الجلسة الثانية - تجارب دبلوماسية وسياسية
• كلمة الدكتورة شيخة سيف الشامسي، رئيسة الجلسة.
• ورقة بحث الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة، بعنوان : (تجربة دبلوماسية خليجية).
• ورقة بحث سعادة شكور الغماري، بعنوان : (تجربة سياسية خليجية).
نص كلمة الدكتورة شيخة سيف الشامسي، وكيل
وزارة التربية والتعليم والشباب المساعد
للمناهج والبرامج التعليمية
بسم الله الرحمن الرحيم،
من المواضيع المطروحة في الملتقيات الفكرية والثقافية في الدول العربية والإسلامية
موضوع المرأة.
وتعلمون جميعا ان مستوى المشاركة للمرأة في الدول المتقدمة يختلف كثيرا عن مستوى
هذه المشاركة في الدول النامية.
فبينما تتمتع المرأة في المجتمعات المتقدمة بحظ وافر في المشاركة السياسية، تحكمت
النظم السياسية في الدول النامية في تحديد مستوى مشاركة المرأة السياسية ونوع هذه
المشاركة.
في الدول الإسلامية كان للمرأة دورا قياديا فيها، مثل : باكستان، وإيران،
وإندونيسيا، وبنغلادش، في حين تضاءل هذا الدور في بعضها الأخر : في بعض الدول
العربية، وبالأخص في دول الخليج العربي. وعلى مستوى دول الخليج ايضا، وجد تباين
واضح. وقد سبقت مملكة البحرين الدول الخليجية في هذا المضمار.
ومن العناصر التي نعتز بها في الساحة الخليجية الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة، سفيرة
مملكة البحرين بفرنسا وممثلة المملكة لدى منظمة اليونسكو، التي تعرض لنا تجربتها
الدبلوماسية الخليجية.
نص ورقة البحث المقدمة من سمو الشيخة
هيا بنت راشد آل خليفة، سفيرة مملكة البحرين لدى الجمهورية الفرنسية، حول : (المرأة
الخليجية والعمل الدبلوماسي) :
لعل الأسئلة الأوسع والأكبر، المطروحة علينا اليوم في هذا الموضوع، هي : لماذا أصبح
التوجه الآن إلى إعطاء المرأة دوراً أكبر في الوظائف الدبلوماسية في الدول العربية،
ومن بينها دول الخليج العربي؟ لماذا اكبر عدد من رئيسات البعثات والسفيرات العربيات
يوجد اليوم في باريس، وليس في عاصمة أخرى من العالم؟
في باريس الآن ثمان سيدات، بين سفيرات ورئيسات بعثات، من دول عربية، كما توجد
سفيرات أو رئيسات بعثات دبلوماسية أجنبية في بعض العواصم العربية. ولماذا لا توجد
نساء عاملات في السلك الدبلوماسي من بعض البلدان الإسلامية الأكثر محافظة أو لديها؟
مجمل الإجابة على تلك الأسئلة يتلخص في أمرين : الأول، هو الاتجاه الدولي السائد
حالياً، بأن وضع المرأة العملي والقانوني والاجتماعي في أي مجتمع، يعد مؤشرا على
احترام حقوق الإنسان والتسامح والانفتاح على العالم. والأمر الثاني هو أن وضع
المرأة في الدول المضيفة – وهي هنا فرنسا – يعطي للمرأة الحق في الحركة واتساع
دائرتها الاجتماعية وسهولة الحركة، فهي تعامل كـ (إنسان)، قبل كونها امرأة، وكلما
كانت حركة المرأة ميسرة في المجتمع المضيف، كلما كان بإمكانها ان تمثل بلدها خير
تمثيل.
الفارق في قبول حرية حركة المرأة أو تقييدها، هو ليس فارقا بين الشمال والجنوب، ولا
بين الشرق والغرب، الفارق هو في (مستوى تطور) المجتمع. ان وضع المرأة القانوني
والسياسي والاجتماعي في بعض بلداننا العربية والإسلامية اليوم، يشابه إلى حد بعيد
وضع المرأة الغربية في تاريخ سابق من مرحلة التطور الاجتماعي الغربي.
فالمرأة الفرنسية مثلا لم تحصل على حق الترشيح والانتخاب إلا في العام 1964، أي بعد
ما يزيد عن قرن ونصف من الثورة الفرنسية الكبرى، فالقضية برمتها هي مرحلة تطور
اجتماعي وقانوني، وكلما قبلنا فكرة التطور، وهو المضاد للجمود، استطاعت المرأة ان
تأخذ دورها الطبيعي في المجتمع. ولكن التطور لا يأتي تلقائيا، بل يحتاج إلى نضال
وإيمان وجهد، ونحن في مجتمعاتنا نسير بهذا الاتجاه.
اعتقد ان الإصرار على مدينة باريس، لإرساء اكبر عدد من الدبلوماسيات العربيات /
المسلمات، هو شكل من أشكال تأكيد العزم من الدول المرسلة، على الانفتاح على العالم،
ورسالة إلى الغرب بهذا التوجه. واعتقد ان الرسالة قد أدت إلى رد فعل إيجابي في
الدوائر الفرنسية والغربية. كما وأن إرسال السفيرات الغربيات إلى الدول العربية،
على عكس المسألة بالنسبة لدينا، فهن ربما يرسلن إلى العواصم التي يراد جس نبضها
والتأكد من حقيقة وضع المرأة و التعامل معها، وهناك عواصم مغلقة بالنسبة لهذا
التوجه بسبب الظروف الاجتماعية السائدة مثل الرياض وطهران.
باختصار إن وضع المرأة كسفيرة بالنسبة للدول العربية والإسلامية وبالمقابل الدول
الغربية : هو رسالة عزم من جهة، وجس نبض من جهة أخرى.
هل تصلح المرأة للعمل الدبلوماسي؟
حتى يمكننا الإجابة على هذا السؤال، يجب طرح تساؤل أسبق منه، وهو : من هي
الدبلوماسية؟
الدبلوماسية هي في العلاقات الإنسانية، تستخدمها الدول من أجل تعزيز وجودها في
المجتمع الدولي، ولتقوية أواصر العلاقات مع الدول الأخرى، وفي القانون الدولي، يقف
حق الدولة في السيادة وتقرير المصير، عند حدود احترام سيادة الدول الأخرى، واحترام
التعهدات والالتزامات الدولية، علاوة على ان النظام العالمي يقوم على قواعد القانون
الدولي والشرعية الدولية. باختصار، ان أهم الأسس التي تقوم عليها الدبلوماسية، وهي
تتطلع لخدمة مصالح دولها، ان تضمن التوفيق بين مقتضيات المصالح الوطنية، ومتطلبات
نظام دولي يهدف إلى الاستقرار، وتفادي الحروب والتسامح، واحترام التعددية الفكرية.
ويكون دور الدبلوماسي هو تنشيط التبادل التجاري والثقافي والإنساني، وتقريب وجهت
النظر أو شرحها عند الاختلاف.
ان أهم الصفات التي يجب ان يتحلى بها الدبلوماسي من بين صفات أخرى : الاستقرار
الداخلي والشعور بالأمان، التأني وعدم القفز إلى النتائج، قبل التدقيق في الأمور،
اقتناص الفرص والرد العقلاني الهادئ، الحزم عندما تحتاج الأمور إلى حزم وعدم تهاون،
وبناء جسور متينة بين دول المقر والدولة القادم منها، وخلق شبكة من العلاقات
الصحافية والفكرية والثقافية التي يستعين بها لتأدية عمله. وهذا يتطلب الإلمام
التام بالثقافة المحلية، والقدرة على العمل الجماعي.
تلك الصفات، عندما تتوافر في امرأة أو رجل، فإنه يستطيع ان يؤدي مهمته بيسر أكثر
.... لا اعتقد ان كون السفير، امرأة أو رجل، هو المعيار. وإنما معيار النجاح هنا هو،
من بين أمور أخرى : مستوى الذكاء والوعي على الثقافة العامة والقدرة على التواصل
الإنساني الناجح دون إفراط أو تفريط.
قبل أن أتولى مهامي كسفيرة، عملت في المحاماة في مكتب خاص، وقد تعلمت ان النتائج
الناجحة لا تكون إلا من خلال عمل دؤوب، وقدرة على العمل الجماعي. كنت أختار الأشخاص
الذين تتوفر فيهم إمكانية تأدية دورهم في العمل بإتقان، وتعلمت كذلك أن النجاح في
العمل 99٪ منه عمل، وفقط 1٪ حظ.
