الصفحة الرئيسية
سيرة شاعر
مراسلة الإدارة
الكتب والمراجع والحقوق
الشعراء : 60
القصائد : 3467
سيرة شاعر : 24
قراء القصائد : 7752697
المتواجدين حاليا :
محرك البحث
بواسطة
 
جديد الشعر
كل ما قلت الهوى منّه بأتوب
فخر الأجيال
ياسلام
يا ناعم العود
يا مشعل القلب
يا عيد الأعياد
يا طيب القلب
يا أيها
يا ابن آدم
وين أنت
 
الصفحة الرئيسية » سيرة شاعر » الماجدي بن ظاهر

الشاعر الكبير : علي بن ظاهر المايدي


مولــده
لذلك فأننا نرى انه من الاهمية بمكان ان نترجم لحياة شاعر كابن ظاهر ....
من الصعب جداً ان نقف على تفصيل حياة هذا الشاعر لبعد الشقة بيننا وبينه من ناحية ولعدم توفر ترجمة كتابية عن حياته من جهة أخرى .. وما وقفنا عليه في ذلك إنما هي روايات من أفواه بعض العارفين من المسنين في دولة الإمارات.
وقد اختلفت هذه الروايات في مولد إبن ظاهر ونشأته .. فمن قائل انه ولد في قرية الذيد من أعمال الشارقة مستنداً في ذلك إلى ما جاء في أشعاره عنها وعن وصف نخيلها .. ولكن ذلك في رأينا ليس دليلاً قاطعا لمولده فيها .. فقد تعرض ابن ظاهر في أشعاره للذيد كما تعرض لغيرها من مناطق الإمارات وقراها .. ومن قائل انه ولد في رأس الخيمة بمنطقة الساعدي .. ودليله على ذلك ان الشاعر كان ملمّا بأحداث هذه المنطقة وكثيرا ما كان يتردد ذكرها في اشعاره وخاصة حادثة المعيريض المفجعه. وقد تكون هذه الرواية أرجح لدينا من الاولى لسببين أولاهما :
ان الانسان إذا تقدمت به السن أصبح كثير التحنان والشوق إلى وطنه وهذا ما يفسر لنا كثرة تردد اسم تلك المنطقة في شعر ابن ظاهر وتعرّضه لكثير من أحداثها.
ثانيهما : من المعروف ان إبن ظاهر في آخر حياته قد استقر بالخرّان ودفن بأرضها بناء على وصيته .. وما يزال قبره معروفاً فيها إلى الآن وفي ذلك قال :
قبل وفاته بقليل .
ما بين سيح أو ساحل منقادي         هناك وين العين طاب منامه
وفي رواية لأحمد بن مصبح بن حموده بان الشاعر ابن ظاهر ولد بالقرب من منطقة الخرّان ونشأ بها وترعرع على أرضها وعندما اشتد عوده وأصبح من القادرين على تحمل الأخطار والضرب في الأرض اخذ يتنقل في مدن الامارات وقراها .. وفي آخر عمره استقر في الخرّان وتوفي فيها ودفن بها .. ويذكر لنا الراوي ايضا ان ابن ظاهر قد أجرى بعض التجارب على الاراضي التي أحب ان يدفن فيها بعد موته .. وكانت لديه دريه بدفنها في التراب حيث حل حولاً كاملاً ثم يعود لنبشها فيجدها وقد أكلها التراب .. إلا التي دفنها في الخرّان وجدها باقية على حالها لم تتغير .. لذلك أوصى بدفنه فيها ..
وكان ابن ظاهر كما يروى عنه وكما تدلنا أشعاره أيضا انه رجل بدوي اعتاد التنقل في أرجاء المنطقة شأنه في ذلك شأن البدو الرّحل الذين ينتجعون مواقع القطر ومنابت الكلأ .. وله في ذلك عدة قصائد يذكر فيها كثيراً من تلك المواطن التي كان ينتجعها .. واليكم الأبيات التي يذكر فيها تلك المناطق بالاسم :
ورويت لرض من شرق أو غرب             وأسقت كلما حازت اعماني
من افيوي الينوب إلى الشمال                   من الظفره إلى سيفة إدهاني
وروي الرمل مع سيح الغريف                 ووادي المكن داناه المداني
على نزوه وما حاز الهباب                     ووادي الجرن واسقانا زماني
وأسقت من فلاح إلى العذيب                    مجوج الماء ثمان في ثماني
على الصجعه وما حاز العشوش               على البطحاء وتمت روهجاني
على رمل الحويمي والغدير                     وسيح اليلح مخضر المثاني
على تاهل وعثمر والغويل                     على وادي سلام أو سيهجاني
من غرى ﭼﺪ روح الغالي                       فوق حول اسمان لاقيته
بو مضيمر والردف عالي                      من ورا لثياب خصّيته
حافظ على تاهل واهاليه                         واللي سكن لحليو يفداه
غزلان رينا في مفا ليه                          بالحل يا ريم لقفناه
إلى كفا وما حاز الخرير                        مشرجة تباحيل الدباني
على المزرع وخطا والهزوع                  مهايفة إلى مريال ثاني
على كلبا وما حاز الجبال                       من البلدان من قاصي أو داني
وجاد الجود منها في الشمال                   على البدوان ساحبة الجناني
وجاه السيل من روس الجبال                 وجل إغفاه وامتلت المغاني
وسوت لرض عشب زين لون               يشوج رايده لي جاه عاني
وجابوا حي شوقي من ابعيد                   وبنو في مغانيها المباني
وطاب النوم من عقب الهموم                 وجابوا صاحبي ملبعدداني
حسين الصور مجلود الخصور              لكنه من ظبي سيح اليماني
سوى عن لكنها عين ريم                      وعنق مثلما عنق الدماني
وراس أسمر جاني سبيب                     كما الغربيب واجنا منه جاني
وصلوا يا حضور على                         الرسول عدد مالاح براق اليماني
ويمضي بنا الشاعر مع السحاب فيشير إلى انه قد عم جميع بدوان المنطقة التي يسكنون بها وهي من الظفرة آخر حدود ابوظبي إلى دهان براس الخيمة.

