البعد الاتحادي في فكر المغفور له الشيخ زايد
إن إدراك المغفور له الشيخ زايد لفكرة ان أبوظبي يمكن ان تكون قوة موحدة للإمارات
الأخرى هي في حكم المؤكد عنده، وقد سبقت توليه الحكم في أبوظبي بفترة طويلة، بل إن
العديد من القرارات التي اتخذها بعد توليه مقاليد الحكم كانت ترجمة عملية لأقوال
صدرت عنه قبل عام 1966م. لقد تبلورت أفكاره وخططه، ونضجت خلال الفترة التي صقلت
تجربته عندما كان ممثلاً للحاكم في العين، وهي الفترة التي رفدت إنجازاته حين أصبح
حاكماً لأبوظبي بقدرٍ ملحوظٍ من الثقة والتصميم على بلوغ الهدف المنشود.
وبناء على ذلك، رسم المغفور له الشيخ زايد صورة وكيان الاتحاد في عقله وقلبه بريشة
وقلم المؤمن الصادق المطلق بضرورة إعادة بعث وحدة الأمة العربية، وإعادة توحيد
المجزأ من الوطن العربي الكبير، مستفيداً من تجاوب إخوانه حكام الإمارات معه ومع
أفكاره الوحدوية، ومن النزعة الوحدوية المتفاعلة في صفوف جماهير منطقة الخليج
العربي، التي كانت تحلم بالوحدة أو الاتحاد كطريق لوحدة عربية أشمل، وفي ذلك يقول
سموه رحمه الله : ( الاتحاد أمنيتي، وأسمى أهدافي لعشب الإمارات العربية).
حدث أول مظهر من مظاهر التقارب بين الإمارات عندما عرض المغفور له الشيخ زايد بصفته
حاكماً لإمارة أبوظبي أول مشروع للاتحاد على الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم
إمارة دبي وذلك في الاجتماع الذي عقده الطرفان في منطقة السميح بدبي في 18 فبراير
1968م، وقد تمخض عنه اتفاقية دبي الثنائية. كما تمخض عن اللقاء أيضاً تسوية الحدود
البحرية بين دبي وأبوظبي.
كانت منهجية المغفور له الشيخ زايد في إبرام اتفاقية (السميح) أول مؤشر إلى الطريقة
التي سيتّبعها – رحمه الله – من أجل تحقيق الوحدة الشاملة ليس بين دبي وأبوظبي فحسب،
ولكن بين إمارات الخليج التسع لاحقاً. لأن تلك الاتفاقية فتحت الآفاق أمام مشروع
اتحاد أشمل، فقد دعا المغفور لهما الشيخ زايد وأخوه الشيخ راشد حكام الإمارات
الأخرى للانضمام إلى الاتحاد الذين لبّوا تلك الدعوة، وخفقت لها مشاعر شعوب المنطقة،
وبالرغم من أن ولادة الاتحاد التساعي كانت سهلة للغاية حينما لبى حكام إمارات
الخليج التسع وهي البحرين وقطر وأبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس
الخيمة والفجيرة الدعوة الاتحادية التي جاءت في اتفاقية دبي الثنائية 27 فبراير
1968م. وبالرغم من صدور اتفاقية دبي الداعية لقيام اتحاد الإمارات العربية التسع في
ذلك التاريخ كنتيجة طبيعية ومهمة من نتائج اجتماع حكام الإمارات التسع، إلا أن حياة
الوليد الاتحادي طوال أربعة أعوام تلت تلك الاتفاقية كانت بطيئة وعسيرة أدّت في
النهاية إلى عدم تحقيقه، حيث إن المفاوضات الرامية لقيام اتحاد يضم الإمارات التسع
وصلت إلى طريق مسدود بالفعل في أكتوبر عام 1969م. رغم الجهود التي بذلتها المملكة
العربية السعودية ودولة الكويت، والتي باركها الشيخ زايد إيماناً منه بحتمية الوحدة
بين إمارات الخليج، بيد أن الحلقة المفرغة المتمثلة في مظاهر الاستقلال الذاتي لكل
إمارة أدّت إلى عدم الاتفاق.
لكن ذلك لم يثن من عزيمة المغفور له الشيخ زايد في مواصلة جهوده الحثيثة في تحقيق
حلم دولة الإتحاد، لذا بادر – رحمه الله – وبعد أن فشلت المساعي لتحقيق الاتحاد
التساعي، إلى دعوة إخوانه حكام الإمارات السبع وهي أبوظبي، ودبي، والشارقة، ورأس
الخيمة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة للاجتماع في إمارة دبي في شهر يوليو من عام
1971م، درسوا فيه إمكانية تعديل الدستور المؤقت (الذي وضع أصلاً ليلائم الاتحاد
التساعي)، وأقرّ حكام الإمارات في 18 يوليو 1971 مسودة دستور مؤقت يلائم دولة
الاتحاد السباعي، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من الثاني من ديسمبر عام 1971م.
وفي بادئ الأمر جاء الاتحاد سداسياً ثم ما لبثت إمارة رأس الخيمة أن انضمت إلى
قافلة الاتحاد في العاشر من شهر فبراير من عام 1972م ليكتمل عقد الاتحاد.
لقد جاء الدستور المؤقت في تلك المرحلة مناسباً لحجم الدولة الاتحادية الوليدة
وتطورها السياسي، ولكن وبسبب القفزات الكمية والكيفية التي شهدتها البنيتين التحتية
والفوقية والنهضة العصرية الشاملة الناجمة عنها في كافة الميادين تطلبت تعديل مواد
الدستور المؤقت للتناسب ومستويات التطور المطرد وتم إقرار الدستور الدائم.