عندما كنت أنتقي من يعمل معي لم أكن أميز بين امرأة أو رجل، بل بين عقل وآخر، بين
إمكانية وأخرى، وفي القطاع الخاص العبرة في الإنتاج وفي نوعيته، وليست بالكلام أو
المجاملات، أو يكون من يعمل الجنس أو القرابة أو الولاء الشخصي. وعلى هذا الاساس
عملت في السفارة، وطوعت طريقة عملي وتعاملي مع الآخرين، للعمل الدبلوماسي لدولة
خليجية صغيرة في الخليج، لدى دولة أوروبية من الدول الخمس الكبرى.
فكيف كانت التجربة؟ وهل معيار التميز في العمل الدبلوماسي بشكل خاص، والسياسي بشكل
عام، هو لجنس السفير ام لنوعية عمله، وقدراته الذاتية، وطريقة تأهيله، والإمكانيات
المادية والبشرية المتاحة، والاستغلال الأمثل لها؟
السياسة والإعلام :
عند وصولي إلى باريس كلفني الاخوة السفراء العرب بتولي رئاسة اللجنة الإعلامية في
مجلس السفراء العرب، أثناء عمادة سفير مصر السابق، السفير علي ماهر السيد. كنت
اجتمع مع اللجنة، المكونة من سفراء، مرة كل شهر، وقمنا بوضع برنامج إعلامي لمجلس
السفراء العرب، ومن خلاله قمنا بزيارات استطلاعية لعدد من المدن الفرنسية، منها
ليون وبوردو، واجتمعنا بالعديد من الصحافيين والعاملين في الإعلام في باريس، وفي
الأقاليم الفرنسية، وأسسنا نظام (جائزة السفراء العرب)، بغرض تكريم من ساهم في نقل
الحضارة والتراث العربي إلى اللغة الفرنسية، وقد منحت أول جائزة إلى السيد أندريه
ميجيل، وهو باحث فرنسي مهتم بالآدب والتراث العربي، ترجم العديد من المؤلفات
العربية المهمة إلى اللغة الفرنسية، منها كليلة ودمنة.
إلا أن نشاط اللجنة قد أوقف بعد مغادرة السيد سفير مصر باريس، ولعدم رغبة العميد
الذي جاء من بعده في مواصلة تلك النشاطات، وتم وقف العمل بنظام الجائزة، علما بانه
قد تم اختيار لجنة التحكيم الجائزة من عدد من المفكرين الفرنسيين والعرب، ومن بينهم
المفكر الجزائري الاصل محمد أركون. وفي ذلك تواصل ثقافي هام في بلد يهتم اهتماما
كبيرا بالثقافة.
أما على مستوى السفارة (مملكة البحرين)، فقد وضعت برنامجا لإقامة معرض متنقل في
المدن الفرنسية المختلفة، بغية الوصول إلى أوسع الجماهير، لتقديم صورة عن حضارة
البحرين وتراثها القديم والحديث، وعرض الصناعات المحلية والملابس التقليدية،
ومشاهدة الصور التي تعرض الحياة بمختلف تجلياتها في البحرين، وكذلك تقدم المأكولات
البحرينية. وقد لاقى هذا المعرض قبولا كبيرا من عمد بلديات المدن التي زارها هذا
المعرض، وحرصت ان أكون في تلك الزيارات للشرح، وكان الافراد والجماعات الذين يزورون
هذه المعارض يطرحون العديد من الاسئلة عن البحرين والخليج وعن المرأة، ان أكثر
الأسئلة كانت، ولا تزال تنصب على وضع المرأة، فكثير منهم يتصورون ان المرأة
الخليجية تخضع لظروف غير إنسانية، وأنها ربما لا نفترق عن (نساء طالبان)، كما
شاهدوهن على شاشة التلفزيون. لا يعرفون كثيرا عن المجتمع الخليجي، وبالأخص في المدن
الأخرى خارج العاصمة باريس. كما أصدرت كذلك نشرة فصيلة عن البحرين، نوزعها في باريس
وفي المدن الأخرى، وكذلك أنشأت موقعا على شبكة الإنترنت للسفارة البحرينية يقدم
المعلومات العامة لطالبيها باللغة الفرنسية.
معهد العالم العربي (ندوة عن المرأة العربية) :
عند وصولي إلى باريس، وقبل ان أقدّم أوراق اعتمادي كسفيرة في فرنسا، تمت دعوتي
لإلقاء محاضرة في معهد العالم العربي، مع سفيرة فلسطين وسفيرة المغرب لدى اليونسكو،
عن المرأة العربية. وهنا تجدر الإشارة إلى اهمية الدور الذي يعلبه معهد العالم
العربي في باريس، فهو نافذة العرب على أوروبا، تساهم فيه فرنسا بستين في المئة من
الميزانية، والدول العربية مجتمعة بأربعين في المئة. وهناك مشاكل مالية يعاني منها
هذا المركز الثقافي الهام، لأسباب من بينها عدم التزام الدول العربية بتسديد حصصها
المالية بشكل منتظم.
تحدثت في ذلك اللقاء عن المرأة في الخليج، وحضر تلك الندوة جمهور كبير، وقد كانت
الأسئلة تنصب على المرأة الخليجية ودورها السياسي والاجتماعي، وقد لفت نظري من خلال
أسئلة الحضور، ان أغلبهم لا يعرفون كثيرا عن وضع المرأة في الخليج، فأوضحت لهم ان
الفكرة التي يحملونها عن المرأة في الخليج، بأنها تلبس السواد من أعلى الرأس إلى
أخمص القدم، وأنها لا تملك من أمرها شيئاً ... هي أفكار غير دقيقة، غير واقعية، لأن
المرأة الخليجية تعمل وتساهم في التنمية مع الرجل، وهناك قطاعات عديدة من الأعمال
تعمل فيها المرأة في مجتمعات الخليج، أحياناً بعدد مساوٍ للرجل، واحياناً يزيد عليه،
كما في قطاعي التعليم والصحة، وهي إذا قامت بالعمل نفسه، تتقاضى ذات الأجر الذي
يتقاضاه الرجل، في حين انه في فرنسا عندما تعمل المرأة تحصل على راتب أقل من راتب
الرجل في ذات العمل. وقد أيدت حديثي عن عدم المساواة في العمل في فرنسا، إحدى
المسؤولات بوزارة الخارجية الفرنسية، التي كانت تحضر الندوة، وقد تم تعيينها بعد
ذلك سفيرة لبلدها في هولندا، وهي السيدة آن جازو سوكغي.
ولم يفتني ان أنوه بأن هناك بعض القصور في وضع المرأة العربية، وان هناك مطالبات
حثيثة، تقودها نساء ويساعدها رجال، لتجسير ذلك القصور، لان العمل الدبلوماسي ليس
دعاية، فهو، من بين أمور أخرى، تقديم الحقائق وتفسير الظواهر، وأسوأ ما يمكن ان
يحدث للحقيقة هو تجاهلها.
وبعد ذلك قمت بالاشتراك في عدد من المحاضرات عن المرأة الخليجية العربية في معهد
العالم العربي، وفي اليونسكو، وفي غيرها من المنابر الثقافية والدبلوماسية الفرنسية.
ومن خلال الكلمات التي ألقيها في المعارض التي نقيمها في المدن الأخرى خارج باريس،
يتبين لي كم هو الجمهور الفرنسي متعطش للمعرفة، خاصة حول أحوال المرأة العربية، وكم
يندهش البعض عندما يعرف بعض الحقائق. وعلى غير المتوقع، فإن العمل الدبلوماسي، ليس
الجلوس خلف المكتب وحضور الدعوات الرسمية، وكتابة التقارير عن الأحداث التي تنشرها
الصحف، إنه عمل ميدان مع الناس العاديين لكسب العقول والقلوب.
هل هنـاك عقبــات ؟
حتى يمكن الرد عن هذا التساؤل، يجب ان نحدد نوع العقبات، وهل هي عقبات تواجه كل
سفير، رجل كان ام امرأة، أم عقبات تواجه السفيرة المرأة؟
كما قلت في المقدمة، ان فرنسا بلد تتمتع فيه المرأة باتساع مساحة الحركة، فليس هناك
أماكن مقصورة على الرجال وأخرى على النساء، لذلك فإن الصعوبات هنا – ان وجدت –
تتعلق بالوظيفة ذاتها، وبشخصية السفير، وبطريقة الاداء، وليس بجنسه، رجلا كان أو
امرأة. ربما عند بدء العمل، هي نفس العقبات التي تواجه أي شخص، عندما ينتقل إلى
وظيفة جديدة : التكيف في المكان، والتعرف على قدرات الموظفين، ومصاعب السكن،
والتعرف على طبيعة الحياة في البلد الذي تم الانتقال إليه. ولم أرَ سفيرا جيدا إلا
واشتكى من سكن سابقه، إلا أن ذلك متصل بطبيعة بشرية، وليس بعمل محدد.