تاريخ مولد ابن ظاهر
أما عن تاريخ مولده ووفاته فاننا لا نستطيع ان نضع لهما رقماً معيناً ولكن يمكننا ان نحدد الفترة التي عاشها الشاعر .. فقد عاصر ابن ظاهر فترة من عهد الدولة اليعربية التي قامت في عمان سنة 1024هـ ... ودليلنا على هذا ان ابن ظاهر قد مدح أحد أئمة هذه الدولة وهو الامام سيف بن سلطان الملقّب بقيد الأرض والذي تولى الامامة في عام 1104 هجرية وتوفى عام 1123 هـ بعد حكم دام تسعة عشر عاماً.
يقول ابن ظاهر في قصيدته التي يمدح بها قيد الأرض – سيف بن سلطان
نرعى القفور إبلا سبور ولا لنا         دور يدور وهو مرد الجامه
في ظل بوسلطان لي يهين العدا         اللي رقى من العز ذروة سنامه
لي ييت ريت مجالس مفتوحة           وصياني تركض بها خدّامه
وللأسف ان هذه القصيدة قد ضاعت ولم يبق منها إلا هذه الأبيات الثلاثة على ألسنة الناس.

ذكاؤه
إشتهر الشاعر ابن ظاهر بسرعة البديهة وحدة الذكاء .. فيروى أن وفداً من ثلاثة رجال قدموا إلى ابن ظاهر .. فستقبلهم ورحب بهم وبما أنه لم يكن يعرف شيئاً عن أسمائهم .. فقد سأل الأول ما اسمك؟ فأجابه : (اللي على يدك اليمنى) فرد ابن ظاهر مرحباً بخاتم : ثم سال الثاني عن اسمه فأجابه (تمرك العامي) فقال له ابن ظاهر : حيا الله عتيج ثم سأل الثالث عن اسمه فأجابه (خذ من العشرة ثلاثة) فقال له : أهلا بالسبع.
ويروى ان ابن ظاهر قد عمّر طويلا حتى إنحنى ظهره وتقوس فالتقى به أحد الشباب وقال له بكم هذا القوس .. يعرض بانحناء ظهر الشاعر فأجابه ابن ظاهر على البديهة قائلا (أصبر بييك القوس بلا ثمن) أي مهلاً فسأتيك القوس الذي تسأل عن قيمته بلا ثمن.
كما تتناقل الروايات قصة الضيوف الذين قاموا إلى ابن ظاهر وما كانوا يعرفونه شخصيا وكان الشاعر وقتها صفر اليدين لا يملك من حطام الدنيا ما يستطيع به إكرامهم .. فوجدوه يضرب بسوطه شجر الغاف ليطعم ناقته .. فسلّموا عليه ثم سألوه عن ابن ظاهر .. فأشار لهم على خيمة كبيرة من خيام الحي قائلا : تلك هي دار إبن ظاهر .. فقصدوها ورحب بهم صاحبها واستضافهم .. فلما جهز الطعام أمر صاحب البيت بدهوة ابن ظاهر لتناول العشاء معهم .. وعندما جاء ابن ظاهر عرف القوم انه هو الرجل الذي كتم عنهم إسمه وأشار لهم على دار مضيفهم .. فاستغربوا منه هذا الفعل ووجّهوا له هذا المثل (كم صبي ميضخان الميالس يميل النّبا عنه ولا هو يميل) ومعناه انك خلاف ما سمعناه عنك من ذكر جميل فأجابهم ابن ظاهر بقوله :
يميل عود الموز لي عاد مورج          ولي عاد عريان فهل ﭼﻴﻒ يميل
فوالله ما بي من ملاقاة غلمه              لكن ما بين اليدين جليل
ويعني ان الإنسان يكرم إذا كان موسراً .. ولكن ماذا يصنع إذا كان معسراً .. وقد شبه ابن ظاهر نفسه في حالة عسره بشجرة الموز الجرداء التي تساقطت أوراقها فأصبحت عديمة الجدوى خلافا للشجرة المورقة التي يستفاد من ظلها ومن ثمرها .. ويعني بها حلة غناه ويسره .. ومن هذا البيت نستدل على ان الشاعر وقتها كان معدماً إلى درجة انه لا يملك ما يضيف به مستضيفه .. وقد أصبح هذا البيت مثلا يتداوله الناس في مثل هذه المناسبات التي يتعرضون لها. وكان إبن ظاهر خفيف الظل مرحاً ينجح بعض الأحيان إلى مداعبة ضيوفه وأصدقائه ببعض النكت والألغاز.
ومن نكته ان ضيوفا قدموا إليه فاستقبلهم ولما قدم لهم الطعام قال :
تيس وديك وعنزين .. قم يا خاطر اتعش .. ما معنى أربعتعش
فلما نظر الضيوف إلى الأكل الذي أمامهم لم يجدوا سوى تيس لي إلا فاستغربوا منه ذلك القول .. وسألوه ما معنى ذلك وليس في الوعاء إلا تيس واحد. فضحك الشاعر وقال لهم : ألا تعرفون ما أعني : فقالوا لا قال ابن ظاهر : تيس وديك .. أي تيس سمين وعنزين : أي وعاء نظيف .. أما معنى اربعتعش فهي عدد السموات والارض.
وحكاية أخرى عن ابن ظاهر : أن جماعة قدموا إلى منزله بقصد تعجيزه فقال قائلهم له لا غزاً.
إيش الفتاة اللي يزاغيها الصبا؟
فأجابه : ابن ظاهر : سفينة ويديرها سكانها (دفتها)
قال : ايش الفتاة اللي تجهجل عينها ؟
قال ابن ظاهر : هي الرحا ويديرها مطحانها.
قال السائل : ايش الفتاة اللي حسين لونها؟
قال ابن ظاهر : الشمس والله عالم بازوالها.
وللشاعر كثير من هذه النكات والطرائف سجلنا هنا ما وقفنا على جلّيته، من أخبار الرواة :
بعد هذا التطواف الموجز في رحاب حياة الشاعر ابن ظاهر .. يجدر بنا ان ننتقل بكم لنستعرض بعضا من أشعاره.

