لطيفة الدليمي العراق
(عولمة الإعلام ودوره في تكريس صور معينة للمرأة العربية
صورة المرأة العربية في الدراما والإعلان)
1. هيمنة الصورة باعتبارها سلطة رمزية في الإعلام المعاصر :
منذ عصر أول الأيقونات وقبلها رسوم الكهوف، وصولا إلى عصر الدائرة السمعية البصرية
في الإعلام المعاصر، وثقافة الصورة تهيمن على مشاعر البشر، وهي الآن تمتلك سلطة
جائحة على أذهان المشاهدين في فضاء الإعلام المعولم الراهن – حيث تخلق سيادة ثقافة
الصورة بلبلة كبرى في عقول المتلقين بسبب تقاطع الثقافات الإنسانية وتناقضها، وهي
تتوالى على شاشة واحدة دونما توقف، مما يؤدي إلى صعوبة استخلاص القيم المناسبة
والتعويل على مفهومات صحيحة من وجهة نظر المتلقي الذي يختزن تراكمات الثقافة
المحلية، وتبعاً لهذا نجد ان النظرة إلى المراة في البرامج الغربية تناقض الصورة
التي تقدمها المبثوثات العربية رغم أنهما يقدمان من شاشة واحدة.
وتصل مؤثرات (الصورة) مباشرة إلى المشاهد – أو المشاهدة دونما إعطاء فسحة للتحليل
والتمحيص والتأمل – كما كان يحدث في ثقافة الكلمة التي نستمدها من الكتب ونتأملها
ونستوعبها ونتمثلها بدقة.
ثقافة الصورة تقصف المشاهدين وتداهمهم، وتتموضع في مداركهم وتنجح في تغيير توجهات
البشر واحتلال عقولهم واختراق وجدانهم على وفق تدفقات الفيوض الإعلامية المتسارعة.
وتتأتى خطورة سيادة ثقافة الصورة من إمكانية التلاعب بعناصرها وتزييفها وإعادة
تشكيلها بعيدا عن حقيقتها بتقنيات الكترونية، ونتيجة لذلك أصبح النظام الاعلامي
المعولم المصدر الأقوى لانتاج القيم والرموز المعاصرة وصناعتها وفق توجهات سياسات
النظام العالمي الجديد، وامتد أثرها إلى مخططات التنمية الاجتماعية والثقافية في
العالم.
وبظهور هذا الاضطراب في منظومات القيم ظهرت صراعات ثقافية من أجل التمسك بالهوية
المحلية أو القومية، نظراً للدخول المباغت لمجتمعاتنا العربية إلى عصر العولمة
بطريقة حرق المراحل دون المرور بعصر الحداثة العقلانية، مما نتج عنه عدم اكتساب
خبرات تراكمية في التطور الاجتماعي والثقافي، وبقي دخول عصر العولمة شأناً سطحياً
منفصلاً عن المجتمع.
وتتضاعف خطورة ثقافة الصورة من سهولة الوصول إليها بضغطة زر لتدخل الصورة حيز
التفاعل مع متلقين قد تنهار لديهم قدرة التحوط ويستباح وعيهم باختراقات متتالية لم
يؤهلوا لمواجهتها.
ويحدد الاستاذ عبدالله بلقزيز في دراسة له حول (العولمة والهوية الثقافية) هذه
الخطورة على النحو التالي :
( .... إنها المادة الثقافية الأساس التي يجري تسويقها على اوسع نطاق جماهيري، وهي
تلعب في إطار العولمة الثقافية الدور نفسه الذي لعبته الكلمة في سائر التواريخ
الثقافية التي سلفت، ولا تحتاج الصورة إلى المصاحبة اللغوية كي تنفذ إلى إدراك
المتلقي، فهي بحد ذاتها خطاب ناجز مكتمل يمتلك سائر المقومات للتأثير الفعال في
المتلقي ( ...... ) وباتت الصورة قادرة على تحطيم الحاجز اللغوي تماما كما فعلت
العولمة الاقتصادية في اختراق الحاجز الوطني لتصل الإنسان في عقر داره ......) (1).
لقد أصبحت التلفزة والمحطات الفضائية وطنا لمواطنين عالميين يتأهبون للتخلي عن
هويتهم ورمزية الأمكنة المسماة أوطانا بفعل سلطة الصورة وإغرءاتها التي كان من
تأثيراتها تراجع معدلات القراءة في العالم.
كانت المدارس والثقافة في أجواء الاسرة هي المنابع الأساسية لتشكيل منظومات القيم
التي يعتمدها الإنسان في سلوكه ومواقفه، أما الآن فقد صار التلفزيون هو الوطن
والاسرة والدراسة، وصار المؤسسة التي تؤكد على الفردية والنفعية وتجرد الإنسان من
منظومات قيمه، وتؤكد النزعة الغرائزية التي تقصيه عن كل ما هو إنساني وروحاني وقيمي
من خلال ثقافة الاستهلاك التي تروج لها سلطة الصورة (وهي تنتج وتصوغ القيم على حسب
طروحات موجهيها إضافة إلى دورها السياسي باعتبارها سلطة رمزية تؤثر في مجتمعات ذات
توجه لفظي ...)(2).
وتنبثق مخاطر أخرى من هيمنة سلطة الصورة، فهي تفضي باستمرار نفوذها الطاغي إلى
إيجاد قطيعة بين الإنسان ومجتمعه عندما يحمل المتلقي منظومات جديدة من القيم
والأفكار لم تنبثق من فضاء التطور الطبيعي لمجتمعه – مما يسبب نوعا من الخلخلة في
البنى الاجتماعية، وتتأثر النساء بدرجة أكبر بكل خلخلة اجتماعية سواء كان التأثر
سلبيا أو إيجابيا.
