لا تكن إمعة
تمت الإضافة في 05-18-2008 الساعة 12:36 AM بقلم أم الليان
تم التحديث يوم 05-18-2008 في 02:13 AM من قبل أم الليان
تم التحديث يوم 05-18-2008 في 02:13 AM من قبل أم الليان
~ لا تكن إمعة ~
إن مما يُعزّز مكانة المرء المسلم وصدق انتمائه لدينه وثباته على منهاج النبوة ثقته بنفسه المُستخلَصَة من ثقته بربه وبدينه، فالمسلم الواثق بنفسه إنما هو كالطَّوْد العظيم بين الزَّوَابِع والعواصف، لا تعصف به ريح، ولا يَحطمه موج، وهذه هي حال المسلم الحقّ أمام الفتن والمتغيّرات، يرتقي من ثبات إلى ثبات، ويزداد تعلّقه بربه وبدينه كلما ازدادت الفتن، وادْلَهَمَّت الخُطُوب، وهو إبّان ذلك كله ثابت موقن، لا يستهويه الشيطان، ولا يلهث وراء كل ناعِق، حادِيه في هذا الثبات سلوك طريق الهدى وإن قلّ سالكوه، والنَّأي عن طريق الضلال وإن كثر الهالكون فيه. وبمثل هذا المنهج يصبح المؤمن الغُّرّ ممن وعى حديث النبي-صلى الله عليه وسلم- يحذِّر أمته بقوله: (لا تكونوا إمَّعَة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا)رواه الترمذي وحسنه .
والإمَّعَة هو الذي لا رأي له، فهو الذي يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء، ضعيف العزم، كثير التردّد، قلبه مَحْضِن للدَّخَل والرِّيَب، تجدونه يومًا يمانيًّا إذا ما لاقى ذا يَمَنٍ، وإن يلاقِ مَعَدِّيًّا فعَدْناني، وهذا هو الإمَّعَة المَمْقُوت، وهو الذي عَنَاه النبي-صلى الله عليه وسلم-في الحديث الآنف ذكره .
ولقد أشار ابن مسعود –رضي الله عنه- إلى مثل هذا الصنف في زمنه حينما ظهرت الفتن فقال: "كنا في الجاهلية نعد الإمَّعَة الذي يتبع الناس إلى الطعام من غير أن يُدعى، وإن الإمَّعَة فيكم اليوم المُحْقِبُ الناسَ دينَه"، أي: الذي يقلّد دينه لكل أحد، وقال أيضًا: "ألا لا يقلّدنّ أحدكم دينه رجلًا؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإنه لا أسوة في الشرّ " .
إن من أعظم ما يُقاوم به المرء وصف الإمَّعَة أن يكون ذا ثقة بنفسه، وذا عزيمة لا يُشتّتها تردّد ولا استحياء، فمن كان ذا رأي فليكن ذا عزيمة؛ فإن فساد الأمر أن يتردّد المرء. وبالتّتبع والاستقراء لأمور الشريعة وأحوال السلف عُلِم أنه لا تجتمع العزيمة والرأي السديد الموافقان لصِبْغة الله وشرعته ثَمَّتَ يحصل الفساد، وليس بخافٍ عنا موقف النبي-صلى الله عليه وسلم-في صلح الحديبية في حين أن بعض الصحابة-رضي الله عنهم-رأى أن ظاهر الصلح ليس في مصلحة المسلمين، ولكن ثقة النبي-صلى الله عليه وسلم-بربه وبوعده لم تُورده موارد التردّد، ولم تؤثر على عزمه كثرة الآراء والتهويل .
