الجلسة الثالثة - العوامل المؤثرة والتدابير الهادفة إلى دعم
مشاركة المرأة في العمل السياسي
• كلمة سعادة أحمد عبد الرحمن الجرمن، رئيس الجلسة.
• ورقة بحث الدكتورة ابتسام الكتبي، بعنوان : (العوامل المؤثرة في المشاركة
السياسية للمرأة).
• ورقة بحث الدكتورة مريم لوتاه ، بعنوان : (التدابير الهادفة إلى دعم مشاركة
المرأة في العمل السياسي).
• المـداخلات والـردود.
نص كلمة سعادة أحمد عبد الرحمن الجرمن، مدير إدارة الشؤون القانونية بوزارة
الخارجية، في مستهل الجلسة الثالثة، التي عقدت تحت عنوان : (العوامل المؤثرة
والتدابير الهادفة إلى دعم مشاركة المرأة في العمل السياسي)
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الحضور الكريم، باسمكم جميعا، أرحب بالأختين الكريمتين : الدكتورة ابتسام
الكتبي، والدكتورة مريم لوتاه، اللتان سوف تقدمان لنا مداخلتين حول العوامل المؤثرة
في المشاركة السياسية للمرأة والتدابير الهادفة إلى دعم هذه المشاركة.
قبل عرض المحاضرتين، بودي تقديم بعض التوضيحات على ما جرى في هذه القاعة، خلال
الجلسة الاولى، والخاصة باستراتيجيات تنمية المرأة.
بخصوص موقف دولة الإمارات من اتفاقيات القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة،
والمعروفة باتفاقية كوبنهاجن، أو السيداو (cedaw). لقد شكلت لجنة وطنية من عدة
قطاعات، بما فيها الاتحاد النسائي العام، لتقديم دراسة شاملة لبنود هذه الاتفاقية،
وقد رفعت تقريرها لوزارة الخارجية. هناك بعض التحفظات القليلة جدا على بنود هذه
الاتفاقية، مقارنة بالتحفظات التي أبداها العديد من الدول الإسلامية. التحفظات
القليلة المشار إليها تتعلق بمسألة الميراث.
أعتقد ان الاتحاد النسائي العام في دولة الإمارات، قد حقق العديد من الانجازات
والمكاسب، وقد وكان له العديد من المشاركات والاسهامات في النشاط النسائي العربي
والدولي. حيث يذكر في هذا الصدد، بان هذا الاتحاد قد شارك في مختلف نشاطات المنظمة
العربية للاتحادات النسائية، والتي نرى انها تشكل نواة العمل العربي المشترك. كما
شارك في إعداد العديد من الملفات، مثل ملف المرأة والإعلام. وقد شارك الاتحاد
النسائي العام في مؤتمر بكين وقدّم فيه وثيقة هامة، وأعد التقرير الوطني الذي قدّم
إلى منظمة المرأة الطفل والذي بيّن فيه مدى حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على
حماية حقوق الطفل.
نص ورقة الدكتورة ابتسام الكتبي، استاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإمارات
العربية المتحدة، بعنوان : (واقع المشاركة السياسي للمرأة في دولة مجلس التعاون بين
الاشكاليات والتمكين).
حققت المرأة في دول مجلس التعاون، قفزات نوعية ملموسة على صعيد العمل والتعليم
والمشاركة التنموية في جميع مجالات الانتاج، ويشكل تطورها الاجتماعي والاقتصادي
والقانوني، والانفتاح على العالم الخارجي، وخروجها إلى العمل، ومشاركتها في الحياة
العامة بشكل فاعل، احد العوامل الرئيسية، لإعدادها لتبوء مراكز ومواقع ضمن مؤسسات
وأجهزة صنع القرار على صعيد السياسي. وتتناول هذه الورقة (واقع المشاركة السياسية
للمرأة في دول مجلس التعاون، بين الإشكاليات والتمكين)، من خلال عدة محاور، أولها :
موقع الحقوق السياسية للمرأة ضمن الأطر الدستورية والقانونية بدول المجلس. وثانيها
: خبرات المرأة في دول مجلس التعاون على صعيد الممارسة السياسية. وثالثها : العوامل
المؤثرة في المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون. وفي الخاتمة، تعرض
الورقة لأهم محددات مستقبل المشاركة السياسية للمرأة في دول المجلس واستراتيجيات
التفعيل.
مقدمة - مفهوم المشاركة السياسية :
تعددت التعريفات التي قدمها علماء السياسة للمشاركة السياسية، فمنهم من يرى انها :
أي عمل تطوعي من جانب المواطن، بهدف التأثير على اختيار السياسات العامة وإدارة
الشؤون العامة، أو اختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكومي محلي أو قومي،
والبعض يعرفها بأنها : العملية التي تشمل جميع صور اشتراك، أو إسهامات المواطنين،
في توجيه عمل اجهزة الحكومة، أو اجهزة الحكم المحلي، أو مباشرة القيام بالمهام التي
يتطلبها المجتمع، سواء كان طابعها استشاريا ام تقريريا ام تنفيذيا ام رقابيا، وسواء
أكانت المساهمة مباشرة ام غير مباشرة. وهي قد تعني لدى البعض : الجهود التطوعية
المنظمة، التي تتصل بعمليات اختيار القيادات السياسية، وصنع السياسات، ووضع الخطط،
وتنفيذ البرامج والمشروعات، سواء على المستوى الخدمي أو الإنتاجي، وكذلك على
المستوى المحلي أو المستوى القومي. كما تعني المشاركة السياسية، إسهام المواطنين –
بدرجة أو بأخرى – في إعداد وتنفيذ سياسات النخبة المحلية، سواء بجهودهم الذاتية، أو
بالتعاون مع الأجهزة الحكومية المركزية والمحلية. تعريف آخر يقول : إنها مجموعة من
الأنشطة الاختيارية أو الإرادية، التي يقوم بها الأفراد في المجتمع، من أجل
المشاركة في اختيار الحكام، ومن اجل الاشتراك في وضع سياسة عامة، سواء تم هذا
الطريق مباشر أو غير مباشرة، وتشمل هذه الانشطة التصويت، البحث عن المعلومات،
المناقشة، محاولة إقناع الآخرين بمبادئ معينة، الاشتراك في الاجتماعات السياسية،
جمع التبرعات المالية لأجل اغراض سياسية، الاتصال بأعضاء المجلس النيابي، والانتماء
الرسمي لأحد الاحزاب. ويركز تعريف آخر على ان المشاركة السياسية هي : مجموعة
الانشطة القانونية المشروعة، التي يقوم بها المواطنون، وتهدف إلى التأثير في اختيار
اعضاء الحكومة، والتأثير في أفعالهم والقرارات التي يتخذونها.
ومما سبق، يمكن القول بأن التعريفات السابقة اشتملت على عدة عناصر، في ما يتعلق
بالمشاركة السياسية، أهمها ما يلي :
1- إنها نشاط إرادي اختياري تطوعي، ومن ثم، فهو يتمد على درجة من الوعي السياسي لدى
المواطن.
2- إنها لا بد وان تكون مشروعة، أي في إطار قوانين تنظم عملية المشاركة، ومن ثم فهي
تتأثر بطبيعة النظم السياسية، ومساحة المشاركة التي تسمح بها.
3- ان لها طابع الاستمرار، فهي غير قاصرة على فترة معينة، إنما هي مستمرة في نطاق
الظروف التي يعيشها المجتمع ومن ثم فهي متجددة.
4- إنها لا تقتصر على المستوى القومي، وإنما تبدأ من المستوى المحلي، وصولا إلى
المستوى القومي.
5- إنها تسعى إلى التأثير على الحكومة، من حيث تشكلها، ومن حيث نشاطاتها.
العوامل المؤثرة في عملية المشاركة السياسية :
يختلف نطاق ومجال وأساليب المشاركة السياسية، نسبيا بين المجتمعات المختلفة، طبقا
لعدة عوامل : طبيعة النظام السياسي القائم – طبيعة البناء الاجتماعي – درجة الوعي
السياسي والثقافة السياسية في المجتمع – درجة التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي
– الخصائص النوعية للمواطنين (التعليم – المهنة – درجة التجانس والتماسك الاجتماعي
– النوع: الرجل / المرأة – درجة التحضر).
المشاركة السياسية للمرأة :
من المنظور التاريخي، قاومت المجتمعات الإنسانية إعطاء المرأة حقوقها السياسية، أو
إفساح المجال لمشاركتها السياسية، بدرجات أقوى من معارضة هذه المجتمعات لدخول
المرأة في المجالات الأخرى من الحياة العامة، والسبب الرئيسي في ذلك، يعود لأن حقوق
المرأة كانت تعتبر مطابقة لحقوق الزوج أو الاب.
وقد ارتبط العمل السياسي بمفهوم الحقوق والواجبات، وبمفهوم المشاركة الشعبية
الواسعة، فاصبح العمل السياسي مرادفا للممارسة الديمقراطية بكافة عناصرها، وآداة
لتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، التي أعلنت في العام 1948، والتي ينطوي تحتها مبدأين
هامين : الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وترتبط المشاركة السياسية للمرآة – بشكل خاص – بمفهوم المواطنة، وبمبدأ المساواة.
ولذا فإن من أولى مقدمات مشاركة المرأة، الاقرار بأنها تتمتع بالمواطنة التامة بكل
مظاهرها، وبالمساواة التامة امام القانون، بدن أي تمييز. والشأن السياسي – كما هو
معلوم – شأن عام، لا يمكن للفرد ان يكون مؤثرا أو مشاركا أو فاعلا فيه، ما لم يعترف
بدوره في الحياة العامة، وبحقه في ممارسة هذا الدور، دون قيود ذات طابع تمييزي.
فالوصول إلى ديمقراطية صحيحة، يتطلب – كشرط أساسي لا يمكن التنازل عنه – المشاركة
بين الرجل والمرأة في إدارة كافة شؤون المجتمع، وعلى قدم المساواة بينهما، بحيث
تتكامل جهودهما. ولتحقيق ذلك، لابد من وجود درجة عالية من المشاركة الشعبية، التي
تتطلب تغيير المفاهيم الاجتماعية والقوانين السائدة، بحيث يتم التوصل إلى إيجاد عقد
اجتماعي، يعمل فيه الرجل إلى جانب المرأة، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات.
وقد اتفق معظم الباحثين في الدراسات السياسية، على ان مشاركة المرأة في الحياة
السياسية، اصبحت ضرورية لتحقيق اهداف النظام السياسي في المجتمعات المعاصرة، بحيث
يمنح حق الترشيح والانتخاب للمرأة والرجل بالتساوي، لان توسيع قاعدة التمثيل في
الهيئات البرلمانية، لتشمل الشرائح الاجتماعية بمختلف فئاتها وأطيافها السياسية
كافة، بمن فيها النساء، يساعد على توسيع قاعدة الشرعية للمؤسسات السياسية داخل
النظام السياسي، مما يعمق مفاهيم الانتماء الوطني، ويعزز بالتالي مكانة المرأة في
المجتمع، ويطور قدرتها في تربية أجيال مستقبلية فاعلة وواعية لمجتمعها، ويعمل على
تعزيز وتوظيف طاقات الأمة جميعها، في سبيل تحقيق تنمية شاملة في المجتمع.
كما يتضمن مفهوم (المشاركة السياسية للمرأة)، اشتراك المرأة في مراكز القيادة
واتخاذ القرار، على المستويات المختلفة، ابتداء بالمراكز العليا التنفيذية
والتشريعية والقضائية، وانتهاء بمراكز القيادة، على مستوى المجتمع المحلي والجمعيات
الاهلية ومؤسسات المجتمع المدني. وتضم كذلك مشاركتها وانخراطها الفعلي في عمليات
اتخاذ القرار ووضع الخطط والسياسات، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية السياسية،
وتنفيذها ومتابعتها.
وتكمن أهمية مشاركة المرأة السياسية، في المستويات المختلفة من أجهزة صنع القرار،
لما لمراكز القوة والسلطة من تأثير على حياة المرأة. فهي ان وجدت بشكل فعال في هذه
المواقع، فسوف تستطيع ان تحقق المصالح المرتبطة بها، وإبراز قضاياها، والدفاع عن
حقوقها، والتشريع في إعطائها دورا حقيقيا في عملية التنمية في المجتمع، بشكل عام،
ويجب ان لا يُفهم وجود المرأة في هذه المواقع، بأنه يخدم النساء فقط، ولكنه سوف
يكون له تأثيرا أكبر على جوانب المجتمع كافة، وليس في الجوانب المتعلقة بالمرأة فقط.
العوامل المؤثرة في عملية المشاركة السياسية للمرأة :
بالرغم من انه لا يوجد إطار نظري، يفسر العوامل التي تؤثر على مشاركة المرأة في
الحياة السياسية، إلا أن هناك مجموعة من العوامل التي يعتقد بأنها تؤثر على مدى
مشاركة المرأة في الحياة السياسية، سلبا ام إيجابا، أو ما نسميه بـ (العوامل
المحددة لمشاركة المرأة في الحياة السياسية)، إلا أن هناك مجموعة من العوامل التي
تؤثر على مشاركة المرأة في الحياة السياسية، وبعض هذه العوامل مرتبط بطبيعة تطور
النظم الاجتماعية المختلفة (كالنظام الاقتصادي والنظام السياسي)، ومستواها، وبعضها
مرتبط بالنظام الثقافي العقائدي السائد، الذي يحدد القيم والمعتقدات المرتبطة
بعلاقة الرجل بالمرأة، وبعضها على مستوى الفرد. ولكن كل هذه العوامل والمستويات
تتفاعل مع بعضها البعض لتؤثر على موقع المرأة في الحياة العامة والسياسية، وتتمثل
في الآتي :
1- نظرة المجتمع إلى المرأة ودورها فيه.
2- وضعية المرأة في المجتمع.
3- نظرة المرأة إلى ذاتها ودورها في المجتمع.
4- المستوى التعليمي للمرأة، ودرجة استقلالها الاقتصادي عن الرجل.
5- القيم والتقاليد الاجتماعية السائدة وطبيعة الثقافة السياسية في المجتمع.
6- القوانين المنظمة لحقوق المرأة في المجتمع بصفة عامة ولحقوقها السياسية بصفة
خاصة.
7- درجة الوعي السياسي للمرأة.
واقع المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس الخليجي
أولاً : موقع الحقوق السياسية للمرأة ضمن الأطر الدستورية والقانونية بدول المجلس :
تؤكد دساتير دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على عدم التفرقة على أساس الجنس،
وعلى احترام حقوق المرأة، على أساس متساوٍ مع الرجل. فينص دستور مملكة البحرين، في
الباب الاول، المادة الاولى، الفقرة (د)، على أن :
..... (للمواطنين، رجالا ونساء، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق
السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح). وتنص المادة (18) من الباب الثالث، على
ان : ... (الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في
الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم، بما في ذلك بسبب الجنس أو الاصل أو اللغة
أو الدين أو العقيدة).
وينص دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، في المادة (22) من الباب الثالث، على ان
...(جميع الافراد لدى القانون سواء، ولا تمييز بين مواطني الاتحاد، بسبب الاصل أو
الموطن أو العقيدة الدينية أو المركز الاجتماعي).
وتؤكد المادتان (34) و(35) من الباب الثالث من الدستور الجديد لقطر، الذي تم
الاستفتاء عليه في 29 نسيان / ابريل 2003، على ان : ..... (الناس متساوون في الحقوق
والواجبات العامة)، في حين تنص امام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات
العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك، بسبب الجنس أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب
أو الموطن أو المركز الاجتماعي).
وتنص المادة (26) من الباب الخامس الخاص بالحقوق والواجبات، من النظام الأساسي
للحكم في المملكة العربية السعودية، على .... (تحمي الدولة حقوق الإنسان .. وفق
الشريعة الإسلامية).
