الأصالة والمعاصرة في فكر المغفور له الشيخ زايد ونهجه
الأصالة في اللغة تدور حول معنى : الثبات والقوة، وجودة الرأي واستحكامه، وشرف
النسب وعراقته، والابتكار في الأسلوب. وأصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه، ومنشؤه
الذي ينبت منه. والأصالة بالمفهوم الاجتماعي، هي الأسس التي قامت عليها الحضارة
العربية، والسمات النفسية والخصائص الخلقية التي اصطبغ بها الإنسان العربي على مر
السنين، وتركت آثارها حية في فكره ووجدانه، وأعماله الفنية، وكونت ملامح تراثه،
وشكلت رؤيته للعالمين : المادي والميتافيزيقي.
وهذه المعاني هي التي ترد مصاحبة للأصالة واشتقاقاتها في خطب المغفور له الشيخ زايد
وأحاديثه، فهو يقول في افتتاح المجلس الاستشاري الوطني : (إننا نحرص على الاحتفاظ
بتقاليدنا العربية الأصيلة، وتراثنا القومي، وهي تقاليد نحبها، توارثناها عن
الأجداد عبر أجيال طويلة، إنها منقوشة في الصدور). ويقول – رحمه الله - : ( وكان
تمسك الآباء والاجداد بكرامتهم هو النبع الذي ارتوى منه الأبناء، ليشبوا وكلهم حرص
على هذه الكرامة، وكان الحرص هو السياج الذي حمى التقاليد العربية والأصالة
المتوارثة).
ويتحدث عن أهم الركائز التي قام عليها مجتمع الإمارات فيقول – رحمه الله - : (إن
دور الإسلام يبرز واضحاً في مجتمع يشعر بانتمائه إلى الأصالة العربية، إذ يتكون
منها نبراس يضيء المسار للأمة، ويحدد سماتها ومعالمها في تقرير مبدأ الأخوة بين
الناس جميعاً، ونبذ جميع أشكال التعصب والتمييز بين الأمم والشعوب، وبناء المجتمعات
والدول على أساس الالتزام الكامل بالمبادئ الإنسانية المثلى والأخلاق الفاضلة).
والمعاصرة في اللغة مصدر عاصر. يقال عاصر فلاناً إذا لجأ إليه ولاذ به، وعاصره: عاش
معه في عصر واحد. والمعنى الثاني هو الذي ينصرف الذهن إليه، ولكن لا يقف عند مجرد
المعايشة الزمنية، إنما يتسع لاستيعاب منجزات العصر، ومواكبة حركة التطور فيه،
والتفاعل معها تأثراً بها وتأثيراً فيها، وتجاوز مرحلة الجمود التي تكتفي باستهلاك
ما ينتجه العقل البشري في الأمم الناهضة، وذلك مستمد من صيغة (المعاصرة) نفسها التي
تدل على المشاركة، والإسهام الإيجابي في صنع الحضارة الإنسانية ومتطلباتها، وذلك ما
عناه المغفور له الشيخ زايد في رسالته إلى المشاركين في ندوة الحاسبات الإلكترونية،
التي أقيمت في أبوظبي حين قال : (إن الاكتشافات التي تخرج إلينا بصورة مستمرة في
الجانب الآخر من العالم يجب ان تكون حافزاً ودافعاً إلى العمل الدؤوب في ان نصبح
أيضاً من المكتشفين، فلا نريد ان يبقى شعبنا متلقياً للأجهزة، ويصبح بذلك المستهلك
والمستخدم لها فقط، إنما نريد ان يتبادل المنافع والاختراعات).
وهو بذلك يدعو إلى اكتساب العلم والمعرفة التي تمكن أبناء الأمة من الاعتماد على
أنفسهم في إقامة نهضة زراعية وصناعية، بدلاً من الاعتماد على الخبرات الأجنبية، كما
جاء في حديثه لتلفزيون الكويت : (وأرى أننا سوف ننجح في إقامة مشاريع زراعية
وصناعية، بالقدر الذي سيتسنى لأبنائنا إدراكه من العلم والمعرفة، فعلى أكتافهم
ستقوم صناعاتنا بدلاً من الاعتماد على خبرات فنية وعلمية من الخارج، وهذا في رأيي
هو المصدر الدائم للثروة).