حسب تجربتي الشخصية، كانت الصعوبات العادية، عندما انتقلت من مهنتي، وهي المحاماة،
ومن القطاع الخاص إلى القطاع الرسمي. في القطاع الخاص، الوقت له أهمية كبيرة، في
حين ان العمل الرسمي يسير ببطء وروتين، وحتى اضع نفسي في مكان وجو يمكناني من العمل،
بدأت باختيار دقيق للعاملين معي، ووضع قواعد للعمل في ما بينهم، تقوم على احترام
الوقت والسرعة والاتقان في تنفيذ المهام الموكلة، وتقسيم العمل، وان لم أجد تجاوبا
أو فهما – من بعض العاملين معي – لهذا الأسلوب في العمل، أستبدلهم وبدون تردد،
فالوقت دائما من ذهب، وليس هناك أمر صعب، كل صعوبة يمكن التعامل معها وتذليلها.
تعلمت من العمل في المحاماة ان القضية القانونية، إذا نظرنا إليها لأول وهلة، قد
تكون كبيرة ومعقدة، مثل النظر إلى فيل. ولذلك بعد تقطيعها وتقسيمها، وتوزيع الأدوار
على كل مختص، وتكليفه بجزء صغير منها للدرس والتحليل، وعمل البحوث القانونية،
ودراسة الإجراءات اللازمة، يمكن الوصول إلى الحلول الملائمة. كنا نتولى الدفاع في
قضايا كبيرة وهامة، تتكون ملفاتها من صناديق كبيرة للأوراق والمستندات تملأ مخازن،
وكنا نقسمها – كما أشرت – ونوزع الأدوار، ثم نجمع ما توصل إليه كل منا، كي نتعرف
على نتائج العمل، ونقوم بالتركيب بعد التحليل، لجمع الصورة في إطار واحد يخدم
موكلنا. هكذا كنت أعمل في مهنة المحاماة، وقد استفدت من خبرتي السابقة، في عملي
اللاحق في السفارة، وقد وجدت ان العمل في السفارة أسهل نوعا ما، من العمل في
المحاماة، لأنه ليس الغوص في الافكار والكتب والاوراق والتعمق بالقوانين، بقدر ما
هو تجوال في وسط حضارة وشعب مختلف، بهدف نقل حضارتي والتعريف بها وبثقافة بلدي،
وتنمية مصالحها، وتذليل العقبات التي تنشأ، وخدمة المواطنين.
لم أجد – حقيقة – صعوبات تمنعني من العمل أو تعيق حركتي، فأنا أشارك في النشاطات
الثقافية وفي المناسبات الرسمية. وحيث كوني سفيرة أيضاً لمملكة البحرين لدى منظمة
اليونسكو، فقد مكنني ذلك من الإطلاع على ما يضطلع به هذا الصرح الهام في مجال
الثقافة والتعليم. ودرست كيفية الاستفادة من هذه المؤسسة، ومن الخبرات الضخمة التي
تتوفر فيها، لصالح بلدي، وبل لصالح منطقة الخليج. لابد ان انوه هنا بالدور الرائع
التي تقوم به دولة الإمارات، من نشاطات ثقافية في هذه المؤسسة، تعطي انطباعا رائعا
لدى المتلقين هناك، عن مدى اهتمام دولة الإمارات بالثقافة العالمية، والتواصل
الحضاري. وترعى دولة الإمارات العربية المتحدة جائزتين، تمنحان لمجالات ثقافية
مختلفة، هما : (جائزة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مجال الإنتاج
الشفوي وغير المادي للإنسانية)، وتمنح كل عامين، وكذلك (جائزة الشارقة للثقافة
العربية)، تمنح كل عام، وتكون مناسبة المنح والاستعداد لها بمثابة إلقاء الضوء
الكاشف على تقدم دولة الإمارات في رعاية الثقافة والاهتمام بالإنسان.
في إحدى المناسبات، كنت أتحدث مع السيد هيرنس جودمون، مدير المركز الدولي لبرامج
التعليم في منظمة اليونسكو، فقال لي : أنا اعتقد ومن خلال المعلومات المتوفرة لدي
أن انبعاث العالم العربي في المستقبل، سوف يكون من دول الخليج، لان الاهتمام
بالتعليم وبثقافة التكنولوجيا واتساع استخدم الكمبيوتر والانترنت، يسير بشكل كبير
وسريع يفوق بشكل واسع بعض الدول العربية الاخرى، وهناك توجه جاد لتطوير نوعية
التعليم في المدارس. هذه الشهادة لم تأت من فراغ، بل من جهد للتعريف والتعرف، وهي
شهادة تجعلنا نحث الخطى وبذل الجهود في هذا الميدان.
الفرق بين نظرة المجتمع الغربي ومجتمعنا الخليجي لعمل المرأة :
فكرة ان تتولى المرأة منصبا قياديا، لم تنضج بعد في مجتمعنا، بدليل أنه عندما رشح
عدد من النساء انفسهن في الانتخابات التشريعية والبلدية في البحرين، لم تنجح أية
امرأة من اللاتي ترشحن، وكذلك في انتخابات المجلس البلدي في قطر. أما في الكويت،
فلم يتم حصول المرأة حتى اليوم على حق الترشيح والانتخاب. لقد حصل بعض العناصر
النسائية في الخليج، على فرصة لتولي بعض مراكز صنع القرار في التعيين، فنجد أن
المرأة الخليجية قد حصلت على منصب وزيرة، سفيرة، رئيسة جامعة وعضو في المجالس
التشريعية، بالتعيين. معنى ذلك ان وصول المرأة إلى الوظائف العامة والى المراكز
القيادية، قد جاء بناء على قرارات قيادية عليا في الغالب، أما المجتمع وعن طريق
الانتخاب فلا تزال قطاعات منه مترددة في تمكين المرأة من الفرص المناسبة في تولي
المناصب القيادية، ومن خلال رأي من هنا، أو فتوى من هناك، من مثل أن (المرأة ناقصة
عقل)، أو (ناقصة دين)، أو كلاهما معا. وهذا أحد الاسباب التي تقف بينها وبين الوصول
إلى مراكز صنع القرار بشكل طبيعي في مجتمعها، رغم ان هذا النوع من المفاهيم قد فند
شرعا وقال فيه علماء تقاة، بأنه حكم (خاص) وليس (عام). ومن جهة أخرى لقد أثبتت
المرأة جدارتها في العمل في القطاع الخاص، حيث يكون التقييم للإنتاجية وجودة العمل،
دون غيرهما من المعايير. فنجد النساء المحاميات، الطبيبات، المهندسات والمحاسبات،
وغير ذلك من مجالات التخصص الفني، واللاتي اكتسبن ثقة من يتعامل معهن.
هل الفرق إذن بين امرأة ورجل؟ ام أن الفرق في تجويد الإنتاج؟ وفي الالتزام بالعمل
وتحقيق النتائج المرجوة؟
في المقابل، في الغرب، عندما قامت الثورة الفرنسية، لم يأت إعلان حقوق الإنسان
والمواطن الصادر في 26 آب/ اغسطس 1789، بنص صريح يتناول وضع المرأة في المجتمع، وقد
جاءت بمبادئ عامة اختصرتها ما أوردته المادة الأولى منه، التي اوردت ما يلي :
(يولد الناس احرارا متساويين في الحقوق، ويبقون كذلك، والاختلافات الاجتماعية لا
تقوم إلا على أساس المنفعة المشتركة).
وفي ظل هذا الإعلان، ظلت المرأة الفرنسية تعاني من عدم المساواة في كافة المجالات.
وقد دفعت المرأة الفرنسية ثمنا غاليا في سبيل الحصول على حقها في التعبير عن رأيها،
وحقها في المساواة والكرامة الإنسانية. فقد تم إعدام السيدة أوليمب دو جوج بالمقصلة
في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1793، عندما اتهمت بأنها تحمل أفكارا معادية للثورة
الفرنسية، بسبب مطالبتها بتعديل القانون المدني، لتحقيق وضع أفضل للمرأة. لقد كانت
تردد عبارتها المشهورة : (ان المرأة التي يكون لها الحق في الإعدام بالمقصلة، يجب
ان يكون لها الحق أيضا في اعتلاء المنبر)...
