الجلسة الثانية
رئيسة الجلسة : أ. محمد المر
المحور الثاني : صورة المرأة العربية في الإعلام
المحاضرون :
• د. حسنات عوض ساتي – الاتحاد العام للمرأة السودانية (المرأة العربية والإعلام :
الواقع والمأمول).
• لطيفة الدليمي – الاتحاد العام لنساء العراق (عولمة الإعلام ودورها في تكريس صورة
معينة للمرأة العربية).
• د. أمينة الظاهري – جامعة الإمارات العربية المتحدة (صورة المرأة في الأغاني
الشبابية – الفيديو كليبس).
• د. علي عواض – جامعة الشارقة (المرأة العربية والإعلام : الواقع المهني والصورة
الذهنية).
• جميلة على رجاء – الجمهورية اليمنية (الصورة النمطية للمرأة : ماذا بعد؟).
د. حسنات عوض ساتي
الســــودان
(المرأة العربية والإعلام : الواقع والمأمول)
مقدمـــة :
الإعلام ممارسة حياتية يومية قديمة يقوم بها الناس لأغراض مختلفة، فمنذ قديم الزمان
كان يتم الإعلام بأشكاله المختلفة كالإعلام المقروء مثل الكتابات والرموز
الهيروغلوفية التي سجل بها الفراعنة تاريخهم والذي لم يعرف إلا بها، وهناك الإعلام
المرئي مثل المسرح في عهد الإمبراطورية الرومانية وقد كانت المسرحيات تهدف لإيصال
معلومة وفكرة معينة منها الدينية والفلسفية وغيرها. وهناك أيضا الإعلام المسموع مثل
دق الطبول لإعلان الحرب ومناداة الناس وحشدهم لإعلامهم بأخبار هامة.
أما فيما يخص الإعلام العربي، فقد لعب الشعر دوراً أساسيا في الحياة العامة وقد
كانت القبيلة تحتفي بشعرائها وشاعراتها لأنهم منبرها الإعلامي الذي ينشر مآثرها
ويوثق لتاريخها ونسبها ويعرف الناس بها فتسير بسيرها الركبان، وانطلاقا من موضوع
هذا اللقاء لا يفوتنا ان نذكر شهيرات الشاعرات العربيات وعلى رأسهم تماضر الخنساء
التي وثقت لقيم الشهامة والكرامة والشجاعة والفروسية في الجاهلية، كما وثقت لقيم
الجهاد في الإسلام وهي تؤكد اعتزازها وتشريف أبناءها لها باستشهادهم في سبيل الله.
وهكذا تعددت الوسائل الإعلامية، وقد كانت منتقاة من البيئة، وتخدم المجتمع، وتحقق
أهدافه التربوية والترفيهية والتعليمية وغيرها.
وتطورت وسائل الإعلام مع التطور الطبيعي للحضارة الإنسانية إلى ان دخلت التقنية
مجال الإعلام. والتقنية نفسها مرت بمراحل عديدة، فمنذ أكثر من ثلاثة قرون من الزمان
جاءت الآلة لطباعة الصحف والنشرات للإعلام المقروء، وفي القرن الماضي جاء المذياع
للإعلام المسموع، وجاءت السينما الصامتة للإعلام المرئي وبعده بسنوات جاء التلفاز
للإعلام المرئي والمسموع معا إلى ان حدث الانفجار المذهل في عالم تقنية الاتصالات
والمعلومات والتي هي جزء من الإعلام، وتطورت الوسائل الإعلامية باطراد حتى وصلت إلى
ما هي عليه اليوم. وأصبح الإعلام في العقود الأخيرة علما يدرس وله مؤسسات ومعاهد
متخصصة، وأصبحت وسائله ذات تقنية عالية، وأصبح للإعلام اليوم بجانب دوره الترفيهي
والترويحي أدواراً أخرى واضحة، تعمل على صياغة المجتمعات وتشكيل الرأي العام
العالمي وإيجاد نمط حياتي جديد للمجتمع العالمي. فالإعلام اليوم يوظف الترفيه
والتسلية لأداء رسالة وإيصال فكرة وتشكيل عقل وصناعة ذوق عام وزراعة اهتمامات معينة،
حتى انه لم يكتف برصد الحدث وإيصال المعلومة بل أصبح بما يمتلك من قوة وعوامل تأثير
وضغط وتحكم، يقوم بصنع الحدث والتحضير له في نفس الوقت (1).
