مليكه مالك المملكة المغربية
المرأة بين مستلزمات التحديث المجتمعي ومعيقات الإعلام
هيكلة المداخلة :
• توطئة.
• تحولات الانتقال الديمقراطي بالمغرب.
• الإعلام المغربي والقضية النسائية.
• تساؤلات واقتراحات.
• استخلاص.
توطئـــة
تاريخنا وواقعنا في المجتمعات العربية هو دوما محط جدال. كتب المؤرخون بأمانة،
فكانت الندرة، وقرأ الكتاب والصحفيون والأدباء واقعنا المجتمعي، فكانت الوفرة
وتراوحت بين الصدق والمواربة.
تعددت المرجعيات، وتناسلت المفاهيم دون اكتراث بالتوضيح والاستيضاح، وأهملت
التحديدات المرجعية والمفاهيمية المفروضة للمرور إلى الإجرائية والفعالية والنجاعة،
فنتج التيه والخلط مع تراكم الأحداث، وتواتر الوقائع السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية كونياً وعربياً.
هذه التلميحات الأولية تفيد الصعوبة القائمة لمقاربة مسألة المرأة العربية ودورها
في التنمية الشاملة. ذلك أن الضرورة المنهجية تفرض تناول موضوع اللقاء (المرأة
العربية والإعلام) في سياق إشكالي أعم وأشمل يسائل فيه واقع المرأة العربية ومعيقات
النهوض بوضعها، ويسائل فيه واقع الإعلام العربي وصعوبات تطوير أدائه.
وللتأكيد، فإن المقاربة التي لا تأخذ بعين الاعتبار تاريخ المجتمع العربي وتحولاته
وتعقيداته، لا يمكنها ان ترسم تصورا جديدا ومنهجا حداثيا لفك العزلة عن الفئة
المجتمعية ذات الأهمية البالغة والدور الفعال في التنمية والتطوير. تلك المقاربة
التي تعنى بالثوابت وتفسح المجال للتأقلم مع المتغيرات.
متغيرات تؤثث مجمل التحولات الراهنة. وهي تحولات تحكمها مبادئ وضوابط تؤسس لحداثة
المجتمع انطلاقا من خصوصياتنا العربية الإسلامية : المساواة، تكافؤ الفرص، العدالة،
تثبيت الحق والقانون، إلى غيرها من ضوابط وشروط الانخراط الفعلي في مسيرة الحداثة
والدمقرطة.
تحولات الانتقال الديمقراطي بالمغرب
إنها مبادئ وضوابط كونية اصبح الالتزام بها وتفعيلها أمراً حاسماً في تطور
المجتمعات، وهي منطلقات توجه خطابنا المتجرد من الذاتية ويدفعنا بكل موضوعية،
لتناول الموضوع، في سياق التحولات التي يعرفها بلدنا المغرب.
وتتمثل هذه التحولات في السيرورة التي أقرها المغرب لتعزيز دولة الحق والقانون،
وإقرار المسار الديمقراطي المؤدي إلى إشراك ومشاركة مجموع مكونات المجتمع.
التحولات بالمغرب متسارعة، والمجتمع يسايرها، ويساندها وينتقد بعضا من حيثياتها.
غير انها تحولات لا تحدث نفسها بنفسها، بل تحدثها ذوات اجتماعية، رجالا ونساء، لها
حمولاتها الثقافية والتاريخية.
إن بلدنا تطرح عليه اليوم تحديات كبرى من أجل النهوض الاقتصادي والاجتماعي ذو
السياسي والثقافي، وتتلخص مجمل هذه التحديات في تحقيق التنمية الشاملة والمستديمة،
لضمان ازدهار ورقي مجموع فئات الشعب المغربي، وإذا كان جميع الفاعلين السياسيين على
وعي اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الخيار الديمقراطي هو المدخل الوحيد والأوحد
للمشروع التنموي الشامل، وبأن ترسيخ دولة الحق والقانون هو الكفيل بخلق الإطار
الأمثل لتعبئة كل طاقات الشعب المغربي بنسائه وشبابه ورجاله، فإنه لا بد من حد أدنى
من الجرأة في مواجهة القضايا الشائكة بما يلزم من الواقعية والموضوعية والنزاهة
الفكرية.
وفي هذا السياق، تأتي قضية النساء التي تشكل من الناحية العددية نصف الساكنة قضية
محورية ومصيرية بالنسبة لترسيخ الديمقراطية.