وتؤكد المادة (29) من الباب الثالث للدستور الكويتي، ان : .... (الناس سواسية في
الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون، في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز
بينهم في ذلك، بسبب الجنس أو الاصل أو اللغة أو الدين).
وبالإضافة إلى النصوص الدستورية والقانونية، فإن بعض دول مجلس التعاون تبنت ما يعرف
بالاستراتيجيات الشاملة، أو الرؤى المتكاملة، من أجل النهوض بالمرأة. وفي هذا
السياق تبنت كل من دول الإمارات وقطر الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة. وتتلخص
مجالات الاستراتيجية الوطنية الإماراتية في ثمانية محاور رئيسية، هي : المرأة
والتعليم، المرأة والاقتصاد، المرأة والعمل الاجتماعي، المرأة والاعلام، المرأة
والتشريعات، المرأة واتخاذ القرار، المرأة والبيئة، المرأة والصحة. في حين تقوم
الاستراتيجية القطرية ايضا، على ثمانية محاور تشتمل المجالات : التشريعية
والإعلامية والاجتماعية والصحية والتعليمية والبيئية والاقتصادية والسياسية.
كما سعت جميع دول مجلس التعاون كذلك، إلى الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية،
التي تهدف إلى حماية المرأة وتعزيز دورها. وفي هذا الإطار انضمت كافة الدول
الخليجية إلى الاتفاقية الدولية، الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
ثانياً : خبرات المرأة في دول مجلس التعاون على صعيد الممارسة السياسية :
الإمارات العربية المتحدة :
بمقتضى الدستور والتشريعات، لا توجد أية معاملة تمييزية بين المرأة والرجل، من حيث
الحقوق بشكل عام، كما تتمتع المرأة بكثير من الحريات الاجتماعية، لكن في نطاق
الحكومة الاتحادية، لا وجود للمرأة في مجلس الوزراء، على الرغم من تواجدها بدرجة
وكيل ووكيل مساعد في بعض الوزارات، وتعيينها في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية،
اما في ما يتعلق بالمجلس الوطني، لم يحدد الدستور طريقة اختيار شاغلي مقاعد
الاربعين، وكذلك لم يربطها بجنس معين، ذكرا كان ام انثى، لكن جميع الامارات اختارت
التعيين كوسيلة لشغل المقاعد الممنوحة لها بموجب الدستور، ولم تنضم اية امرأة إلى
عضوية المجلس عبر فصوله التشريعية الثلاثة عشر، على الرغم من الدعوات المتكررة إلى
وجوب إشراك المرأة في عضوية المجلس الوطني. ولكن تجدر الإشارة إلى أنه، على مستوى
الحكومة المحلية، اتخذت إمارة الشارقة خطوة غير مسبوقة، بتعيين خمس سيدات لعضوية
مجلسها الاستشاري في العام 2001، وكذلك تعيين سيدتين في المجلس التنفيذي للإمارة في
العام 2002.
ان عدم وجود نص دستوري أو قانوني تمييزي، في مجال الحقيقة السياسية، يجعل الأمر
أكثر يسرا بالنسبة للمرأة في الإمارات، غير أنه ايضا يجعله مربوطا بالإرادة
السياسية، ومدى رغبتها في تمكين المرأة من العمل السياسي، ولا شك في ان الدعم الذي
تحظى به المرأة من أعلى المستويات السياسية، إنما يشكل عنصرا إيجابيا بهذا الخصوص.
البحـريــن :
لقد أعطى قانون العام 1950، المرأة البحرينية، حق الانتخاب، على ان تكون مقيمة في
حدود البلدية، وان تدفع رسوم البلدية، والا يقل عمرها عن 20 عاما، وقد شاركت بالفعل
خمس سيدات في الانتخابات البلدية في ذلك الوقت.
ومنح دستور دولة البحرين العام 1973، المرأة، حق المشاركة السياسية، إلا أن التطبيق
العملي حرمها من هذا الحق، إذ جاء قانون الانتخاب ليقصر هذا الحق على الرجال فقط،
لكن الخطوات الديمقراطية، وقضية الحقوق السياسية في الواقع، ظلت متعثرة في البحرين
بشكل عام، بالنسبة للمرأة والرجل على حد سواء.
وبعد تولى الشيخ حمد بن عيسى، مقاليد الحكم، بدأت أولى خطوات التغيير، بعد إعلانه
عن إشراك المرأة البحرينية في عضوية مجلس الشورى، وقراره بتعيين أربع سيدات فيه،
العام 2000، من بين أربعين عضوا. وقد خصص (ميثاق العمل الوطني) الفصل الرابع،
للمقومات الاساسية للمجتمع، الذي يتضمن وضع المرأة في قمة سلم المشاركة في الشأن
العام، وهي المشاركة السياسية، انتخاباً وترشيحاً. كما تتضمن المادة السادسة من هذا
الفصل، دعم الدولة للتشريعات الخاصة بالأسرة.
وقد مارست المرأة البحرينية بالفعل هذا الحق، عند الاستفتاء العام على الميثاق في
شباط / فبراير 2001، وشاركت ست سيدات في (لجنة مناقشة الميثاق)، من بين 44 عضوا،
لتصبح بعد ذلك ممثلة في (لجنة تفعيل الميثاق)، بسيدتين يعملن في سلك المحاماة. كما
بلغت نسبة مشاركة النساء في الاستفتاء (49٪) من إجمالي عدد المشاركين. وفي اب /
اغسطس من العام 2001، صدر المرسوم بتشكيل المجلس الأعلى لشؤون المرأة، والذي تتولى
أمانته العامة امرأة برتبة وزير، وهي سمو الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة
ملك البحرين، وهو جهة وزارية رسمية معنية بقضايا وحقوق المراة ومشكلاتها.
وفي أيار/ مايو 2002، مارست المرأة البحرينية – لاول مرة – حقها في الترشيح، إذ
رشحت (31) سيدة أنفسهن، مقابل (275) رجلا، في الانتخابات البلدية، لكنهن فشلن في
الفوز ولو بمقعد واحد. أما في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 24 تشرين الاول
/ اكتوبر 2002، فقد بلغ عدد الناخبات الإناث (61.715) ناخبة، بنسبة (47.4٪) من
إجمالي هيئة الناخبين، بينما كان قد تقدّم، حتى انتهاء مرحلة الترشيح في 20 ايلول/
سبتمبر (190) مرشحا، بينهم ثمان سيدات. وعلى الرغم من عدم فوز أية امرأة بمقعد
نيابي في هذه الانتخابات، إلا أنه كان هناك أكثر من نجاح لها، فلأول مرة تصل المرأة
إلى الدور الثاني، ولأول مرة تحصل على هذا العدد من الاصوات الذي يفوق الالف، ولأول
مرة يكون اقل عدد أصوات تحصل عليه المرأة هو أكثر من (300) صوت، بينما في
الانتخابات البلدية، كانت هناك من حصلت على أصوات تقل عن عدد اصابع اليد الواحدة.
وتجدر الإشارة إلى ان نجاح امرأتين في الحصول على نتائج تؤهلهما للدور الثاني، من
بين ثمان نساء تقدمن إلى الترشيح في الانتخابات، إنما يعكس تغيراً في الانتخابات
البلدية والتي لم تحقق فيها أي نجاح. وبعد الإعلان عن التشكيل الجديد للمجلس الوطني
في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، تضمن التشكيل عضوية ست سيدات، تم تعيينهن بقرار
من ملك البحرين.
وفي ما يتعلق بتولي المناصب العامة، أصدر ملك البحرين في كانون الثاني/ يناير 2003،
مرسوما بتعيين الدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة، رئيسا لجامعة البحرين. لكن على
الرغم مما حققته المرأة البحرينية من نجاح، على صعيد المشاركة السياسية والحريات
الاجتماعية، إلا ان نصيبها من تولي المناصب العامة، لا يزال ضئيلا، فلا توجد سوى
سفيرة واحدة، وامرأة واحدة بدرجة وزير، واخرى بدرجة وكيل، وأربع نساء بدرجة وكيل
مساعد. كما تم تعيين سيدتين في شباط / فبراير 2003، للقيام بمهام وكيل النائب العام.
وعلى الرغم من الحريات السياسية المتاحة، وحالة الانفراج السياسي العامة في البحرين،
التي انعكست في تأسيس الجمعيات السياسية، والتي يبلغ عددها (16) جمعية، إلا ان نسبة
مشاركة المرأة فيها قليلة، قياسا إلى الرجال، خاصة من حيث المناصب الإدارية، التي
لا يتعدى تمثيل المرأة فيها إثنين، في جمعيتين ذات توجه ديمقراطي علماني. وفي تشرين
الثاني / نوفمبر 2003، فازت امرأتان في انتخابات مجلس الإدارة الجديد لمركز البحرين
لحقوق الإنسان.
المملكة العربية السعودية :
على الرغم من تزايد عدد النساء السعوديات، الحاصلات على مؤهلات علمية عالية، وفي
مختلف التخصصات، وتزايد دورهن في مجال النشاط الاجتماعي، إلا أن المرأة السعودية
تظل هي الأقل حظا، من بين مثيلاتها في دول مجلس التعاون، من منظور الحقوق السياسية
والاجتماعية والاقتصادية، رغم ان المملكة العربية السعودية صدقت في 7 أيلول /
سبتمبر 2000، على اتفاقية (إزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة).
وفي حين ان العريضة المقدمة من رجال الأعمال، في العام 1990، قد دعت، في احد بنودها
المتضمنة لمطالب إصلاحية، إلى إعطاء المرأة السعودية دورا أكبر في الحياة العامة،
إلا ان رئيس مجلس الشورى، محمد بن جبير، أشار بوضوح في ذلك الوقت، إلى انه (لا
تفكير في إشراك المرأة في عضوية المجلس، لاعتبارات دينية واجتماعية). لكن هذه
الإشارة لم تمنع القيادة السعودية، من السماح للمرأة بحضور جلسات مجلس الشورى،
وإبداء الرأي حول الأمور التي تهم المرأة والاسرة، وقضايا التعليم والصحة، التي
تجري مناقشتها في المجلس، ولذلك تم في العام 1999، السماح لنحو عشرين سيدة بحضور
إحدى جلسات مجلس الشورى، لمتابعة النقاش حول الشؤون الخاصة بالمرأة، وذلك من خلال
شرفة تطل عليه.
وفي حزيران / يونيو 2003، عقدت لجنة الشؤون الاجتماعية والصحية والاسرة، في مجلس
الشورى السعودي، اجتماعا ضمن أعمال الدورة الثالثة من السنة الثالثة لأعمال المجلس،
وذلك في مقر المجلس في الرياض. وشارك في الاجتماع، عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة
بالمجلس، أكثر من (15) شخصية نسائية، من الأكاديميات والمختصات والمهتمات من مختلف
مناطق المملكة، تمت دعوتهن لأخذ آرائهن ووجهات نظرهن، حول مسائل تشغيل النساء
وتشغيل الأحداث، الواردة ضمن مشروع نظام العمل والعمال. ولكن رغم ذلك، فقد أكد رئيس
مجلس الشورى السعودي، الشيخ صالح بن حميد، في تشرين الاول / اكتوبر 2003، على ان
مشاركة المرأة في عضوية مجلس الشورى، ام غير مطروح في الفترة الحالية.
ولكن على الرغم من غياب الدور السياسي للمرأة في السعودية، إلا ان الاميرة الجوهرة
بنت فهد بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود، قد عينت وكيلا مساعدا لشؤون التعليم في صيف
العام 2000، وهو أعلى منصب حكومي شغلته امرأة في تاريخ المملكة. كما أن السيدة ثريا
أحمد عبيد، اختيرت من قبل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، لتكون مديرة
تنفيذية لصندوق المنظمة الدولية للسكان، مسجلة بذلك سابقة اختيار اول امرأة سعودية
لمنصب رفيع المستوى في المنظمة.
وفي شهر تشرين الاول / اكتوبر 2003، شهد مؤتمر حقوق الإنسان في السلم والحرب، والذي
نظمته جمعية الهلال الاحمر السعودي، حضورا بارزا ومميزا للمرأة السعودية، كما التقى
الوفد النسائي السعودي، الذي ضم عددا من سيدات الأعمال والمتخصصات في مجالات مختلفة،
بعدد من أعضاء اللجان البرلمانية داخل مقر البرلمان الاوروبي، في زيارة تعتبر
الأولى من نوعها لوفد نسائي سعودي إلى المؤسسة الاوروبية في بروكسل.
وشهد هذا الشهر ايضا، الإعلان عن تأسيس لجنة عليا للمرأة في السعودية، لتفعيل
مساهمتها في الاقتصاد. بالإضافة إلى اختيار دكتورة سعودية لتتولى منصب عميدة لفرع
الجامعة العربية المفتوحة في جدة.
اما في تشرين الثاني / نوفمبر 2003، فقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية، عن
اعتزامها توظيف (40) امرأة سعودية، كخطوة أولى في أعمال الترجمة والتحليل السياسي
والاقتصادي، وهي مهمات كبيرة، وللمرة الأولى تناط بسيدات في المملكة السعودية.
وبشكل عام، يمكن القول ان المملكة العربية السعودية تشهد بعض الانفتاح، في ما يتعلق
بحقوق المرأة، سواء على صعيد الحكومة السعودية، أو النساء أنفسهن، لكن ذلك لا ينفى
حقيقة ان الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمرأة السعودية، ما زالت تحكم مساره
التوجهات والاعتبارات التي تميز الدولة والمجتمع في المملكة.
قطــــر :
بدأت التغييرات الجذرية تلامس وضع المرأة في المجتمع القطري، منذ كانون الاول /
ديسمبر العام 1997، حيث أعلن عن إنجاز مشروع قانون المجلس البلدي، الذي حدد عدد
أعضاء المجلس بـ (29) عضوا، يتم اختيارهم بالانتخاب العام الحر، السري والمباشر،
وأعطى لجميع المواطنين، ذكورا وإناثا، حق الترشيح والانتخاب. وقد أجريت الانتخابات
البلدية في 8 آذار/ مارس 1999، وأقدمت (6) سيدات قطريات على ترشيح أنفسهن من بين
(248) مرشحا، وبلغت نسبة مشاركة المرأة القطرية في التصويت في الانتخابات (45٪)،
ولكن تلك النسبة العالية من المشاركة النسائية لم تؤد إلى نجاح أي من المرشحات.
وفي نيسان / أبريل 2003، اصبحت القطرية شيخة يوسف الجفيري، رسميا، أول امرأة قطرية
تشغل منصب عضو في المجلس البلدي المركزي في قطر، بعد فوزها بالتزكية، إثر انسحاب
المرشحين الآخرين اللذين كانا من المفترض ان ينافساها على المقعد، وهي المرأة
الوحيدة المرشحة في تلك الانتخابات من بين (92) مشرحا لشغل (29) مقعدا في المجلس
البلدي لقطر. وتشغل السيدة شيخة الجفيري منصب رئيس لجنة الشؤون القانونية في المجلس
البلدي المنتخب.
وفي ما يتعلق بالمناصب العامة، حفل العام 2003 بالعديد من التطورات، التي جاءت كلها
في صالح المرأة القطرية، ففي شباط / فبراير تمّ تعيين سيدة قطرية في منصب وكيل
نيابة، وذلك في سابقة تعد الاولى من نوعها على مستوى دول المجلس، وفي آيار / مايو
تم اختيار الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني، شقيقة أمير قطر، لتولي منصب المقرر
الخاص المعني بشؤون الإعاقة، في لجنة التنمية الاجتماعية للأمم المتحدة. وكان أمير
قطر قد عين شقيقته، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، في منصب نائبة رئيس المجلس
الاعلى لشؤون الأسرة، بدرجة وزير، وهي بذلك أول امرأة قطرية تحصل على لقب وزير،
ولكن دون ان تتولى مقعدا في الحكومة.