هذه الرؤية الإعلامية الجديدة تقوم بها المؤسسات الإعلامية الضخمة في الدول الغربية
وهي تملك نواصي التقنية العالية، وتحتكر المعلومات، وتنتج المادة الإعلامية وتهيمن
على عمليات البث والتوزيع في العالم. أما العالم العربي، فهو مستهلك للمادة
الإعلامية الغربية، ولا يملك وسائل التقنية الحديثة، وليس لديه البديل المنافس
للمادة الإعلامية، فكان خضوع الإعلام العربي لمتطلبات الإعلام الغربي.
واقع المرأة العربية في الإعلام
في الحديث عن العوامل الاجتماعية والثقافية والمهنية التي صاغت الصورة النمطية
للمرأة الإعلامية العربية، يجدر أن نتحدث عن دور الاستعمار الاستراتيجي في تغيير
معالم الحضارة العربية والإسلامية في الوطن العربي. فطيلة فترة الاحتلال، عمل
المستعمر على إنشاء النظم السياسية والأجهزة التشريعية والمؤسسات التعليمية
والإعلامية على النمط الغربي، وكانت له في هذا أهداف واضحة، فعمل على استبدال
الاستعمار العسكري بالاستعمار الثقافي والفكري، فالأول ينتهي برحيل العسكر وأما
الثاني فله الديمومة والاستمرارية، ويعمل على استيعاب الشعوب في منهج الثقافة
الغربية. ومن أخطر وسائل وآليات التغيير الثقافي التي لجأ لها المستعمر هي الإعلام
بكل أنواعه وجميع مستوياته. وبدأت عمليات التغريب منذ القرن التاسع عشر، وكانت هناك
محولات لاستبدال اللغة العربية الفصحى باللهجات العامية في وسائل الإعلام المختلفة
خاصة في مجال الكتابة الأدبية والصحفية لارتباطها بالشعوب (فاللغة العربية الفصحى
من أقوى عوامل الوحدة والترابط الثقافي بين المجتمعات العربية).
وقد نجحت هذه السياسات التغريبية الاستيعابية، وساعد على نجاحها الانفتاح العالمي
والتقدم المذهل في وسائل الاتصال، حيث تساقطت الحدود الجغرافية والسياسية وتسابق
أصحاب الأيدلوجيات في ميدان الإعلام مستخدمين أحدث الوسائل للوصول إلى قلوب
الجماهير وعقول الناس.
ومن أهم المرتكزات التي استند عليها الإعلام الغربي في نجاحه هو المشاركة الفاعلة
للمرأة بنمط معين ومنهج مدروس ونتائج محسوبة وفقا لفلسفة الحياة العصرية في المجتمع
الغربي، لذلك ترى ان أصحاب الحاجات من سياسيين واقتصاديين وتجار واصحاب المذاهب
والعقائد المختلفة وهم في خضم المنافسة وحمى السباق لأجل الربح السريع والعائد
المادي قد عملوا على توظيف خصائص الجمال والفتنة لدى المرأة، وأهملوا خواصها
الإنسانية الأخرى، وأصبحت صورتها في الإعلام مرهونة بالفائدة المادية، كما كون
لديها قناعات عملت على صياغة شخصيتها وتركيبتها النفسية، وتعتمد أساسا على مقاييس
الشكل والجمال. وقد نجحت هذه التجربة لأنها صاحبتها شعارات هامة مثل الحرية
والمساواة فمثلا (الإعلانات تصور النساء إما ربات بيوت ينحصر اهتمامهن في
الاحتياجات المنزلية أو كعناصر إغراء جنسي يضفي على البضاعة المعروضة جاذبية أكثر
للإيحاء باقتنائها) (2).
وجاء بجانب انتشار الأفلام الإباحية والقصص المبتذلة، فاختلطت مفاهيم الحرية
والمساواة بالفوضى، وانفرط عقد المنظومة الأخلاقية، وتفشت الجريمة بأنواعها وحتى
اليوم لا تستطيع أجهزة الأمن ومؤسسات الشرطة السيطرة الكاملة على الجريمة. هذا في
مجال الدعاية والإعلان والأفلام والمجلات والقصص. وأما المرأة الإعلامية نفسها
فظهورها على أجهزة الإعلام المختلفة، فقد تم وفقا لتقاليد الثقافة الغربية شكلا
ومضمونا، وهذا هو واقع المرأة في الإعلام الغربي.