لقد مرت المرأة الفرنسية بأوضاع غير انسانية واحتاج الأمر إلى تضحيات كبيرة لتصل
إلى ما وصلت إليه الآن، بعد ما يزيد على قرن ونصف بعد الثورة الفرنسية، ولا زالت
تطالب بمساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجل.
ان ما توصلت إليه المرأة في الغرب من مكانة، وان كان أكثر تقدما، إلا أنها لم تحصل
بالضرورة على وضع إنساني مساوٍ للرجل.
إذن، فإن المجتمع الفرنسي احتاج لكل ذلك الوقت، ليقتنع بدور المرأة ومساواتها
بالرجل، ذلك لأن طبيعة البشر تحتاج إلى وقت أكبر لتقبل بالتغيرات الاجتماعية، في
حين ان التغيرات المادية في طريقة العيش واستخدام وسائل التكنولوجيا، لا تحتاج إلى
وقت كبير لقبولها واستهلاكها. ومن جهة أخرى، يعلب رأي المرأة نفسها في توليها
للمناصب القيادية دورا هاما جدا. وايضا، هناك شخصيات نسائية ترفض العمل في مواقع
المسوؤلية، ولا ترى ان المرأة في قدرتها تحمل مسؤولية صنع القرار. فهذه الفئة، ربما
تخضع لاعتبارات الظروف الاجتماعية السائدة، أو تقوم على آراء تراثية محافظة. وقد
ظهر كثير من النساء اللاتي تحملن مثل هذه الآراء على شاشات التلفزة، أثناء
الانتخابات التشريعية في البحرين، ليصرحن بآرائهن، عن عدم صلاحية المرأة لكي تكون
نائبا في المجلس التشريعي، وفي الأغلب يستندن إلى فتاوى دينية غير دقيقة. ويرى احد
الباحثين الخليجيين انه لابد لنا من تأكيد حقيقة ان الجيل المعاصر من نساء الخليج،
وبخلاف الجيل السابق، لا يبدو متعجلا في المطالبة بحق المرأة السياسي، وأنه
بالأحرى، لا يراها الآن مؤهلة لخوص هذه التجربة السياسية. وقد أجري بحث ميداني على
طالبات في الجامعة، وبسؤالهن عن موقفهن من وصول المرأة لمراكز لصنع القرار، كوزيرة
أو وكيلة وزارة أو سفيرة، أجابت (28.3٪) بتأييدهن لذلك، مقابل (71.7٪) لم يجدن فيه
شأناً مهما. ويشير البحث إلى ان الكثرة من الطالبات تستقي معلوماتها ومتابعتها
للشأن العام من خلال خطب المساجد وجلسات الوعظ والبرامج الاجتماعية للإذاعة
التلفزيون.
هكذا إذن، فإن رأي المرأة في نفسها ربما يشكل أحد المعوقات التي تؤخرها عن الوصول
إلى مراكز صنع القرار. باعتقادي، ان هذه الحالة هي نتيجة وضع اجتماعي وتعليمي معين،
ولاشك انها مرحلة، أو وضع ثقافي سوف يتم تجاوزه، لان مجتمعات أخرى مرت نفس الظروف.
فالمرأة الأمريكية كانت معارضة لتمكين المرأة من المساهمة السياسية في وقت ما، بسبب
الذرائع نفسها التي يستخدمها البعض عندنا ان طبيعة المرأة مختلفة، حتى جاءت الظروف
الاقتصادية فأجبرت المرأة على ان تغير رأيها. لقد عملت المرأة في الخليج في وقت
سابق في أعمال الزراعة وتربية الماشية، وحتى ان بعضهن دخل الغوص، وهو غوص البارد،
القريب من الساحل.
سفيرة من الخليج في باريس ربما يكون الفرق في عقول الآخرين ولكن ليس في الواقع .
صدر مؤخرا في باريس كتاب باللغة الفرنسية : (مذكرات فرح بهلوي)، زوجة شاه إيران
السابق محمد رضا بهلوي. وقد امضت سنوات دراسية في باريس في دراسة الهندسة، قبل ان
يتعرف عليها الشاه في باريس ايضا ويتزوجها، وهي تقول في كتابها انها عندما ذهبت إلى
باريس، كان الطلبة الفرنسيون يعيرونها بأنها قد جاءت من (بلد شرقي متخلف يستخدم
أهله الجمال ويسكنون الخيام، فهي متخلفة). وكان هؤلاء الطلبة يسخرون منها بسبب ذلك
الافتراض. وكان الوقت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. لقد تعرضت انا وزميلاتي
في العام 1976، أي بعد ذلك بعقدين تقريبا، عندما كنا نتعلم في فرنسا، لذات الموقف،
والأكثر غرابة أنه جاء من بعض الزملاء العرب، الذين كانوا يعّيروننا امام المدرسة
الفرنسية والطلبة الاجانب، بأننا متخلفين ونسكن في الخيام ونستخدم الجمال للتنقل.
لذلك، وكما قالوا للمدرسة، نحن لا نمثل المرأة العربية. يبدو ان الخيمة والجمل
والبترول، هو ما يطبع فكر الآخرين عنا.
عندما علمت بالأمر الصادر بتكليفي بمهمة سفيرة لبلدي في باريس، كانت مفاجأة كبيرة
لي، ونقلة في نوعية العمل. لم يكن في برنامجي قط، ان أزاول أية مهنة أخرى، غير مهنة
المحاماة، فأنا أحب عملي الحر، الذي كنت أزاوله من مكتبي الخاص، الذي أسسته ونجحت
في ان أضعه في مصاف أهم المكاتب القانونية في البحرين. سفيرة : إذن محامية لموكل
واحد هو الوطن. هي بالتأكيد ثقة كبيرة اعتز بها، من القيادة السياسية في البحرين.
عندما بدأت الصحف ووسائل الإعلام تتحدث عن تعيين امرأة خليجية سفيرة في باريس، عرفت
ان المسؤولية كبيرة، فأنا لا أمثل المرأة البحرينية فقط، وإنما الخليجية والعربية
ايضا. عندما وصلت إلى باريس. وهي مدينة أعرفها وتعلمت فيها وكنت أتردد عليها كثيراً
منذ ان تركتها ... وجدت أن الصحف الفرنسية بدأت تكتب عني، وكانت هناك نغمة تعجّب في
البداية، وجدت ذلك في عيون المسئولين، وقال لي أحد المسؤولين في وزارة الخارجية
الفرنسية، بعد ان عرفته جيدا بعد ذلك، أنهم عندما جئت، كانوا يتكلمون عن (ظاهرة)
سفيرة البحرين، وان فكرتهم عنا كانت مختلفة جدا.
عندما وصلت إلى باريس، كنت أول سفيرة امرأة من البلدان العربية، كانت هناك سفيرات
عربيات لدى اليونسكو، وهن سفيرة المغرب، وسفيرة مصر، وهناك كذلك الأخت ليلى شهيد عن
الحكومة الفلسطينية. فالبحرين اول دولة عربية ترسل سفيرة امرأة إلى فرنسا.
أذكر في أحد حفلات الاستقبال التي أقامها الرئيس الفرنسي جاك شيراك في القصر
الجمهوري بالأليزيه، قال لرئيس حكومة دولة عربية : هذه سفيرة البحرين، لقد سعدنا
بهذه الخطوة من البحرين بتعيين أول سفيرة امرأة في فرنسا، من بلد عربي، ونتمنى ان
يكون ذلك مثلا للبلاد العربية الاخرى، واعتبر ان هذه الخطوة دليل على التسامح
واحترام حقوق الإنسان، والانفتاح على العالم. وقد قال ذلك امام عد من السفراء العرب
الذين كانوا في حفل الاستقبال، ومن بينهم سفراء لدول عربية (تقدمية).
الآن، وبعد مرور 4 سنوات على عملي كسفيرة عربية في باريس، اصبح عددنا الآن ست
سفيرات عربا، من : البحرين الاردن تونس (وقد انتهت مدة عملها منذ مدة قصيرة)،
سوريا، لبنان وفلسطين، وثلاث سفيرات غيرنا لدى اليونسكو، وهن من المغرب ولبنان وجزر
القمر.