كما أعلن في أيار / مايو 2003، أيضا، عن تعيين شيخة المحمود، وزيرة للتربية
والتعليم، لتصبح بذلك أول امراة في دول مجلس التعاون تتولى منصبا تنفيذيا في
الحكومة. وجدير بالذكر أنها كانت تشغل منصب وكيل الوزارة قبل ذلك. وقد تزامن تعيين
وزيرة التربية القطرية، مع حدث مهم، كان للمرأة حضور ومشاركة فيه، إذ أصدر امير قطر
قرارا بتشكيل (اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان)، وهي الاولى من نوعها في قطر، وتضم
اللجنة (13) عضوا، بينهم (3) سيدات، هن : الدكتورة الشيخة غالية بنت محمد بن حمد آل
ثاني، والدكتورة عائشة يوسف المناعي، والسيدة نور عبدالله المالكي. كما أصدر حاكم
قطر، في آب / اغسطس، قرارا أميريا بتعيين الدكتورة شيخة المسند، مديرة لجامعة قطر،
وتعيين الدكتورة نورة السبيعي، نائبة لمدير الجامعة للشؤون الأكاديمية، كما أعلن في
تشرين الثاني / نوفمبر 2003، عن تعيين القطرية عائشة المناعي، عميدة لكلية الشريعة
والقانون والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.
وجدير بالذكر، ان التقدم الذي حققته التجربة القطرية على صعيد المرأة، عائد بالدرجة
الأولى إلى القرار السياسي، وتعاظم دور قرينة الحاكم، في المطالبة بحقوق المرأة،
أكثر منه إلى التحول التدريجي في المجتمع. فما زالت التقاليد الاجتماعية في المجتمع
القطري، خصوصا في ما يتعلق بالحريات الاجتماعية للمرأة، صارمة إلى حد ما، وبعبارة
أخرى يمكن القول بأن التطور السياسي في قطر، جاء سابقا على التطور الاجتماعي.
سلطنة عُمــان :
تعد عُمان، بالرغم من حداثة تجربتها السياسية، أول دولة من بين دول مجلس التعاون
تمنح المرأة حق الترشيح والانتخاب. وقد بدأ إشراك المرأة العمانية – لأول مرة – في
ترشيحات الفترة الثانية لمجلس الشورى العماني العام 1994، واقتصرت على محافظة مسقط
وحدها، وكانت النتيجة فوز امرأتين بعضوية المجلس، من أصل أربع مرشحات، ثم جرى تعميم
هذه المشاركة النوعية في ترشيحات الفترة الثالثة للعام 1997، لتشمل كل مناطق
ومحافظات السلطنة. وقد بلغ إجمالي عدد المترشحات خلال الفترة الثالثة (1997 – 2000)
لمجلس الشورى (27) مرشحة، مقابل (709) مرشحين لشغل 83 مقعدا، لم تفز فيها سوى
امرأتان فقط. كما شهدت انتخابات الفترة الرابعة (2000 – 2003) ترشّح (21) امرأة،
مقابل (519) مرشحا، فازت منهن أيضا امرأتان فقط.
وفي انتخابات تشرين الاول / اكتوبر 2003، التي أتت وفق قواعد جديدة، إذ كانت عملية
الانتخابات على مدى الأعوام الــ (12) المنصرمة، تتم بأعداد محددة من الناخبين، حيث
جرت انتخابات العام 2000 وفق قاعدة (واحد من بين كل (35) مواطنا)، لينحصر عدد
الناخبين في (175) ألف ناخب. أما هذه الانتخابات، ووفق الاحصائيات الرسمية، فقد بلغ
عدد من يحق لهم الانتخاب نحو (822) ألف ناخب، هم عدد المواطنين والمواطنات الذين
بلغوا (21) عاما في كانون الثاني/ يناير من العام 2003، أما الذين استخرجوا
بطاقاتهم الانتخابية، وتم تسجليهم للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العامة، فقد بلغ
عددهم (262) ألف ناخب وناخبة، موزعين على (94) مركزاً للاقتراع في 59 ولاية،
لاختيار 83 من بين 506 مرشحين، من بينهم (15) سيدة فقط، خلال هذه الانتخابات.
وكانت الانتخابات العُمانية السابقة قد شهدت ضعف هذا العدد من المرشحات النساء،
الأمر الذي فسره المراقبون هناك، بأنه مرتبط بتأثير العوامل الدينية والاجتماعية في
بلد محافظ وتقليدي مثل سلطنة عُمان، هذا بالإضافة إلى العامل القبلي، الذي يتمثل في
ممارسة ضغوط اجتماعية وليست سياسية على المرشحات في بعض القرى، للتراجع عن منافسة
المرشحين الرجال.
كما بيّنت الانتخابات العُمانية، التي أجريت في الرابع من تشرين الأول/ اكتوبر
2003، ان هناك مئة الف امرأة عمانية استخرجن بطاقات انتخابية، وهي نسبة تصل إلى
(35٪) من إجمالي عدد الناخبين الذي وصل إلى (262) ألفاً. وقد فازت في هذه
الانتخابات امرأتان من بين (15) مرشحة، وهما : لجينة بنت محسن درويش الزعابي، (عن
ولاية مسقط)، ورحيلة بنت عامر الريامي)، عن ولاية بوشر، وهما اللتان فازتا في
انتخابات 2000. وفي تشرين الاول/ اكتوبر 2003، صدر مرسوم سلطاني بإجراء تعديلات على
بعض أحكام نظام مجلس الدولة والشورى، تتضمن زيادة عددا اعضاء مجلس الدولة من (53)
إلى (55) عضوا، وزيادة عدد النساء في مجلس الدولة من خمس إلى سبع نساء، ليرتفع بذلك
تمثيل المرأة بهذا المرسوم في مجلس الدولة العماني إلى (12٪) من إجمالي الأعضاء.
وفي ما يتعلق بالمناصب العامة التي أسندت للمرأة العُمانية، أصدر السلطان قابوس في
آذار/ مارس 2003، مرسوما بتعيين عائشة بنت خلفان السيابية، رئيسة للهيئة العامة
للصناعات الحرفية، بمرتبة وزير، وهي أول عُمانية بمرتبة وزير. والجدير بالذكر، أنه
كان قد تم تعيين أول امرأة سفيرة لعُمان في هولندا، في أيلول/ سبتمبر 1999، وهي
خديجة بنت حسن اللواتي، كما تولت ليوثا بنت سلطان المغيري، منصب رئيس المراكز
الإعلامية للأمم المتحدة، وتعد أول امرأة عربية تتولى هذا المنصب. في حين تتولى
أربع سيدات منصب وكيل وزارة، في كل من التعليم العالي، التربية والتعليم، التنمية
الاجتماعية والاقتصاد الوطني.
الـكويـــــت :
على الرغم من عراقة التجربة الديمقراطية في الكويت، وتقدمها على سائر دول المجلس،
وتمتع المرأة الكويتية بقدر كبير من الحريات الاجتماعية، ومساواة الدستور الكويتي
بين المرأة والرجل في جميع الحقوق، إلا ان القانون الانتخابي الصادر العام 1962،
فرّق بينهما من حيث الحقوق السياسية، حيث جعلها امتيازا قاصرا على الرجل وحده،
مستثنيا المرأة الكويتية من حق الانتخاب والترشيح. غير ان المرأة الكويتية كثفت
جهودها للمطالبة بتعديل المادة الأولى من قانون الانتخاب، بحملات متتابعة منذ العام
1971، تمثلت في شكاوى رفعت لمجلس الأمة، ومسيرات ومطالبات ولقاءات مع القيادات
السياسية والنواب، كما تم رفع ما مجموعه سبع دعاوى، أمام المحاكم الإدارية، وطعون
أمام المحكمة الدستورية، بعدم دستورية المادة الأولى من قانون الانتخاب، لكنها رفضت
جميعها لأسباب شكلية (إجرائية). وقد حفزت هذه الجهود نوابا في مجلس الأمة، للتقدم
باقتراحات بقوانين لتعديل المادة سابقة الذكر، بلغت (12) اقتراحا، إلا أنها قوبلت
جميعها بالرفض.
وفي 16 أيار / مايو 1999، وفي فترة غياب مجلس الأمة، أصدر أمير الكويت مرسوما
بقانون يحمل مطلب التعديل، ويعطي للمرأة الكويتية حق الترشيح والانتخاب، غير أنه تم
إسقاطه في اجتماع مجلس الأمة، عند طرحه للنقاش والتصويت، بفارق صوتين (30-32). كما
رفضت المحكمة الدستورية أعلى مرجعية قانونية في الكويت، والتي تصدر أحكاماً غير
قابلة للاستئناف، في العام 2002، التماسين من ناشطتين طالبتا بحصول النساء على حق
الانتخاب. ومن انتخاب البرلمان الكويتي في تموز / يوليو 2003، عاد موضوع حقوق
المرأة السياسية ليطرح نفسه من جديد، حيث ان النساء الكويتيات قدّمن نموذجا
ديمقراطيا غير رسمي، حيث قمن عشية انتخاب البرلمان الجديد، باجراء انتخابات على
طريقتهن الخاصة، إذ شاركت الكويتيات المحرومات من حق التصويت في انتخابات رمزية في
مقر جمعية الصحافيين الكويتيين، نظمت بالتوازي مع الانتخابات التشريعية الكويتية
المقتصرة على الرجال، وذلك على أمل ان يمكنهن تحركهن هذا، من الحصول على حق
الانتخاب والترشيح مستقبلا.
وفي خطوة تكشف اهتمام الحكومة الكويتية الجديدة بموضوع حقوق المرأة السياسية، أقرّ
مجلس الوزراء في تشرين الاول/ اكتوبر 2003، مشروعا لتعديل قانون بلدية الكويت، على
نحو يتيح للمرأة الحق في الترشيح والانتخاب والتعيين في المجلس البلدي، غير ان هذا
المشروع لن يصبح قانونا إلا إذا صادق عليه مجلس الأمة الكويتي.
وهكذا تمثل حالة الكويت مفارقة غريبة، فقمة الهرم السياسي مع منح المرأة حقوقها
السياسية، لكنها لا تستطيع تفعيل هذه الرغبة، دون موافقة البرلمان الذي ينقسم نوابه
إزاء هذه القضية بين مؤيدين ومعارضين، وبدون الحصول على أغلبية برلمانية، لا يمكن
تحقيق الهدف المنشود، ولا تستطيع المرأة والهيئات النسائية الكويتية، أن تمارس
ضغوطها على المرشحين، لأنها لا تملك حق الانتخاب.
من خلال رصد ومتابعة التجارب السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون، يتضح ان دور
المرأة في تطور مستمر، وإن تباين من دولة لأخرى، بحسب ظروفها الداخلية، وتجربتها في
التحرك على طريق الإصلاح السياسي، وقد انعكس هذا التباين على تعامل دول مجلس
التعاون مع قضية المشاركة السياسية للمرأة، ففي حين لا تزال الكويت تحرم المرأة من
حقوقها السياسية، خطت قطر والبحرين وسلطنة عُمان خطوات كبيرة على طريق تعزيز
المشاركة، للرجل والمرأة معا، دون تمييز، كما جاء في نصوص قوانينها الانتخابية، كما
ان الوضع في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، يشهد
تطورا ملموسا بخصوص دور المرأة، ولكن لم يصل بعد إلى حدّ تعيينها في الوزارة
والبرلمان.
وعلى مستوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقد في تشرين الاول / أكتوبر 2003،
في الدوحة، اجتماع مشترك بين ممثلين عن الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون الخليجي،
وممثلات عن الهيئات المتخصصة بشؤون المرأة بدول مجلس التعاون، بناء على تكليف من
قادة دول المجلس، وذلك لمناقشة دور المرأة الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والأسري،
وتم رفع التوصيات إلى اجتماع الهيئة الاستشارية بسلطنة عُمان في الحادي والعشرين من
الشهر نفسه.
وقد أعلن عبد الرحمن العطية، أمين عام المجلس، في تشرين الثاني / نوفمبر 2003، أن
قمة مجلس التعاون سوف تقر في كانون الاول / ديسمبر 2003 بالكويت، تشكيل لجنة نسائية
في المجلس – لأول مرة – أسوة باللجان الأخرى، كما أوضح العطية ان اللجنة النسائية،
التي أوصت بها هيئة استشارية، كلفت بوضع آلية لتفعيل مشاركة المرأة بشكل أوسع، سوف
تعنى بشؤون الأسرة والأمومة والطفولة، وسيكون لها دور بارز ومؤثر للغاية في سوق
العمل وفي أمور كثيرة.
ثالثا : إشكالية المشاركة السياسية للمرأة في دول المجلس، والعوامل المؤثرة عليها :
1- طبيعة النظم السياسية في دول المجلس :
تتسم النظم السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي، بمحدودية نطاق المشاركة، بصفة
عامة، كما إنه لا توجد أحزاب سياسية في دول المجلس، ومن ثم فالإطار المؤسسي
للمشاركة محدود – في الاصل – في بنية النظم السياسية لدول المجلس، الأمر الذي لا
يوفر البيئة الملائمة للسماح للمرأة بالدخول إلى معترك المشاركة السياسية.
2- التنشئة الاجتماعية :
ان التنشئة الاجتماعية هي العملية التي تنقل من خلالها مجموعة القيم، والمعتقدات،
والمعايير، والعادات، والقوانين من جيل إلى آخر. ويتعلم من خلالها الأطفال السلوك
المناسب في الثقافة التي ينتمون إليها.
ولطبيعة القيم والمعتقدات الثقافية السائدة في المجتمع، تأثير كبير على توجهات
المرأة نحو العمل السياسي، من خلال الأدوار التي يتربى الرجال والنساء عليها. فإذا
كانت القيم والمعتقدات تعكس تصورا إيجابيا للمرأة، فإن المرأة والرجل سوف يتأثران
إيجابيا بهذه الصورة، وإذا كانت الصورة سلبية فإنهما – بلا شك – سوف يتأثران سلبيا
بهذه الصورة تجاه مشاركة المرأة في الحياة العامة بشكل عام، والسياسية بشكل خاص.
وتقوم بالتنشئة الاجتماعية عدة مؤسسات، كالمدارس، ووسائل الاتصال، وجماعات الرفاق.
وتؤدي الأسرة دورا أهم من الدور الذي تقوم به هذه المؤسسات، إذ يبدأ فيها التفاعل
الاجتماعي، وتعلم الأنماط المناسبة للأعمار المختلفة للأنثى والذكر. وفي ظل نظام
قيمي أبوي خلال سنوات الطفولة، تنشأ المرأة على افتراض ان الهدف الأساسي من حياتها
هو ان تصبح زوجة وأم، وان مجال عملها هو البيت، وهذا يحدد السلوك المتوقع منها لكي
تقوم بهذا الدور، ويتم تعزيز هذا الدور عن طريق الانشطة اليومية المسموح بها من
خلال الأدوار المتوقعة، وتتعلم المرأة أنها ليست صاحبة القرار في شؤون حياتها،
وأنها لا تملك حرية الحركة خارج البيت، بحيث تصبح تابعة للأب، والأخ، والزوج،
والابن في مراحل حياتها المختلفة.
والعكس هو الصحيح، في ما يتعلق بتنشئة الاطفال الذكور، فمنذ المراحل المبكرة تتم
تنشئتهم على ان دورهم هو خارج البيت، وتصبح الحياة العامة، كالتعليم، والعمل،
والسياسة، وتحمل مسؤولية العائلة، مركز اهتمام الذكر. وسوف يكون للتوقعات المختلفة
للأدوار المستقبلية، تأثير كبير على قرارات العائلة، في السماح لإناثها، إما
بالمشاركة في الحياة العامة والسياسة، أو عدمها.
ومن خلال عملية التنشئة هذا ايضا، يتم ترسيخ سمات معينة للرجل، وأخرى مختلفة للمرأة،
فتتم تنشئة الرجل والمرأة على ان الرجل يتحلى بالعقلانية، والموضوعية، والقدرة على
اتخاذ القرار، بينما تتحلى المرأة بسمات عديدة منها : العاطفة، والحنان، والأنوثة،
والاهتمام بالمظاهر، وغيرها.