ومن مخاطرها أنها تعرض الإنسان فكرة تعدد الهويات داخل الشخصية الواحدة ويتمزق ما
بين انتمائه الروحي والمكاني لعقائده ووطنه، وما بين نزوعاته الجديدة التي أفرزتها
فيه مؤثرات سلطة الصورة.
وبوسع الصورة التأثير في المتلقي مباشرة لأنها قادرة على إزاحة وتبديد أية فكرة في
ذهن الإنسان، ومن هنا قوتها التأثيرية في الرأي العام باعتبارها أداة اتصال غير
لفظي مباشر وحاسم وقاطع.
ومن جهة أخرى، تقدم ثقافة الصورة خدمات علمية كبرى إذ تنقل للمتلقي ما يجري في
المختبرات والطبيعة إلى غرفته دونما عناء أو بحث او زيارة لمختبرات حقيقية.
قابلية بعض الصور الثقافية للتسويق والانتشار السريع والتأثير في تغيير المفاهيم :
تبدو مشاهد التدريب على إعادة تشكيل الجسد الإنساني عن طريق الأجهزة الرياضية
الحديثة والمستحضرات من أكثر المشاهد إثارة لدى النساء والرجال، بخاصة أنها تخاطب
طموحهم الخفي لحيازة أجساد مثالية في مقاييسها تتطابق مع (الأنموذج المقولب)
للإنسان الغربي – بخاصة في الثقافة الأمريكية التي تقدم نموذجها السائد المطلوب
والمفروض على ذائقة أبناء الثقافات الأخرى متمثلا في أجساد العارضات الشهيرات
ونجمات الغناء والسينما، وهذه العروض والإعلانات تدفع باعداد كبيرة من نساء الطبقات
المترفة إلى التمركز في مواقع غير أساسية لا دور لها في بناء الشخصية الإنسانية، بل
نرى المرأة تلاحق المرايا وتتابع تحولات الجسد، فتنبني علاقة وهمية بين المرأة
والصورة المقولبة للعارضة في فضاء مشحون برغبة التشابه والغيرة مما يجعلها تفهم
جسدها فهماً سطحياً دون الالتفات إلى مرتكز روحي أو قوى داخلية ومقومات ثقافية،
وتغير صورة العارضات الجميلات مفهوم الجسد الإنساني الحي، جسد المرأة المنتج الولود
المتغير، الجسد الطبيعي للمرأة الطبيعية والعاملة إلى جسد جرى تكييفه حسب متطلبات
السوق عبر التدريب وتغيير المقاييس، ليناسب محددات الثقافة المهيمنة، وهذه الصورة
التي تقدمها الثقافة الأخرى عن جسد المرأة المسلعة تهدف إلى حرف علاقة المرأة
بجسدها الذي هو كل غير منفصل من منظومات القيم والادوار والمعطيات الثقافية إلى
حضور مادي استهلاكي مهيأ للاستغلال كأية سلعة في السوق، ويجري تداوله حسب العرض
والطلب، وعندئذ يصبح الجسد ومفهوم الجسد بؤرة صراع ثقافي بين وعي المرأة العربية
ومقومات شخصيتها وخصائصها الروحية وبين مزاعم التحرر الزائف الذي يشيء جسدها
ويقولبه لاشباع رغبات المستهلكين في إطار من المهانة، والحط من شأن القيمة
الانسانية..
وفي هذه الحالة تنسى كثير من النساء المأخوذات بالانموذج الغربي ومقترحات مهندسي
الجمال المصنوع قيمتهن الانسانية وقدراتهن العملية ومنافذ إبدعهن، ويتجاوزن حقيقة
أساسية تتجاهلها ثقافة الآخر ومفهوماته عن الجسد الانساني، ويعطلن قواهن العقلية
وينسحبن إلى انفاق التردي بدل الانفتاح على أفق التطور والتقدم، ان ثقافة الغرب
تتجاهل حقيقة اساسية هي : (ان الجسد ليس ملكية للانسان يستخدمه كما يشاء وإنما هو
كينونة ووجود وحياة يرتبط بها الفرد بالعالم والمجتمع) (3).
المضامين الاتصالية في وسائل الإعلام العربية وموقع المرأة فيها وأنماط صورها ..
يتوغل التلفزيون ببرامجه المتنوعة إلى أكثر الأماكن خصوصية وأشد اللحظات الإنسانية
حميمية في حياة الناس، وتتحكم عادة الفرجة المستديمة على التلفزيون عند كثير من
الفئات بخاصة فئة ربات البيوت والشابات في بلادنا العربية، فتعمل البرامج على تكييف
وتغيير العقل الانساني توجيه مشاعره ورغباته وتسمى هذه العملية ( .... إدارة
الإدراك وصناعة الموافقة ...)(4)، وهي عملية تجعل المعطى التلفزيوني أو الحقيقة
التلفزيونية مهيمنة على أصل الحقيقة. ومن هنا تبدأ ثقافة الصورة بتوجيه مضامين
متنوعة وصور ملفقة إلى إدراك المتلقي لخلق عالم تخيلي منسوج بالأحلام والأوهام
والأمنيات المستحيلة، فيعجز المتلقي عن الفصل بين الوهم والحقيقة فيما يقدم إليه.
وعندما يتحقق هذا العجز، تتراجع الذات الإنسانية ويصبح المرء موضعا للاستلاب
وتتراجع خواص الهوية ويتعطل العقل حتى يغدو شيئا زائدا.
وتهدر النساء خاصة من الأكثرية الساحقة في مجتمعنا العربي – طاقاتهن المعطلة في
الاندماج الوهمي بالبرامج المغوية – ذات المضامين السلبية بديل اندماجهن في نشاط
اجتماعي أو ثقافي أو سياسي مما يؤدي إلى انفصالهن عن المحيط ...
