السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى مسلم في صحيحه :
عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم قال : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت { اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } . قال فضرب في صدري وقال " والله ليهنكَ العلم أبا المنذر "
أي : هنيئاً لك هذا العلم الذي ساقه الله إليك و يسّره لك ومنَّ عليك به ، وأقسم صلى الله عليه و سلم على ذلك بالله تعلية لهذا الشأن و تفخيماً لهذا المرام .
و من حُسن فقه أُبَي رضي الله عنه أنه لما سأله النبي صلى الله عليه و سلم هذا السؤال ذهب في بحثه إلى الآية التي أخلصت لبيان أعظم شيء في القرآن ، و هو التوحيد و تقرير دلائله و ذكر عظمة الرب و كماله ، وأنه المستحق للعبادة دون سواه ، فهذا من كمال فقهه و حسن فهمه، فلم يذكر آية في بيان الآداب الحميدة أو الأحكام الفرعية أو الأخبار السابقة أو أهوال يوم القيامة أو نحو ذلك، و إنما اختار آية التوحيد التي أخلصت لبيانه و أُفردت لتقريره ، و لك أن تتأمل هنا لتدرك كمال هذا الفقه أن أُبياً رضي الله عنه لم يختر هذه الآية من بين عشر آيات أو عشرين، أو مائة آية أو مائتين ، و إنما اختارها من بين ما يزيد على الستة آلاف آية، كيف لا و هو رضي الله عنه : " سيد القُرّاء .... جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عنه و عرض على النبي صلى الله عليه و سلم و حفظ عنه علماً مباركاً و كان رأساً في العلم و العمل رضي الله عنه " .
و من مناقبه رضي الله عنه ما رواه البخاري و مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لاُبَي : "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" ، قال آلله سماني لك ؟ قال:" الله سماك لي" قال ، فجعل أُبَي يبكي .
و لك أيضاً أن تتأمل لتدرك كمال فقهه رضي الله عنه أنه لم تكن إجابته على هذا السؤال بعد مهلة زمنية واسعة كأسبوع أو شهر ليراجع الآيات و يتأمل في دلالاتها ، و إنما أجاب رضي الله عنه في نفس الوقفة بعد أن أعاد عليه الرسول صلى الله عليه و سلم السؤال ، فاختار هذه الآية المباركة ، و هي آية تحوي درساً مختصراً و تقريراً مفيداً و بياناً نافعاً للتوحيد بأنواعه الثلاثة ، و جمعت من تقرير التوحيد و بيانه ما لم يأت مجتمعاً في آية أخرى غيرها ، و إنما جاء مفرقاً في آيات .
نقلاً من كتاب آية الكرسي وبراهين التوحيد
للشيخ عبد الرَّزاق بن عبد المحسن البدر حفظه الله
نسأل الله العفو والعافية وأن يُعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا وإياكم من فضله وكَرمِه