ان موضوع التنشئة الاجتماعية، موضوع مهم وحساس، في نظرة المجتمع لموقع المرأة من
القوى السياسية التي تكمن في القدرة على صنع القرار والتأثير على الآخرين، ولذلك
فالتوقعات والسلوكيات المتعلقة بالقوة، ومحاولة الحصول عليها وممارستها، منحصرة في
الرجال، وهي مرتبطة بمجموعة من الاتجاهات المجتمعية التي من أهمها ما يلي :
• الاتجاهات السلبية نحو القوة وحساسية المجتمع لهذا المفهوم، وبخاصة عند ربطه
بالمرأة، فأية سلوكيات لها علاقة بالحصول على القوة أو ممارستها، تعتبر خارجة عن
إطار الأنثوية. فالنظرة العامة للمرأة هي كـ (تابعة) للرجل، ومكانتها الاجتماعية في
جميع الثقافات تعتبر متدنية بالنسبة لمكانة الرجل، مع تفاوت في مستوى هذه المكانة
من ثقافة إلى أخرى، وان السلوكيات المتعلقة بالقوة، تعتبر من مظاهر الرجولة، وأية
محاولات من المرأة لممارسة القوة تعد تمردا على التوقعات الاجتماعية، التي تعتبر
أنه من غير اللائق للمرأة بمثل هذه السلوكيات، مما يضعها في موضع النقد والرفض من
المجتمع، ويؤدي ذلك إلى الحد من محاولاتها للقيام بهذه السلوكيات.
• عدم التوازن في توزيع القوة لدى الجنسين، راجع للنظرة السلبية للمرأة تجاه
قدراتها، وبخاصة في ما يتعلق بالقوة، مما يحد من محاولاتها للحصول على القوة أو
ممارستها. ويعود ذلك إلى الأدوار الاجتماعية التي حددت لها، من خلال عملية التنشئة
الاجتماعية. تلك الأدوار التي تتصف بإنكار الذات، وتلقى القرارات، بينما تنشئة
الرجل تؤهله للقيادة، واتخاذ القرارات، مما يجعل من الصعب للمرأة الايمان بقدراتها،
وبخاصة في ما يتعلق بالخصائص المنوطة بدور الرجل.
• سيطرة الرجل على المصادر التي تساعد على بناء القوة لدى الفرد. فمن أهم المصادر،
التي أجمع عليها الباحثون بكونها من مصادر القوة، هي : المصادر الاقتصادية،
والمراكز الاجتماعية، والكفاءة العلمية، والخبرة، إلى جانب السمات والخصائص الشخصية
التي يوحى من خلالها للآخرين بقوة الشخص وقدرته على القيادة. وإن الاتجاهات
الاجتماعية، والتفاوت الناتج في تنشئة الذكور والإناث، تؤهل الذكور للسيطرة على هذه
المصادر، وتتيح لهم الفرصة في الوصول إلى مراكز القوة، وتعزيز هذه الاتجاهات
والأدوار الاجتماعية.
3- الموروث الثقافي الاجتماعي :
تلعب منظومة القيم والتقاليد الاجتماعية، دوراً مهما ومؤثرا على مدى قبول المجتمع
الخليجي المشاركة السياسية للمرأة، فمنظومة القيم والتقاليد لهذا المجتمع، والتي
تتلاقى وتفسيرات وتأويلات معينة لأحكام الشريعة الإسلامية، تمثل قيدا، بل تخلق
قيودا على قبول المجتمع، أو سماحه، بقدر من المشاركة السياسية للمرأة في الخليج.
وقد أدى ذلك، إلى بلورة رؤية معينة للمرأة ودورها في هذه المجتمعات، وهي رؤية تركز
على الجانب الأنثوي الفسيولوجي للمرأة، وما يترتب على ذلك من تحديد لدورها، يما
يتلاءم مع ويلائم فسيولوجيا المرأة، بالمفهوم السائد في هذه المجتمعات. وقد انعكس
هذا في نوعية التعليم، الذي يرى المجتمع انه هو ما يجب ان تتلقاه المرأة ونوعية
الوظائف التي تتولاها، بل وفي النظر إلى طبيعة عمل المرأة، باعتباره أمراً هامشيا،
وليس ضروريا في معظم الأحوال، وهو لا يمثل أمرا جوهري بالنسبة للمجتمع، بل هو أمر
مؤقت يرتبط أساسا بأولوية دور المرأة، كزوجة وأم مكانها الطبيعي هو البيت، وامتد
هذا التصور إلى مدى القبول بدور للمرأة في نطاق الحياة السياسية.
وهناك اعتقاد راسخ لدى الكثيرين في المجتمع العربي، بشكل عام، بأن المرأة غير مؤهلة
للمشاركة في صنع القرار، بل ذهب البعض إلى تحريم مشاركة المرأة في السياسة وفي تولي
مناصب عامة، استنادا إلى الحديث المنسوب إلى الرسول (ص) ... (لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة) وإلى حديثه (ص) ... (المرأة ناقصة عقل ودين)، وفسر آخرون قوامة الرجل
على المرأة، بعدم قدرتها على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وبالتالي عدم صلاحيتها
لتولي المناصب القيادية.
وفي الواقع، إن المناداة بمساواة المرأة مع الرجل، هو حق اصيل إنسانيا واجتماعيا،
فالإسلام قد أقر هذه الحقوق بالنسبة للمرأة، ولكن المشكلة في الخصوصية الاسلامية،
هي كيفية التعامل مع التراث والأعراف والتقاليد، والتي تشمل في طياتها الجوانب
الفقهية، فالنصوص العامة والقطعية في القرآن والسنة تقيم حق المساواة بين الرجل
والمرأة، باعتباره حقا أصيلا لا يمكن إنكاره، ام الانتقاص منه فلا يتلاءم مع نصوص
الشريعة الإسلامية التي اقرت حقوق المرأة.
ففي قضية المرأة، لا توجد مشكلة مع الخصوصية الاسلامية، القائمة على النصوص الشرعية
العامة والقطعية، إذ توضح هذه النصوص حقوق المرأة كاملة، ولكن المشكلة تكمن في
التعامل مع هذه الجزئية والتفصيلية ظنية الدلالة، أي ان الشارع صاغها صياغة تتسع
لأكثر من فهم، وأكثر من تفسير. مما ادى إلى وجود مدارس متنوعة ومشارب متعددة في
الفقه الإسلامي، أي أنها تعرضت لسوء الفهم والخطأ في التأويل من جانب بعض الآراء
التي تأثرت بواقع اجتماعي معين، وهو ما يلقي ظلالا من الشك على تلك الخصوصية، وكان
لسوء هذا الفهم والتأويل أثره في إخفاء مفهوم المساواة الأصيلة بين الرجل والمرأة
في النصوص الشرعية، وإظهار الخلافات الفقهية في قضايا نوعية، مثل قضية الحجاب،
وقضية أهلية المرأة لتولي الأعمال العامة والخاصة في إظهار المصلحة العامة، ومفهوم
قوامة الرجل والأسرة، وما إلى ذلك.
لقد كانت الموروثات الثقافية والاجتماعية، ضمن الاسباب الرئيسية التي أدت إلى إخفاق
المرأة في إحراز أصوات الناخبين في كل من قطر والبحرين وعُمان، بسبب :
1- النسبة الغالبة في المجتمع الخليجي، من الرجال والنساء، غير مقتنعة بأهمية دور
المرأة في بعض المجالات والقطاعات في المجتمع، أبرزها قضية الانتخابات والعمل
السياسي، أو حتى البلدي ... انطلاقا من فلسفة معينة مفادها ان طبيعة المرأة
الفسيولوجية، ربما لا تؤهلها للعمل السياسي على وجه خاص، باعتباره عملا يحتاج
لمتابعات وجهد ووقت، لا تجدها المرأة بشكل عام.
2- وجود كم ونوع وافر، من الرجال أصحاب الكفاءات والمؤهلات والقدرة في المجتمع،
الذين لا يجدون فرصة لتجسيد إيداعاتهم وقدراتهم، إلا بصعوبة بالغة، فكيف – والحال
هكذا – يبادر المجتمع ويتوجه للمرأة في وجود الأكفاء من الرجال؟ ولعل هذه النظرة أو
الفكرة مترسخة في أذهان نساء المجتمع أكثر من رجاله، وبالتالي صار واضحا في اية
انتخابات تقام بالخليج، ان سقوط المرأة سببه المرأة نفسها وليس الرجل.
3- العامل القبلي : فالمجتمع الخليجي رغم التطور الهائل الحاصل فيه، والتمدن
المتسارع في جميع أرجائه، تعمل القبلية عملها، وتؤثر في مناحي النشاط المختلفة فيه.
فالعامل القبلي يفرض نفسه في المسائل التي تتسم بطابع المنافسات والتحدي،
كالانتخابات مثلا، والتي يتم تقسيم مناطق البلاد فيها إلى دوائر ومناطق. ومن
الطبيعي جدا ان تتحرك بعض الموروثات القديمة، المتعلقة بمسائل الرجولة والسيطرة
والقوة، فلا يمكن ان ترضى قبيلة من القبائل ان تمثلها امرأة في الانتخابات، فضلا
على أنها لا يمكن ان تدعو إلى التصويت لأية امرأة تنافس رجالا، في دائرة يعيش بها
كثيرون من قبيلة معينة أو عدة قبائل.
4- اليقين شبه التام عند الكثير من النساء الناخبات، ان الرجال افضل من يقوم بالعمل
السياسي، أو البلدي، على وجه أخص، وان النساء لا يقدرن على ذلك، مهما كنّ نابغات
ومتفوقات وذوات كفاءة، فتجد في انتخابات الخليج ان أكثر من يصوت للرجال هم النساء،
في حين تجد ان نسبة من الرجال تفعل العكس وتصوت للنساء.
خاتمة : الآفاق المستقبلية للمشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون الخليجي،
ومقترحات للتفعيل :
وعلى الرغم من الدعم الكبير، الذي تحظى به مسألة تمكين المرأة من قبل النخب الحاكمة
في دول مجلس التعاون، إلا ان القيود الاجتماعية لا تزال الأكثر تأثيرا في إعاقة
مسار المشاركة السياسية للمرأة في الخليج. وما حدث في الكويت تجاه المرسوم الأميري
يقدم دليلا راسخا على قوة هذه القيود، كما ان عدم فوز أي من المرشحات في انتخابات
المجلس البلدي في قطر 1999، والانتخابات النيابية في البحرين 2002، يقدم نموذجا آخر
في هذا الشأن.
كما يبين الرصد السابق، ان فرص تمكين المرأة في الحياة السياسية بالخليج، لا تزال
ضعيفة، مهما دعمتها النخب الحاكمة، حيث تجد صعوبات في تمرير قناعاتها المعلنة بشأن
هذه المسألة عبر صناديق الاقتراع، ولم يبق أمامها – على ما يبدو – إلا فرض تلك
الرؤى في الوقت الحاضر، عبر نظام (الكوتا) أو التعيين، كمخرج مرحلي من تأثير
الموروث الاجتماعي، المعيق لأي دور فاعل للمرأة في الحياة السياسية.
ومن ثم ، فان المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون سوف تتوقف على عدد من
المحددات، تتمثل في ما يلي :
أولا : مدى رغبة وقدرة النظم السياسية في دول المجلس، على التعامل مع القيود
الاجتماعية والثقافية، التي تعوق مشاركة المرأة في الحياة العامة. فكلما توافرت
الرغبة والقدرة لدى هذه النظم، في التخفيف من هذه القيود، كلما ساعد ذلك على اتساع
نطاق مشاركة المرأة، والعكس صحيح.
ثانياً : درجة نمو الوعي السياسي للمرأة الخليجية بأهمية ممارستها لحقوقها
السياسية، وهو يتوقف على ازدياد فرص التعليم بالنسبة للمرأة، وازدياد قدرتها على
الدخول في مجال العمل، وتغير أساليب التربية والتنشئة، وما تقوم به وسائل الإعلام
من دور في هذا المجال. ومن ثم، فكلما ازدادت درجة الوعي السياسي للمرأة الخليجية،
كلما ساعد ذلك على اتساع نطاق المشاركة السياسية لها.
ثالثاً : مدى تغير نظرة المجتمع للمرأة ودورها في الحياة الاجتماعية، فكلما تغيرت
هذه النظرة، كلما أدى ذلك إلى تهيئة البنية الداخلية، للقبول بدور واسع للمرأة في
الحياة السياسية.
رابعاً: مدى قدرة المرأة في منطقة مجلس التعاون، على تنظيم نفسها في بناء مؤسسي
يدافع عن قضاياها وحقوقها، فكلما ازدادت هذه القدرة، كلما أتاح لها ذلك فرصة إحداث
التغيير، من أجل حصولها على حقوقها السياسية، وممارستها لهذه الحقوق.
خامساً : طبيعة العوامل الخارجية الدافعة نحو تغيير الوضع القائم للمرأة، فهناك
ضغوط خارجية على كثير من دول العالم، ومنها دول مجلس التعاون، وذلك لتوفير الضمانات
اللازمة للمرأة، لممارسة حقوقها، وتعديل القوانين بما يؤدي إلى انطلاقها في هذا
المجال، لذلك تشكل بعض العوامل الخارجية، عناصر هامة تسهم في إحداث نوع من التغيير
في وضع المرأة السياسي والاجتماعي.
مقترحات لتعزيز المشاركة السياسية للمرأة في دول المجلس :
ان تفعيل المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون الخليجي، لا يتحقق من خلال
حلول سريعة ومقتبسة من دول أخرى، ولا من خلال إجراءات وقوانين رسمية من جهات محددة،
وإنما ينبغي ان يكون التفعيل قائما على المشاركة الجماعية، سواء من قبل الذكور
والإناث، أو من قبل الأسرة، نواة المجتمع، أو الحكومة بكل أجهزتها ووسائلها، مما
يساعد في تصحيح الكثير من الاوضاع السلبية السائدة، إلا ان ذلك ينبغي ان يتحقق
بالتدريج، وعلى مراحل، وبناء على دراسات مختلفة لهذه المجتمعات، بحيث تكون الرؤية
المستقبلية مدروسة ومقبولة، لدى أغلبية افراد المجتمع. وفي ظل هذه الظروف يمكن
إيراد مقترحات لتفعيل مشاركة المرأة قائمة على الآتي :
اجتماعياً :
1- تطوير مفاهيم التكافؤ والتشارك : فلما كان تلاقي جهود جميع فئات المجتمع أمراً
لا غنى عنه، لمواجهة وتنظيم المشكلات التي تواجه المجتمع، كان لابد من التشديد على
مفهوم التكافؤ، الذي يعني ان الافراد من كلا الجنسين مختلفون، ولكنهم متساوون مع
ذلك، وعلى مفهوم التشارك، الذي يظهر إمكانية قيام ديناميكية خلاقة بين الرجل
والمرأة، لمواجهة مشكلات المجموعة مواجهة فعالة.
2- تجنب إقامة تعارض بين ادورا ومهام المرأة التقليدية في المنزل، ونشاطاتها خارج
المنزل، سواء أكانت اجتماعية ام مهنية ام سياسية ام غيرها، عن طريق الاعتراف بدورها
التاريخي في المجتمع، والرفع من شأنه، عن طريق تنظيم حملات إعلامية، تهدف إلى
الاشراف على ان تنقل الكتب التعليمية صورة عن المرأة مطابقة للواقع التاريخي، وان
تقدمها في كامل قدراتها وإنجازاتها، وحث وسائل الإعلام على النهوض بدور جاسم، وذلك
بإذاعة معلومات مبنية على توثيق محقق ويتمتع بالمصداقية.