ولأن وسائل الإعلام العربية (وقعت تحت سطوة وسائل الإعلام الغربية – الأوروبية
والامريكية سواء من حيث استقبال تدفق الانباء، أو من حيث درجة تلوينها، أو من حيث
مضامينها وطريقة عرضها – كل ذلك أدى إلى تخليط وتشويه وتناقض في صورة المرأة
العربية) (5).
ومن جهة أخرى، تركز معظم وسائل الإعلام العربية بخاصة التلفزة على مضامين تروج
لأدوار المرأة التقليدية (كزوجة وام وابنة وصديقة وجارة – بينما لا تخرج القضايا
التي تثار حولها عن إطار موضوعات الحب والزواج والغيرة والخيانة الزوجية وغير ذلك
من الأمور المعتادة كالخلافات التي تنشأ بين الأزواج بسبب الأطفال أو اسباب العيش
...)(6).
وتقدم المضامين الاتصالية للمرأة دونما تمييز، إذ يبرز اتجاه لدى معدي ومقدمي
البرامج المخصصة للمرأة بأن هناك مضمون اتصالي واحد يمكن ان يقدم لمجموع النساء، مع
أن أكثر مضامين الاتصال المقدمة راهناً تقتصر في خطابها الإعلامي على النخبة
المثقفة أو المتعلمة أو المترفة من نساء المدن الكبرى.
ونظراً لتشابه أوضاع نظم الاتصال القطرية، هناك تشابه كبير في التوجهات الاعلامية
الموجهة للمرأة في الاقطار العربية، ليس لتشابه أوضاع النساء في هذه الاقطار –
والتي لا يمكن تعميم خطاب واحد موجه إليها – بل لأن نظم الاتصال القطرية عاجزة إلى
حد كبير – نظرا لعدم توفر الاستراتيجية الواضحة تجاه قضايا المرأة والمجتمع – عاجزة
عن إنتاج المضمون الاتصالي المناسب الذي يخاطب فئات مختلفة من النساء ومستويات
متباينة من الثقافات والقدرات.
( ... وهناك مضامين اتصالية يغلب عليه طابع التسلية لفئة أكبر من النساء، وان
القاعدة الاساسية التي تمثل الغالبية لا توجد لها أية مضامين اتصالية..) (7).
وتغلب على معظم مضامين الاتصال الموجهة للمرأة العربية صفة الاضطراب والفوقية أو
الوعظية أو الخطابية المباشرة بخاصة في البرامج التي تقدمها هيئات ومنظمات حكومية –
وهي مضامين لا صلة لها بالواقع الاجتماعي المعاش في معظم أقطارنا العربية، وتغلب
على المضامين الاتصالية ( .... الجوانب غير التنموية لصورة المرأة وتوجهاتها
واهتماماتها والمتمثلة بجوانب الترف الاستهلاكي والاستهلاك الكمالي البذخي وهي
جوانب غير قابلة للتطور وقد تستعصي عملياً على التقنين والترشيد، وتخلق هموماً
اضافية للمرأة لا مبرر لها في حين تتجاهل الهموم الجوهرية الموجودة في المجتمع
العربي بالفعل ..) (8).
وتتجاهل معظم المضامين صورة المرأة المقترحة للمستقبل، ولا تقدم رؤى أو توقعات عن
تحولات هذه الصورة الإيجابية في القرن الجديد، الذي حدثت في سنتيه الأوليين تغيرات
هائلة على المستوى السياسي والاقتصادي، انعكست آثارها على المستوى الثقافي
والاجتماعي في أنحاء كثيرة من العالم..
وتغلب على صورة المرأة في المسلسلات العربية نماذج من النساء العاطلات، أو نماذج
تزيينية تزج في العمل الدرامي، أو نماذج تطرح للسخرية من سلبياتها وعدم خبرتها
وقصورها العقلي، كما يتكرر ظهور نماذج من النساء المثقفات أو المبدعات اللائي
يجاهدن لإثبات جدارتهن وامتيازهن الإنساني وكفاءاتهن، لكنهن يتخلين عن طموحاتهن
ويقبلن طوعا أو بقناعة مفاجئة القولبة في الدور التقليدي والانسحاب من الفضاء
العالم إلى حرم البيت، باعتبارهن ملكية خاصة لرجل لا يعترف باي تميز فكري أو ثقافي
للمرأة.
وتظهر كثير من المسلسلات العربية الذات السلبية لدى المرأة والمتمثلة بالاستسلام
اللامشروط لإرادة الرجل ودون مقاومة حقيقية، كما تظهر المرأة الناجحة في مواقع
اتخاذ القرار كإنسانة جامدة فاشلة اجتماعيا وعاطفيا، أو تقدم نماذج من المثقفات
المتحررات إلى حد الانسلاخ عن الأنساق والأعراف الإيجابية في مجتمعها، وتشكل هذه
الطروحات القائمة على فهم قاصر لأدوار المرأة وطموحاتها وضرورات إسهامها في عمليات
التنمية، بؤر خطورة على وضع النساء العربيات، لأنها تدعم القيم السائدة وتنميها
وترسخها وتكرس الصورة النمطية عن عجز المرأة وتبعيتها للرجل ودونية موقعها
الاجتماعي.
وتشترك معظم نظم الاتصال في البلاد العربية في ترسيخ هذه المضامين وتشجيعها لكنها
تفرض قيوداً رقابية مشددة قصد الحفاظ على أوضاع وقيم معينة ومفهومات لها علاقة بصيغ
أخلاقية، بينما تقوم هذه النظم ذاتها بخروقات خطيرة لمنظومات القيم التي تدافع عنها
رقابياً وذلك ببث برامج الترفيه الهابطة المفتقرة إلى المقومات الفنية الحقيقية،
حتى لتبدو وكأنها تقدم عروضا لنواد ليلية تسلع فيها النساء الجميلات، ويقدمن بصورة
تحط من قيمة النساء، وتستهين بالمتلقين، وتتزمت هذه النظم الاتصالية إزاء مضامين
إيجابية متقدمة تطرح نظرة إيجابية لأدوار النساء، وتنصفهن أو تشير إلى كفاءاتهن
الإنسانية الموازية لكفاءات الرجال على أصعدة كثيرة.