عندما زرت سفراء الدول العربية، لاقيت ترحيبا بقدومي، وقال لي أحد الاخوة، سفير
إحدى الدول العربية الافريقية : نحن فخورون بك وبهذه الخطوة من بلد خليجي، وأنت
بمثابة سفيرة العرب جميعا، كنت اتمنى لو أننا نحن في دول المغرب العربي بدانا بهذه
الخطوة، ونحن نقدر هذه الخطوة من الخليج. ومن جهة أخرى، لاقيت عدم ترحيب من سفراء
أحد الدول التقدمية، حيث أنه بعد لقاء الأليزيه مع الرئيس شيراك وملاحظته عن
البحرين، وكان الزميل المذكور واقفا يستمع، فقد اتخذ موقفا شخصيا وامتنع عن حضور
دعوات سفارتنا، أو إرسال من ينوب عنه. وفي مجلس السفراء العرب، كان – كلما ابدأ في
الكلام – يرفع يده قبل ان أنتهي من الكلام، لكي يعارض ما أقول. في إحدى الجلسات
هاجمني شخصيا، بسبب تقرير قمت بتحضيره للمجلس بناء على طلب الزملاء، وقد تمت
الموافقة على التقرير في اجتماع حضره ممثل عنه، قبل عرضه على المجلس، وكنت أسجل كل
كلمة يقولها. وقد قمت بالرد عليه، من واقع التقرير الذي بدا بأنه لم يقرأه، ومن
محاضر الاجتماعات التي كان هو حاضرا فيها، وقد تغيب بعد ذلك من حضور اجتماعات
المجلس حوالي ثلاثة شهور. وعندما تم نقله من عمله خلفته سفيرة امرأة.
لقد تذكرت الطلبة الذين كانوا يعّيروننا بأننا (بدو من بلاد متخلفة نسكن الخيام
ونتنقل بالجمل ونظهر بمظهر ماضوي ( ... فنحن لا نزال ننتمي إلى فئة بدو الخيام، في
عقول كثيرة. قد لا يتم التصريح بهذه الفكرة، ولكن يفضحها السلوك، وربما تفوت عليهم
حقيقة، وهي أن فضول البدو هو الذي دفعهم إلى التوجه للعلم والتعايش معه، كما ان
البدوي – في البداية والنهاية – هو إنسان كرّمه الله، كما كرم كل إنسان.
عندما أجبرت محاكم التفتيش نيوتن على ان يقول ان الأرض مسطحة، حتى يحافظ على حياته،
وعندما خرج، ضرب على الأرض بقدمه وقال : (ولكنها تدور) ...
في النهاية، من سيكون بيده سلاح العلم، وفضيلة احترام الآخر لصيقة به، سوف يبقى
ويتقدم وينهض، أما من يعش على أوهام من صنعه، سوف يظل قابعا في مكانه.
لا زال الطريق طويلا :
رصد تقرير الأهداف التنموية للعالم العربي، الذي أعده برنامج الامم المتحدة
الإنمائي، بالتعاون مع جامعة الدول العربية، ان نصف النساء في الدول العربية أميات،
وان المقاعد البرلمانية التي تشغلها النساء في المجالس التشريعية العربية، لم
تتجاوز الخمسة بالمئة من مجموعها. من جهة أخرى، فإن تقرير التنمية العربية للعام
2002م، يضع من تمكين المرأة ركناً أساسيا من مؤشرات التنمية الحقيقية، إلى جانب
الحريات والحصول على المعرفة. الأمر – كل الأمر – يعود إذن إلى الثقافة السائدة. في
تحليله للمعوقات الثقافية العربية، يقول كانت خليجي : لقد خلط العرب بين الغرب
المستعمر، وبين الثقافة الغربية الحديثة التي اعتمدت عليها النهضة الانسانية، خلطا
كبيرا، لا زالت تجلياته وتبعاته تعيش معنا إلى اليوم. فقد مال العرب – بشكل عام –
إلى قبول بعض المنتج الحضاري الغربي، ورفضوا البعض الآخر. لقد استخدموا المنتج
المادي في معظم أشكاله، ورفض بعضهم كل أو بعض المنتج المعنوي من تلك الحضارة، خاصة
في تجلياته العلمية المنظمة للمجتمع، مثل سيادة القانون، المساواة بين الموظف
والتنظيم السياسي.
لا يمكن إذن النظر إلى وضع المرأة بشكل مستقل عن الظروف الاجتماعية والسياسة
والاقتصادية السائدة، كما أنها ليست معضلة المرأة في الخليج فقط، ربما هي أزمة فكر
العالم العربي والاسلامي المعاصر، الذي يعيش مرحلة انتقالية صعبة، بين موروث يعيش
به اصبح مرتبكا في الاجابة على التساؤلات المطروحة عليه في العالم، وبين تكنولوجيا
تلغي كل الفواصل والحدود بينه وبين العالم. ربما اصبح الإنسان العربي الذي يمتلك
قدرا من الوعي، كمن يفاجأ برؤية نفسه في مرآة لاول مرة، ويجد ان هيئته ليست لها
علاقة بالعالم الذي يراه من حوله. وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الإيراني المعروف داريوش
شايغن في مؤلفه (النظرة المشطورة) الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان (النفس
المبتورة)، بعبارة رائعة يقول فيها : (ان الإنسان الشرقي مثل من ينظر إلى نفسه في
مرآة مكسورة).
يدور الآن في فرنسا حوار صاخب حول الإسلام ووضع المرأة والحجاب، وكما تعلمون، لقد
قررت – مؤخرا – لجنة (ستازي)، وهي اللجنة التي أناط بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك،
وضع دراسة للمحافظة على مبادئ العلمانية التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية. وقد
انتهت هذه اللجنة إلى رأي يمنع أية مظاهر دينية تعطي مؤشرا إلى أي انتماء عرقي أو
ديني في المدارس الحكومية، إذ أن مبادئ الدولة تقوم على المساواة بين جميع
المواطنين، دون تمييز بينهم في الجنس أو الدين أو اللون، لذلك فقد منعت الطالبات
المسلمات من لبس الحجاب، ومنع اليهود من لبس الطاقية التقليدية، وكذلك المسيحيون من
وضع إشارة الصليب بشكل ملفت.
لقد زار رئيس الوزراء الفرنسي، السيد بيار رافاران، مسجد باريس مؤخرا، وألقى كلمة
قال فيها : (إننا نحترم الإسلام كدين، ونحترم كل الديانات، وان مبادئ الدولة تقوم
على العلمانية، وهي مثل القواعد للغة، وبإمكان الجميع الاستعانة بها كمنهج علمي
للتفكير. ليس هناك عداء بين العلمانية وبين الدين، بل بالعكس، بإمكانكم الاستعانة
بقواعد العلمانية في التفكير والتفسير والتحليل لجميع الأمور، فهي قواعد للفكر
وليست مدرسة رأي أو مذهب).
ان التحدي الذي فرضته تكنولوجيا الاتصالات والعولمة على كل دول العالم، ونحن بطبيعة
الحال جزء لا يتجزأ منها، تحد ضخم. ان (الآخر)، الذي كان بالأمس بعيدا، مختلف هو
اليوم، وان كان مختلفا فأنه (حاضر دائما معنا) من خلال شاشات التلفزيون في الصالون،
في غرفة الاكل أو النوم، وكذلك في الانترنت وفي الصحف، ولم تعد هناك حدود إقليمية
للمعلومات، وهذا يحتم على إنسان اليوم، بغض النظر عن أي بلد ينتمي إليه، أو أية
ثقافة يعيش تحت ظلها، ان يفهم الآخر حتى يتمكن من ان يتعايش معه.
وكما يقول دومينيك والتون في مؤلفه ( عولمة الآخر)، بأنه يجب عند وضع الحسابات
السياسية في عالم العولمة، الأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين ثلاثة أمور : الهوية
والثقافة والاتصالات. لقد أصبح التعايش الثقافي ضرورة لتحقيق السلام، فعلى الرغم من
ان الانسان – ومنذ الأزل – يقاتل من أجل الحفاظ على هويته وثقافته ونموذجه في
العلاقات الاجتماعية، إلا أن التحدي الآن أصبح في تحقيق (التعايش الثقافي)، وقد
أصبح هذا التحدي تحديا سياسيا، يقف مع الاقتصاد والتعليم والتنمية جنبا إلى جنب.
وضع المرأة لدينا وفي انحاء العالم، ليس بمعزل عن كل ذلك، وليس لدي أدنى شك في ان
الدور الذي تضطلع به المرأة في الخليج هو دور رائد، وبالأخص، ان المجتمع الخليجي قد
خضع لتغيرات مادية كبيرة في فترة زمنية وجيزة في عمر الزمن.