3- توعية الرجال بدعم مشاركة المرأة في النشاطات الاجتماعية، ومشاطرتها الالتزامات
أو المسؤوليات والسلطة، في كل ما يتعلق بالأعمال المنزلية وتربية الاطفال، والإقرار
بدور ونشاطات المرأة في المنزل والإعلاء من شأنها، وتنظيم حملات تبرز أهمية هذا
الدور وهذه النشاطات بالنسبة إلى المجتمع.
4- العمل على مختلف الأصعدة، سواء التربية الأسرية، أو التربية الرسمية، أو وسائل
الإعلام، أو المضامين الدعائية، لإزالة كل ما من شأنه الإيحاء بتفوق جنس على آخر،
وتعزيز صورة المساواة والتكامل بين كلا الجنسين، والاهتمام بالنساء اللواتي يشغلن
مسؤوليات حكومية على المستويات المحلية والإقليمية، لإبراز ان النساء يستطعن – دون
التوقف عن تحمل مسؤولياتهن التقليدية – ممارسة نشاطات عامة ممارسة مسؤولة.
5- توفير معلومات مناسبة، للرجال والنساء، حول حقوقهم ومسؤولياتهم، بتنظيم حملات
إعلامية لصالحهم، من خلال وسائل الإعلام، للتوفيق بين القانون العرفي، والقانون
الوضعي الذي يساوي بين الرجل والمرأة، فيما ينزع القانون العرفي إلى الجور على
المرأة وذلك لإزالة جميع أشكال التمييز.
سياسياً :
1- تشجيع وتيسير المشاركة في الحياة السياسية، وممارسة المسؤوليات السياسية، من
جانب المرأة، بفضل عملية توعية، تدخل في إطارها التربية الوطنية السياسية، وتمكن
المرأة من معرفة حقوقها، والوعي الكامل بقدرتها على ان تصبح شريكا مباشرا في الحياة
السياسية، وتستطيع الحكومة والبرلمان والتنظيمات السياسية والمنظمات غير الحكومية
ووسائل الإعلام، ان تسهم جميعا في هذه العملية.
2- اتخاذ التدابير اللازمة من أجل ان تؤخذ مصالح المرأة ومشكلاتها النوعية، في
الحسبان، بصورة صريحة، وان تعالج بصورة دائمة ومعمقة، وفي كافة المجالات الخاضعة
لصلاحية الحكومة، ويجب توفير الموارد المادية والإنسانية الضرورية لهذا الغرض. كما
ينبغي تكريس قسم من هذه الموارد لتشجيع مشاركة المرأة في الحياة العامة، بوصفها
جزءاً لا يتجزأ من عملية تدعيم الديمقراطية، عن طريق المتابعة مع وزارات التربية،
لتوفير تربية وطنية سياسية وقانونية ملائمة منذ المراحل التعليمية الاولى.
3- إعداد المرأة للمشاركة في الأمور العامة وإدارتها، ويجدر بالحكومة ان تعمل جاهدة
كي توفر لمجمل العاملين في الوظيفة العامة (من رجال ونساء) إعدادا يسهل تطور الصورة
التي تحملها المؤسسات الحكومية عن المساواة بين الرجال والنساء. وينبغي ان تكون
إحدى أولويات الحكومة، هي إطلاع المواطنين على مجمل التدابير القانونية التي تكرس
مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، وتضمن احترامه، كما يجدر بها ان تنشر – بصورة
دورية – بيانات عديدة حول النساء في الوظائف العامة والحياة السياسية.
4- تشجيع المشاركة في الحياة العامة، وتنفيذ هذه السياسة، بالتشاور الوثيق مع
الروابط المهنية والمنظمات الاجتماعية والنسائية. كما يجدر بالحكومة الاعتماد على
وسائل الإعلام، لضمان إطلاع المواطنين على الاهداف التي تسعى إليها، وعلى نشاطاتها،
والنتائج التي تسجلها.
5- تنظيم دروس لصالح النساء، تتضمن إعدادا وتنشئة على البلاغة والاتصال والتعبير،
والاستراتيجية، وتقنيات التفاوض، والقيادة، وتقنيات تنشيط المجموعات، وإدارة الأمور
العامة، والاتصال بوسائل الإعلام. وينبغي تشجيع النساء على إنشاء تنظيمات، للدفاع
عن أوضاع المرأة، أو روابط متعددة القطاعات، يستطعن من داخلها اكتشاف قوة التضامن
بين النساء.
6- إنشاء لجنة برلمانية، مهمتها النوعية الاهتمام بالمسائل المتعلقة بوضع المرأة،
يمكن ان يسهم إسهاما قويا في إيلاء اهتمام خاص ومستمر، لتطبيق مبدأ المساواة في
كامل التشريع الوطني.
7- ان تضم كل حكومة في صفوفها نسبة معينة من النساء، خاصة ان النساء مؤهلات كالرجال
لشغل مناصب في الحكومة، في أي من قطاعات نشاطها. ولذلك ينبغي عدم قصر المناصب التي
تسند إليهن في الحكومة، على بعض القطاعات، بل ان تتسحب على أي مجال (الشؤون
الاجتماعية، الشؤون الخارجية، المالية، الداخلية، الدفاع .. الخ).
8- حث اللجان الخليجية، التي لا تتمتع فيها المرأة بعد، بحقي التصويت والترشيح، على
اتخاذ الترتيبات، لتلافي هذا الوضع باسرع وقت ممكن. ويوصى بمنح المرأة حق التصويت،
وحق الانتخاب في ذات الوقت. كما يوصي، ضمن احترام مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة،
ان يجيء الإقرار بحقي المرأة في التصويت والترشيح، خاليا من أي قيد أو شرط، غير تلك
التي يحتمل تطبيقها على الرجل.
إعلامياً :
ان مساهمة وسائل الإعلام في مجهود التوعية، يعد أمرا بالغ الاهمية بالتأكيد، إذ
تستطيع الاسهام بإقناع الجماهير بالفكرة القائلة : ان مشاركة المرأة في الحياة
السياسية، إنما تؤلف عنصرا جوهريا من عناصر الديمقراطية، كما تستطيع التنبيه إلى
تجنب إعطاء صورة سلبية، أو مقللة من شأن المرأة، وعزمها، وقدراتها على المشاركة في
الحياة السياسية، والى التشديد على أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة في الحياة
الاقتصادية والاجتماعية، وفي جميع المرتكزات الإعلامية.
وتستطيع وسائل الإعلام ان تنهض بدور هام، في الجهود الواجب بذلها، مثلا لمعالجة
أشكال التمييز والأحكام المسبقة ضد المرأة، ولتشجيع المرأة على ابتغاء الكمال،
والمشاركة بصورة فاعلة في عملية الإدارة، واتخاذ القرار. كما يجدر بها كذلك ان تنشر
بصورة واسعة، عطاءات المرأة في تطور الحضارات والتاريخ الإنساني، وان تقدم وتزيد من
الوعي بمشاركة المرأة وتندد بأي تمييز، أو أي موقف آخر يمس مصالحها.
تكريس يوم للاحتفال بيوم المرأة الخليجية :
لما كان الثامن من آذار / مارس، قد أعلن من جانب الامم المتحدة، انه (يوم المرأة
العالمي)، فيمكن اختيار يوم للمرأة الخليجية، يناقش فيه ما تم إنجازه في مجال
المرأة، على مدى العام، وسبل التطور والتفعيل، من أجل تمكين افضل للمرأة في أقطار
دول مجلس التعاون الخليجي.
نص ورقة عمل الدكتورة مريم سلطان لوتاه، الأستاذ
المساعد في قس العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية
المتحدة، بعنوان :(نحو مشاركة سياسية فاعلة : تشخيص للحال
وبحث في التدابير).
إن الحديث عن التدابير المتعلقة بخلق المشاركة السياسية للمرأة، وتفعيل هذه
المشاركة، يتطلب أساسا البحث في أمور عدة، من أهمها ما يلي :
أولاً : البحث في مفهوم المشاركة السياسية، ودلالات ذلك المفهوم.
ثانياً : استنطاق المخزون الثقافي العربي الإسلامي، والبحث فيه عما يلي :
أ- قيم المشاركة في الثقافة العربية : برافديها العربي والإسلامي.
ب- عن مكانة المرأة في الثقافة العربية الإسلامية.
ثالثاً : مراجعة الفكر السياسي العربي المعاصر، للوقوف على قيم الحرية والمشاركة
السياسية فيه.
رابعاً : قراءة التاريخ العربي المعاصر، للوقوف على قيم التحرر والمشاركة، بين جملة
التفاعلات التي صاغت هذا التاريخ.
خامساً : آليات وتدابير خلق وتفعيل المشارك السياسية للمرأة.
أولاً / البحث في مفهوم المشاركة السياسية ودلالات ذلك المفهوم.
رغم تعدّد التعريفات التي أعطيت لمفهوم المشاركة السياسية، إلا انها تكاد تتفق على
ان المشاركة السياسية تعني نشاطا إراديا طوعيا يمارسه المواطن، بهدف التأثير على
عملية صنع القرار. وقد اتخذ ذلك النشاط أشكالا وآليات عدة للتأثير على السياسات
العامة، من بينها تشكيل جماعات الضغط والأحزاب السياسية، والمشاركة في الانتخابات،
وغيرها من الأساليب التي يمكن للمواطن من خلالها التعبير عن رأيه، وحمل الحكومة
وصنّاع القرار على تبنّي رؤيته، والاستجابة لمطالبه في ما تتخذه من قرارات.
ولذلك المفهوم المبسط للمشاركة السياسية، دلالات عدة، من أهمها :
• ارتباط وجود المشاركة السياسية بوجود مناخ حر يسمح بها.
• ارتباط المشاركة السياسية بوجود تنظيم سياسي يكفل آليات وقنوات التعبير عنها.
• ارتباط المشاركة السياسية بوجود ثقافة سياسية تؤكد على قيم المشاركة والجدوى
منها.
• كون المشاركة السياسية تعني نشاط المواطن للتأثير على السياسة العامة، فإن ذلك لا
يشترط نموذجا معينا لممارسة ذلك النشاط، فلكل مجتمع خصوصيته الثقافية الكفيلة
بإيجاد نموذجها الخاص في التعبير عن المشاركة السياسية وضمان آلياتها.
ثانياً / استنطاق المخزون الثقافي العربي – الإسلامي، والبحث فيه عما يلي :
أ- في ما يتعلق بالبحث عن مفهوم الحرية، ومفهوم المشاركة السياسية، في الثقافة
العربية برافديها العربي والإسلامي، يمكن القول بأن التنظيم السياسي القبلي في
المجتمعات العربية – وإن نظر إليه البعض بأنه تنظيم تسلطي يفتقر إلى الشرعية
السياسية وقيم المشاركة – إلا أنه في حقيقة الأمر تنظيم بُني على قيم الحرية
والمشاركة، خاصة إذا ما عرفنا انعكاسات الجغرافيا في هذه المنطقة الصحراوية على
تنظيماتها السياسية، فجاءت القبيلة متسقة مع ظروفها الاجتماعية والسياسية، وكانت
سلطة شيخ القبيلة مستمدة من الولاء القبلي. ولذا، فإن خضوع الرعية يُعد خضوعا
طوعيا، ليس هناك ما يجبرهم على البقاء تحت سلطته، فيما لو تعارضت ممارساته مع مصالح
الرعية. كما كانت السلطة تدار من خلال مجلس شيخ القبيلة، وبالمشورة مع كبار رجالها.
وهكذا فإن التنظيمات القبلية – رغم بساطتها – قد كفلت قيم الحرية وقيم المشاركة،
بمعنى الشورى القبلية. ثم جاء الإسلام ليضيف الى هذه الممارسات ويهذبها، بدءاً من
تأكيد النص (كتابا وسنة) على اهمية الشورى، كمبدأ من مبادئ نظام الحكم في الإسلام،
وعلى مبدأ البيعة باعتباره أساس للشرعية السياسية، والشروط الواجب توافرها في
الحاكم لضمان وصول الأصلح الى سدة الحكم، وغيرها من الضمانات التي أقرها الإسلام
لكفالة الحرية، والمشاركة بمفهومها الإسلامي.
تلك الضمانات التي حرص الرسول الكريم، والخلفاء الراشدين من بعده، على الالتزام
بها، غير أن تحول نظام الحكم من الخلافة الى الوراثة، قد عطل العمل بهذه المبادئ،
ونأى بالممارسات السياسية العربية عن كفالة الحريات العامة، بما فيها الحرية
السياسية وحق الأمة في الرقابة على عملية ممارسة السلطة، وتوجيهها بما يخدم المصلحة
الإسلامية. إلى ان قاد ذلك الخروج على المبادئ الإسلامية، الى عصور متتالية من
الاستبداد السياسي، الذي كان سببا لإضعاف الدولة العربية الاسلامية وانهيارها،
وسقوط العالم الاسلامي تحت الهيمنة الاستعمارية.
من العرض السابق يتضح ان الثقافة العربية الإسلامية – من حيث المبدأ – قد كفلت
الحرية والشورى والمشاركة في تصريف شؤون الدولة الإسلامية، لكن الممارسات السياسية
العربية، بعد انتهاء الخلافة الراشدة، قد حالت دون تطبيق تلك المبادئ، كما يشير
العرض السابق الى ارتباط الحرية والمشاركة السياسية بتقدم الامم والحضارات، فقد
بنيت الحضارة الإسلامية على قيم الحرية والشورى، وضعفت بغياب تلك القيم واستشراء
الاستبداد السياسي.
ب- أما في ما يتعلق بالبحث عن مكانة المرأة في الثقافة العربية الاسلامية، يمكن
القول بأنه، وأن تمت الإشارة الى عادة وأد البنات في المجتمعات العربية – كما جاء
في القرآن الكريم – إلا أنه لا يمكن ان تكون تلك العادة قد مثلت حالة عامة، وإلا
لما بقيت امرأة على ارض الجزيرة العربية، ولما بقيت الحياة. ويبدو ان تلك العادة –
رغم اعترافنا بوجودها تصديقا لآيات القرآن الكريم – إلا أنها تمثل حالة خاصة، وربما
ارتبطت بظروف بعض القبائل.
كما أن بروز بعض السيدات الرائدات في التاريخ العربي القبلي، سواء على مستوى الشعر
كالخنساء، او على مستوى العمل التجاري كالسيدة خديجة، إنما يؤكد ان المرأة القادرة
على العطاء قد وجدت طريقها الى البروز والتميز، رغم كل ما قيل عن ظروف المجتمع
العربي القبلي المكبل لحرية المرأة.
ثم جاء الإسلام ليهذب قيم ذلك المجتمع، فأعلى من شأن المرأة، وحرم عادة الوأد، وكرم
المرأة وكفل حقوقها الاقتصادية الاجتماعية، إذ لم يميز الدين الإسلامي، عقيدة
وعبادة وحقوقا، بين الذكر والأنثى، إلا في ما يتعلق بالميراث.
أما عن تأكيد حقها في المشاركة المجتمعية وإبداء الرأي، فقد كانت سيرة الصحابيات
وأمهات المسلمين، خير دليل على كفالة الإسلام لتلك الحقوق، إذ شاركت المرأة في بيعة
العقبة، كما شاركت في المعارك الاسلامية، بالإضافة الى مشاركتها في رواية الحديث.
اما عن حقها في المشاركة السياسية وقدرتها على إدارة شؤون الدولة، فإن في القصص
القرآني خير دليل على ذلك، إذ لم يأت ذلك القصص بهدف التسلية او مجرد التعريف
بتاريخ الامم السابقة، وإنما جاء ليؤكد بعض العبر. وفي قصة (بلقيس ملكة سبأ)، التي
جاءت في القرآن الكريم إثباتا ودليلا تاريخيا على تولي المرأة لمنصب رئاسة الدولة،
كما تشير تلك الآية الى حكمة المرأة في إدارة شؤون مملكتها، وقدرتها – بما أوتيت به
من عقل وحكمة – على تجنيب مملكتها مغبة حرب لا تحمد عقباها، كما جاء في حوارها مع
مستشاريها وقصتها مع الملك سليمان.