وفي الوقت ذاته تنصاع كثير من نظم الاتصال العربية لهيمنة اعلام العولمة الذي يتسلل
إلى السياسات الداخلية، وبخاصة الثقافية – في كثير من الدول العربية مثلما يهيمن
على كثير من السياسات الخارجية – بقصد الانتقال اللاطوعي من المجال الوطني أو
القومي إلى المجال الكوني في الفضاء الكوني.
وتهتم مضامين الاتصال الكونية المهيمنة الآن بموضوع تحلل النظم السياسية
والاجتماعية في دول الجنوب، وتغيير حدودها، وإضعاف سيادتها، مما يخلخل كل منظومات
القيم لتقوم قوى محافظة أو سلفية بمواجهة هذا الحراك الخطير بوسائل وأساليب متعصبة
وغير عقلانية، وتدفع بالمرأة التي هي الحلقة الأضعف في التشكيل الاجتماعي إلى خلفية
المشهد، وتسقط عليها كل نتائج الردة الاجتماعية، وتحملها نتائج البلبلة التي حصلت
لدى اصطدام أساليب الحداثة مع المنظومات القيمية السائدة.
ويروج دعاة العولمة الثقافية إلى ان الاختلافات الثقافية بين الشعوب هي السبب
الرئيس للحروب والنزاعات، ويكمن الحل السحري في اندماج هذه الثقافات في ثقافة
عالمية واحدة تلغي الخصوصية، وتحول البشر إلى أفراد أو جماعات محجورين في حظيرة
الثقافة المهيمنة.
ونتيجة لذلك، يحدث نوع من الإرغام أو العنف الثقافي حسب تعبير (نعوم تشومسكي) إذ لا
يحدث التثاقف طوعاً واختياراً بل يطبق الانتقال إلى الثقافة الكونية بالعدوان
والاغتصاب الثقافي الذي يصاحبه عنق مسلح يؤدي إلى هدر الثقافة الوطنية وتفكيكها.
ان مضامين البرامج والمسلسلات التلفزيونية تشتغل في مناطق تتقاطع مع طموحات المرأة،
لتطوير أوضاعها كما أنها تروج لأفكار وتوجهات خطيرة تعيد النساء إلى حريم الماضي،
ويقدم السيد سعد لبيب مضمون عينة من المسلسلات التلفزيونية في ورقة قدمها إلى اتحاد
الإذاعات العربية – على النحو التالي فيما يخص المرأة والقيم التي يقدمها العمل
الدرامي .. – تعلو نسبة الذكور نسبة الإناث في المسلسلات (63.7) بالمائة مقابل
(36.73) أي ان المرأة لا تحظى بدرجة الاهتمام نفسها التي يحظى بها الرجل.
- تظهر معظم الشخصيات في وضع اقتصادي مرتفع لا يتفق مع واقع المجتمعات العربية
كلها، وهي في معظمها حاصلة على تعليم عال، تليها شخصيات أمية لا تقرأ ولا تكتب.
- ركزت المسلسلات على مهن الموظف الحكومي ورجل الأعمال والطبيب، وقدمت المرأة على
أنها ربة بيت بالدرجة الأولى.
- وركزت القيم الإيجابية حيث شغلت نسبة (86.36) بالمائة من إجمالي القيم الإيجابية،
بينما جاءت القيم الاقتصادية الإيجابية في المركز الثاني (8.35) بالمائة والقيم
السياسية الإيجابية (5.39) بالمائة.
- وجاءت القيم الاجتماعية السلبية على رأس القيم السلبية (83.8) بالمائة، ثم القيم
الاقتصادية السلبية (10.84) بالمائة، وأخيراً القيم السياسية السلبية (5.28)
بالمائة.
- وأخيراً كانت نسبة القيم السلبية أعلى من نسبة القيم الإيجابية، حيث بلغت نسبة
الأولى (59.71) بالمائة والثانية (40.29) بالمائة.
ونستنتج من هذه المعطيات ان كتّاب المسلسلات التلفزيونية يفتقرون إلى المعايير
الفكرية المتقدمة التي توازن بين ادوار النساء والرجال في الحياة، ويجهلون أوضاع
النساء الحقيقية فلا يغيرون في أنماط شخصياتهم الدرامية بل يكررون الطروحات العتيقة
التي دأبت عليها الأعمال الدرامية، سواء في السينما أو التلفزيون، ولم يكتسبوا خبرة
معينة في مجال تكوين رأي مغاير متجدد إزاء موضوع المرأة، ولم يلامسوا الظواهر
الاجتماعية والتمثلات النسائية في تحولاتها، والقيم الجديدة التي أوجدتها الحركات
النسوية الفاعلة والنساء الكفوءات من المبدعات والمفكرات اللائي يسعين لإعلان
مشروعهن الإنجازي وسط المعوقات والمكابدات اليومية.
وتفتقر المضامين الاتصالية في البرامج الموجهة للمرأة إلى الوعي بأهمية بعض
المفهومات الاستعمالية في المجال الثقافي والاجتماعي مثل مفهوم (الحرية) الذي يلتبس
على الكثيرين والكثيرات ممن يمتلكون مواقف مسبقة ومحدودة إزاء المصطلح ويرفضون أو
يتقبلون أي أمر دون مناقشة أو حوار يفضي إلى شرح المفهومات أو تقريب وجهات النظر،
ومفهوم الحرية الذي يتهيب منه الجميع يقع في مجال الالتباس الكبير الذي تخشى
البرامج الموجهة للنساء مناقشته استناداً إلى الخلط الحاصل في فهم حرية الإنسان ...