أما المرأة العربية، فلها من الخواص الإنسانية تماما كما للرجل بجانب تمييزه
وانفرادها بخواص أخرى تؤهلها جميعا لأداء أدوار هامة في هذه الحياة كما أن لها
أدوارا متميزة في المجتمع فهي شريكة الرجل في عملية البناء والتنمية والتاريخ يحكي
عن الكثير من بطولات النساء في كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية والعلمية
والجهادية وغيرها.
ولكن ما ذكرناه عن الاستعمار الثقافي بجانب طغيان الإعلام الغربي وقوة تأثيره عمل
على تغيير مفاهيم المجتمع العربي ومعتقداته وهز كثيراً من قناعاته (وباتت مشاهد
استغلال المرأة في الأفلام والبرامج التلفزيونية المستوردة واقعا مألوفا في معظم
أقطار الوطن العربي والعالم الإسلامي الفسيح) (3).
وحتى المعايير التي يتم بموجبها اختيار المرأة للعمل في مجال الإعلام لا تقوم على
قيم ومبادئ المجتمع العربي ولا هي مستوحاة من البيئة العربية، بل هي خاضعة للمعايير
الغربية، وذلك لان الإعلام المعاصر بتقنيته العالية لا تصل إليه اليد العربية الا
بالتبعية، فهو محتكر لدى المؤسسات الإعلامية الكبيرة، والتي تنسق مع القوى السياسية
وتعمل على تغيير مفاهيم الحضارة العربية والإسلامية، هذا المفهوم النمطي المستعار
للمرأة في وسائل الإعلام أفرز أيضا اشكالات جمة في المجتمع العربي، منها على سبيل
المثال التنصل من الواقع وتقليد المرأة العربية للمرأة الغربية في كل المجالات
والأنشطة، وهو ما انعكس على تربية الاطفال والعلاقات الزوجية والحياة الاجتماعية
والثقافية عموما.
وقد ادان المؤتمر العالمي للمرأة والذي عقد في مدينة المكسيك عام 1975م الاستخدام
السالب للمرأة في وسائل الإعلام، والذي انحصر في الكسب المادي وكرمز للجنس، ونادى
المؤتمر بضرورة تغيير هذا الأسلوب، ولكن لم تترتب عن هذه الإدانة أي التزامات
قانونية ولذلك لا تزال الصورة النمطية للمرأة في وسائل الإعلام كما هي (4).
الخطاب الإعلامي العربي : رؤية تأصيلية
المجتمع العربي والمجتمع المسلم مجتمع رسالي يحتاج لوضع فقه للعمل الإعلامي مستمد
من القرآن الكريم ومن تراث الحضارة العربية والإسلامية، ويكون في نفس الوقت أنموذجا
يستوعب فلسفة الحياة العصرية، ويلبي حاجات المجتمع. وقد أرسى القرآن الكريم مبادئ
وقيم تخدم المصلحة العامة للمجتمع وتدخل في صميم العمل الإعلامي، نوردها فيما يلي :
أولا : الأمانة وتحري الدقة في نقل المعلومة، والصدق في الحديث، والبعد عن الابتذال
في المظهر والحديث والمقال.
ثانيا: من أهم مقومات الرسالة الإعلامية القدرة على التأثير عن طريق الحوار الناجع
والمداخلة والمقال الرصين والبيان وإجادة الخطابة وقوة الحجة والطرح القوي للفكرة
واتباع الموضوعية والعلمية ومخاطبة العقل والوجدان كلاً في حينه. وهذا هو منهج
الانبياء وأسلوب القرآن الكريم نفسه لطرح قضايا الدين (وعلى رأسها قضية التوحيد)،
فحاور موسى (ع) فرعون وغلبه بقوة المنطق (5) فهدده فرعون بقوة السلطان لئن اتخذت
إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (6) وحينما أرسل داود (ع) نبيا أيده الله تعالى
بقوة السلطان مع النبوة وشددنا ملكة وآتيناها الحكمة وفصل الخطاب (7)، وكتاب الله
تعالى هو نفسه إعلام، إعلام لحقيقة الدين والعلم بالتاريخ والحضارة، وإعلام لكثير
من الحقائق العلمية وأسرار الكون ومكنونات النفس البشرية.
ثالثا: المجتمع العربي في حاجة لإعلام يخدم الأهداف العليا للأمة مثل الوحدة
والتعايش السلمي والتكافل الاجتماعي والروحي والمساواة.
رابعا: الإعلام العربي مطالب بالاهتمام بالقضايا الإنسانية والتي أشار إليها الدين
وأرسى نظمها مثل قضايا الفقر والجهل ومشاكل الحروب.
