم تتوافر أغلبية قوية في مجلس الأمن، فإن
مثل هذا التحرك يمكن ان يكون غير فاعل، وقد أسهمت قضايا مثل تغيير أعضاء مجلس الأمن
مع مرور الوقت ووجهات نظر بعض الدول الأعضاء نتيجة مواقفهم المتوازنة، مثل تفكير
تركيا واليونان بنزاعهما حول قبرص وقلقهما حول سوابق ممكنة، أسهمت في منع الولايات
المتحدة الامريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة من التقدم بالقضية. كذلك لم ترغب
الولايات المتحدة في زيادة تشدد إيران في موقفها من الجزر، حيث رأت ان ذلك سيحدث لو
تم وضع قرار جديد على جدول أعمال المجلس.
يمكن ان نضيف هنا القول إنه في القوت الذي كانت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي
وجمهورية الصين الشعبية تقدران قيمة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع دولة
الإمارات العربية المتحدة، فإن كلتا الدولتين قد أعطتا الأولوية لعلاقاتهما
الدبلوماسية والتجارية مع إيران، وربما كانتا غير راغبتين في دعم دولة الإمارات
العربية المتحدة في قضية الجزر. لكن في أيلول/ سبتمبر 1992، طلبت جامعة الدول
العربية بالفعل إلى أمين عام الأمم المتحدة ان يستخدم مساعيه الحميدة لبحث القضية.
وفي 2 كانون الثاني/ يناير 1994، قال الأمين العام بطرس بطرس غالي ان الأمم المتحدة
ستلعب أي دور مناسب لحل النزاع. وقد سعى إلى عقد اجتماع مع الإيرانيين لبحث القضية،
غير ان طهران لم تكن مستعدة لاستقباله.
أبدت الولايات المتحدة الامريكية مزيداً من الاهتمام بجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى
وأبوموسى في عامي 1994 و 1995. وقد أفاد بيان صادر بعد اجتماع تم عقده في 27 نيسان
/ إبريل 1994 بين وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر ووزراء خارجية دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية الست، بأنهم جميعاً يقدرون جهود دولة الإمارات العربية
المتحدة لحل قضية الجزر الثلاث، ودعا إيران للدخول في محادثات جادة مع دولة
الإمارات العربية المتحدة لحل النزاع. وأفاد بيان صحفي صدر بعد اجتماع آخر تم
بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 1994 بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الست ووزير
الخارجية الأمريكي بما يلي : (وقد أشاد وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج
العربية بدعم الولايات المتحدة الامريكية لدعوة مجلس التعاون لتحويل النزاع بين
إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى محكمة العدل الدولية). ثم بعد اجتماع
ثالث عقد بتاريخ 12 آذار/ مارس 1995، أصدر كريستوفر ووزراء خارجية دول مجلس التعاون
بياناً مشتركاً ورد فيه ما يلي :
عبّر الوزراء عن تقديرهم الشديد لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة لإيجاد حل
سلمي لقضية الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، التي
تعود ملكيتها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد حث الوزراء الجمهورية
الإسلامية الإيرانية إلى الاستجابة لمبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة
والموافقة على تحويل هذا النزاع إلى محكمة العدل الدولية.
وقد كتب ريتشارد شوفيلد في هذا الصدد بأن كريستوفر عندما (أضاف اسمه) إلى هذا
البيان المؤرخ في 12 آذار/ مارس 1995، فبذلك (اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية
الخطوة غير المعتادة المتمثلة في التخلي عن مركز الحياد في النزاعات على الأراضي في
المنطقة). وبالفعل فقد اكدت الوثيقة بوضوح لا لبس فيه أن الجزر (هي ملك دولة
الإمارات العربية المتحدة). لكن مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية في كل من واشنطن
وأبوظبي لم يذكروا سوى ان كريستوفر أدلى ببيان مفاده ان (دولة الإمارات العربية
المتحدة قدمت مطالبة قوية بالجزر). وفي الوقت الذي يعترفون فيه ان ذلك أضاف عنصراً
جديداً إلى موقف الولايات المتحدة الرسمي من تاريخ الجزر والمطالبات القانونية بها،
فإنهم يؤكدون أيضاً ان (سياسة وزارة الخارجية تقضي بعدم المشاركة في وقائع القضية
). وليست الولايات المتحدة الأمريكية متطلعة على التدخل في مسألة الملكية، أي انها
– كما قولوا – ليست تواقة لأن تستغل النزاعات الحدودية في تحدي إيران، ولن يكون
هناك عمل عسكري أمريكي انفرادي لتسوية النزاع القانوني حول الجزر، ولا تود الولايات
المتحدة الأمريكية ان يكون النزاع القانوني سبباً في إثارة القتال، علماً أن
المسؤولين الأمريكيين لا يسلمون بوجهة النظر الإيرانية.