فحرية المرأة في عصرنا ن وفي مرحلة التفتح الثقافي والانشغال بالقضايا القومية
الأساسية يعني العمل المنتج والمشروع الفكري واكتساب الوعي، ويعني القدرة على تكوين
أسرة متوازنة تقوم على المساواة والعدالة والمحبة، وتعني حرية المرأة ارتباطا وثيقا
بقضية الوطن والارض، والتحرر الاقتصادي والحقوق الثقافية، وتأكيد الذات والخروج من
صيغة التضحية المفروضة على المرأة وحدها ليتقاسم الرجل والمرأة التضحيات في مجال
الاسرة والمجتمع ... أي أنها تعني قدرة النساء على إثبات مزاياهن وقدراتهن الفكرية
بعيداً عن صورة المرأة المهيأة للاستهلاك في نموذج الأنوثة المقولب الذي يظهر قدرة
المرأة المادية ومكانة رجلها الاجتماعية، وهي تظهر بكامل زينتها ومجوهراتها في
المجتمعات تنعم بيد لدنة ناعمة وشعر جميل وثياب غالية .. وهذه الصورة حولت المرأة
في الغرب، وربما في بلاد أخرى إلى أيقونة تعلن عن ثورة الرجل والمجتمع وقيمه
المادية وكنوزه بدل أن تعبر صورتها عن حقيقة إنسانية وطاقات فكرية ومنجز ثقافي ودور
اجتماعي وسياسي.
وغابت عن كثير من النساء فكرة ان نموذج الأنثى المقولب هذا يمثل جائزة أو مكافأة أو
سلعة جميلة لرجال قادرين على الإنفاق البذخي.
وتتفق معظم مضامين الاتصال الموجهة للمرأة في نظم الاتصال العربية على تغطية
الاهتمامات الهامشية للمرأة من خلال الاستغراق في موضوع (التشكيل السطحي) للجمال
الأنثوي وحصر المرأة في كونها موضوعا للإعجاب الرجالي – أي موضوعا للرغبة بتقديم
الأزياء التي تبرز معالم أنوثتها ومواد التجميل التي تزيد فتنتها والعطور التي تجذب
إليها حواس الرجال، وتحول هذه التغطيات بين المرأة وبين وعيها بذاتها ومعرفة موقعها
في الإطار السياسي الإنمائي وتمكينها عبر معرفة حقها وواجبها ومسئوليتها بأهمية
دورها في صناعة مستقبل وطنها – وتسهم مضامين الاتصال السائدة بخاصة في برامج الاسرة
وبرامج الحوار المباشر الموجهة للمرأة في الحفاظ على النسق القيمي العتيق الذي يسود
في المجتمعات الراهنة، رغم أخذها بمظاهر الحداثة التقنية – مما يكرس العقلية
المطبخية لدى المرأة وصورتها باعتبارها – موضوعا للإعجاب والإنجاب والتضحية.
صورة المرأة العربية في المسلسلات الحديثة : عائلة الحاج متولي نموذجاً :
حضور المرأة في الحياة أمر جوهري، فهو وجود لازم ولا بديل له، ولكنه رغم ذلك حضور
مهمش، بمعنى ان حضورها يتراوح بين اللزوم والتهميش في اللحظة ذاتها ....
وتقدم مضامين الاتصال في المسلسلات العربية الجديدة وضعاً ارتدادياً، وكأنها حركة
منظمة متضامنة موجهة إلى جهود ومساعي الحركات النسوية لرد الاعتبار لمكانة المرأة،
وبمحاولة استقراء سريعة لعدد من المسلسلات التي قدمت في شهر رمضان المبارك الماضي،
نجد ان هناك خيطاً سرياً من التواطؤ يربط بينها – وتشترك في معظمها بطرح موضوع تعدد
الزوجات، وإقصاء المرأة عن مواقع العمل، وتفضيل الأنموذج المترف الغربي المقولب في
فيض من الأزياء والمجوهرات والحركة الحرة في المجتمع على الأنموذج المحلي – الذي
يقدم – نمط المرأة الجاهلة المستسلمة المغلوبة على أمرها أمام استبداد رجل مفهوم
بعلاقاته النسوية خارج مؤسسة الزواج.
وتقصي هذه المسلسلات بخاصة مسلسل (عائلة الحاج متولي) المرأة عن كل دور فاعل في
مجال التنمية الاجتماعية ولا تسلط الضوء على أنموذج إيجابي فعال بين النساء
العديدات اللائي حشرن في حظيرة الحاج متولي.
يقدم المسلسل صوراً متعددة النساء يمثلن حضور الشأن (اليومي) في جانب وصورة الإمتاع
من جانب آخر، فاليومي قد يجاوره حضور (اللذة) والممتع قد يمتزج باليومي ويقدمه في
إطار المطبخ – غرفة النوم – فضاءات المنزل المخصصة للجانب الاستعمالي من الحياة –
وهي أماكن محمية، ومغلقة ومحدودة – تشير إلى محدودية الأفعال التي تؤدي فيها ....
ونجد بين هذين الإطارين المطبخ – غرفة النوم نمط المرأة التي تمثل البيئة الشعبية،
ربة البيت المقولبة التي يمثل تكوينها الجسدي علامة تعبيرية للقيم السائدة متمثلة
بالبدانة ونبرة الصوت وحركات اليدين وطراز الثياب، وتتكفل هذه التكوينات المظهرية
بتلبية المطالب اليومية المتعلقة بالخدمات الزوجية المختلفة التي تتم في حاضنة
الطاعة الآمنة ... وتتجلى هذه الصورة في شخصية أمينة التي تكرر بشكل أقل عمقا شخصية
الست أمينة أمام جبروت (سي السيد) وشخصية (نعمة الله) الإمتاعية التي تقدم صورة
المرأة الجارية في تفاصيل محكمة.