خامسا: المجتمعات العربية تقابلها تحديات (حضارية وثقافية وسياسية واقتصادية وغيرها)
فيلزم تقديم البديل للمادة الإعلامية الموجهة، وطرح فكر ومنهج يعبر عن واقع المجتمع
العربي وحاجاته.
سادساً : لابد من إيجاد منظومة عربية تتميز بالأصالة ولها القدرة على تحقيق أهداف
وحاجات المجتمع، ولابد من تأهيل الكادر الإعلامي البشري، فالإعلام أصبح علما يدرس،
وفنا يكتسب، ومهارة، ولابد من التكوين المهني والفني والإعداد الثقافي واللغوي
والإحاطة ببعض العلوم والمعارف. وأخيرا على الإعلام العربي الاستفادة من وسائل
التقنية الإعلامية، وتسخيرها لتحقيق أهداف الأمة العربية.
خلاصة الموضوع أن الحديث عن الإعلام العربي يتناول عدة جوانب منها إيجاد منظومة
إعلامية عربية ذات أهداف محددة ووظائف مرجوة في عملية النهضة والتنمية والتربية،
وصياغة مجتمعات تعمل لخير الإنسانية، والاهتمام بقضايا الناس دون تمييز لجنس أودين.
والعمل الجاد على امتلاك ناصية التقنية لفك التبعية ثم تأهيل الكادر الإعلامي فنيا
وعلميا. والحديث هنا عن المرأة الإعلامية والرجل الإعلامي سواء بسواء، فالإعلام
الناجح لا يكون إلا بمشاركة الجنسين معا، مع الابتعاد عن الاستخدام السالب للمرأة
في الأجهزة الإعلامية، واعتبار الإعلام وسيلة تنموية تربوية وثقافية ترتبط بمكارم
الأخلاق، وليست وسيلة للربح المادي.
أما المرأة الإعلامية العربية، فهي تتخلف كثيراً عن مسيرة الرجل الإعلامي العربي
رغم أنها قد بدأت في هذا المجال مبكرا ولكنها لم تتقدم بخطوات كبيرة. وعموما فان
واقع المرأة العربية في الإعلام يقع دون طموحاتها رغم ثقتنا في أنها وبقليل من
الاجتهاد ستقود مسيرة إعلامية رائدة إذا ما توفرت لها أشياء متعددة يمكن ان نجملها
في التوصيات الآتية :
1- الاهتمام بالتأهيل والتدريب للكادر الإعلامي من النساء حتى يلجن مجالات الإعلام،
ولا ينحصر دورهن في الربط والتقديم والدور الإعلاني فقط.
2- بما أن الاعلام أداة تربوية ثقافية تعمل على صياغة المجتمع، فإن طبيعة المرأة
ودورها يؤهلها للقيام هذا الدور إذا ما وعته وعيا كاملا.
3- توثيق مسيرة الحركة النسوية العربية في الإعلام مع تكريم جيل الإعلاميات
العربيات الرائدات، وخلق تواصل أجيال للاستفادة من خبراتهن في الارتقاء بالعمل
الإعلامي.
4- إنشاء شبكات اتصال بين النساء العربيات على المستوى المحلي والاقليمي والدولي،
مع الاهتمام بالتواصل مع غيرهن من النساء الإعلاميات في العالم.
5- حث المرأة الإعلامية ودفعها لاقتحام كل مجالات الإعلام دون الاكتفاء بالادوار
النمطية وتقديم النموذج الإعلامي المتكامل للمرأة الذي يقنع الرجل ليفسح لها
المجال.
6- إنشاء وحدة إعلامية عربية موحدة تشمل كل الأجهزة الإعلامية، تختص بالمرأة وتعمل
على تدريبها وتأهيلها وإيصال فكرها ومادتها للعالم بعيدا عن التقليد والنمطية.
قائمة بأسماء المراجع
- القرآن الكريم
1- أ.د. عمر عبيد حسنه (مقالات في الدعوة والإعلام الإسلامي) سلسلة كتاب الآمة ص9.
2- اللجنة العربية لدراسة قضايا الاتصال، دراسات في الإعلام مؤسسة البيان، دبي
1989، ص184.
3- صلاح دهني (قضايا السينما والتلفزة، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق، 1993، ص
97).
4- أعمال الأمم المتحدة في ميدان حقوق الإنسان المجلد الأول ص 365-366.
5- سورة الشعراء آية 23-28.
6- سورة الشعراء آية 29.
7- سورة طه آية 49-55.
8- سورة ص آية 20.