جاء الدعم الامريكي في نهاية أيلول/ سبتمبر 1994 في وقت قدرت فيه واشنطن دعم دولة
الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعملية السلام
العربية – الإسرائيلية، وخاصة التعهدات بإنها مقاطعتها من الدرجتين الثانية
والثالثة للشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل. وقد جاءت رغبة كريستوفر في
اتخاذ خطوة إضافية في آذار/ مارس 1995 في وقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى
فيه للاستفادة من نفوذ دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية لدى الدول الأخرى الأعضاء في جامعة الدول العربية لإنهاء هذه
المقاطعة، وحينما كانت الولايات المتحدة تنشد الدعم المالي من دولة الإمارات
العربية المتحدة وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للسلطة الوطنية
الفلسطينية وبنك تنمية الشرق الأوسط.
تصادف صدور إعلان كريستوفر في آذار/ مارس 1995 مع قلق أمريكي متزايد من ان تعاظم
الوجود العسكري الإيراني في الجزر وحولها كان يشكل تهديداً ممكناً. وفي 28 شباط/
فبراير 1995 ذكر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال جون شاليكاشفيلي ان
إيران نشرت صواريخ هوك المضادة للطائرات على جزيرة في مضيق هرمز، وحملت صواريخ في
قاذفات، ونشرت مدفعية في مواقع متقدمة. وقال : (إن ذلك كله يمكن ان يؤدي إلى
استنتاجات كثيرة، أحدها انهم يريدون ان يتمتعوا بالقدرة على اعتراض حركة المرور في
مضيق هرمز). وفي الوقت نفسه ذكر مسؤولون آخرون في البنتاجون ان إيران قد زادت عدد
قواتها في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى من 700 فرد إلى 4000 فرد، ونشرت
دبابات وصواريخ SA-6 أرض – جو ومدفعية عيار 155 مليمتراً في الجزر. والى جانب
صواريخ سيرساكر المضادة للسفن، الصينية الصنع، الموجودة في البر الرئيسي لإيران وفي
جزر أخرى في المنطقة، فإن هذا الانتشار ( يتيح لهم تغطية للممرات المائية بصواريخ
أرض – أرض وبالمدفعية). لكن مسؤولاً آخر في البنتاجون قال : (ليس هناك ما يدل على
وجود نوايا عدوانية. ويتمثل موطن القلق الحقيقي في إمكانية وقوع حادث غير مقصود حيث
تمر السفن على نحو متقارب جداً، وقد يشعل شخص مغرم بالحروب فتيل الحرب). وأضاف
الرئيس بيل كلنتون القول إنه في الوقت الذي (نرى فيه انه لا يوجد سبب غير وجيه
للقلق في هذه اللحظة .... فإنه موقف نقوم به بمراقبته عن كثب).
بعد ان شكت إيران من ملاحظات شاليكاشفيلي، قال الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع
الأمريكية كينيث باكون Kenneth Bacon في 2 آذار/ مارس : إن نشر القوات الإيرانية في
أبوموسى والجزر المجاورة قد بدأ منذ منتصف تشرين الاول/ أكتوبر 1994 عندما كثفت
الولايات المتحدة الامريكية وجودها العسكري في الخليج لإحباط أي تحرك عراقي ضد دولة
الكويت، وعلق قائلاً : (إننا نرى أنها دفاعية في المقام الاول، ولا نرى فيها ما
يستهدف تهديد الملاحة الدولية أو الامريكية في المنطقة. لكن نشر القوات يزيد بالفعل
إمكانية حدوث خطأ في التقدير. كما أنهم قلقون من تلك الناحية).