يتصدى المسلسل إلى طرح موضوع (التعويض) بشقيه النفسي الجنسي والاقتصادي والذي يشكل
بكل تداعياته السلوك الاجتماعي لدى (متولي).
ويتوغل متولي في لذة التعويض كلما التقى بامرأة وجد فيها إمكانية دعم قصوره المادي
بثروتها أو جاه أسرتها أو ميراثها وعوزه النفسي بجمالها وأنوثتها وقدرتها الإنجابية
حتى ليبدو وكأنه موكل بحماية السلالة البشرية من الانقراض وخزانة البلد من الإفلاس.
تتنازل النساء في مملكة الحاج متولي عن كل ميزاتهن الخاصة، وإمكانية تطور شخصياتهن
في آفاق العمل المنتج، ويتخلين عن استقلالهن الذي تحقق بالعلم أو بالعمل أو بإدارة
الميراث، وتذوب شخصياتهن في هوية الرجل المتحكم في مصائرهن، وتنسحب كل منهن من
ذاتها التي بدأت بالتفتح وتمنح نفسها للحاج متولي (موضوعاً) لتعزيز الثروة وتوفير
المتع، معتصمات بالطاعة القصوى التي تظهر في المسلسل أشبه بأيقونة مقدسة تتعبد
أمامها الزوجات، فإذا انحرفن عنها حرمن من نفقة الحاج متولي ورجولته.
والطاعة هي النموذج السلوكي الذي يحدد للمرأة موقعها في الفضاء الأسري من جهة
ودورها وموقعها في الفضاء الاقتصادي من جهة أخرى، فالمرأة في جو الطاعة يتحدد
وجودها باعتبارها عنصراً مستهلكاً يعيش على ما ينتجه أو يقدمه الرجل الذ يمتلك
عليها حق طاعته بالإنفاق.
ومقابل هذا يبدو موضوع عمل المرأة شرطا مناقضا للطاعة لأنه يمنح المرأة تحررها
الاقتصادي وامتلاكها لذاتها ومصيرها كما كانت المرأة في صدر الإسلام، متحررة
اقتصاديا ومالكة لذاتها ومقررة لمصيرها دونما إرغام أو تنازل أو استلاب.
والمرأة في إطار الطاعة التي يقدمها العمل الدرامي لا يسمح لها بإبداء الرأي أو
التفكير بل انها تتنازل بيسر عن حق الرأي والتعبير والتفكير، وهو تنازل عن
الاستقلال الذاتي للإنسان يبلغ مرتبة التخلي عن أبسط الحقوق التي ضمنتها له الشرائع
والقوانين والأعراف.
والطاعة في المسلسل هي معادلة السلامة والبقاء في منظومة الحاج متولي ويقابلها على
الموقع المضاد – إبداء الراي – الذي يعتبره الحاج متولي تمرداً على سلطته، فالمرأة
لا تبدي رأياً ولا تنجح في سياسة أمور حياة، بل أنها لا تملك حق سؤال الزوج عن أي
أمر يخص الاسرة والأبناء.
وأنتجت فكرة الوصولية التي بنيت عليها شخصية الحاج متولي زيجات نفعية مؤسسة على
الاستحواذ وضم الثروات والجاه إلى منظومة الحاج متولي التجارية والاسرية متجاوزة
شرط التراحم والحب والألفة في الزواج الذي حوله جشع الحاج متولي إلى وسيلة لمضاعفة
الثروة والانتفاع بكل الإمكانات الاجتماعية والمواقع السياسية لإسناد فكرته عن
التطور والنمو الذي لا يتم لديه إلا عبر نمو الثروات، مع إلغاء تام لفكرة التطور
العلمي ونضوج الشخصية الإنسانية في مجال العمل الذي يقصره على الرجال.
ويقدم المسلسل أنموذج المرأة المتعلمة – الخريجة التي تحلم بالعمل، ويتحقق لها ذلك
في مرحلة معينة ليس إيماناً بأهمية العمل للمرأة وضرورته في نضج شخصيتها وتطور
منجزها وربطها بمجتمعها، وإنما من أجل متابعة الأعمال الضريبية لزوجها، فإذا فشلت
في خداع السلطة الضريبية عن مدخولات زوجها بسبب وشاية، أعيدت إلى الحرم المنزلي
وحرمت من العمل لأن قيمة العمل قرنت في المسلسل بالرجال، وما المرأة إلا محض أداة
للمتع والخدمة والإنجاب ولا دور لها في إبداء الرأي أو الرفض أو القبول.
وفي الوقت الذي تعمل الجهود والمنظمات النسوية والجمعيات على تحقيق نمو الشخصية
النسوية وتطورها وزجها في مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإشراكها في
الإنجاز السياسي والثقافي، تتجه مضامين الاتصال العربية في القرن الحادي والعشرين
إلى إعادة تكريس قيم تجاوزها المجتمع وإعادة الاعتبار إليها وتبلغ نتائجها بيسر
لأنها قدمت عبر إطار فني ناجح وبأداء ممثلين كبار وإنتاج باذخ، ومن هنا تبرز هيمنة
ثقافة الصورة ودورها في حرف المفهومات وتكريس القيم السائدة وكأنها تعمل في فضاء
مضاد لكل الجهود الساعية للتنمية والتغيير، وتحصر النساء في كونهن مواضيع متعة
وخدمة وإنجاب وطاعة وحسب .. صورة المرأة في الإعلانات التلفزيونية.