فقد قامت المراة الخليجية بالمساهمة الفعالة في التنمية وفي بناء مجتمعها، من خلال
حضورها على كافة الاصعدة والمجالات، وسيرها على أسس اجتماعية قوية، ومواءمتها بين
مقتضيات اجتماعية محافظة، وأخرى تتطلب الانفتاح على العالم والتعايش مع الآخرين.
الخاتمـــة
ان منطقتنا تمر اليوم بمنعطف حضاري تثار فيه التساؤلات الكبيرة، منها : ما هو مفهوم
دولة الرفاه؟ وما هي قيمة العمل؟ وما هي الديمقراطية والمشاركة؟ وما شكل علاقتنا
بالدول الأخرى؟ ان العالم يمر بثورة فكرية وإدارية وسياسية كبرى.
كانت منطقتنا حتى وقت قريب هي (خط الدفاع الاول) للغرب، ضد الشمولية، وهي مستقر
لثروة هائلة من الطاقة، يحتاجها الغرب الصناعي بشرقه وغربه. والتحديات اليوم مختلفة
عن الماضي، اما ان نستوعب التغيير أو يسحقنا، فالإصلاح السياسي والاجتماعي
والقانوني هو بيت القصيد، به نكون وبدونه لا نكون.
اما نجاح الدبلوماسي فقد يتركز في بضع كلمات : ثقافته الواسعة، بما فيها معرفته
بلغة البلد الضيف، قدرته على الاتصال بالآخر، الإمكانيات التي توضع تحت تصرفه. كما
ان الدبلوماسية عمل (فريق وليست عمل فرد)، إذا افتقد عمل الفريق، ضاع عمل الفرد.
ورقة البحث المقدمة من سعادة
الدكتورة شكور الغماري، عضو مجلس الدولة في
سلطنة عُمان، تحت عنوان : (تجربة سياسية خليجية)
طبعا في البداية، قبل ان أتطرق إلى تجربتي الشخصية، أحب ان استعرض وضع المرأة
ودورها في الواقع العُماني المعاصر. ولأن المرأة العُمانية كانت ولا تزال عنصرا
فاعلا ومنتجا في المجتمع، ويزدهر دورها وينمو مع ازدهار الدولة واستقرارها، غير ان
ذلك لا ينفي ان دورها قد اضمحل في فترات معينة من تاريخنا العام، وانكمشت معالم هذا
الدور لتقف عند حدوده التقليدية، في رعاية البيت والاسرة، إلى ان تولى جلالة
السلطان قابوس بن سعيد، مع مطلع السبعينيات، مقاليد الحكم في السلطنة، ورعى نهضتها
وانطلاقتها الكبرى نحو التنمية الشاملة.
وكانت تنمية المرأة، والنهوض بها لتؤدي دورها الحيوي في المجتمع، إحدى التحولات
الكبرى التي شهدتها السلطنة في هذا العهد. وقد نظرت القيادة السياسية إلى المرأة
كإنسانة تمثل نصف المجتمع، ومن ثم لابد من رعايتها والنهوض بها، ودعوتها لان تسهم
في حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كل حسب قدرتها وطاقتها وخبراتها ومهارتها
وموقعها في المجتمع.
أيها الأخوة والأخوات
ان العوامل التي أدت إلى تفعيل دور المرأة وتعزيز مكانتها، كثيرة، وسنستعرض بعضها
منها :
أولاً : في مجال التشريعات الوطنية واهتمامها بالمرأة العمانية :
التشريعات العمانية السارية في مختلف المجالات، تعامل المرأة والرجل على قدم
المساواة، بل وفرت بعضها للمرأة من الحماية والامتيازات ما يشجعها على أداء رسالتها
في المجتمع، والتوازن بين وظيفتها المحورية في تربية النشء، وبين أدوارها في الحياة
العامة، ومشاركتها في عملية التنمية. ويبرز ذلك في قوانين الخدمة المدنية،
والمعاشات، ومكافآت ما بعد الخدمة، والعمل، والتأمينات الاجتماعية، والضمان
الاجتماعي.
ثانياً : على المستوى المؤسسي والتنظيمي :
إنشاء أطر تنظيمية مؤسسية تعنى بالمرأة والطفل مثل : اللجنة الوطنية لرعاية
الطفولة، المديرية العامة لشؤون المرأة والطفل، مراكز التأهيل النسوي، جمعيات
المرأة العمانية (وصل عددها 23 جمعية)، لجنة تنسيق العمل النسائي التطوعي. وكل هذه
الأطر تعلب دورا هاما في التوعية الاجتماعية والنهوض بمستوى المرأة.
في مجال الصحة ورعاية الأمومة :
كان للمرأة نصيب وآفر من الخطط الصحية : الخطة الوطنية لرعاية المرأة والطفل –
برنامج الرضاعة الطبيعية – برنامج المباعدة بين الولادات.
(وبلغ عدد العاملات في المجال الصحي 3062 من مختلف التخصصات، مقارنة بعدد الذكور
4267).
في مجال التعليم:
تشكل نسبة الطالبات ما يزيد عن 48٪ من إجمالي عدد الطلبة، وعلى المستوى الجامعي
يتمثل في 61٪ من إجمالي عدد الطلاب الجامعيين، بالرغم من ان نسبة قبولهن بالجامعة
(50٪)، وعدد الطلبة (50٪)، إلا ان مخرجات الجامعة (52٪)، مما يدل على ان أدائهن
الافضل. وفي الكليات المتوسطة نسبتهن 43٪ من إجمالي الطلبة.
في مجال المرأة والعمل :
ازدياد معدل النشاط الاقتصادي للمرأة العمانية حيث بلغ (18٪). نسبتها في القطاع
الحكومي (29٪) العام 2000. وفي القطاع الخاص (18٪).
في وظائف الإدارة العليا :
أتاحت الحكومة للمرأة تقلد بعض المناصب القيادية العليا، فهي تشغل حاليا ما نسبته
(11.5٪) من إجمالي الوظائف العليا ومواقع اتخاذ القرار في الاجهزة الحكومية، ووصلت
إلى درجة وكيلة وزارة منذ الثمانينيات، وتوجد الآن أربع وكيلات وزارة في وزارات
التنمية الاجتماعية، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والاقتصاد الوطني.
وقد عينت اول سفيرة العام 1999، وأول وزيرة العام 2003م. بالإضافة إلى توليها منصب
مستشارة لعدد من الوزراء، في وزارات التربية والتعليم، الشؤون القانونية، المواصلات
والاتصالات السلكية واللاسلكية.
كما شاركت المرأة العمانية في الحياة النيابية (مجلس عُمان)، فبعد إصدار النظام
الأساسي للدولة، أصبحت السلطنة تأخذ بنظام المجلسين : مجلس الشورى ومجلس الدولة.
مجلس الشورى : يختار أعضاؤه بالانتخاب المباشر من قبل المواطنين. تأسس العام 1990م،
وشاركت المرأة في انتخابات 1994م، وحاليا هناك امرأتان من اصل (82) عضوا في المجلس.
مجلس الدولة : تأسس العام 1997م، أعضاؤه يعينون من قبل جلالة السلطان، وعدد النساء
فيه (8) من أصل (57) عضوا.
وهذه المؤشرات تبين مكانة المرأة في المجتمع العماني المعاصر، الذي شجعها على أداء
رسالتها في المجتمع، والموازنة بين دورها الإنجابي، ودورها في الحياة العامة.
إذن، فوصول المرأة إلى مجلس الشورى لم يأت من فراغ، وإنما كنتاج طبيعي للرعاية
والاهتمام اللذين حظيت بهما المرأة العمانية خلال سنوات النهضة، حيث أتيحت لها
الفرص الكاملة في التعليم والعمل وممارسة الأنشطة الاجتماعية.
تجربتي الشخصية
تقدمت العام 1975 للعمل بوزارة الخارجية، ولا زلت أذكر يوم المقابلة. سألني الشخص
الذي أجرى المقابلة : لماذا اخترت العمل بالخارجية، مع ان تخصصك علوم طبيعة
وكيمياء؟
قلت له : كله يعتمد على التحليل، السياسة والكيمياء، (فضحك)، وفي الحقيقة كان السبب
إنني لم أتمكن من دراسة العلوم السياسية، لان مجموعي لم يؤهلني لذلك.
ولان فرص العمل كانت متوفرة، وعدد خريجي الجامعة محدود في ذلك الوقت، فقد غفر لي
هذا التطفل.