مهنتـه
إمتهن الشاعر حرفة صيد السمك واللؤلؤ الذي يستخرج من المياه القريبة من الساحل والتي تسمى بالقحه حيث كان الغواصون يذهبون إليها لصيد اللؤلؤ والسمك معاً صباحاً ويعودون ظهراً .. وكانت لابن ظاهر شاشة في منطقة دهان من أعمال رأس الخيمة يستعملها في الكسب على عياله من تلك المهنة المذكورة.
وكان من عادة حاكم رأس الخيمة وتوابعها فرض ضريبة على كل سفينة عاملة في البحر بنسب متراوحة حسب حجم السفينة فلما طولب الشاعر بأداء هذه الضريبة إستاء من ذلك الطلب وامتنع عن أدائها وأنشد هذين البيتين :
مالي في دهان طوال دوم             ولا في الحيل مخضر الخوافي
وراس المال شاشه                     من يريد بطبعها وبخلي الكرب غافي
ويقصد الشاعر بأنه رجل فقير لا يملك سفينة كبيرة في دهان وهي التي كنى عنها بقوله (طوال دوم) ولا يملك نخيلاً خضراء في منطقة الحيل يدران عليه كسباً ويضطرانه على البقاء فيهما .. وإنما كل رأس ماله شاشة صغيرة يسهل عليه ان يغرقها في البحر ويرحل عنها إن رأى ما يغضبه .. وتستطرد الرواية بأن الشاعر قد ترك دهان بعد ذلك وذهب إلى جميراء الواقعة غرب بر دبي وأقام فيها مدة قصيرة يمارس فيها نفس مهنته السابقة لكن لم يطل به المقام فرجع بعدها إلى بلاده وفي الجميراء يقول:
ماها ومرعاها قريب لاهلها          وعنها أهلها ما يشومون إل دار

التعريف بقبيلته
لم نقف لابن ظاهر على إسم واضح كامل سوى ما جاء في أشعاره من ترداد التعبير عن نفسه بالماجدي ابن ظاهر .. وظاهر إما ان يكون أبا الشاعر أو لقباً اشتهر به أو ان عادة الناس في تلك الأوقات ان ينادوا الانسان بابن فلان نسبة إلى أبيه أو بأبي فلان نسبة إلى إبنه البكر كما هو مشاهد بكثرة عند القبائل البدوية حتى يصبح ذلك علماً عليه لا يعرف بغيره.
· أما المواجد الذين ينتسب اليهم الشاعر في اكثر قصائده ففيهم ثلاث روايات :
- الأولى : للشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة سابقاً ويذهب إلى ان المواجد فرع من المزاريع .. ويقول : مما يثبت ان المواجد فرع من المزاريع ان أمير إذن الشيخ محمد بن سلطان الماجدي مزروعي.
- الثانية : لحمد بن عبدالله العويس فيذهب إلى ان المواجد قبيلة من قبائل بني ياس ومسكنهم منطقة مزيد القريبة من العين وما يزالون بها إلى الآن.
- الثالثة : لأحمد بن مصبح بن حموده ويقول بأن المواجد فرع من المطاريش وان كل ماجدي مطروشي ويؤيده في ذلك راشد بن علي بن غليطه القمزي قائلاً نعم كل ماجدي مطروشي.

من هنا يتضح لنا ان الماجدي ليس إسماً لابن ظاهر وإنما هو نسب لقبيلته التي ينتمي إليها ويعتز بها كعادة الناس في تلك الإزمان وخاصة البدو منهم في إفتخارهم بقبائلهم .. وليس بغريب ان يدأب الشاعر على الافتخار بقبيلته ويقدمها على إسمه في اشعاره مادام ذلك شأن أهل عصره في الفخر بالنسب والقبيلة.