تعتمد فكرة الإعلان اساسا على مخاطبة الاحتياج الانساني للسلع ويتجه المضمون
الإعلاني - أي طريقة المخاطبة ومحتواها – إلى تحقيق الاستحواذ على تفكير المشاهد،
وصرف نظره عن السلع الاخرى. ويعد الإعلان (أحد أشكال القمع في المجتمعات
الاستهلاكية) (9) إذ يتعرض المشاهد عمليا للقمع أمام الإعلان المغري، والإعلان أصبح
في العامين الأخيرين أي في بداية القرن الحادي والعشرين وسيلة صاعقة لتحقيق الأرباح
عبر الأكاذيب والخداع وتلفيق المسابقات لأمم تحلم بالثراء والرفاه الذي تعدها به
المسابقات التلفزيونية ..
تقدم المرأة في الإعلانات الحديثة بشكل عام على أنها تلك الأنثى التي يشتهيها
الخيال الذكوري، أنثى مغوية تمتلك جسداً جميل، أو تؤدي حركات وإيماءات محددة لكي
تبلغ رسالة الإعلان إلى المتلقي.
وتمر البضاعة المعلن عنها من خلال جسد المرأة – المغرية – الذي يتحول إلى جسر
لإيصال البضاعة، ويخاطب المشاهد بأن المرأة التي تملك هذا الجسد هي وسيلة لامتلاك
ما يشتهي، وبالتالي فإن امتلاك السلعة يمنح المشاهد وهم امتلاك الأنثى التي تقدمها
..
وفي معظم الاعلانات الحديثة، تندمج الغاية بالوسيلة، وتصبح المرأة المروجة للسلعة
هي السلعة نفسها مثلما يقدمها إعلان تبثه فضائيات عربية عن أحد أنواع مكيفات الهواء
تقدم امرأة شقراء فاتنة بزي أحمر شفاف كاشف عن مناطق شاسعة من صدورها مزايا المكيف
بحركات إغواء وغنج وإثارة، ويتجمع حولها حشد من الذكور المبهورين المنفعلين الذين
يتفصدون عرقاً إزاء فتنتها، وتتسع حدقاتهم أمام انوثتها المسفوحة بسخاء إعلاني.
لو حللنا عناصر هذا الاعلان لوجدنا أنه صورة معاصرة عن أسواق النخاسة القديمة التي
توضع فيها الجارية على دكة أو منضدة وتعرض خصائصها الجسدية وبراعتها الغنائية أمام
حشد من الذكور الساعين لامتلاك المتعة .. هل يختلف المشهد الحديث الذي يعلن صناعة
الاسترقاق الجديدة في وسائل الإعلام المعولمة الهادفة إلى زيادة عدد المستهلكين على
حساب كل قيمة أو جدوى غير الربح.
تتلاعب الإعلانات التجارية راهناً بصورة النساء وينتقل الخطاب الإعلاني من اعتبار
المرأة قوة مستهلكة للسلعة يتوجه إليها الإعلان إلى سلعة إضافية يروج لها ضمن
المضمون المبهر للإعلان التجاري، حتى غدا كثير من الإعلانات أسواق نخاسة مفتوحة على
فضاءات الأرض.
ورغم ظهور الرجال في الإعلانات، إلا أن صورة المرأة في الإعلان تختلف إلى حد كبير
عن صرة الرجال فيه، (إذ تنحصر صورتها في ثلاث مستويات : المرأة في العمل – المرأة
ربة البيت – المرأة كموضوع إغراء جنسي) (10).
وتبعا لتقسيم الأدوار التقليدية بين النساء والرجال في مجتمعاتنا، فإن الإعلانات
المروجة لمواد التنظيف ومساحيق الغسيل هي من اختصاص النساء، بينما يعلن الرجال عن
السيارات والأجهزة الحديثة. وحتى الأجهزة المنزلية، في حين يستخدم حضور المرأة
الجسدي كأداة جذب أو كمضمون جنسي مباشر أو باعتبارها رغبة حلمية – مجرد وهم حلمي في
خيال ذكوري، مما يؤثر في الرغبات الواعية وغير الواعية للمشاهد – المستهلك الذي لم
يعد يختار تبعا لاحتياجاته الحقيقية بل تبعا لاستراتيجية إثارة الرغبات وأولها
الرغبة الاستهلاكية.
وتتراوح صورة المرأة في الإعلان بين ربة بيت مهووسة بالتنظيف بقصد إرضاء الغير
واكتساب منزلة مميزة في (الجهد المنزلي)، وبين أخرى مشغولة بقولبة أنوثتها وتعطير
جسدها وتجميله لإثارة رغبات الرجال وجعلهم يكتشفون فتنتها بعد عمليات النمذجة
والتغيير والتصنيع الجمالي التي تتجاهل النفسي والروحي لحساب الجسدي المادي وتقصي
الفكر لصالح الرغبات.
والمعلنون عامة هم من الرجال الذين يستخدمون الفتيات في إعلاناتهم ويحولون حضورهن
الأنثوي المحايد في البدء إلى أنوثة متواطئة ضد نفسها عندما تقدم في إطار التسليع
والعرض والطلب.
ويستخدم الجسد الأنثوي في الإعلان كإحدى وسائل التضليل والتزييف لأنه يخاطب تراث
الكبت الطويل لدى المشاهد العربي، ويكون الجسد معبراً للتداول السلعي والأرباح، ومن
هنا، فإن الإعلانات الحديثة لا تكتفي بترويج السلع بل تسهم إلى حد ما في بناء مواقف
اجتماعية وسلوكية محكومة بالنهم الاستهلاكية، ومستندة إلى الرغبات والشهوات دون
الحاجات الحقيقية للمشاهد.