فبين الواقع المعاش وما تفترضه المشاركة العامة لكل المواطنين تأتي قضايا النساء
وواقعهن لتكشف النقاب عن واقع وجب التخلص منه للمضي قدماً نحو تثبيت التنمية
الشاملة وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية.
ان قضية النساء في بلدنا هي قضية ذات بعد وطني بالمعنى السياسي والأخلاقي للوطنية.
الإعلام المغربي والقضية النسائية :
لا غرابة ان تتبنى أعلى سلطة في البلاد، وكذا المؤسسات التنفيذية، ما طالب به
المجتمع المدني مجسداً في (مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية)
ولنأخذ هذا المشروع مثالا لتعامل الإعلام المغربي مع قضايا النساء، وقبل ذلك، من
المفيد التذكير بأن للمشروع مرجعيات ثلاث :
• دينية : باعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المرتكزة على العدل والإنصاف والتسامح
والتكافل.
• وطنية : باعتبار الدستور المغربي الذي يقر المساواة بين الجنسين في كل الميادين
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
• دولية : باعتبار القرارات وبرامج العمل الصادرة عن التجمعات والقيم الدولية
المؤكدة على مناهضة جميع أنواع التمييز ضد المرأة.
وله أهداف، نخص بالذكر منها :
• ضمان مشاركة عادلة ودائمة للنساء في التنمية الاقتصادية.
• تعزيز السلطة السياسية للنساء وتشجيع وصولهن إلى مراكز القرار.
لقد تناول الإعلام المغربي هذا المشروع / القضية بمسؤولية وجدية ومهنية ففتح المجال
لمختلف المشارب لا بداء الرأي المخالف، ما بين المؤيد والمعارض للمشروع، مرورا
بالكتابات والتحاليل الرزينة المطبوعة بالموضوعية العلمية.
نورد هذا المثال بحكم دلالاته المجتمعية، سياسياً، وثقافيا، واقتصاديا، واجتماعيا،
وبحكم انعكاسات المشروع الإيجابي تنمويا. لكن القصور الإعلامي ملحوظ : الجدية ثابتة
في المواكبة اللحظية، لكن الاستمرارية في المتابعة مفقودة. والنتيجة، سقوط إعلامنا
(البعض منه) في التعامل المبتذل لصورة المرأة النمطية وتمظهراتها التقليدية
والتشييئية.
وقد نبه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى ضرورة الاعتناء بوضعية المرأة المغربية
في خطاب 20 غشت 1999 عشية ذكرى (ثورة الملك والشعب) حيث استنكر جلالته وضعيتها
الدونية حين تساءل : (كيف نتصور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره والنساء اللائى يشكلن
زهاء نصفه تحدد مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق هن بها شقائق
الرجال تتناسب ورسالتهن السامية في إنصافهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف مع أنهن
بلغن مستوى نافسن به الذكور سواء في ميدان العلم أو العمل) انتهى كلام جلالة الملك.
تساؤلات واقتراحــات :
إن الإشكال المطروح اليوم على إعلامنا العربي بصفة عامة وعلى إعلامنا في المغرب على
وجه الخصوص، هو نفسه، بما يفيد ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجية الإعلامية لدولنا.
ماذا نريد كأمة عربية؟
إعلامنا متطوراً يلعب دوره كسلطة رابعة ام نريد إعلامنا خاضعا وخنوعا؟
إننا، عندما نطرح إشكالية المرأة العربية والإعلام تطرح، علينا تساؤلات عديدة
ومتعددة، هل إعلامنا يطرح ويتناول حقيقة أوضاع النساء ببلدنا بما يكفي من الجرأة
والموضوعية؟ من قبيل :
- العنف ضد النساء.
- الاستغلال الجنسي.
- البطالة المؤنثة.
- الفقر والأمية ... الخ من المسميات الدنوية ومن الطابوهات التي لم تتجاوز بعد،
وهل إعلامنا أوضع بما فيه الكفاية وضع النساء السياسي حيث الحيف ان على مستوى
إشراكهن في مراكز القرار، أو على مستوى الاعتراف بكفاءتهن؟
لم يتم الحسم بعد في الوضعية القانونية للنساء رغم الجهود المبذولة من طرف الفاعلين
السياسيين والمجتمع المدني في الدول العربية؟
هل هناك فعلا صعوبة في وضع استراتيجية إعلامية متكافئة؟
عندما نطرح هذه التساؤلات وغيرها، فإننا نتحدث عن ذواتنا، فلا ضير أن نعيد،
بالمناسبة التقييم ونجهر بالتقييم الذاتي بدون عقدة خوف، بل بجرأة وعقلنة.