وقد أقر فقهاء للمرأة بحقها في المشاركة السياسية وفي تولي المناصب العليا، وإن
كانوا قد اختلفوا في ما بينهم، ففريق أقر لها بذلك الحق دون قيد، وفريق اقر لها
بالولاية الخاصة دون الولاية العامة.
ثالثاً / مراجعة الفكر السياسي العربي المعاصر، للوقوف على قيم الحرية والمشاركة
السياسية فيه :
لكن العقل العربي، بعد احتكاكه بالغرب، لم يعد نتاجا للثقافة العربية والدين
الإسلامي فحسب، إذ كان لهذا الاحتكاك – سواء في بداية عصر النهضة الاوروبية، او في
مرحلة الاستعمار الغربي للعالم العربي، وما تلاها – تأثيره الواضح على مفهوم الحرية
في الفكر السياسي العربي المعاصر، وذلك ما يمكن توضيحه من خلال التعرض لأهم
التيارات الفكرية العربية وموقفها من قضية الحرية.
أ- التيار الإسلامي :
بداية لابد من الاشارة الى ان الجيل الاول من رواد الحركة الاصلاحية العربية
المعاصرة، لم يعنى بالحرية بمفهومها الحديث، إذ عنى روادها من الجزيرة العربية
وخارجها (محمد بن عبد الوهاب، السنوسني، المهدي) بإصلاح العقيدة، وبقي مفهوم الحرية
لديهم في حدود تحرير العقول من البدع والخرافة، بالإضافة الى التحرر من اطماع
المستعمر، كما بقيت أفكاره بعيدة عن كل تأثير غربي، وفي حدود فكر السلف، كما بلوره
ابن تيمية، وابن القيم ....
غير ان الجيل الثاني من رواد حركة الاصلاح العربي، أمثال : الأفغاني، ومحمد عبده،
ورشيد رضا، والكواكبي، فقد تصدوا للدفاع عن الاسلام، ودحض افتراءات الغرب ضده،
بالإضافة الى اجتهادهم في تقديم رؤية عن الإسلام مؤصلة لمبدأ الشورى، والحرية
والعدالة، والثورة على الظلم، باعتبار ان الامة هي مصدر سلطة الحاكم، وان كانت
مساعيهم تلك متأثرة بالتجربة الغربية، كما اتضح من خلال تأكيدهم على أهمية التعددية
الحزبية، واعتبارها أساسا لتقدم الغرب، ودعوتهم لإنشاء الاحزاب وإعداد برامجها، كما
جاء في جهود محمد عبده، والأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، إذ رأى
الكواكبي ان انقسام الاحزاب لم يضعف الدول الغربية، وكان الافغاني، أكثر منه حماسا
لمحاكاة التجربة الغربية في مجال التعددية الحزبية، كما دافع محمد عبده عن التعددية
الحزبية، بتأكيده على ان ...(لا خشية معها على وحدة الامة، باعتبار ان الاختلاف ليس
في الغايات، وإنما في الطرق التي تسلك الى تلك الغاية كما هو في الغرب). أما خير
الدين التونسي، فقد بذل قصارى جهده لاقامة التنظيمات، وهي السبيل الوحيد لتدخل
الامة في أمور السياسة، والحد من الاستبداد، والسير بخطى اسرع نحو التمدن، بل هو
يرى انها السبيل لإيقاف التمدن الغربي، أي التأثير الغربي على العالم الإسلامي الذي
يكتسح في طريقه كل شيء – من وجهة نظره.
أما الجيل الثالث من رواد الحركة الاصلاحية العربية، فقد تأثر – بالطبع – بتلك
الآراء، وتلك الجهود من أجل الاصلاح السياسي، وتحقيق الحرية، إلا أنه في ذات الوقت
قد اصطدم بالوجه الآخر للغرب. الغرب المستعمر، المستعبد لغيره، والمكبل لحرياته، إذ
تحررت طائفة من النخبة العربية من روح الإعجاب بالغرب، التي كانت قوية لدى الجيل
الثاني، وان بقيت قيمة الحرية في ظل الاستبداد الموروث، او الوارد من الغرب، تحتل
مكانة عظمى في نفوس أولئك الرواد، ومساهماتهم الفكرية والنضالية.
فقد تغنى ابو الثورة الجزائرية، الشيخ عبد الحميد بن باديس، بالحرية، مؤكدا ان الحق
في الحرية مساويا للحق في الحياة، وان أي اعتداء او مساس بها يمثل اعتداء على حياة
الإنسان، وان الله ما أرسل الرسل، وما وضع الشرائع إلا لكي يحيا الإنسان حرا،
وليعرف كيف يأخذ بأسباب الحياة والحرية ...
ورغم ذلك، فلم يرى ذلك الجيل في التعددية الحزبية ضمانا لتحقيق الحرية، بل رأى فيها
عاملا للتشتت وضعف الامة، وربما يكون ذلك انعكاسا للتأثير الواضح للوجه الآخر
للثقافة الغربية، المتمثل في استعماره وتكبيله للعالم الإسلامي في تلك المرحلة.
ويتفق في ذلك الى حد ما، موقف الإمام البنا من التعددية الحزبية، فبالرغم من إشادته
بالنظم التعددية الحزبية في الغرب، وما حققته من مكاسب، وانه ليس في النظام النيابي
ما يتنافى مع قواعد الاسلام لنظام الحكم، لكنه يعارض محاكاة تلك التجربة في مصر،
فالاستقلال – من وجهة نظره – لا يزال منتقصا، وان التعددية الحزبية تمثل خطرا كبيرا
على مستقبلها، فهي أحزاب استنفذت اغراضها وأنها لا تعبر إلا عن مصالح زعمائها، وان
المستفيد منها هم المحتلون الغاصبون.
ونظرا لمكانة الشيخ البنّا، كمفكر ومناضل، ولاتساع أتباعه على امتداد العالم العربي
والاسلامي، فقد بقي موقفه السابق من التعددية الحزبية، أساسا لتغذية الموقف الرافض
لهذه التعددية بين فئة من أتباعه. وان كان بعضهم قد اجتهد، اعتمادا على تحليل خطاب
الامام حسن البنّا، لتوضيح ان ذلك الرفض للتعددية الحزبية لا يمثل موقفا مبدئيا،
بقدر ما يعبر عن موقف ظرفي، فظروف الامة العربية الاسلامية، وتحديدا مصر، كانت
تستدعي الوحدة الوطنية ووحدة الصف للخلاص من الهيمنة الغربية.
ورغم الاختلاف بين أبناء الجيل الثالث من الحركة الاسلامية، حول التعددية الحزبية،
فإن الجيل الرابع قد أفاد من التجارب السابقة، فقد احتفظ من الجيل الاول بحرصه على
الاقتداء بالسلف، وتعلم من الجيل الثاني جرأة الطرح، ومن الجيل الثالث إيمانه
المطلق بصلاح الإسلام، بديلا حضاريا عن البديل الحضاري الغربي ومستوعبا إياه. فجاءت
أفكار هذا الجيل مؤكدة على أبعاد الاسلام التحررية الثورية، وعلى مسألة إعلاء سلطة
الامة في إطار الشريعة، والأغلبية من أبناء هذا الجيل تقر بأن للإنسان حقوقا ثابتة
يستمد مشروعيتها من الله، وأن الاختلاف اصل في طبائع البشر، ومن ثم فلا بد من
الاقرار بحق الاختلاف بما تعنيه من حرية التعبير والتجمع، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، شريطة ان لا يكون ذلك الاختلاف في الاصول الثابتة في الدين، وان لا يكون
على حساب المودة والاخوة. ولذلك فهم يؤمنون بالتعددية الحزبية ودورها في المشاركة
والتعبير عن إرادة الامة، وتقويتها في مواجهة الاستبداد الداخلي والخارجي.
وإذا كان العرض السابق قد أشار إلى ان موقف الفكر الاسلامي والجماعات الاسلامية
المعاصرة من مسألة الحرية، والتأكيد على المكانة التي احتلتها، كقيمة عليا، وكحق
إنساني مستمد من الله، إذ هي أساس التكليف والمساءلة وما يترتب عليها من ثواب وعقاب
كما سبقت الإشارة، إلا ان ذلك لا ينفي وجود آراء تستند على الفهم الخاطئ للنص
الديني، بل وتوظيف ذلك النص لتبرير مواقف مقيدة لحرية التعبير، ومبررة لأشكال عديدة
من الاستبداد الفكري، والديني، والاجتماعي، والسياسي، كما ان وجود النص الصريح
المعلي لقيمة الحرية، والمؤكد على ضماناتها بما يكفل الحريات العامة للأمة
الإسلامية، لا ينفي ايضا كون التجربة السياسية الاسلامية قد جاءت بما هو مناقض
لذلك، بدءاً من تقييد العمل بمبدأ الشورى، مرورا بتحويل نظام الحكم إلى وراثة،
وإغلاق باب الاجتهاد، بل والتشجيع على سيادة آراء فقهية مبررة للخروج على تلك
المبادئ والضمانات، بدعوى الحفاظ على وحدة الجماعة، الامر الذي قاد في النهاية إلى
ضياع الشرعية، وضياع وحدة الجماعة الاسلامية أيضا، كما أشار إلى ذلك رضوان السيد في
مؤلفة (الامة والجماعة والسلطة) في معرض مناقشته لجدلية العلاقة بين الجماعية
والوحدة والشرعية في الفكر السياسي الاسلامي.
هذا بالإضافة إلى تأكيده على ضرورة التعامل بحذر مع التراث الاسلامي، في ظل معرفتنا
بأن جانبا من ذلك التراث إنما دون وأصل وأرخ في ظل ظروف سياسية تعج بالصراع
السياسي، الامر الذي لا بدّ وأن ينعكس على مادة ذلك التراث، من حيث الاصل والمضمون.
ولذلك فلا غرابة ان نجد من الآراء الفقهية ما هو مقيد للحريات العامة في الاسلام،
وفي مقدمتها الحريات السياسية، وما هو مقوض لكل ضماناتها التي كفلها النص الإسلامي،
كالشورى، والبيعة، وجواز الخروج عن الحاكم. وبصفة عامة يمكن القول بأن الاحتكاك
بالغرب في عهد النهضة الاوروبية، وان كان قد مثل لحظة لقاء غير متكافئة، كان لها
العديد من التداعيات السلبية على العالم العربي، سواء على صعيد الفكر أو الممارسة
في ذات الوقت، إلا انه كان بداية للتفكير في الحرية بمضامينها الجديدة، ولمراجعة
تلك المضامين بالمفهوم الاسلامي للحرية بكل ضمانات، والبحث في ما آل إليه وضع الامة
الاسلامية من استبداد وتسلط وضعف وتراجع، نتيجة غياب الحرية وتعطيل العمل بالنص
الديني بخصوص تلك الضمانات، ومحاولة الخروج من ذلك التأزم، من خلال التأكيد على
إعلاء الحرية كقيمة. ذلك ما اتفق عليه رواد النهضة العربية رغم اختلاف مرجعياتهم
الفكرية.
وبعد ذلك الإيضاح، يمكن القول بأن موقف الجماعات الإسلامية من مشاركة المرأة،
المجتمعية والسياسية، قد توافق مع موقفها من الحريات السياسية، والقبول أو عدم
القبول بالتعددية الحزبية. فهناك من رأى ضرورة مشاركة المرأة وكفالة حقوقها، كما
جاء بها الاسلام، وان لها الحق في المشاركة السياسية وتولي الناصب القيادية، ومنهم
من رأى ضرورة إبقاء مشاركة المرأة في حدود الأسرة، باعتبار ان مشاركتها الجماعية قد
تقودها إلى الاختلاط بالرجل، والخروج عن بعض التعاليم الاسلامية.
وإذا كان العرض السابق قد أوضح موقف الجماعة الاسلامية من الحرية، وما ارتبط بها من
الحق في الاختلاف، والتعددية الحزبية، فإن البحث عن الحرية في الفكر العربي المعاصر
يستدعي معرفة التيارات الفكرية الأخرى وموقفها منها.
ب- التيار الليبرالي :
من المهم الإشارة، إلى ان نشأة التيار الليبرالي في العالم العربي، لم تنفصل عن
حركة الاصلاح الديني بنهجه التوفيقي (أي محاولات محمد عبده، والافغاني، والكواكبي)،
إذ حاول هؤلاء الرواد النهوض بالعالم الاسلامي، من خلال التأكيد على قيمة الحرية،
واعتبارها أساسا لتقدم الغرب وحضارته، وان غيابها وشيوع الاستبداد، هي علة الشرق
الاسلامي، وسبب تدهوره وضعفه. لذا، لم يرَ هؤلاء المفكرون حرجا من الاستفادة من
الغرب، والأخذ بأسباب التقدم الغربي، وفي مقدمتها إعلاء قيمة الحرية، وان بدت أفكار
رواد هذا التوجه الليبرالي، متفاوتة من حيث درجة التوفيقيه التي دعت إليها، بين
الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية.
فإذا كان الرعيل الاول قد بدأ هذه المحاولة التوفيقية، بالتأكيد على ان الحضارة
الصحيحة تتوافق مع الاسلام، فان الرعيل الثاني، قد مال بطرف المعادلة إلى الناحية
الأخرى، فقال بأن الاسلام يتوافق مع ما تأتي به الحضارة.
وبناء على ذلك، فقد سعى الرعيل الاول من التيار الليبرالي العربي، إلى التأكيد على
قيمة الحرية في الاسلام، وعلى ان الاسلام يتضمن من المبادئ، كالشورى والعدالة
والمساواة، ما يتوافق مع قيم الديمقراطية في الحضارة الأوروبية، وان الأخذ بتلك
المبادئ وإعمالها في الواقع السياسي العربي، لا يعد خروجا على الدين الاسلامي
ومبادئه. غير ان الرعيل الثاني من التيار الليبرالي، قد مال في مطالبة محاكاة
التجربة الحضارية الغربية، وجعل منها النموذج.
ذلك الميل الواضح لمحاكاة الثقافة الغربية، ربما كان أحد الاسباب وراء بروز التيار
العلماني في العالم العربي. وهنا لابد من الإشارة، إلى أنه لم يكن بالإمكان قيام
تيار علماني من داخل التفكير الاسلامي لتعارضه مع قيمه الجامعة المانعة، ولذا كان
رواده من المفكرين العرب المسيحيين من أمثال (شميل، فرح أنطون، يعقوب صروف، سلامة
موسى)، والذين التقت أفكارهم مع أفكار الإصلاح الديني في الغرب، والذي كان أساسا
لفصل الدين من الممارسات السياسية، وإطلاق حرية العقل للإبداع وإنجاز الحضارة.
وقد تكون الجذور المسيحية لهذا التيار (من حيث مؤسسه وفكره)، هي التي حالت دون
تحوله إلى تيار رئيسي فاعل في الفكر العربي الاسلامي، لأنه لم ينبع من داخله، ولم
يتمكن من الاندماج فيه. وعلى ذلك، يمكن القول بأنه قد دفع بالتوفيقية الاسلامية –
بحكم صراعه معها – إلى مزيد من العقلانية واستيعاب الحضارة الغربية، الأمر الذي
يوضح بروز كتابات عربية اعتمدت نهج النقد التاريخي العلمي، المتحرر من الالتزام
بحقيقة الوحي في تفسير بعض القضايا، سواء المتعلقة بالمرأة، كأطروحة منصور فهمي حول
(حالة المرأة في التقاليد الإسلامية)، وكذلك كتاب (الإسلام واصول الحكم)، لعلي عبد
الرازق، الذي طرح فيه قضية العلمانية للمرة الأولى في صميم الفكر العربي، والذي
استند فيه إلى حجج ومبررات دينية شرعية، مستمدة من الكتاب والسنة والتاريخ
الإسلامي، لتبرير العلمانية في إطار الإيمان الديني ذاته، وليس من منطلق العلمانية
الخالصة المجافية للدين، وذلك ما جعل من العلمانية قضية مطروحة من داخل الدين، بعد
ان كانت تطرح منذ مطلع عصر النهضة من خارجه، وفي تنامي توجه العلمانية، والمطالبة
بالفصل بين التفكير العلمي والتفكير الديني الغيبي بعد ذلك، سواء في كتابات طه حسين
أو إسماعيل مظهر.
