نهج الشورى عند المغفور له الشيخ زايد والمشاركة الشعبية
لقد ترعرع المغفور له الشيخ زايد على القيم والمبادئ الإسلامية الحنيفة، وتربى على
الحكمة في مجلس والده الشيخ سلطان بن زايد – رحمه الله -، وتبلورت شخصيته الفذة حين
كان ممثلاً للحاكم في مدينة العين، فتبوأ بسرعة فائقة مكانة في قلوب أبناء قومه
الذين راحوا يحملونه على أكف محبتهم وولائهم إلى سدة الزعامة. وهذا ما لاحظه المؤلف
البريطاني النقيب أنتوني شيبرد في كتابه (مغامرة في الجزيرة العربية) حين قال : (إن
زايد رجل يحظى بإعجاب وولاء البدو الذين يعيشون في الصحراء، وهو بلا شك أقوى شخصية
في الإمارات المتصالحة، لقد كان واحداً من العظماء القلة الذين التقيت بهم).
ويتطابق في وصفه مع وصف المؤلف البريطاني العقيد بوستيد في كتابه ريح الصباح (إن
زايد رجل مرموق يحيطه البدو بالاحترام والاهتمام، إنه لطيف الكلام دائماً مع الجميع،
سخي جداً بماله).
ومنذ اللحظة الأولى لتوليه منصب ممثل الحاكم في مدينة العين، بدأ المغفور له الشيخ
زايد تطبيق مبدأ التشاور مع أبناء شعبه، ومن يدرس مقومات الشورى التي انتهجها
القائد الخالد سيدرك كامل فلسفة الشورى التي انتهجها زايد الخير في فلسفة بناء
الدولة والمجتمع التي صهرت عمليتي بناء الإنسان والعمران في مسارين متوازيين.
لقد قرر المغفور له الشيخ زايد أن يطبق تلك الفلسفة وفي نصب عينيه تحقيق هدف نبيل
من شأنه أن يخدم الوطن وأبناءه، لذلك وضع خطة دقيقة لتطوير نظام الري والسقاية في
مدينة العين تعتمد على خطوتين رئيسيتين : الأولى إصلاح الأفلاج القديمة في مدينة
العين، والثانية تتمثل في حفر أفلاج جديدة لتوسيع شبكة الري والسقاية في زراعة
الأرض، وتتضح رؤية المغفور له في تطبيق مبدأ الشورى حين عرض على أبناء شعبه في
مدينة العين فكرة تحرير مياه الري والسقاية وإلغاء القوانين تجارتها التي كانت
سائدة، وأدرك أبناء شعبه في العين صدق نيته الطموحة لتحقيق مقولته الشهيرة (أعطوني
زراعة أضمن لكم حضارة)، وعلى هذا الأساس اقتنعوا بقراره الحكيم الذي يشكل بداية
للانطلاق نحو تطبيق نظام اجتماعي واقتصادي جديد يرتكز على قيم ومبادئ العدالة
الاجتماعية.
إن هذه الواقعة الشجاعة للمغفور له الشيخ زايد في تحرير مياه الري والسقاية وإلغاء
قوانين تجارتها توضح لنا مرتكزات ومعالم الشورى في فكره ومنهجه وذلك للأسباب
التالية :
- لأن هذه الوقفة الشجاعة تشكل فعلاً مبدأ الشورى الأول عنده.
- لأن حل تلك المشكلة يعني حل جميع المشاكل الناجمة عنها.
- لأن حل تلك المشكلة يعني وقوف الحاكم إلى الأغلبية الضعيفة الفقيرة من أبناء شعبه.
- لأن حل تلك المشكلة يعني تحقيق العدالة الاجتماعية.
- لأن هذه الواقعة هي التي رسّخت رسم معالم الحب والولاء والوفاء في قلوب الجميع
لهذا الزعيم الخالد.
من جانب آخر لم يكن المغفور له يحلم بتطوير نظام الري والسقاية والزراعة لتحقيق
العدالة الاجتماعية في مدينة العين فحسب، بل كانت أحلامه تتجاوز حدود مدينة العين،
كان رحمه الله – يحلم بزراعة الصحراء، ويحلم ببناء نهضة شاملة لوطن كبير موحد، كان
يدرك أن ذلك الحلم الطموح لن يتحقق بسلطة الحاكم الفرد المعزول عن شعبه، وإنما
بإرادة الشعب وعزيمة سواعد أبنائه المخلصين. ففي صباح السادس من أغسطس عام 1966م
ولد فجر جديد يطل بخيوطه المشرقة، حيث اجتمع شيوخ آل نهيان وقرروا بالإجماع تسليم
حكم أبوظبي للشيخ زايد بدلاً من أخيه الشيخ شخبوط بن سلطان، وكان له من العمر خمسون
عاماً قضى منها عشرين عاماً في الحكم على مدينة العين.
ومنذ اللحظة الأولى لتوليه مقاليد الحكم في أبوظبي دأب على إرساء قواعد الإدارة
الحكومية وتنظيمها على أسس عصرية، وكان يدرك أن عليه في الفترة بعد عام 1966م أن
يبني مجتمعاً جديداً للأجيال القادمة وليس لسنوات محدودة مقبلة. ومنذ السادس من
أغسطس عام 1966 وفي موقع المسؤولية حدد – رحمه الله – نظرته إلى حقيقة المشاركة
الشعبية، فبادر إلى تكوين مجلس التخطيط في إمارة ابوظبي. وقد يظن الكثيرون ولأول
وهلة ان هذا المجلس شيء فريد في حياة إمارة أبوظبي. ولكن الأمر ليس كذلك. فقد سار
المغفور له الشيخ زايد على تقاليد الآباء والأجداد، حيث اعتاد حكام أبوظبي ان
يجمعوا حولهم شيوخ القبائل وأصحاب المعرفة والدراية على شكل مجلس أو هيئة
يستشيرونهم في الأمور المهمة.