ليس له عقب سوى بنت واحدة
لم يذكر لنا التاريخ عقباً لابن ظاهر عدا بنتاً واحدة لم نعرف لها إسماً سوى انها ابنة إبن ظاهر كما أعربت هي عن نفسها في قصيدتها الوحيدة التي لم نقف لها على غيرها : وتعتبر هذه القصيدة من غرر ما قرأناه من القصائد في إشتمالها على حكم وأمثال ومخاطبة وأسلوب لا يقل عن مستوى ما تحتويه أشعار ابيها من هذه الخصائص .. فهذه القصيدة تضعنا أما شاعرة متمكنة من نظم الشعر بجدارة ولا غرو ان تكون كذلك فهي إبنة ابن ظاهر ونفحة من نفحاته.
تبدأ إبنة ابن ظاهر قصيدتها بقولها : إنه ليس في وسع كل إنسان حتى الفهاما منهم ان يأتوا بالأمثال الحكيمة ثم تصف شعر غيرها من الشعراء بخوص النخل وشعرها بأنه قلب النخله ولبها الذي يعتبر أجود من خوصها بكثير كما تقول بأن في الناس من ينظر بعين بصره المجرد ومنهم من ينظر بعين بصيرته .. وان الذي لا يحسب لخطواته حساباً أضناه التعب وتعثرت قدماه فشكى منها الألم والذي لا يأخذ الأمور بالتدبير والحكمة فهو كمن يريد ان يكحل عينه فيقذيها.
ومن الناس من يتغاضى ولو ذهب أكثر ماله وتلف .. ومنهم الشحيح الذي يقاصك في النزر اليسير. وتمضي بنا في ضرب الامثال فتقول إن بعض الجهلة يعالج الأمور بشدة فهو كالذي إذا شبك بثوبه بعض الشوك انتزعه بقوة فمزق من جراء ذلك ثوبه .. ثم تلتفت الشاعرة إلى الوراء فتخاطب أيام صباها التي تقضت فتشبهها بسفينة قد أدبرت بشراعها وغابت عن الانظار .. وتشبه الانسان في حال الكبر بالسفينة القديمة التي تكاثرت عيوبها .. كلما حاولت المسير صدّها الهواء من أمامها ( ويسمى الهواء الذي يأتي من أمام السفينة فيعرقل سيرها بالفالع) . ثم تصف بعض بحارة هذه السفينة بالذين أخذهم الدّوار (الهداما) وبعضهم الآخر بعدم معرفة قيادة السفينة التي تتناوشها العيوب .. وتقول لقد تعهدوا بالقيام بما يحتم عليهم الواجب ولكن يبدو من تجربتها معهم انهم اهل غرض وحاجة متى ما انقضت أخلوا بكلمتهم ولم يفوا بوعدهم ثم تقول إنه يجب على الكرام ان يترفعوا عن مصادقة الأشباه الذين يشتبه في سلوكهم واخلاقياتهم لأنهم غير أهل ثقة ثم تمضي في قولها بأن الإنسان السادر في غيه عليه ان يتمعن في وجهه ليدرك ما مضى من عمره .. ثم تحث على كرم الضيف بأختيار الذبيحة السمينة حتى لا تلوكه ألسنة الناس بالذم .. ثم تلتفت إلى نفسها قائلة .. لقد انشغلت عن الواجبات والفروض بمشاغل النفس ومطامع الدنيا التي لا تجلب على المرء إلا الذنوب ثم تستطرد على طريقتها في النصح فتقول : انه إذا ما حدثت مشكلة وتكلم الناس فيها بالحق وبالباطل فعليك ان تنقاد للحق ولا تتمادى في الباطل الذي يروّج له السفهاء .. ثم تعود بنا مرّة أخرى إلى أيام ماضيها فتبكي صباها الفائت بعين لا ينقطع ماؤها.

تقول فتاة الحي بنت بن ظاهر                     والأمثال ما كل الفهاما هذوبه
الي سفّت الشعراء خوص مضاعف              تنقيت من خوص الخوافي قلوبه
ناس تجادا والجدا من عيونها                       وناس تجادا والجدا من قلوبه
ولي ما يداري في الخطا ما شياته                 شكى العوق من الأجدام والاكعوبه
ولي ما يداري وآغف العين صابها               غدا بايداويها سعى في طبوبه
وناس تغاضى لو غدا كل مالها                   وناس تقاصا في عنا ما يروبه
والي قبض عود الشكل قمصان عاقل            خذها برفق لا تسارى هدوبه
والي قبض عود الشكل قمصان جاهل            خذها بزور وارث الشنع ثوبه
أراني وارى سفن التصابي خفني                 بالولم خلوا شرعها في قبوبه
وانا نزلت عن بندر السفن سافل                  في محمل قشرا تداوى عيوبه
لي قلت جرّوا دار من الصدر فالع                هداما غاصتها غمارا سيويه
حلفت أنا في البر ما أضم غيرهم                 تخالفت الا شيأما حسبنا حسوبه
يعدلون الاشيا لاجل مقضاة حاجه                ساروا وخلوا كلمة ما وفوبه
والاجواد تلقى دون الاشباه مسلك                والأنذال تاطاها وتقضي طروبه
وإن كان ما تدري لسنك متى مضى              فما جدم منها بين في شيوبه
ولي ما يخلي سامن الضان هيبه                  عدا الذيب يبغي فرسها في رقوبه
مرّت فروضي واشتداهي بغيرها                  تهاونت ما صليتها في وجوبه
تبعت شغل النفس مني جهاله                      مطاميع دنيا واكتسابي ذنوبه
وان جات عقال الرجال وفاحلت                  بالالفاظ سووا حجة واجتزوبه
إنقاد للتقوى بعقل يدلك                             على الخير وإلا لا تجازي عيوبه
من أجرب والا عليل امجارف                    طنانيف شذان الخطايا لفويه
أبكي على عصر الصبا يوم فاتني                بعين هميله ما يوني سكوبه
قضيت الصبالا من تثني ولا رضى             بثار ولا وافا مثاني صبوبه
خذوا ما بغوا مني وخلوا مزاهدي                معيفين من ي والغوالي غدوبه
ساروا أو خلوني مجيمه بدارهم                  الأخيار منهم عوضوني أصلوبه
خذوا مني عين وضرس وسامع                 وسمر المباني جشعوا لي طنوبه
إلين احضروا حضار كلبا وهايفوا             هل الجو عني قاصدين جنوبه

إتصاله بقيد الأرض
فقد اتصل شاعرنا بهذا الامام وامتدحه بعدة قصائد لم نعثر منها إلا على أبيات متفرقة من أفواه بعض الحفاظ المسنين وقد مر بنا ذكرها .. وما دمنا بصدد ذكر تلك الحقبة التي عاشها الشاعر .. فيحسن بنا أن نتطرق بايجاز إلى التعريف بالدولة اليعربية الفذة التي عاصر الشاعر إنتصاراتها لنستطيع أن نستشف من عهدها البيئة الثقافية التي عاش فيها الشاعر ابن ظاهر.