وهنا لابد من الإشارة، إلى ان بعض رواد التيار الليبرالي، سواء التوفيقيين منهم أو
العلمانيين، قد اصطدموا – في مرحلة لاحقة – بالوجه الآخر للحضارة الغربية (أي
بالغرب المستعمر المستعبد للآخرين المقيد حرياتهم). تلك الصدمة التي كانت بمثابة
المحك الحقيقي لمفهوم الحرية وضمانته، التي طرحها الغرب في عصر التنوير، ومثلت
الأساس الفكري لتيار التنوير العربي، غير ان إنجازات الغرب المادية والتقنية قد
كانت كافية لامتصاص آثار تلك الصدمة لدى جيل من المفكرين العرب، الذين – وان
اختلفوا مع الغرب في نزعته الاستعمارية – فإنهم لا زالوا يقرون له بالتقدم التقني
والعلمي، ويرون بأن ذلك التقدم، ما كان ليتحقق، لو لا ظروف الحرية والتعددية
السياسية، وصيانة حقوق الإنسان في الغرب.
أما الفريق الآخر، فقد كانت صدمته كافية للتشكيك في كل ما يطرحه الغرب الرأسمالي من
قيم إنسانية، بما في ذلك قيم الحرية والعدالة والمساواة. وقد كان ذلك التشكيك دافعا
للبحث عن بديل آخر، وقد اتخذ ذلك البحث في أحد جوانبه عودة إلى التراث الاسلامي،
ومحاولة البحث فيه عن قيم ومنهجية حضارية، أكثر أصالة وأكثر قدرة على تحقيق القيم
الإنسانية العليا، وصيانتها. وقد كان العرض الخاص بتطور موقف الجماعة الإسلامية من
قيم الحرية كافيا لتوضيح ذلك.
اما في ما يتعلق بموقف التيار الليبرالي من مشاركة المرأة في الحياة السياسية، يمكن
القول ان هذا التيار كان أكثر التيارات حماسا للتعددية الحزبية، وأكثرها قبولا
لمشاركة المرأة وحماية حقوقها.
ويبقى أن نشير إلى التيارات الفكرية التي رفضت النموذج الغربي الرأسمالي، وحاولت
تقديم حلول أخرى، كالتيار الماركسي والتيار القومي العربي.
ج- الاتجاه الماركسي.
في ما يتعلق بالاتجاه الماركسي، يمكن القول بأن بداياته في العالم العربي، قد أخذت
في الظهور على يد عدد من المفكرين العرب، أمثال المفكر اليساري اللبناني يوسف يزبك،
بعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا، وان كانت تلك الافكار في البداية قد ظلت
محصورة بين المفكرين العلمانيين المسيحيين، ثم انتقلت – بعد ذلك – إلى بعض المفكرين
العرب المسلمين، من أمثال الكاتب المصري مصطفى حسين، حيث أكد على ان الاشتراكية
علاج للأوضاع القائمة. ثم تلى ذلك تأسيس الحزب الاشتراكي المصري العام 1920، ثم
الحزب الشيوعي المصري العام 1923، ثم تأسيس جريدة (الصحافي التائه) 1922 – 1930،
لاسكندر الرياش (بمشاركة يزبك)، لتمثل النواة الاولى لتجمعات الشيوعيين في لبنان
وسوريا وفلسطين. وأخذ بعض الكتاب العرب على عاتقهم، أمثال خالد بكداش ومصطفى حسن،
ترجمة (البيان الشيوعي) العام 1933، وكتاب فريدريك إنجلز : (مبادئ الشيوعية)، العام
1935، تحت عنوان : (تعاليم الماركسية).
وهكذا، أخذ مفهوم الحرية في الفكر العربي المعاصر مفاهيم وأبعاداً أخرى، أبعادا
حاولت التوفيق بين مفهومه في الغرب ومفهومه في الفكر الاسلامي، في البداية، ثم
محاولة تأصيله في الفكر الإسلامي، بما يتوافق ومفهومه في الفكر الغربي والحضارة
الغربية الرأسمالية، التي مثلت النموذج بالنسبة لعدد من رواد حركة النهضة العربية،
مع اختلاف مرجعياتهم، ثم تجاوز النص الديني والقطيعة معه، كما بدا عند العلمانيين
منهم – كما سبقت الإشارة. كما أخذ مفهوم الحرية أبعاداً أخرى، كالتحرر من التفسير
والتوظيف الخاطئ للنص الديني، ثم التحرر من قيد النص الديني، إذا ما تعارض مع
التفكير العقلي، كما بدا ذلك واضحا عند رواد التيار العلماني، بالإضافة إلى التحرر
من المستعمر، سواء لدى التيار الإسلامي، أو التيار الماركسي، الذي رأى في الغرب
الرأسمالي وجهاً آخر للاستعباد، بغض النظر عن ما يطرحه وكل ما أنجزه على صعيد
الحريات السياسية واحترام حقوق الإنسان. ومن ثم دعا إلى التحرر من كل أشكال القهر
الرأسمالي، سواء على المستوى الداخلي، أي تحرر الطبقات العاملة والفقيرة من سيطرة
أرباب العمل والطبقات الارستقراطية، والتحرر الخارجي، أي التحرر من الخضوع للنظام
الرأسمالي الغربي، المتمثل في الظاهرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة.
ومن المهم الاشارة، إلى ان الافكار الاشتراكية تعلي قيم العدالة والمساواة، على
حساب قيم الحرية. غير ان التوجه الاشتراكي، أو الماركسي، لم يفلح ايضا في تخليص
الانسان بصفة عامة، والإنسان العربي، من كافة أشكال القهر سابقة الذكر، اذ سرعان ما
تحولت الأحزاب الشيوعية إلى قوة مستبدة مصادرة للحرية. ولذلك بقي الفكر الماركسي
عاجزا عن إحراز تقدم يذكر، على صعيد تحقيق الحريات وضمانها. فإذا كانت التحولات
الاشتراكية في دول أوروبا الشرقية، أو غيرها من دول العالم الثالث، بما فيها العالم
العربي، فد نجحت في إطعام الجائعين، وتحقيق الحد الادنى من ضمانات البقاء، فإن
الشعوب – بالمقابل – خسرت الكثير من أرواحها وحرياتها وكراماتها. ولم تتلاش السلطة،
كما وعد بذلك الشيوعيون، بل تعاظمت وأحاطت بالفرد من كل جانب، خاصة في ظل احتكارها
لأدوات الإنتاج والقمع والتوجيه الأيديولوجي.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول بأنه رغم عدم كفالة الاتجاه الماركسي للحريات
السياسية، وعدم سماحه بالمشاركة السياسية، إلا انه كان له الفضل في إحداث الكثير من
التغيرات، على مستوى تحسين وضع المرأة العربية، وتحريرها من الكثير من القيود
المجتمعية المكبلة لحركة المرأة، سواء كان مصدر تلك القيود العادات والتقاليد، أو
الفهم الخاطئ للدين.
د- الاتجاه القومي العربي :
لقد طرحت فكرة قومية – بداية – على أساس إسلامي، باعتبار ان الانتماء للدين هو
المحدد الاساسي للهوية الاسلامية الجامعة. لكن المفكر المسلم، ساطع الحصري، طرح تلك
الفكرة على أساس الانتماء للعروبة. وإذا كان لطفي السيد، قد سبقه إلى الدعوة إلى
قومية مصرية علمانية، إلا أن عمله ذلك، لم يكن في خطورة ما ذهب إليه الحصري،
باعتباره مثل افتراقا بين مكوني الحضارة العربية – الإسلامية، أي افتراق بين
العروبة والاسلام.
وأيا كان الامر، فإن بروز الفكر القومي، كأحد التيارات الفكرية والسياسية، التي كان
لها تأثيرها الواضح على تكوين الفكر السياسي العربي، وعلى الممارسات السياسية
العربية، ورغم كون الفكر القومي يمثل أحد تداعيات الفكر الغربي على المنطقة
العربية، إلا أنه طرح في المنطقة العربية بشكل يتعارض إلى حد ما مع ظروف نشأته
وتطوره في الثقافة الغربية، إذ دعا إلى تكوين وحدة قومية عربية، بدلا من الهويات
القطرية الضيقة، بخلاف الفكر القومي في الغرب، حيث جاءت مؤسسة الدولة متسقة مع
الفكرة القومية، ومعبرة عن تمايز الهويات القومية الاوروبية.
أما عن موقفه من قضية الحرية، فيمكن القول بأنه قد حرص على تأكيد قيم التحرر من
الاستعمار الغربي، الذي حاول طمس هذه اللهوية، بالإضافة إلى التحرر من كل التوجهات
المعارضة للوحدة القومية العربية، سواء انطلقت من تصورات ليبرالية غربية، أو قطرية
ضيقة، أو من تصورات دينية تعلي الرابطة الدينية على أية رابطة اخرى، بالإضافة إلى
مطالبته بالتحرر من بعض القيم الداعية للمحافظة على الوضع القائم، بما يمثله من
تجزئة سياسية، وانتماءات ضيقة تحول دون قيام الوحدة العربية.
وفي ما يتعلق بموقفه من المشاركة المجتمعية والسياسية للمرأة، يمكن القول بأن
التيار القومي، وان لم يسمح بالتعددية، إلا أنه يرجع له الفضل، في الدفع بالحركة
المجتمعية في البلاد العربية، نساء ورجالا، وتحريكها لتغير كل أشكال الضعف والتخلف
والقهر المفروضة عليها. ولذا، فإن الكثير مما حققته المرأة على صعيد التعليم والعمل
والمشاركة التنموية، هو نتاج لسيادة التيار القومي، وتأثيره الإيجابي على المجتمعات
العربية، بالإضافة إلى كونه المحرك لكثير من حركات النضال والتحرر الوطني، الذي
شاركت فيه المرأة العربية، جنبا إلى جنب، مع الرجل، في مصر والجزائر والمغرب
العربي، وفي فلسطين، بل وفي مجتمعات الخليج العربي، حيث التقاليد العربية أكثر وطأة
وتكبيلا لحركة المرأة.
ومن الجدير بالذكر ان هذه التيارات الفكرية والسياسية، التي تشكلت في وقت مبكر
نسبيا، لا زالت تنتظم التفكير السياسي العربي، بل وتحرك التفاعلات السياسية العربية
حتى هذه اللحظة، وإن اختلف تأثير كل منها من مرحلة إلى أخرى، وفق ظروف ومعطيات كل
مرحلة.
رابعاً / قراءة التاريخ العربي المعاصر، للوقوف على قيم التحرر والمشاركة، بين جملة
التفاعلات التي صاغت هذا التاريخ :
أما في ما يتعلق بتداعيات تلك التيارات الفكرية على الواقع السياسي العربي، وما
حققته من حريات سياسية، يمكن القول بأنها على اختلاف منطلقاتها ومواقفها من الحرية
وضماناتها، إلا أنها لم تستطع ان تحقق إنجازا يذكر على صعيد الحريات السياسية
للإنسان العربي، إذ يمكن تصنيف التجارب السياسية العربية على النحو التالي :
أ- نظم سياسية أحرزت الاستقلال عن طريق النضال ضد المستعمر، وضد القوى الداخلية
المهيمنة والمتواطنة معه، إلا أنها حكمت بنخب سياسية ذات توجه شمولي، (قومية كانت
أو اشتراكية)، صادرت الحريات تحت شعار الحفاظ على الوحدة الوطنية وتحقيق التنمية.
ب- نظم حصلت على استقلالها عن طريق التفاوض مع المستعمر، واستبدال معاهدات الحماية
بمعاهدات صداقة وتعاون، ورغم ابتاعها للعديد من سياسات التحديث، إلا ان ذلك لا يعني
الكثير على صعيد تحقيق الحريات، بل ربما يكون ما تحقق بخصوص ذلك، يمثل تراجعا لما
كان سائدا من قيم الحرر والنضال الوطني، لدى بعض فئات المجتمع، وتراجع الإحساس
بالمواطنة المسؤولة، في ظل تعطيل أساليب المشاركة السياسية التقليدية، كما عرفتها
المجتمعات القبلية قبل نشأة الدولة الحديثة، والتي غدت في ظلها النخب الحاكمة أكثر
استقلالية وقوة، بعد امتلاكها للثروة وأدوات الإرغام والتوجيه الإيديولوجي في آن
واحد. وما حققته على صعيد المشاركة السياسية، لا يعدو ان يكون مؤسسات وممارسات
شكلية مفرغة من المضمون الحقيقي للمشاركة السياسية وضمان حقوق الإنسان وحرياته.
كحال العديد من دول الخليج، مع بعض التفاوتات – بطبيعة الحال – إذ تعد التجربة
البرلمانية الكويتية تجربة رائدة، مقارنة بدول الخليج الاخرى – رغم بعض التحفظات
التي ترد عليها – وكذلك الإصلاحات السياسية في البحرين والتجربة الديمقراطية
العُمانية.
وهنا لابد من الإشارة، الى تفاوت موقف تلك التجارب الديمقراطية من المشاركة
السياسية للمرأة، اذ قصرت المشاركة على الرجل في بعض منها، بينما أتاحت بعضها حق
الانتخاب للمرأة دون الترشيح، وكفل لها البعض الآخر حق الانتخاب والترشيح معاً.
ج- نظم أخرى ادّعت بأنها احرزت تطورا أفضل، على صعيد التحول الديمقراطي، والسماح
بالتعددية الحزبية، غير أنها – في الغالب – ممارسات شكلية لا تكفل تداول السلطة
وخلق ضوابط حقيقية على ممارستها، كما هو الحال في مصر.
د- هناك نظم سياسية حاولت طرح البديل الإسلامي، غير انها تجارب محدودة وقصيرة
الأمد، لم تقدم حتى الآن ما وعدت به كنموذج بديل يعتمد الشريعة، ويؤمن بالحرية،
ويكفل ضماناتها كما جاءت في النص الإسلامي، وهي في الحقيقة بعيدة كل البعد من حيث
الالتزام بتلك المبادئ، كما هو الحال في السودان.
كما تجدر الإشارة أيضا، إلى تراجع بعض هذه التيارات، كالتيار القومي العربي منذ
بداية الثمانينيات، وكذلك تراجع التيار الماركسي منذ التدخل السوفيتي في افغانستان،
ثم انحساره تقريبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (سابقا) وانفراد المعسكر الرأسمالي
بزعامة العالم. الامر الذي يبرر صعود وتنامي تيارين أساسيين مرة أخرى، وهما: التيار
الاسلامي، الذي طرح ذاته باعتباره يمتلك البديل والمخرج لحالة التأزم العربي، بعد
فشل التجارب العلمانية، القومية منها والاشتراكية. بالإضافة إلى تنامي التيار
الليبرالي الغربي مرة اخرى، باعتبار ان انتصار الولايات المتحدة على الاتحاد
السوفيتي في الحرب الباردة، إنما يعني انتصار الفكر الرأسمالي والنموذج الديمقراطي
على النموذج الاشتراكي.
وعليه، فقد سادت مفاهيم الحرية، على مستوى الفكر العربي، وليس الممارسة، وفق التصور
الاسلامي، والتصور الليبرالي الغربي، ثم جاءت حرب الخليج الثانية لتؤكد انتصار
النموذج الليبرالي الغربي في بداية التسعينيات، إذ أعلنت الولايات المتحدة قيام
نظام دولي جديد، يعلي قيمة الحرية والديمقراطية والشرعية، خاصة بعد تدخلها لإنهاء
غزو العراق للكويت، وبروزها بصفتها القوة المحررة، والراعية للأمن والاستقرار في
المنطقة.