عينت بدرجة (سكرتير ثان) في إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية، في نفس السنة تعينت
معي زميلتان : نسيمة الحجمي، مديرة للإدارة الثقافية بدرجة (سكرتير أول)، وخديجة،
بدرجة (سكرتير ثان) بإدارة التعاون الفني، وهي حاليا سفيرتنا المعتمدة لدى هولندا
وسفيرة غير مقيمة لدى بلجيكا والاتحاد الاوروبي، وهو منصب غير عادي.
بعد أشهر، ابتعثت في وفد إلى أول مؤتمر عالمي للمرأة في المكسيك، وكانت أول مرة
أسافر فيها إلى بلد أجنبي .. كانت رحلة طويلة، مررنا بلندن ثم نيويورك، استدعتنا
قبل السفر والدة جلالة السلطان، الرئيسة الفخرية لجمعيات المرأة العُمانية، ولا
زالت أذكر كلماتها المشجعة كأم : (أنتن تمثلن عُمان الجديدة، ونحن نفتخر بكن، لم
تعد العمانية سجينة البيت، وإنما هي مثل الرجل، تمثل بلدها في المحافل الدولية ...
وكأن الرسالة قد وصلت ... يجب ان تكون تصرفاتنا وأداؤنا مشرف لبلدنا، فالإنسان
دائما بحاجة إلى تشجيع المسؤولين، أو من هم اكثر منه خبرة في الحياة.
هذا المؤتمر أضاف لي الكثير، التقيت بقيادات من مختلف دول العالم .. وكانت خبرتي
قليلة، كنت أقرأ، بحكم كوني في إدارة المؤتمرات والمنظمات الدولية، تقارير عن هذه
المؤتمرات، وأول مرة أعرف ماذا يعني ان تناقش وان تفاوض إنسانا يختلف معك في
المواقف، ومتى تقرر، وان تجلس ساعات تسمع ثرثرة المؤتمرين.
كان العمل في الخارجية ممتعا، لأنه يعتمد ان تقرأ دائما، وتتابع الاحداث السياسية
في العالم، والاخبار. وقد عاصرت اول مفاوضات بشأن تشكيل مجلس التعاون.
وبعد الدوام كنت أمارس العمل التطوعي، في جمعية المرأة العمانية في مسقط، التي
تأسست سنة 1970.
لقد كان الحماس شديدا، كنا نعمل كمجموعات من أجل أن نقدم للمجتمع، ولم تكن الأمور
معقدة، كنا نزور الناس في بيوتهم، ونقدم لهم الاستشارات الاسرية في المجال
الاجتماعي ومحو الامية والمساعدات والتوعية، وكنا لا نحس بالوقت، ونذهب إلى القرى
البعيدة بالهليوكوبتر وبالقارب، إلى أماكن لم تصل إليها أحيانا الخدمات الحكومية،
كان المجتمع متكاتفا ومليئا بالحماس، وتدرجت من عض، إلى امين صندوق، ثم نائبة
للرئيسة، ثم بعد ذلك رئيسة.
وعندما تزوجت وانجبت اول طفل العام 1980م، ثم الثاني، ثم الثالث، لم أستطع ان أواصل
عملي النظامي كدوام رسمي، لاحتياج أبنائي إلى وجودي بالمنزل ولكني واصلت العمل
الاجتماعي التطوعي بجمعية المرأة، ثم في جمعية المعاقين ... ثم في جمعية التدخل
المبكر، وكنت أشارك في أوقات فراغي في العمل العام، حتى كان العالم 14994 عندما
أعلن عن دخول المرأة إلى مجلس الشورى.
أولى الانتخابات التي تدخل فيها المرأة، وتنافس الرجال في مجتمع محافظ أكثره من
الرجال، كان نصيب المرأة فيها من الاصوات (30٪) فقط.
لاقيت تشجيعا من زوجي وأخواني وزميلاتي وكل أهلي، كان منطق الجميع ان المجتمع الذي
أعمل به يعرفني، وسوف يقدر لي جهودي ويمنحني الثقة، اعتمدت على ان اغلبية الناخبين
يعرفوني، إذا كنت أستحق فسوف يعطوني هذه الثقة.
وعندما قربت الانتخابات، استدعاني نائب المحافظ وقال لي : الجميع يذهب إلى شيوخ
القبائل والتجمعات ويطلب التأييد، انت الوحيدة ليس لك ملف ولم تستدع أحدا، ولم
تحضري أي تجمع ...
وأحسست بالرهبة، فالمسألة لا تعتمد على الحظ ... ربما يقدرك الناس، ولكن إذا لم
تذهبي وتطلبي تأييدهم، وذهب غيرك، فسيعطونه وعداً بالانتخاب، وخاصة ان الرجال
سبقونا في هذا المجال في فترات سابقة، فالمرأة تدخل لأول مرة الانتخابات. ووقتها
قدرت أنه يجب ان ننظم وان نخطط وننسق، وان نطلب تأييد الناخبين.
وأعلنت النتائج، وكان ترتيبي الثاني، ومن المفارقة ان ثلثي الاصوات كانت من الرجال،
وفازت زميلتي (طيبة)، وكان ترتيبها الاول.
وقد أثبتت التجربة العملية عند إجراء الترشيحات في محافظة مسقط، وما صاحبها من حضور
واضح للعنصر النسائي، ومشاركته بفاعلية كبيرة، وما أسفرت عنه نتائج الانتخابات من
نتائج، ان المرأة العمانية تتمتع بمستوى عال من الاحساس بالمسؤولية الوطنية، وأكدت
النتائج مدى القبول الاجتماعي لها، في خطوة غير مسبوقة في المنطقة.
كانت أصعب اللحظات عندما اتصل بي عدد من الصحافيين وأجهزة الإعلام. يجب ان ترضي
الجميع، وان تكوني مستعدة لكل سؤال، وان تكوني دبلوماسية في الرد أو الرفض، ولمدة
أسبوع لم يهدأ التلفون او جرس الباب.
عندما اجتمعنا بعد الفوز في مجلس الشورى، كانت هناك لحظات أصعب، كان هناك تحد آخر،
فاعضاء المجلس رجال من مناطق مختلفة من ولايات السلطنة، بعضهم شيوخ قبائل وكبار في
السن والمقام، لا يمكن ان يقبلوا ان ترأسهم امرأة، عنصر دخيل في مجتمع كان حكراً
على الرجال، عقلية تحكمها القبلية والعشائرية .. وعندما طرحت نفسي كرئيسة للجنة
سمعت تعليق أحدهم يهدد الشخص الذي دخل معي كمنافس : (ها عن تغلبك) هناك مواقف كثيرة
صعبة صادفتها، ولكن بعد سنة من التعامل مع هؤلاء الزملاء، وخصوصا كبار السن، بدأت
غيوم الشك تنقشع، وتحل محلها الثقة، والعداء يحل محله الاحترام.
بدأنا وزميلتي طيبة، سياسة المبادرة بالسلام وفتح باب الحوار والإقناع، حتى انه
عندما قاربت فترة المجلس على الانتهاء (بعد ثلاثة سنوات)، كنا نحس ان هؤلاء الذين
قابلونا بالتجهم والتجاهل، كانوا يسألوننا عن أمور كنا أحيانا أكثر استيعابا منهم
لها، ولم يتحرجوا أو يشعروا بالنقص .. وقد وصلوا إلى قناعة ان هؤلاء النسوة يمكن ان
يملكن عقلا راجحا مثل الرجال، ويمكن احيانا اكثر جرأة في طرح قضايا تمس مصالح
المواطن على المسؤولين، ويمكن ان يناقشن ويطرحن مواضيع ليس بالضرورة هي شأن نسائي.
وهكذا بعد الفترة الاولى، كنا نحس أننا كسبنا ثقة الزملاء من مختلف الولايات، وهو
أصعب من كسب ثقة الناخب.
في انتخابات الفترة الثانية، كنا أكثر ثقة بانفسنا، وأكثر ثباتا في المجلس. وطبعا
فزنا في جولة الانتخابات بجدارة. وعندما تقدمت لانتخابات عضوية المكتب التنفيذي في
المجلس، حصلت على تأييد الاصوات، اكثر من الزملاء من مختلف الفئات العمرية
والانتماءات الجغرافية. وعند انتهاء الفترة الثانية، أي بعد ست سنوات حسب القانون
أيامها، لم يسمح لنا بفترة ثالثة.