التعريف بالدولة اليعربية
كانت عمان كلها تعيش قبل ظهور الدولة اليعربية فترة عصيبة من المنازعات القبلية والانقسامات الداخلية والثارات الدموية مما جعل البلاد عرضة مشاعة ولقمة سائغة لاحتلال إستعماري برتغالي تمكن من البلاد والعباد فاقام لنفسه الحصون والقلاع تأميناً لمصالحه التجارية واطمئناناً على سلامة مرور سفنه إلى الهند وغيرها من البلدان ولقد ذاق أهل عمان الأمرّين على يد هذا المستعمر من جهة ومن عملائه في الداخل من جهة أخرى. وفي ذلك يقول السالمي في كتابه تحفة الاعيان .. بتصرف (لقد كان الدافع إلى قيام إمامة رشيدة في عمان توحّد شملهم وتجمع شتاتهم هو ما وقع عليهم من امراء الظّلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن واختلاف الرأي .. فتراسل العلماء فيما بينهم وتشاوروا في أن ينصّبوا لهم إماماً يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وكان كبير علمائهم يومئذ في الرستاق خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي فاجتمعوا حوالي أربعين عالماً وتدارسوا الأمر فيما بينهم فوقع اختيارهم على ناصر بن مرشد اليعربي فرضى به الجميع فعقدوا عليه الامامه بالرستاق وذلك عام 1024هـ الموافق 1624م وكانت عمان وقتها موزعه ممالك بين أكثر من ثلاثين أميرا .. تسودها الفوضى وتعمّها الانقسامات حتى ان البلاد أصبحت في وضع يرثى له .. لكن هذا الامام الموفق شمّر عن ساعد الجد واستطاع بعون الله ان يوحد أرض عمان جميعها بالسيف بعد حرب أهلية طاحنة دامت ما يقارب عشرين عاماً .. توحّدت بعدها على يديه البلاد .. وبعد أن اصبحت عمان كلها ساحلها وسهلها وجبلها بلداً واحداً إتجه إلى مقاتلة المستعمر البرتغالي الجاثم على صدر عمان والذي أحكم قبضته وتحكم في مداخلها .. فلم يترك مضيقاً ولا ميناء ولا موقعاً إستراتيجياً إلا وحصّنه بالقلاع والرجال والسلاح تأمينا لمصالحه الاقتصادية والسياسية وقد لاقى أهل عمان الأمرين على يد هذا المستعمر الغاشم .. فقاتله ناصر ابن مرشد بمن معه من أهل عمان قتالاً مريراً بقية عمره وتعقبه في كل المناطق وأجلاه عن أكثر الأماكن التي كان يتمركز فيها ويتخذها معقلاً له ولما أدركته المنية تولى الامامة من بعده أبن عمه سلطان بن سيف وواصل جهاد المستعمرين البرتغاليين وضيق عليهم الخناق ولم يتوان في قتالهم بل أجلاهم عن جميع المناطق العمانية نهائياً وتعقبهم خارجها حتى وافته المنيه وكانت مدة إمامته 41 سنة ثم تولى الامامة من بعده ابنه بلعرب بن سلطان بن سيف فكان كسابقيه صلابة وجهاداً ومقارعة للوجود الاستعماري البرتغالي خارج عمان .. وقد اهتم بلعرب بن سلطان بالناحية العلمية اهتماماً بالغاً .. فبنى المدارس في طول البلاد وعرضها .. وأهمها مدرسة العلماء وعمّر يبرين وبنى فيها الحصن الشاهق .. ثم وقع خلاف بينه وبين أخيه سيف بن سلطان الملقّب بقيد الأرض .. وبعد نزاع استمر فترة من الزمن بويع له بالامامة بدلاً من أخيه الامام بلعرب .. وفي عهده توسعت دولة اليعاربه فامتد حكمه إلى شرق افريقيا كممباسا وكلوه والجزيرة الخضراء وغيرها من البلدان .. وقد لقب بقيد الأرض لضبطه الممالك وتقييده البلاد بعدله .. ولم يعب عليه من سيرته شيء إلا ما كان منه في أول أمره من خروجه على أخيه الامام بلعرب .. ولم يزل على حسن السيرة وسياسية المملكة .. وعمل مراكب عظيمه مزودّه بالمدافع الكبيرة .. وعظم جيشه وقوي سلطانه حتى قيل أنه اجتمع له بالجيش الذي دخل به الهند ستة وتسعون ألف عنان من هذه الفرسان فما ظنك بغيرها .. وأصبحت عمان في عهده دولة ذات سيادة وقوة وبلغت ذروة المجد وتسنمت قمة السؤدد وأصبحت دولة لها الحول والطول .. وعاشت الرعية في ظل عدله في أرغد عيش وأنعم بال وعمّر عمان وأجرى فيها الانهار وغرس النخيل والاشجار .. ومات رحمه الله عام 1123هـ ومدّه إمامته 19 سنة وقد رثاه الشاعر محمد بن صالح المنتفقي ساكن الصير (رأس الخيمة) بالقصيدة التالية :
الرب باق والخلائق فانيه                  كرهت نفوسهم الفنا أو راضيه
الله عز وجل يفعل ما يشا                  منه القضايا نافذات ماضيه
سبحانه لا جور في أحكامه               بل كلها بالعدل فينا جاريه
ان المقدر كائن والصبر من              شأن الموفق ان دهته داهيه
وصروف هذا الدهر شتى والفتى       خوف الشماتة ما يفوه بخافيه
جربت أيامي التي قد عشتها              ورأيت كيف فعالها اياميه
وسمعت من أمم وما فعلت بهم           دنياهم أهل العصور الخاليه
كم شتت كم ثبتت كم فتتت                كم بددت جمعا بأبعد ناحيه
كم غيبت من أمة كم شيبت               من لمة غاراتها المتماديه
نزلت مصائبها علي فشيبت             قلبي ورأسي ما كفاها راسيه
كثرت علي فكلما قلت انجلت            جلت مصائبها وزادت مابيه
هذا اصفرار اللون منى شاهد           مثل احمرار دموع عيني الباكيه
أمسى لها متجاهلا وأنا عليـ            ـم أنها ام العقوق الجافيه
ما أضحكتني بعض يوم غلطة          الا وابكتني بقية عاميه
ما ضرّها لو سالمتني دائماً              فخرجت منها لا علي ولا ليه
ان أثبتت خلدى عزائم همتى              فهموم قلبي للمسرة نافيه
لكن مرد أمورنا لإلهنا                   ان لانت الأيام أو هي قاسيه
لولا الرضا بقضاء مولانا لما          نهضت قوائمنا وسارت ماشيه
ولما طعمنا غمض جفن ليلة            ولما أسغنا لقمة في عافيه
بعد انهدام الركن ركن الدين قرن       المسلمين مهين من هو طاعيه
من اكمد الحساد لما ساد وانـ            ـسد الفساد وقاد روساً عاتيه
نور الرعية سورها سمسورها         وسرورها وأبو الجنود الناميه
مخدومنا سيف بن سلطان الا مام      اليعربي بن الجدود الساميه
ذاك الهصور الشهم فراس العدى      ذاك الجسور على الامور العاليه
فتحت على يده فتوح لاتسل             قد عظمها قد اعجزت لحسابيه
فسل النصارى ما رأوا في برهم      والبحر من تلك الجيوش الغاسيه
كم أحرقوا كم أغرقوا من مرة          كم ذوقوا ضربا يهد الناصيه
كم مزقوا بدداً فشبههم على              ضأن غشت فيها سباع ضاريه
ما بالكم أولاد الاصفر صفرت        جمر الوطيس وجوهكم يا صابيه
ثم انقلبتم خاسئين ومسكم                نفخ الوبا فبطونكم كالخابيه
وانشد مراكبه التي صدمت مرا        كبهم واهدتها بنادق حامية
الملك ثم الفلك ثم الناصرى             مع كعب رأس كالجبال الراسيه
كم خرقت كم غرقت كم حرقت        من برشة حربية أو باغيه
كم غادرت جثث الكلاب مجافة        أو جيفه في البحر تذهب طافيه
الفرس سلهم حين فروا بعدما          نظروا فوارسهم اتتهم عانيه
فزعوا من الأبطال والأهوال فانـ     ـقلبت وجوهم السمينة ذاويه
أين التبختر كالعروس ومشيكم        مشى المطيطا في بلاد خاليه
لو لم يفر الفرس كانوا فرسوا          لكنهم بصروه ناراً واريه
آها عليها سطوة آها عليـ               ـيها قوة تركت قواهم واهيه
آها على تلك الرياسة والسيا           سة والفراسة والخصال الزاكيه
حزنى عليه مؤلم وملازم               بل مسقم ومهدّم اركانيه
ومجنب عينى المنام ومتعب            قلبي المحب وملهب احشائيه
والمسلمون كبيرهم وصغيرهم         في ذى المصيبة كلهم شركائيه
فلهم ولى حسن العزا في فقده          ولولده وأخيه ثم الحاشيه
الله يجزيهم ويعظم أجرهم              وينيلهم صبر القلوب الراضيه
المطمئنة تحت أحكام القضا            المستجنة بالتقى النورانيه
في الليلة الغرا وثالث شهرنا          رمضان غابت شمسه المتلأليه
ومن السنين ثلاث مع عشرين من    بعد انقضاء الألف يعفوها مائه
طوت الامام يد الحمام فأرّخوا        من هجرة نبوية اسلاميه
لكنه ما مات من ترك الورى          أفواههم تثنى عليه فاغيه
يطرون منه سيرة محمودة             بالخير سارت والمنافع وافيه
ومفاخرا ومآثرا مشهورة              ومنابرا تثنى عليه علانيه
لو لم يخلّف قط من بركاته              إلا ابنه شمس الزمان الصاحيه
الشيخ سلطان الامام بن الامام         بن الامام أئمة متواليه
يكفى وسد مسدّه وأتى بما              فيه المزيد من الأمور الماضيه
فاقرأ كلام الله ما ننسخ وزد           من آية أو ننسها يا قارئه
يظهر لك المرجو من برّ كريـ        ـم ان عرفت سياقه ومعانيه
والله يرزق من يشاء بلا حساب      والحسود يغيظه في شاويه
أما النجابة والمهابة فهي في           ذاك الجبين تبين لا متواريه
والسعد والتأييد أمر ظاهر            والجود إن تسأل بحور طاميه
ملك يفوق = جلاله وكماله            وصف المقال فما يبد لسانيه
ورث السياسة كابراً عن كابر        حقاً بحكم الأصل لا كالعاريه
واذا مدحت فحيعلن بمدحه             في كل رائحة تروح وغاديه
وتولى من بعده الامامة ابنه سلطان بن سيف فنهج نهج أبيه وواصل فتوحاته فأخذ البحرين والقشم ولارج وهرمز .. وبنى المساجد وواقف عليها الوقوفات وعمّر البلاد وتوفي عام 131هـ ثم عقدت الامامة من بعده لمهنا بن سلطان (زوج بنت سيف بن سلطان قيد الأرض وهي أخت سلطان بن سيف) عقدها له العلماء لكن العامّة لم ترض إلا بإمامة سيف بن سلطان اليعربي ابن الامام السابق.
وكان وقتها صبياً لم يبلغ الحلم فرفض العلماء تنصيبه لصغر سنه لانه ليس له ولاية على نفسه وماله فكيف يجوز ان يتولى أمر المسلمين وبعد خلاف لم يخل من مصادمات بين الطرفين المؤيدين من العامة لسيف والمعارضين له من العلماء وغيرهم .. تغلّب رأي العلماء في تنصيب مهنّا بن سلطان إماماً للبلاد ولم يلبث إلا سنة واحدة ثم خرج عليه يعرب بن بلعرب بن سلطان ابن أخي سيف بن سلطان قيد الأرض .. وفي عهده برز الزعيمان محمد بن ناصر الغافري وخلف بن مبارك الهناوي وحدثت بينهما حروب طاحنة قسمت الأمة العمانية المسلمة إلى غافري وهناوي فقد تعصّبت فئة لمحمد بن ناصر الغافري فسمّيت بالغافرية وأخرى تعصّبت لخلف بن مبارك الهنائي الملقب بالقصير فسمّيت بالهناوية .. واشتدت العداوة والبغضاء وظهرت الأحقاد بين هاتين الفئتين تعصبا بالباطل لأحد الفريقين ولم تنته عداوتهما بموتي محمد بن ناصر وخلف بن مبارك اللذين قتلا تحت سور صحار في ليلة واحدة في إحدى اكبر الحروب الطاحنة بينهما وإنما ظل التعصب للغافرية والهنائية قائما لفترة من الزمن إلى ان أذن الله بزواله وتصافت القلوب ولله الحمد .. الأمر الذي ترتّب عليه كثير من سفك الدماء وتمزيق شمل الجماعة وتفاخر بالتعصب لأحد الحزبين اللذين كانا معولاً مباشراً في تحطيم كيان الدولة اليعربية العظيمة .
وصدق الله تعالى اذ يقول ( فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الآية. وصدق تعالى اذ يقول ايضا (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) الآية. وفي عام 1176هـ إنتهى عهد دولة غزت البر والبحر وأجلت الغاصب ونشرت العدل قرناً ونيفاً من الزمان بين الناس ثم تسبب حب الأثره والسلطان في إزالتها .. فنعوذ بالله من الشقاق والخلاف.