ومع ذلك فإن مساعد وزير الدفاع الأمريكي جوزيف ناي قال في شهادته أمام مجلس الشيوخ
في ذلك اليوم نفسه : (مهما يكن الدفاع الإيراني المحدد لتحصين الجزر بالقوات، فإن
إسهام قوة معادية في إيجاد قواعد محيطة بالممرات الغربية الموصلة إلى مضيق هرمز
يعتبر بوضوح مصدراً جدياً للقلق على حركة الملاحة التجارية وعلى وجودنا البحري وأمن
أصدقائنا العرب).
إضافة إلى ما سبق، فقد تحدث وزير الدفاع الأمريكي وليم بيري علناً عن عمليات نشر
القوات الإيرانية هذه في مضيق هرمز في 22 آذار/ مارس 1995، في أثناء جولة له في دول
مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، حيث قال : (إنه نشر للقوات يتجاوز أية
متطلبات دفاعية معقولة، ويمكن النظر إليه بوصفه تهديداً للملاحة في المنطقة).
وعندما أوضح مسؤولو الإدارة الامريكية انهم رأوا أدلة على نشر أسلحة كيماوية في
جزيرة أبوموسى، قال الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض مايكل ماكوري Michael MacCurry
إنه كانت هناك (درجة عالية من القلق) في الإدارة الأمريكية تجاه نوايا إيران. أما
أولئك المسؤولون الذين كانوا قد اعتبروا عمليات نشر القوات الإيرانية رد فعل
دفاعياً على عمليات الانتشار الأمريكية في الخليج في تشرين الاول/ أكتوبر 1994، فقد
تشككوا في تحليلهم الأصلي في ضوء الحقيقة القائلة ان عمليات الانتشار الإيرانية
استمرت وتزايدت في ربيع عام 1995.
فيما بعد، استشهدت دراسة صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية في أيار/ مايو 1995
بعنوان الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط بامتلاك
إيران لأسلحة تقليدية على الجزر المتنازع عليها وتزايد وجودها العسكري فيها، كدليل
على ان إيران (تسعى ناشطة لامتلاك القدرة على تهديد السفن التجارية الداخلة إلى
الخليج والخارجة منه)، و (تقوم باستعراض عضلاتها في وجه جاراتها الخليجيات الأصغر
حجماً). وقد حذرت وزارة الدفاع أيضاً في هذه الدراسة من ان برامج إيران لأسلحة
الدمار الشامل يمكن ان يكون لها (تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي وربما على
قدرتنا – أي الأمريكيين – على حماية مصالحنا في المنطقة). وفي صيف عام 1995 قامت
الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة تفعيل الأسطول الخامس كجزء من القيادة المركزية،
مع توليه المسؤولية عن العمليات البحرية في الخليج والمحيط الهندي. وفي كانون
الثاني/ يناير 1996 ذكر قائد الاسطول الخامس الامريكي، ومقره البحرين، ان إيران قد
أطلقت على سبيل التجربة صاروخاً صيني الصنع، مضاداً للسفن، من سفينة قرب مضيق هرمز.
وبعد عام، وفي أثناء جولة لوزير الدفاع الامريكي وليم كوهين بمنطقة الخليج في منتصف
حزيران/ يونيو، ذكر الوزير أن إيران قد أطلقت صاروخاً جديداً مضاداً للسفن، صيني
الصنع، تم إطلاقه من الجو، وقال : (توحي تصريحات وتصرفات إيران بأنها تريد ان تصبح
قادرة على تخويف جيرانها واعتراض التجارة في الخليج)، وحذر (بأن الولايات المتحدة
الأمريكية لن تسمح بحدوث ذلك).
جاء إعلان كريستوفر في آذار/ مارس 1995 أيضاً في وقت كانت فيه الولايات المتحدة
الأمريكية تدرس إصدار تشريع يخطر التبادل التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية
وإيران، ولا سيما بعد ان أعلنت شركة النفط الأمريكية كونوكو Conoco عن صفقة مع
إيران تطور الشركة بموجبها حقلين إيرانيين للنفط والغاز مقابل سواحل جزيرة صري في
الخليج. وقد أصدر الرئيس كلنتون أمراً تنفيذياً يحظر صفقات تطوير النفط والغاز تلك
في 4 آذار/ مارس 1995. وقد تبع ذلك في 6 آذار/ مارس 1995 أمر تنفيذي يحظر كافة
أنواع التبادل التجاري والتمويل التجاري والقروض والخدمات المالية من الولايات
المتحدة لإيران. وفي آب/ أغسطس 1996 وقع كلنتون قانون العقوبات على إيران وليبيا
الذي فوض الرئيس بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستثمر في تطوير موارد
النفط والغاز الإيرانية.
وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً رسمياً في تشرين الاول/ أكتوبر 1997
عبّر عن وجهة النظر القائلة إن دولة الإمارات العربية المتحدة لها دعوى قوية
للمطالبة بالجزر، وقد دعمت الجهود الدبلوماسية الإماراتية لتحقيق حل سلمي للنزاع مع
إيران، كما عبر أيضاً عن القلق من تسليح إيران للجزر. وقد ورد في البيان ما يلي :
إن الولايات المتحدة الامريكية تدعم جهود دولة الإمارات العربية المتحدة لتحقيق حل
سلمي لنزاعها مع إيران حول ثلاث جزر في الخليج، هي أبوموسى وطنب الكبرى وطنب
الصغرى.
لقد راقبنا بقلق إيران وهي تعزز وجودها العسكري في الجزر الثلاث. وللأسف فإن إيران
مستمرة في تسخين النزاع بالإقدام على المزيد والمزيد من الأعمال الاستفزازية، مثل
زيادة وجودها العسكري وإيجاد وقائع على الأرض. وينبغي على إيران الامتناع عن اية
أعمال أخرى استفزازية أو مهددة للاستقرار.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد ان دولة الإمارات العربية المتحدة تملك حقاً
قوياً في المطالبة بالجزر. وإننا نحث الطرفين على إيجاد حل سلمي، سواء عن طريق
المفاوضات المباشرة، أو بتحويل القضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، أو بآلية
أخرى مرضية للطرفين.
وإننا لنذكر أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية والاتحاد
الأوروبي قد عبروا جميعاً عن تأييدهم لحملة دولة الإمارات العربية المتحدة
الدبلوماسية لتسوية نزاع الجزر سلمياً. وسوف يراقب العالم ليرى كيف تستجيب طهران.
ويمكن النظر إلى هذا البيان بوصفه بياناً للسياسات الامريكية حيال قضية الجزر خلال
التسعينيات من القرن الماضي.
لقد عبرت بريطانيا أيضاً عن دعمها لدولة الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1992 فما
بعد. وفي اثناء الاجتماعات مع وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات العربية
المتحدة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان في لندن في تشرين الاول/ أكتوبر 1994، عبر
وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد ومسؤولون بريطانيون آخرون عن الدعم البريطاني
لمطلب دولة الإمارات العربية المتحدة بتحويل قضية الجزر الثلاث إلى محكمة العدل
الدولية. وقال هيرد أيضاً في أثناء زيارة له إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في
منتصف آذار/ مارس 1995: (إن أسلوب دولة الإمارات العربية المتحدة في معالجة القضية
ينطوي على العزيمة والحرص، وإننا ندعم بقوة تحركهم لحلها في محكمة العدل الدولية ).
كذلك جدد الاتحاد الأوروبي أيضاً – برئاسة بريطانيا في نيسان/ إبريل 1998 – دعمه
لحل سلمي لنزاع الجزر وفقاً للقانون الدولي، إما من خلال المفاوضات المباشرة أو من
خلا محكمة العدل الدولية.
أدى سلوك إيران بعد ذلك ايضاً إلى صدور تصريحات جديدة من مسؤولين أمريكيين
وبريطانيين كانوا يزورون منطقة الخليج في آذار/ مارس 1999. فقد قال وزير الدولة
البريطاني للشؤون الخارجية والكومنولث ديريك فاتشيت Derek Fatchett في 4 آذار/ مارس
ما يلي: (إننا نريد حلاً سلمياً للنزاع، وذلك هو سبب قولنا دائماً إنه يجب حل
القضية من خلال النظام القضائي الدولي). وقد عبر قائد القيادة المركزية الأمريكية
الجنرال أنتوني زيني عن الدعم الأمريكي لحل سلمي لنزاع الجزر في 14 آذار/ مارس.