فما هي المقترحات التي ستمكننا، كإعلاميين، من الحسم في طريقة تناولنا لقضايا
النساء والعمل على استجلاء وإجلاء حقيقة الأوضاع التي تعيشها داخل مجتمعاتنا
العربية، وتمكينها بالتالي من المساهمة الفعلية والفاعلة في مشاريعنا التنموية. قد
يكون من باب الطوباوية بل والديماغوجية رفع شعارات مغرية في صياغتها وجوفاء في
عمقها إن لم تتحول إلى إجراءات علمية تستجيب حقيقية لمتطلبات التنمية وللضرورات
الحيوية المرغوبة في الإشراك المجتمعي.
ونقترح في هذا الصدد إجراء واحدا قد تكون له فضائل توحيد وتوفير جهود الدول العربية
قصد كسب الرهان، ما دام أن اغلب الخطابات العربية تسير في اتجاه تحرر المرأة من
مختلف عوائق ارتياحها الذاتي والمعنوي والمادي.
يتمثل الاقتراح في خلق (مرصد المرأة الإعلامية العربية) تعهد إليه مهام :
• القيام بأبحاث ودراسات ترصد وتشخص مختلف تجليات وتمظهرات الوضعية النسوية في
وسائل الإعلام العربي.
• العمل على إبراز مظاهر الارتقاء في اوضاع المرأة العربية من خلال وسائل الإعلام.
• الوقوف عند الأساليب العاملة على تشييئ المراة في وسائل الإعلام العربية.
• الإسهام والمشاركة في وضع استراتيجية إعلامية عربية شمولية.
• تعزيز وتشجيع تموقع المرأة الاعلامية في مراكز القرار بالمؤسسات الإعلامية على
مختلف منابرها في الدول العربية.
• التنسيق مع منظمات حقوق الإنسان العربية قصد تفعيل أدوار المرأة العربية في
مجتمعاتها الأصلية.
• التنسيق المتين والمحكم مع مؤسسة (جامعة الدول العربية) لما لها من أدوار إشعاعية
وتقريرية.
إن المتوخى من هذا الاقتراح هو أن يتسلح مجتمعنا العربي بآلية من ضمن آليات أخرى،
تتميز بصلابة بنيتها وقوة برامجها ورحابة إشعاعها وغنى وثراء مفعولها ومنتوجها
وجدوى انعكاساتها على مساراتنا التنموية. ولنا في هذا الملتقى، مناسبة ثمينة لتعميق
التداول، حول المقترح.
استخـــلاص :
لقد خطا المغرب خطوات جلى في الاعتناء بقضايا المرأة بغرض توفير الشروط الضرورية
وإتاحة فرص التعبير وتجسيد الكفاءات النسوية.
فشتان بين الأمس واليوم، وتحضرني كلمة للأستاذ (عبدالله ابراهيم) من مؤلفه : (أوراق
من ساحة النضال). ولقد كان الاستاذ وزيراً أولاً سابقاً في عهد المغفور له جلالة
محمد الخامس رحمه الله.
ففي مداخلة له في الموضوع يقول : (في معركة المصير المغربي، المرأة غائبة عنا الآن،
ولكنها، مع ذلك، حاضرة بإلحاح في قلب جميع المشاكل المفجعة التي يتخبط فيها المجتمع
المغربي في الوقت الراهن (أي سنوات السبعينات). ففي كل هذه المشاكل، تنعكس صورة
المرأة المغربية، في القرب أو في البعد، عن شعور أو غير شعور، وغالبا ما تكونهن
الضحية الصامتة فيها، الضحية الطيعة (.....) انتهى كلام الأستاذ عبدالله إبراهيم.
بودي استعارة هذه الكلمة وتحويلها أو تصريفها لتتلاءم وراهنية المرحلة بالمغرب
لأقول : (في معركة المسلسل الديمقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون، المرأة حاضرة،
وحاضرة بإلحاح في قلب جميع التحديات التي يواجهها المجتمع المغربي. فليس لإعلامنا
إلا ان يسهم بدوره في مواجهة التحديات وإشراك كل الطاقات المتوفرة والممكنة لما فيه
خير ناشئاتنا العربية. ولنعمل جميعا على وضع كل الإمكانات المتاحة لتوفير شروط
الإسهام الإعلامي العربي المتميز والمشارك الفعلي في تطوير مجتمعاتنا العربية).