الاهتمام بالناحية العلمية والثقافية في أيام اليعاربه
ومن الجدير بالذكر أن الأئمة اليعاربة رغم أعباء المسؤولية الجسيمة وانشغالهم بجهاد المستعمر البرتغالي الذي يحتل أرضهم .. لم يشغلهم كل ذلك عن قامة المدارس ودور العلم والثقافية وتشجيع المعرفة .. وفي ذلك يحدثنا حميد بن محمد بن رزيق في كتابه الفتح المبني بان بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي كان يقال له ابو العرب لكرمه الزائد وهو الذي عمّر يبرين ونصب مدرسة للعلماء والمتعلمين رغّبهم ببذل المال وأكل الفواكه .. فنال العلم بكرمه الطلبه فغدا من كان متعلماً فقيهاً عالماً ومن كان لا أديباً شاعرا ًمتصرّفاً بالعربية .. ثم أنه يذكر لنا أسماء جهابذة العلماء الذي زخرت بهم الدولة اليعربية كالشيخ خلف بن سنان الغفاري – والشيخ سعيد بن محمد بن عبيدان وغيرهم جملة من الأدباء .. وصاروا أدباء بكرمه كالشيخ راشد بن خميس وغيره.
ويروي المؤلف أن بلعرب أنشأ كثيراً من المدارس في عُمان لكنه خص مدرسة يبرين بالذكر لانها تعتبر بمفهوم عصرنا جامعة كبيرة ففيها يدرّس الفقه والنحو والصرف .. وغير ذلك من العلوم التي ساعدت على نشر الثقافة والعلم وتخريج العلماء والقضاة وعلى العموم فإن عصر الدولة اليعربية عصر لا يختلف عليه إثنان على أنه من أزهى وأزهر وأرقى العصور ثقافة وعلماً وأدباً في هذه المنطقة.
ونحن حينما ندرك المستوى الثقافي الرفيع الذي عاشه شعب الدولة اليعربية في ذلك العصر والذي ألمحنا اليه قبل قليل عندئذ لا نستغرب أن يفرز مثل ذلك المجتمع الواعي المتألق بعلمه وثقافته وطموحه شاعراً فذّاً كبن ظاهر في خصائصه وميزاته.