وقال السفير الأمريكي بدولة الإمارات العربية المتحدة تيودور كتوف Theodore Kattouf
في حزيران/ يونيو: ( نود أن نرى قضية الجزر وقد حلت عن طريق المفاوضات الجدية بين
إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة)، أو من خلال محكمة العدل الدولية، وأضاف
قائلاً : (لقد انزعجنا من أسلوب الإيرانيين إزاء قضية الجزر. إن القضية يجب حلها
ودياً).
قال وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية والكومنولث بيتر هين Peter Hain في
تشرين الاول/ أكتوبر، وهو يتحدث حول قضية الجزر: (من المفهوم ان دولة الإمارات
العربية المتحدة قلقة على أمنها، وقد أبلغتُ هذا للحكومة الإيرانية. وسوف نقف
بصرامة خلف دولة الإمارات العربية المتحدة في حماية أمنها). وقال هين أيضاً : (إننا
نريد أن نرى إيران مسالمة لجيرانها. إن المملكة المتحدة تشعر ان تحقيق ذلك ممكن من
خلال العلاقات الدبلوماسية الإيجابية مع الرئيس خاتمي وبرنامجه الإصلاحي الذي نود
ان نراه يتحقق). كما صرح تارجا هالونين Tarja Halonen وزير خارجية فنلندة ورئيس
الاجتماع الوزاري المشترك بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية
بقوله ان الاتحاد الاوروبي يؤيد حلاً سلمياً لنزاع الجزر عن طريق المفاوضات أو من
خلال محكمة العدل الدولية.
في كانون الثاني/ يناير 2000 جددت جمهورية الصين الشعبية تأكيد دعمها لجهود دولة
الإمارات العربية المتحدة لحل قضية الجزر سلمياً، عندما قال نائب وزير الخارجية دنج
A.J.B Deng في أبوظبي : (إن أسلوب دولة الإمارات العربية المتحدة حكيم، وينسجم مع
الاتفاقيات والاعراف الدولية). وفي آذار/ مارس قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي
إداورد (نيد) ووكر Edward (Ned) Walker إن عمليات الانفتاح الأمريكية مؤخراً على
إيران (لا تعني أي تغيير في سياساتها تجاه قضية الجزر الإماراتية). وقال أيضاً :
(ان الولايات المتحدة تقف بحزم وراء مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي
تدعو إلى حل القضية من خلال المفاوضات السلمية)، وأضاف ان عمليات انفتاح الولايات
المتحدة الأمريكية على إيران قد تمكن الولايات المتحدة من إقناع قادة إيران
المعتدلين وبرلمانها الجديد من ان يكونوا أكثر تجاوباً مع المفاوضات في هذه القضية.
وفي نيسان/ إبريل قال الجنرال زيني : (أرى انهم – المسؤولين الإيرانيين – إذا كانوا
يريدون علاقات جيدة في الخليج، فسيكون عليهم معالجة القضية والتعاون مع دولة
الإمارات العربية المتحدة في حل القضية). وعندما سئل تحديداً عما إذا كانت الولايات
المتحدة تدعم وجهة نظر دولة الإمارات العربية المتحدة بأن على إيران إخلاء الجزر،
لم يزد على ان قال : (أعتقد أن أفضل موقف أمامنا – الولايات المتحدة – لنتخذه هو ان
نجلس ونحل القضية). وفي أواخر تشرين الاول/ أكتوبر قال بيتر هين: (إننا نقيم علاقات
دبلوماسية طيبة مع الإيرانيين، وبذلك فإننا نتفهم مصادر قلق دولة الإمارات العربية
المتحدة ونطلب ان يتم حل النزاع سلمياً بقدر الإمكان). لكنه اضاف القول : (إنني لا
أعتقد ان بإمكان بريطانيا ان تتحمل المسؤولية عن هذا الوضع أو ان تقوم بدور مباشر
في حل القضية). وذكر ان بريطانيا كانت تنتظر ان ترى حصيلة جهود مجلس التعاون لحل
النزاع.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي فاز بجائزة توبل
للسلام عام 2002، قد صرح في نيسان/ إبريل من العام نفسه، مشيراً إلى دعم مجلس
التعاون لدول الخليج العربية لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة، بالقول: (إن
جميع الدول تتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة الجزر، وسوف تتحقق
إيران بأنها ليست مجرد دعوة منفردة، ولكن ثمة آخرون قد انضموا إلى الجهود لإيجاد حل
سلمي لهذه القضية).