ولا غرابة والحال كذلك، ان تتعزز مفاهيم الحرية وفق التصور الليبرالي الغربي طوال
مرحلة التسعينيات، وذلك لأسباب عدة، أهمها : التشكيك في الفكر القومي ومصداقيته بعد
غزو العراق للكويت، والتشكيك في قدرته وقدرة الفكر الاشتراكي على إيجاد حلول مناسبة
للواقع العربي الراهن، وفي قدرتهما معا على تحقيق قيم الحرية التي طال انتظار
الإنسان العربي لها في ظل خضوعه لكل اشكال القهر والتسلط السياسي.
لكن تطورات القضية الفلسطينية، وأحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر في الولايات
المتحدة، وتداعياتها على العالم العربي والإسلامي، ثم الحرب الامريكية ضد
افغانستان، وضد العراق، وانحياز السياسة الامريكية الواضح لصالح اسرائيل، كل تلك
الممارسات مثلت محكا جديدا للتيار الليبرالي الغربي وقيمه التحررية، الأمر الذي
أفسح المجال من جديد أمام التيار الاسلامي والتيار القومي العربي.
وإذا كان التفرد الامريكي، حتى هذه اللحظة، بزعامة العالم – رغم كل ما يرد عليه من
تحفظات وما يتعرض له من رفض ومقاومة – يمثل سندا للتوجه الليبرالي، فإن العولمة بكل
أبعادها، السياسية والاقتصادية والثقافية، تمثل السند الآخر – وربما الاقوى – لهذا
التيار، إذ تفرض شروطها على كل المجتمعات، والضعيفة منها بشكل خاص، كما هو الحال
بالنسبة للنظم السياسية العربية، كما تفرض عليها العديد من الضغوط على مستوى
منظومتها الفكرية، وكذلك على مستوى هياكل هذه النظم ووظائفها، الامر الذي يعني
مزيداً من التحول الديمقراطي، وتأكيدا للتيار الليبرالي الغربي، بغض النظر عن ما
تمثله هذه التحولات من ضمانات حقيقية للحريات السياسية في الوطن العربي.
ومن الجدير بالذكر اليوم، في ظل حالة التحدي الديمقراطي الغربي – والمتمثل تحديدا
في التدخل الامريكي الواضح في شؤون المنطقة، وتحدي العولمة للنظم والمجتمعات
العربية في آن واحد – قد ولد وضع جديد تحولت فيه مواقف العديد من الفئات الاجتماعية
من النقيض إلى النقيض، إذ اضطرت بعض القوى الداعية للتغيير سابقا، والمؤمنة بالتحول
الديمقراطي وكفالة الحريات السياسية، إلى تبني مواقف محافظة على الوضع القائم،
انطلاقا من رفضها للتغيير المفروض من الخارج. الأمر الذي يزيد الوضع تعقيداً، وربما
يرجئ إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي المطلوب، ويعطل تحقيق الحريات السياسية
الحقيقية.
وفي هذا السياق، يمكن ان نفهم التدخل الامريكي في شؤون المجتمع العربي، والمطالبة
بتغيير واقع المرأة، وإشراكها في الحياة (السياسية)، بل والمطالبة بإحداث الكثير من
التغييرات المتعلقة بالمرأة وعلاقتها بالرجل، وفق أجنده دولية، بغض النظر عن مدى
توافق تلك الاجندة – أو عدم توافقها – مع خصوصية المجتمع العربي الاسلامي. ذلك هو
حال التفاعلات الفكرية السياسية في الوطن العربي منذ بداية الاحتكاك بالغرب وحتى
هذه اللحظة.
من العرض السابق، يتضح ان إشكالية الحرية في الفكر العربي المعاصر، وفي الممارسات
السياسية العربية، تبدو متعددة الأبعاد. فهي من ناحية، مشكلة معقدة تجعل العقول
تتردد ولا تكاد تتفق حول مفهوم الحرية ذاته، فهو مفهوم نزاعي تختلف الآراء حوله
باختلاف جوانب النظر إليه، من حيث السلطة ومن حيث الفرد القائم في مواجهة السلطة،
ومن حيث محض الإمكان، ومن حيث المدى، ومن حيث الخضوع أو الصدام من قبل الفرد
والمجتمع، كما تعود تلك الإشكالية إلى المستويات المختلفة للحرية، إذ تنقسم إلى ما
يلي : حريات محورها التحرر من السيطرة الغربية بأنواعها – حريات محورها التنظيم
الداخلي للمجتمع (أي الحريات السياسية المرتبطة بمشكلة السلطة في العالم العربي) –
حريات محورها أعمال الفرد بالمعنى الدقيق (أي الحريات الشخصية).
والواضح، ان مأزق الحرية في العالم العربي، يتمثل في غياب الحريات بمستوياتها
الثلاثة سابقة الذكر، ومطالبة الإنسان العربي بها جميعا في الوقت ذاته. فهو لذلك
مضطر للنضال على ثلاثة جبهات كبرى، وان كان حتى الآن – رغم طول نضاله – لم يحقق
القدر الأدنى منها. ويمكن الرجوع إلى تقارير المنظمة العربية لحقوق الإنسان، للوقوف
على حال الحريات العامة وحقوق الإنسان في العالم العربي، وما تتعرض له من تقييد
وتجاوز وانتهاك.
وإذا كان ذلك هو وضع حقوق الإنسان، ووضع الحريات في العالم العربي، فلنا ان نتصور
وضع المرأة وحقوقها، باعتبار ان المجتمع العربي، والرجل العربي بحكم الفهم الخاطئ
للدين وللتقاليد العربية، قد مارس عليها المزيد من الضغوط المكبلة لحرياتها، وان
الرجل العربي، المقهور سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، كثيرا ما يلجأ إلى إسقاط القهر
الواقع عليه، وممارسته ضد المرأة، كشكل من أشكال التنفيٍس، في مناخ تغيب فيه فرص
التعبير وقنواتها.
خامساً / آليات وتدابير خلق وتفعيل المشاركة السياسية للمرأة :
قبل البدء بمناقشة آليات وتدابير خلق وتفعيل المشاركة السياسية للمرأة، أود الإشارة
إلى ما يلي :
1- لا يمكن الحديث عن آليات وتدابير للمشاركة السياسية، في ظل غياب رؤية سياسية تقر
بالمشاركة، وتؤمن بها، كضرورة لترشيد عملية صنع القرار.
2- ان الحديث عن آليات وضرورة وجودها، لا يشترط نموذجا معينا، اذ ينبغي ان تتوافق
هذه الآليات مع الخصوصية المجتمعية.
3- ان الحديث عن الآليات المتعلقة بتفعيل مشاركة المرأة، يعني الحديث عن آليات
المشاركة المجتمعية بصفة عامة، إذ لا يمكن فصل مشاركة المرأة عن مشاركة الرجل.
4- ان تلك الآليات والتدابير، يمكن تصنيفها ضمن تدابير ذات طبيعة ثقافية، وتدابير
ذات طبيعة مؤسسية، وتدابير ذات طبيعة قانونية.
وفي ما يلي عرض لتلك التدابير :
التدابير الثقافية : ويقصد بها جملة التغييرات الواجبة، والجدوى منها، أي خلق
الشعور بالمواطنة المسؤولة، وإدخالها على المنظومة المعرفية والقيمية، سوء على
مستوى النظام السياسي، أو على مستوى الجماهير. إذ ينبغي استخلاص جملة من القيم
الدافعة نحو المشاركة المجتمعية والسياسية من الثقافة الموروثة، وكذلك الثقافة
الوافدة، والعمل على غرس وتأصيل تلك القيم، عبر عملية التنشئة الاجتماعية السياسية،
ومن خلال مؤسسات التنشئة، الرسمية منها وغير الرسمية، كالأسرة، والمدرسة، والمؤسسة
الإعلامية، والمؤسسة الدينية.
إذ ينبغي على هذه المؤسسات ان تعمل جنبا إلى جنب، وبشكل تكاملي، على غرس قيم الحوار
والحرية، والتأكيد على أهمية المشاركة والجدوى منها، أي خلق الشعور بالمواطنة
المسؤولة. إذ لا يمكن تصور ان تقوم المرأة بدور مجتمعي فاعل، وكذلك الرجل، في ظل
ثقافة لا تعتمد الحوار، ولا تقبل بالاختلاف في وجهات النظر، ولا تؤمن بأهمية
المشاركة وجدواها. ولا يمكن ايضا ان نتصور ان تقوم المرأة بدور تنموي فاعل، في
الوقت الذي تؤكد فيه بعض وسائل الإعلام، الصورة النمطية للمرأة، التي تحصر دورها
التنموي في الإطار الاسري، أو تقدم صورة مضادة للمرأة العاملة، عندما تجعل من
خروجها للعمل سببا في وجود العديد من المشاكل الاسرية والاجتماعية.
التدابير المؤسسية : ويقصد بها هنا، إدخال مجموعة من التغييرات على بُنى وهياكل
النظم السياسية ومؤسساتها، بحيث توجد قنوات فاعلة لتجسيد العلاقة بين المواطن
والنظام السياسي، وتحقيق الشفافية التي يمكن من خلالها ان يتعرف النظام على المطالب
المجتمعية، وان يستجيب لها عند صنع السياسات العامة. ولا يشترط هنا ان تكون تلك
التغييرات مماثلة لما هو في الغرب، من انتخابات وأحزاب وبرلمانات، فلكل مجتمع
خصوصيته، وظروفه، التي يمكن من خلالها ان يقيم المؤسسات الكفيلة بتحقيق المشاركة،
بما يتفق وتلك الخصوصية.
التدابير القانونية : أما في ما يتعلق بالتدابير القانونية، فيقصد بها : إجراء
تعديلات دستورية وقانونية، تكفل للمواطن حقوقه وحرياته العامة، بما فيها الحرية
السياسية. ولا يشترط بطبيعة الحال ان تتم تلك الإجراءات دفعة واحدة، إذ يمكن
إدخالها تدريجيا وفي فترات زمنية مناسبة، تتيح للجميع، رجالا ونساء، حرية التعبير
عن رأيهم، سواء من خلال وسائل الإعلام المختلفة، أو من خلال المجالس التشريعية،
أياً كانت تسميتها. كما تعني التوقيع والمصادقة على المعاهدات والقوانين الدولية
المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. كما تعني ايضا، المصادقة على المعاهدات المعنية
بإلغاء التمييز ضد المرأة، بما يتفق – بطبيعة الحال – مع خصوصية المرأة العربية،
وحقوقها – كما شرعها الإسلام.
وإذا كان إحداث كل تلك التغييرات، يعد مسؤولية مجتمعية، تتحملها كل مؤسسات المجتمع
وفئاته، فإنه يبقى على المؤسسات المعنية بتشكيل الوعي، دورا أكبر، إذ ينبغي ان تصاغ
المناهج الدراسية بما يكفل غرس وتأكيد ثقافة المشاركة، كما ينبغي على وسائل الإعلام
ان تقوم بدورها في هذا المجال، سواء بغرس تلك القيم، أو بالعمل على تخليص الثقافة
من بعض القيم المعوقة لعملية التغيير باتجاه المشاركة المجتمعية والسياسية. كما
ينبغي على المؤسسة الدينية تقديم فهم للنص الديني، كتابا وسنة، يتوافق مع المبادئ
المؤكدة على أهمية المشاركة، وكذلك المؤكدة على حرية الاعتقاد، وحرية التعبير،
ومكانة المرأة وحقوقها، كما كفلها لها الإسلام.
المـداخــلات والــــردود
الأسئلة :
سؤال (1) : ما هي العوامل التي تؤدي إلى تفعيل دور المرأة في المجالين السياسي
والاجتماعي؟
سؤال (2) : هل تعني مشاركة المرأة : بناء مجتمع افضل، وأكثر تسامحا، وأكثر إنسانية
وديمقراطية؟ ان الدول الديمقراطية التي بلغت فيها مشاركة المرأة أعلى المستويات في
مختلف المجالات، تثبت غير ذلك. لقد أصبحت هذه الدول أكثر استبدادا وتسلطا وشمولية،
من الدول التي كان يطلق عليها في السابق تسمية (الدول الشمولية).
سؤال (3) : ما هي أهم المعوقات التي تحد من المشاركة السياسية للمرأة؟ لقد جاء في
إحدى المداخلات ان القرار السياسي قد سبق الفعل الاجتماعي، فما هي واجباتنا، نحن
كنساء وكمجتمع، في تحمل مسؤولياتنا على مختلف الاصعدة؟ لقد ذكرت الدكتورة ابتسام في
مداخلتها، ان الدستور الكويتي يؤكد على حقوق المرأة، ويقر بمبدأ مساواتها بالرجل.
لكن قانون الانتخابات الذي صادق عليه مجلس الأمة، يحرمها من حقها في الانتخاب
والترشيح. ألا يوجد خلل قانوني في نظركم؟ ان الدستور هو مصدر التشريعات، ومن
المفروض إلا يعارضه أي قانون يسعى لتنظم الحياة السياسية أو الاجتماعية أو
الاقتصادية؟
سؤال (4) : لقد غفلت الاخوات المتدخلات التأثير الخارجي على المطالبة بالمشاركة
السياسية للمراة؟ ألا ترون بان للتطورات التي طرأت على العلاقات الدولية مؤخرا دورا
في تفعيل مشاركة المرأة وترقية حقوقها؟
سؤال (5) : ان مسألة المشاركة السياسية للمرأة في الإمارات تبدو معقدة ومتشابكة،
نظرا للكثير من العوامل، لكن أعتقد ان تناولها يتم في الغالب بشكل مناسباتي لا غير،
سواء في الاوساط الأكاديمية (جامعة الإمارات) أو في الاوساط الإعلامية؟
الــردود :
1- ان تعيين النساء في المناصب السامية في الدولة، بمعنى : منح إمكانية اكثر للمرأة
في التمثيل النيابي، وفي المشاركة في السلطة التنفيذية، شيء جميل، لكنه لا يعوض
التعليم والتأهيل. فمن الافضل ان تكون المرأة متميزة ومتمكنة، حتى تكون في مستوى
المسؤولية التي تعين فيها.
2- ان مفهوم المشاركة السياسية للمرأة يجب ان يأخذ أشكالا مختلفة، وصيغ متعددة،
تنسجم مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية للدول، ولا يجب ان يختصر في النموذج
الغربي.
3- توجد مشكلة اساسية في منطقة الخليج، وربما في الدول العربية كلها، تتمثل أساسا
في الفجوة القائمة بين التشريعات القانونية والواقع. كل الدساتير العربية تنص على
مبدأ المساواة، وعلى حقوق المرأة، وعلى حرية التعبير، لكن ماذا نلاحظ في الواقع
العملي ... ؟ ان الأمر يتعلق بوضع المجتمع ككل، وبمؤسساته. إذا انعدمت الحريات
السياسية، أو انحصرت في الواقع العملي، فلا مجال للحديث عن الديمقراطية وعن مشاركة
المرأة.
4- ان لأحداث سبتمبر (ايلول)، دورا كبيرا في المناداة بتمكين المرأة من المشاركة
السياسية في المنطقة العربية. لقد رأت الولايات المتحدة الأمريكية، ان مكافحة
الإرهاب يجب ان تمر عبر الديمقراطية، وان المرأة هي منشئة الاجيال القادمة، لذا تم
التركيز عليها، وعلى دورها في المجتمع. إننا لسنا ضد الاصلاح السياسي في الدول
الخليجية، لكن لابد من القول بأن الضغوط التي تمارس من الخارج، للقيام بإصلاح
سياسي، قد سبقتها ضغوط داخيلة، بدأت تتضح منذ حرب الخليج الثانية.
5- الاهتمام المناسباتي بتمكين المرأة من المشاركة السياسية، حقيقة موجودة، أنتجتها
وسائل الإعلام التي تلتفت إلى هذا الموضع اثناء المناسبات، فتتصل هذه الوسائل
بالمثقفات والجامعيات لمعرفة رأيهن، ثم يطوى الملف.