مدخل عن الفترة الشعرية للشاعر
لا يمكننا وضع تاريخ معين لنشأة الشعر الشعبي في الإمارات .. ولكننا نستطيع ان نذهب إلى ان الشاعر الماجدي ابن ظاهر هو أول شاعر إماراتي قديم حفظ لنا التاريخ اسمه وحصيلة ثمينة من أشعاره .. ولكن لا يسعفنا دليل في كونه من أوائل الشعراء الذين إبتدأ بهم التاريخ الشعر الشعبي في الإمارات .. بل إننا لا ننفي وجود شعراء آخرين قبل إبن ظاهر وشعراء معاصرين له لكننا لم نقف على أسمائهم أو بعض من أشعارهم .. والذي نطمئن إليه ان ابن ظاهر يمثل مرحلة من مراحل سابقة مجهولة التحديد في نشأة الشعر الشعبي وتطوره .. وليست المرحلة الأولى بالذات وحسبنا في ذلك سبب واحد .. وهو أت الدارس لشعر ابن ظاهر يراه قمة لا تجارى وذروة لا تبارى من حيث خصائص الصياغة اللغوية وحسن السبك وعمق المعاني الغنية المشتملة على ثقافة غزيرة وإطلاع واسع إلى غير ذلك من المميزات التي سنتعرض لها أثناء شرحنا لنماذج من أشعاره .. وشاعر على هذا القدر الكبير من الإجادة لابد وان يكون عصره مرحلة متأخرة من مراحل سبقته .. تأثر فيها بمن سبقوه من شعراء تلك المراحل .. فليس من المعقول لمرحلة تعتبر بداية لنشأة الشعر الشعبي فيها ان تنجب شاعراً فذّاً بمثل هذه الخصائص العظيمة والميزات الجليله.