فالمعاصرة في فكره تعني أن تعيش الأمة روح العصر، وتحقق التقدم والازدهار في شتى
مناحي الحياة وتتفاعل مع نتائج العقل البشري، وتسهم في إنجازاته بما يوفر حياة
الرخاء والرفاهية لأفرادها، ويدفعهم إلى الإفادة من ثرواتهم الطبيعية التي منحهم
الله في بناء مصدر دائم للثروة، يتمثل في عقل الإنسان وتفجير طاقات الإبداع فيه.
وذلك ما أكده المغفور له الشيخ زايد في قوله : (كانت غايتنا الأساسية توفير الحياة
الأفضل لجميع المواطنين في الإمارات العربية المتحدة، وتوطيد دعائم دولتنا الناهضة،
وتحقيق تقدمها وازدهارها في مختلف الميادين، وتوفير الأمن والطمأنينة في ربوع
البلاد، مع توجيه الاهتمام إلى بناء المواطن الصالح باعتباره القيمة الحقيقية لهذا
البلد، والرصيد المتدخر لحاضره ومستقبله).
إن الجمع بين الأصالة والمعاصرة أمر يحتاج إلى الحكمة، فإيجاد توازن بينهما، بحيث
لا يطغى الجانب المادي الذي أفرزته الحضارة الحديثة على الجانب الروحي والقيمي، حتى
لا تذوب شخصية الأمة وتنطمس معالمها، ولا يطغى التمسك بالعادات والتقاليد والإرث
الحضاري فيستحيل إلى جمود يعوق حركة التقدم والأخذ بأسباب النهضة – هذا التوازن –
يمثل ظاهرة فريدة في فكر المغفور له الشيخ زايد، وهو ما اثار دهشة الكاتب البريطاني
كلود موريس (للأسلوب الذي مزج به الشيخ زايد مثله العليا بإنجازاته العلمية، إذ إن
الفلسفة الغربية بصفة عامة تضع الاتجاه المثالي في موقف المتناقض مع الفلسفة
العملية البراجماتية، لكن المغفور له الشيخ زايد بنظرته الشاملة يرى أن الإنجاز
العملي المادي بدون مثل عليا وقيم إنسانية روحية، ليس سوى جسم أو كيان ميت لا معنى
لوجوده، وان المثل العليا بدون إنجاز عملي مادي يحققها ويجسدها ليست سوى أضغاث
أحلام، قد تكون جميلة وبراقة وعذبة، لكنها لا تخرج عن نطاق الأوهام، والمزج بين
المثل العليا والإنجازات العملية ليس سوى حل للمعادلة الصعبة للجمع بين الثوابت
والمتغيرات، بين الأصالة والمعاصرة).
إن موضوع الانتماء للجذور شغل فكر المغفور له الشيخ زايد، فلقد كان أمام مشروع
تنموي يقضي استحضار الخبرات والفلسفات الغربية، لكنه كان واعياً تماماً لأن يكون
انتقائياً فيما يأخذ، وبما يتناسب مع طبيعة إنسان الإمارات، وثقافته، وقيمه الدينية
والاجتماعية، إن التغيير وبناء الحضارة الحديثة لا يلغي أبداً في فكر المغفور له
جذور هذا الإنسان وماضيه (إنه يعني الفهم العميق لطبيعة المجتمع بما يتميز به من
خصوصية حضارية، تميزه عن المجتمعات الأخرى) لذلك نراه على سبيل المثال يعقب على
مخططات المشاريع الهندسية لإنشاء إحدى القرى بقوله : (كل شيء جميل على الورق، ولكنه
لا يناسب البدوي الذي سيسكن هنا (....) أولاً : لا يجب وضع المدارس متجاورة كما في
هذا المخطط، بل يجب أن توضع مدرسة البنات في طرف القرية، والبنين في الطرف الآخر،
لأن هذا الفصل يجعل ابن البادية الذي لا تلائمه فكرة الاختلاط، أكثر قابلية
للاقتناع لإرسال ابنته إلى المدرسة، ونحن لا نريد ترك بناتنا بلا تعليم).