في العام 2000م، كرمت بتعييني في مجلس الدولة، وهو مجلس الاعيان، أو مجلس الشيوخ في
بعض الدول، وهو يتكون من عدد من الاعضاء، لا يتجاوز عدد اعضاء مجلس الشورى، يتم
اختيارهم من الفئات التالية : الوزراء ووكلاء الوزارة السابقين – السفراء السابقين
– كبار القضاة السابقين – كبار الضباط المتقاعدين – المشهود لهم بالكفاءات والخبرة
في مجالات العلم والأدب – اساتذة الجامعات والمعاهد العليا – الشخصيات التي أدت
خدمات جليلة للوطن.
تذكرت انطباعا ذكره المؤرخ وندل فيلبس، في كتابه العام 1958 : (عُمان المجهولة) ...
بالرغم من ان النساء يمثلن الأغلبية في عُمان، إلا أنهن الطرف الصامت، وليست لهن
أدوارا تذكر، غير الادوار التقليدية.
بعد عقدين من هذا الكلام، كان هناك تواجد للمرأة في كل مجالات التنمية، وبعدها بأقل
من عقدين أخرين، اصبحت تخطط وتحاسب وتشارك بفكرها، وتساهم برأيها في شؤون وطنها. ما
الذي غير المرأة من ذاك الواقع، إلى هذا في دولنا؟ أجزم إنه دور القائد، عندما يكون
هناك رسم سياسات عامة، ورؤى طموحة تطبق، يكون واقع المرأة مشرقا. استعين هنا ببعض
من خطب جلالة السلطان قابوس المعظم.
... ( منذ مدة وأنا أعتقد ان إبعاد المرأة عن لعب دور حيوي في حياة البلاد، يعني في
الأساس، استبعاد (50٪) من إمكانيات البلاد وطاقاتها. واليوم، وقد بلغت المعايير
التعليمية وسط النساء مستويات مرضية، اصبح من الواضح أنهن على استعداد لقبول
المسؤوليات الدقيقة للتعبير عن الرأي السياسي. ان حق المرأة في الترشيح والانتخاب
لعضوية المجلس، سيمتد بالتدريج وحسب الظروف والمقتضيات، إلى سائر المحافظات
والولايات. وسيكون مرجع الأمر في ترشيحها، مثلها مثل الرجل، هو ثقة المواطنين فيها،
واختيارهم لها لتمثلهم في هذا المجلس).
وهذا هو الواقع حاليا، يمكن ان تكون هناك امرأة جيدة، ولكن يحتاج ان تكون هناك
قناعة وثقة من المواطنين لتمثلهم. نحن لا نستطيع في هذه المنطقة ان نقفز فوق الواقع
الاجتماعي ... مجتمعنا الخليجي مجتمع قبلي وعشائري، وليس من السهولة ان يقتنع
بمفاهيم لا تتناسب مع طبيعته .... ويترك ذلك لقناعته ووعيه.
ان هذا يحصل في أكثر المجتمعات تحضرا، لا زال عدد النساء في المجالس النيابية
أقلية، والمرأة التي تصل تكون قد تخطت كثيرا من المعوقات، وعادة ما تبذل جهدا
مضاعفا. المهم ان يكون هناك حق للمرأة في الانتخاب والترشيح وهو حق من حقوق
المواطنة، والباقي سوف يأتي تدريجيا ... بالوعي سوف تتغير المفاهيم. أعتقد ان الزمن
في صالح المرأة الخليجية، فهي بأدائها المتزن، وليس المتشنج، تستطيع ان تكسب ثقة
الجميع.
وفي تجربتي الخاصة، ثلاثة رجال ساهموا في بناء شخصيتي : والدي، عندما قرر ان يرسلني
للتعليم العالمي برغم من قلة إمكانياته ومعارضة أهله. زوجي، الذي سمح لي بممارسة
العمل العام، بل وشجعني ولم يكن أنانياً، كان موقفه موقف الرجل الواثق والواعي
لطبيعة عملي. وطبعا، جلالة السلطان، بسياسته التي غيرت تاريخ عُمان، ونظرته إلى
المرأة كإنسان من حقه ان يأخذ ومن واجبه ان يشارك.
المــداخلات والـــردود
الأسئلة :
سؤال (1) : هل يمكن ان توصيا بضرورة تأهيل النساء وتدريبهن لممارسة العمل السياسي
والدبلوماسي والاضطلاع بمسؤوليتهن في هذين المجالين، من خلال تجربتكما المختلفتين،
أو الافضل ان نترك المجال للنساء ليكون أنفسهن أثناء الممارسة والنشاط؟
سؤال (2) : (موجّه لسمو الشيخة هيا) ما هو شعورك كأول سفيرة في منطقة الخليج.
سؤال (3) : ما هو رأيك في القرار الذي اتخذته الدولة الفرنسية، والقاضي يمنع ارتداء
الحجاب في المؤسسات التعليمية الفرنسية؟
الـــردود :
1- (سمو الشيخة هيا) : اعتقد ان التجربة الخليجية في مجال تمكين المرأة من المشاركة
السياسية، قد بيّنت ان القرار السياسي قد سبق الفعل الاجتماعي، وهذا ما تجلى في
الفجوة القائمة بين الدساتير والقوانين التي تنص على عدم التمييز بين المرأة والرجل
من جهة، وواقع المرأة اليومي، من جهة ثانية. هل يمكن تطبيق نظام الحصص (quota)
لتشجيع المرأة والرجل على دخول عالم السياسة : حصص في مجلس الشورى أو البرلمانات
على سبيل المثال؟ هذا السؤال يجد مبرره في تجربة العديد من الدول الخليجية، وبعض
الدول العربية.
فرغم ارتفاع عدد النساء الناخبات في هذه الدول إلا أنهن شاركن في عدم فوز المرأة في
الانتخابات.
اعتقد سخصيا ان تأهيل النساء لممارسة الوظائف السياسية والدبلوماسية، هو الطريق
الأسلم لتمكينهن من المشاركة النوعية في هذين المجالين. هذا الاعتقاد نابع من خبرتي
كسفيرة بفرنسا.
2- (سمو الشيخة هيا) : لقد فوجئت بقرار تعيني كسفيرة في فرنسا، لكن خبرتي في مهنة
المحاماة مكنتني من تجاوز كل الصعوبات التي تعترض أي سفير في مباشرة مهامه في دولة
يعين فيها لأول مرة. لقد وقف الاخوة السفراء العرب بجانبي وساعدوني في أداء مهامي.
لقد صرح لي سفير إحدى دول المغرب العربي، بأن الجميع كان ينتظر ان تبادر دولة من
شمال افريقيا بتعيين سفيرة في باريس، لكن المبادرة جاءت من دول الخليج، التي يقال
عنها ان محافظة. لقد عينت منسقة اللجنة الإعلامية للسفراء العرب بباريس. وقمت
بواجبي كأي سفير، بصرف النظر عن جنسه. لقد التقيت مرة برئيس حكومة عربي، رفقة فخامة
الرئيس الفرنسي جاك شيراك، على مأدبة عشاء، فقدمني لهذا الأخير. وأثنى فخامته على
اختياري كسفيرة لبلدي في باريس قائلا : (ان هذا، أحسن مثال على احترام حقوق الإنسان
في البحرين).
3- أعتقد ان مسألة الحجاب هي قضية فرنسية داخلية، ويجب ان تفهم من زاوية معاملة كل
الديانات على قدم المساواة في المؤسسات الجمهورية. أي لابد من قراءتها على ضوء تمسك
فرنسا بعلمانيتها.
ردّ من السيدة شكور الغماري : ان المشاركة السياسية للمرأة تتطلب إعدادا وتحضيرا
وتأهيلا للنساء، إذا أريد لها ألا تكون شكلية.
لقد علمتني تجربتي السياسية في سلطنة عمان، بأن خوض الانتخابات ليس بالأمر الهين في
مجتمع يملك فيه الرجال الكثير من الحنكة والكفاءة. لابد ان تحضر النساء أنفسهن،
ويستعدن للمواعيد الانتخابية، وأن تتكاتف وتوحّد قائمة مرشحاتهن، حتى لا ينافس
النساء بعضهن البعض، وتكون النتيجة في الأخير لصالح المرشحين من الرجال.
وذكرت سعادة شكور الغماري، ان نجاحها في العمل السياسي، سواء على المستوى
الدبلوماسي، أو في مجلس الشورى ومجلس الدولة، ارتبط بدعم اسرتها، وبمساندة وتشجيع
جلالة السلطان قابوس.