مستوى الشاعر الثقافي
إنه لأمر طبيعي لان يكون مستوى الشاعر مرآة صادقة لصورة مجتمعه في شتى مناحيه وعلاقاته .. وابرز ما يكون ذلك في علمه وثقافته .. إذ يعبر مستوى الشاعر عن مدى ما وصل اليه ذلك المجمتع من علم وأدب وثقافة .. والمستعرض لاشعار ابن ظاهر يقف مبهوراً أمام ثقافته الواسعة التي مكّنته من تصريفها في أغراضه الشعرية كما يشاء .. فتعجب حين تقرأ له الأمثال المبتكرة والحكم النادرة والوصف البديع والمعاني العميقة يتوج ذلك اسلوب رفيع ولفظ جزل بديع وسبك رصين لا يقل في مستواه عن الفصحى لولا تساهل في النطق وتجانف عن الاعراب فهو يصدر منه عن فطرة مصقولة بالعلم ويؤاتيه عن طبع شحذته التجربه .. فاذا أرجعته إلى أصله الفصيح وجدته الشعر السليقى المتمكن .. واليكم المثال يقول ابن ظاهر مبتدئاً إحدى قصائده :
يقول الفهيم المايدي بن ظاهر                والأمثال تسعفني بنايا قصوره
فلو أنك أدرت ان تقراً هذا البيت باللغة العربية الفصحى لأمكنك ذلك دون إخلال بالوزن,
فتقول :
يقول الفهيم الماجدي ابن ظاهر              والأمثال تسعفنى بناء قصوره
والقارئ الفطن لشعر ابن ظاهر يراه قمة في لغته الشعرية وأسلوبه البياني قريباً جداً من الشعر العربي لولا ما ذكرنا آنفا من ابتعاد عن قواعد اللغة وتسامح في النطق حسب ما تقتضيه اللّهجة العامية بعكس ما قرأناه من الأشعار العامية التي تلت عصر ابن ظاهر إذ أن الفارق بينهما وبني الفصحى بعيد الشأ وواضح المعالم. وفي قصيدة اخرى له نجد اكثر من خمس عشرة بيتاً أقرب إلى الفصيح وهاكم الابيات :
نقا جوهر غالي في المسام                  بالأثمان كم ظال منها الظويل
قماش منقا بقطن موقا                       وشي تبقا قليل المثيل
تغالي التجار قماش الغزار                  والأزياء ما في شراها حجيل
وأثمار لاشجار حلو وذوق                  وفيها رزايا ودوح ظليل
والأنهار تجري بخبث وطيب              عيون تجارى وهذاك غيل
ولفظ الأنام حلو ومر                         ولا الشري منها شرى السلسبيل
والناس أجناس بخيل يذم                    كريم يحيا ونذل بخيل
والأرض تعرا ويكسى عراها              من الغيث أصناف ثوب جميل
لفاها طروق مشع البروق                  تمج الشدوق سحاب هطيل
هروق يروق ويحيى العروق              تولوه أملاك نعم الوكيل
لها الرعد زاوي وشرتا زغاوي           فهاج بكاها رميج الخليل
سرى بيهم هرج بكي وضحك             وشمت المواشي وجهل الخليل
تطيب المفالي من أول وتالي               وطاب الزلال عمار النخيل
وطهى نضالا بشوي وطبخ                مقات الضعاف وطعم السبيل
لذيذ طعامه وحلو جناه                      تولوا حصاده بوزن وكيل
ولفوا عراها بقمصان خوص              وعادت إمّاته إلى الدور حول
تنحوا وكل مضى في هواه                 عن الدار وانو ولشد الرحيل
تنحيت لي مثل غي السراب                ومذ ضل عقلي تركت الصميل
ويوم دنا الشيب ولى الشباب                أناخ ركاباً وحث الرحيل
دهاني المشيب بدولات حرب              وهجن خطتها ملابيس خيل
من هذا المنطلق نرى ان ابن ظاهر قد كان على الجانب كبير من العلم والثقافة .. ولو كان الشاعر خلواً منهما لما استطاع ان يأتي بهذه الدرر الثمينة والنفائس الكريمة التي خلّدها التاريخ على مدى ثلاثة قرون من الزمان تتداولها ألسنة الناس أمثالاً وأوصافاً وحكماً.
ودليل آخر يسند ما ذهبنا إليه من ثقافة الشاعر .. وهو تنقلاته الكثيرة في أرجاء المنطقة رغم صعوبة المواصلات آنذاك .. والتي مكّنته من الاطلاع على ثقافات الآخرين .. فتأثر بها وتفاعل معها واكتسب بحكم هذه اللقاءات الكثيرة ثقافة وتجارب قيّمة مفيدة في هذه الحياة.
ولا نستبعد ان يكون ابن ظاهر قد نظم الشعر العربي الفصيح أيضاً وان كنا لم نقف له على شيء من ذلك .. إلا ان ما يمتاز به ابن ظاهر في شعره الشعبي من ملكات لغوية ومعطيات ثقافية وتصريف بياني بديع ومعان قوية عميقة تجلعنا لا نستكثر عليه نظم الشعر بالفصحى .. ونحن حينما نقول بذلك فانما نستنتج رأينا هذا من قراءتنا لجواهر أشعار ابن ظاهر وعظيم آثاره .. وإن كنا لا نملك الدليل المادي عليه إلا انه إحتمال تطمئن اليه نفوسنا ويميل اليه فكرنا .. فضلا عن ذلك فان ابيات ابن ظاهر في الشعر النبطي لا تكاد تبتعد عن الشعر العربي الفصيح ذلك البعد الذي يمكن ان يوجد بين العامية والفصحى .. وإنما هي قريبة الشبه به إلى حد ما من نواح كثيرة.

عودة »»