ولهذا فإن نشر التعليم كان غاية يسعى لها المغفور له، تعليم البنين والبنات، كل
أبناء الدولة، لكن هذه الغاية لن تتحقق إذا أحضرنا مخططات القرى والمدن التي أنشئت
في مجتمعات غير مجتمعاتنا، إنه الإدراك العميق لشخصية مواطنيه، ونفسياتهم، وعاداتهم
وتقاليدهم وقيمهم، إنه يريد للتغيير أن لا يصدم أحداً، بل يريده انسيابياً مرناً
متلائماً مع ما لدى الناس من مفاهيم وأبعاد مختلفة.
لقد أراد لإنسان الإمارات أن يتابع تجذره في أرضه، فهذا الإنسان لم يهجرها أيام
العوز، لذلك يجب ان لا تكون فكرة توفير الرفاهية له على حساب هذا التجذر، لنستمع
إليه – رحمه الله – وهو يتابع مشاريع إنشاء الحواضر. وكان يقول : (يجب أن تنشأ خلف
القرية مزارع، لكل بيت مزرعة مستقلة مساحتها 500 × 500 قدم مربع، ويجب ألا تسلم هذه
المزارع للسكان إلا بعد أربع سنوات من تسلمهم بيوتهم، إن الهدف من هذه القرى هو ربط
ابن البادية بالأرض، وهذا الاستقرار لا يكفي لتأمينه البيت الذي سيأخذه، ولكن ملكية
المزرعة الخاصة ستربطه بالأرض، سيجد فيها النخيل الذي يحبه، والأشجار المثمرة
كالحامض وغيره، وهذا يغريه بالتمسك بالاستقرار، ولكن هذه المزروعات تحتاج لجهد
ومصروف فوق طاقة البدوي، ولذلك علينا أن نتولى العناية بها والإنفاق عليها أربع
سنوات ليسلم النخيل مثمراً، والأشجار منتجة فنعطيه نفعها فوراً فيتمسك بها ويمنحها
العناية المطلوبة).
لقد أدرك المغفور له الشيخ زايد طبيعة البدوي، ولابد أن يوفر له أسباب التمسك
بالأرض، ليس كلاماً بل عملاً وجهداً ومالاً ينفعه من أجل تحقيق هذه الفكرة. ولأن
المغفور له ابن هذا الوطن، وهو القريب من أبناء شعبه يجالسهم، ويعرف مشكلاتهم
ومعاناتهم، وطموحاتهم، وبماذا يفكرون، والى أين يطمحون، رأى ان تشييد القرى في دولة
الإمارات يجب أن ينحو منحى يختلف عما هو عليه في بلدان أخرى، لقد أراد للقروي
والبدوي ان يمارس حياته التي تعودها في مستوى أرفع، ودخل يغنيه وينسيه سنوات القحط
والفقر الماضية، لنستمع إليه إذ قال : (لا القرى متجاورة حسب المخطط (الذي ينظر
إليه رحمه الله مقدماً من المهندسين) ولكن يجب أن نترك مسافة عشرة كيلومترات بين كل
قرية وأخرى حتى يكون هناك خمسة كيلومتر لكل قرية لرعاية الإبل والماشية).
بل أكثر من ذلك، فلقد كانت جذور المغفور له هي المحرك والدافع لكل عمل يعمله منذ
توليه قيادة الدولة، هاهو يعزو فكرة قيام الاتحاد إلى خلفيته الفكرية التي حدّدها
بقوله : (إن إيماننا بالاتحاد ينبع من تراثنا العربي الإسلامي، فقد وحّد الإسلام
العرب وجمع شملهم، وصنع منهم قوة واحدة، أمة واحدة كانت خير أمة أخرجت للناس
فاستطاعت ان تهدي الأمم إلى أكمل الشرائع وأسمى القيم وأقوم الطرق لسعادة البشرية.