خاتمــة :
1. هيمنة الصورة باعتبارها سلطة رمزية في الإعلام المعاصر المعولم :
• دور وسائل الإعلام الغربية المعاصرة في ترويج صورة معينة للنساء في بلدان كثيرة –
بخاصة البلاد العربية التي أخذت بنموذج الاعلام الغربي – مما جعل النظام السمعي
والبصري ينجح في تغيير توجهات البشر، واحتلال عقولهم واختراق وجدانهم، واقتراح
منظومات قيم جديدة عليهم ...
• قابلية بعض الصور الثقافية للتوسيق والانتشار السريع وقدرتها على التأثير في
تغيير المفاهيم، مع عدم وجود علاقة بينها وبين النظام الاجتماعي للمتلقي مما يفضي
إلى ظهور عقدة (تعدد الهويات) لدى المتلقين بوجود التناقض بين ما يبث وما هو حاصل
اجتماعياً.
2. المضامين الاتصالية في وسائل الإعلام وموقع المرأة فيها ...
• تقاطع السياسات الاتصالية التي تدعو للتنمية والتقدم وتمكين المرأة من مضامين
البرامج والأعمال الدرامية التي تتناول أوضاع الأسرة والمرأة في الوطن العربي مما
يرسخ القيم السائدة الضاغطة، ويعيق جهود النساء والمنظمات النسوية والمساعي
الاجتماعية لتغيير واقع النساء، ويعمم المشكلات القطرية على رقعة الوطن العربي رغم
اختلاف مشكلات النساء أو المشكلات الاجتماعية في كل بلد، ويحدث في فضاء الإعلام
المعاصر نوع من الإرغام أو العنف الثقافي للانتقال إلى الثقافة الكونية.
• افتقار المضامين الاتصالية في البرامج الموجهة للمرأة إلى الوعي بأهمية بعض
المفهومات الاستعمالية في المجال الثقافي أو الاجتماعي، وعدم توفرها على
استراتيجيات لمساعدة النساء للارتباط بقضية الوطن والمجتمع.
3. صورة المرأة في المسلسلات العربية : مسلسل عائلة الحاج متولي نموذجاً :
• مناقشة موضوعة الطاعة – الوصولية – النفعية في علاقات الزواج من امرأة لهدف مادي،
نموذج المرأة المستلبة التي توكل أمر التعبير عن رأيها وأفكارها وحياتها في فضاء
الطاعة الزوجية إلى الرجل الذي يملك الانفاق عليها، وقبول النساء في المسلسل
بالتخلي عن العمل كقيمة اعتبارية وإنسانية لصالح حجر المرأة في (حرم) الحاج متولي،
في الوقت الذي تعمل الجهود النسوية والمنظمات على تحقيق نمو الشخصية النسوية
وتطورها.
4. تقدم المرأة في الإعلانات كسلعة وجسد وأنثى تداعب الخيال الذكوري وتعمل
الإعلانات عن طريق خطاب معين إلى تحقيق الاستحواذ على تفكير المشاهد – ويعد الإعلان
أحد أشكال القمع في المجتمعات الاستهلاكية -، ويصبح حضور المرأة وجسدها معبرا
للتداول السلعي الذي يهدف إلى الارباح دون اعتبار لأية قيمة، بل أنه يسهم إلى بناء
مواقف اجتماعية وسلوكية محكومة بالنهم الاستهلاكي.
مقترحـــات :
1- تأسيس شركات إنتاج درامي نسوية تعتمد نصوصا لكاتبات وكتاب تتفهم طموحات المرأة
وأوضاعها من وجهات نظر (النوع الاجتماعي).
2- اقتراح هيئة متابعة لملاحقة أو مقاضاة بعض المعلنين ممن يسيئون استغلال
(الأنوثة) كقيمة إنسانية في إعلانات تهين شخصية المرأة وتحط من إنسانيتها.
3- اقتراح هيئة اتصال عربية مع المؤسسات الإعلامية العربية لطرح وجهات نظر النساء
في مضامين الإعلام الموجهة للمرأة العربية.
مصادر البحث :
(1) عبد الإله بلقزيز – العولمة الثقافية والهوية – مجلة المستقبل العربي العدد 229
– مارس 1998.
(2) جاب الله موسى – ما وراء الصورة – مجلة سطور – العدد 34 السنة 1999 ص 35.
(3) رمضان بسطاويسي محمد (الجسد بين الثقافات) مجلة سطور العدد 34 – السنة 1999 ص
(9).
(4) د. مصطفى حجازي : أستاذ علم النفس، جامعة البحرين – مجلة العلوم الإنسانية –
العولمة والتنشئة المستقبلية – ص 26 - العدد 2 سنة 1999.
(5) صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام وفنون التعبير : قضايا وتوجهات – سلسلة
دراسات عن المرأة العربية في التنمية – اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا –
رقم 12 ص 32.
(6) د. موزة غباش : رئيس قسم الاجتماع جامعة الإمارات – صحيفة الاتحاد الاماراتية –
24/10/2000 مقال بعنوان : (الوعي الاجتماعي وصورة المرأة العربية).
(7) الاتصال والإعلام في الوطن العربي – د. راسم محمد الجمال – (المرأة في مضمون
الاتصال) مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1999 ص 157.
(8) صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام وفنون التعبير – اللجنة الاقتصادية
والاجتماعية لغربـي آسيـا – سلسـلة الدراسـات عن المـرأة العربيـة فـي التنميـة
رقـم (12) ص 12.
(9) محمود خير الله – مجلة سطور (بنات الأيزو) ص47 – العدد 34 – السنة 1999.
(10) مجلة شهرزاد الجديدة – العدد 23/24 السنة 1990 موضوع: (للبيع).