ولا جَرَم فإن مجتمعًا هذا واقعه لفي حاجة لمثل هذا الطَّرْح، ومما يدل على صحة ما ذكرنا ما تحدّث به ابن قتيبة-رحمه الله-يصف فيه أحوال الناس، وكون نفوسهم قابلة للتحوّل والتأثّر والتقليد الأعمى الذي يوصف صاحبه بالإمَّعَة، فيقول: "والناس أسراب طير يتبع بعضُها بعضًا، ولو ظهر لهم من يدّعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله خاتم الأنبياء أو من يدّعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعًا وأشياعًا. "
إن التقليد الأعمى ووصف الإمَّعَة وجهان لعملةٍ واحدة، وهما في الوقت نفسه لا يقتصران على السُّذَّج والرّعَاع من الناس فحسب، بل إن وصف الإمَّعَة يتعدّى إلى ما هو أبعد من ذلك، فكما أنه يكون في الفرد فإنه كذلك في المجتمع بفكره وعاداته وتقاليده، فقد يكون الفرد إمَّعَة، والمجتمع إمَّعَة، والناس إمَّعِين، وقولوا مثل ذلك في العامّي والمتعلّم والمنتسب إلى العلم، فإن مجرّد انتساب المرء للعلم لا يعفيه من أنه قد يكون ضحية التقليد الأعمى ومَعَرَّة الوصف بالإمَّعَة إذا ما كان كثير الالتفات، واهن الثقة بالصواب، وعلى هذا يُحمل ما يلاحظ بين الحين والآخر من اضطراب بعض المنتسبين للعلم في المنهج والفتوى، وكثرة التنقّل بين المذاهب والآراء بسبب المؤثّر الخارجي، وفق المزاحمة والضغوط والمحدثات التي تنهش من جسد التشريع، ما يجعل المنتسب للعلم يسير حيث سار الناس، فيُطَوِّع لهم الفقه، ولا يُطَوِّعُهم هم للفقه. يقول ابن مسعود –رضي الله عنه-في مثل هذا: "اغْدُ عالمًا أو متعلّمًا، ولا تغْدُ إمَّعَة فيما بين ذلك". قال ابن القيم-رحمه الله-معلّقًا: "انظر كيف أخرج المقلّد من زمرة العلماء والمتعلّمين، وهو كما قال-رحمه الله-، فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلّمين للعلم والحجة، كما هو معلوم ظاهر لمن تأمّله" انتهى كلامه-رحمه الله.
إن وصف الإمَّعَة إذا دَبَّ في مجتمع ما قَوّض بناءه، وأضعف شخصيته، وأبقاه ذليلًا منبوذًا بين سائر المجتمعات، يُشْرَب بسببه روح التبعيّة في المنبع، فيعيش عالة على غيره في العادات والطبائع والفكر .
إن وقوع المجتمع المسلم في أَتُون التقليد الأعمى للأجنبي عنه لهو مَكمن الهزيمة النفسية والألغام المخبوءة التي تقتل المروءة بتقليد أعمى وغرور بَلِيد، حتى يتلاشى عن المجتمع المسلم جملة من ركائز التميّز التي خصّه الله بها بشِرْعته وصبغته: "{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}[
إن المجتمع المسلم إذا كان إمَّعَة يلهث وراء سراب الغَرْب ليُؤلّف نفسه على خُلُق جديد ينتزعه من المدنية الأجنبية عنه وعن دينه وتقاليده؛ فإن عليه أن يدرك جيّدًا أن الخُلُق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يُفسِد من الأخلاق الراسخة، فتتغيّر رجولة بعض رجاله، وأنوثة بعض نسائه، كل ذلك بسبب الاندفاع المحموم وراء المجهول في ساحة التقليد الأعمى مهما كان لهذا التقليد من دواعي زُيِّفت أو زُيِّنت ببريقٍ وتزويقٍ ولَمَعانٍ يأخذ بلُبّ النُّظَّار لأول وَهْلة، فلا يلبث ويتلاشى سريعًا. وقديمًا قيل :
فلا تَقْنَعْ بأول ما تراه فأول طالعٍ فجرٌ كَذُوب .
وإذا كان المجتمع في قَرَارة نفسه يوحي إلى أنه لابد للأمة في نهضتها أن تتغير؛ فإن رجوعنا إلى شِرْعة المصطفى أعظم ما يصلح لنا من التَّغَيّر وما نصلح به منه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، وهل مثل هذا التغير إلا الأخلاق الإسلامية الحقّة؟! وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غير هذا التغيّر؟! {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ}
عدد التعليقات 0
التعليقات
أخر مقالات: أم الليان
- لا تكن إمعة (05-18-2008)



أقسام الموقع