إن الانفتاح الواعي على المجتمعات المتقدمة ضرورة تمليها الظروف المعاصرة وهو ركيزة
مهمة في نهج المغفور له الشيخ زايد التنموي يتجسد خلالها الفكر الاجتماعي
والأنتروبولوجي بشكل خاص والذي يؤكد ان الانفتاح على الحضارات الأخرى يجب ان يكون
حذراً ومرتكزاً على الجوانب المفيدة، فنحن عندما نأخذ بالمنتجات التكنولوجية فإننا
لا نأخذ معها سلوكيات مخترعها أو سلوكيات من يديرها.
إن حرص المغفور له الشيخ زايد على إقامة نهضة حديثة ينبع من وعي مستنير بخصوصية
رسالة الإسلام التي أرادها الله مصدر إشعاع وهداية، واستنفار لطاقات المسلمين
لعمارة الكون، واستكشاف أسراره وصولاً إلى حقيقة مبدعه، تصديقاً لقوله تعالى : سنريهم
ايتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، وهو لذلك يدرأ عن الإسلام
مزاعم تحميله تبعة التخلف الحضاري الذي تعاني منه الشعوب الإسلامية، ويرى ان
الالتزام الحقيقي بمبادئه دافع إلى الأخذ بأسباب التقدم والازدهار، وقول – رحمه
الله – في حديث له إلى صحيفة لوموند : (إنني أتساءل هل الإسلام ضد العمران والتقدم
العلمي؟ وهل هو ضد الازدهار والرفاهية ورفع مستوى معيشة المجتمع؟ بالطبع لا، بل على
العكس من ذلك تماماً ... إذ أن المبادئ الإسلامية هي التي تطالب بكل هذا وتحث على
تحقيقه). ويقول رداً على سؤال للكاتب البريطاني كلود موريس : ( قبل كل شيء أريد أن
أشير إلى عدم وجود أي شيء إطلاقاً في الإسلام يتناقض مع الحاجة إلى التقدم المادي
ووسائل التعليم والتجارة الحديثة).
بل إنه كثيراً ما كان يستمد من روح الإسلام عزمه على مواجهة الصعاب التي تعترض طريق
التقدم والنهضة، وينطلق في تحدياته للطبيعة القاسية من فهم عميق لأسرار القرآن، مما
جعله يتحدى آراء الخبراء الذين نصحوه بعدم إضاعة الجهد والمال لنشر الخضرة في صحراء
قاحلة لا تقبل ماء ولا تنبت كلأ، وفسر نجاحه في هذا التحدي بقوله : ( وكان إيماننا
بالله عز وجل وبقدرته، وبالتفكير العميق في قوله جلت قدرته يحى الأرض بعد موتها
ما أمدنا بالعزم والصبر، والمحاولة للتغلب على الصحراء القاحلة، وجعلها أرضا طيبة
معطاءة، تعم بالخير والازدهار والإثمار).
وانطلاقاً من حق الإنسانية عليه، وإسهاماً مخلصاً منه في استنقاذ العالم مما تردى
فيه من أخطاء، وتخليص الشعوب مما تئن تحته من صنوف المعاناة، كانت مواقفه الجليلة
في مساعدتهم والوقوف معهم في الأزمات والمحن. وهي مواقف كثيرة لا يتسع المقام
لذكرها هنا ونكتفي بأمثله لبعضها : وقوفه مع الشعب الفلسطيني، ووقوفه مع شعب
البوسنة والهرسك، ومع شعوب إفريقيا وآسيا وغيرها كثير. وما ذلك إلا وفاء لمسؤولياته
تجاه المجتمع الإنساني لإدراكه ان شعب الإمارات ودولة الإمارات عليها مسؤولية
تمليها العقيدة التي تقوم على الفضيلة، ويحل فيها التعاون بدل التناحر، والإخاء
مكان الصراع والحروب، ليعم العالم حياة يتنفس فيها الإنسان: الحرية، والمساواة،
والإخاء، والعزة والكرامة.