عنوان المقال : بناء وتعزيز المؤسسات الاتحادية

بناء وتعزيز المؤسسات الاتحادية


إن تغيير اتجاهات الانتماء القبلي الضيق لدى مواطني دولة الإمارات السبع ليس أمراً سهلاً فكل مواطن ينتسب إلى إمارة، والى قبيلة أي أنه ينطلق ويتمحور حول انتماء ضيق، أما الشعور الجمعي بوجود انتماء لدائرة أكبر هي الدولة الجديدة دولة الاتحاد التي تشكل الكل فلم يكن بالشكل العميق الذي نراه اليوم، لكن ما غيره وزرعه في وعي الأفراد صدق نية المغفور له الشيخ زايد قولاً وفعلاً وتجسيداً لمعاني الإيثار ونكران الذات والود والحب العميق للجميع بلا استثناء فعمّ نفعه وطال كل أسرة إماراتية بل كل فرد، وبهذه السياسة الحكيمة راح هذا الانتماء لدى مواطني الدولة يأخذ شكل الهوية.
ولم يقتصر الهدف الأساسي للمغفور له الشيخ زايد على مجرد تأسيس كيان سياسي جديد بل عمل على إنشاء دولة تستند على مبادئ بعينها وترسخ جذورها بفضل التأييد الشعبي لها، فالفرضية الرئيسية التي يقوم عليها هذا المشروع الوحدوي هي أن الوحدة مصدر قوة الأمة في حين أن الفرقة سبب ضعفها، ولكن مشروع الوحدة في الإمارات مضى إلى أبعد من مجرد مبدأ يؤمن به زعيم الدولة فقط، فقد صمم المغفور له الشيخ زايد على ضرورة غرس قيم الوحدة ومبادئها في قلوب جميع مواطني الدولة
وعقولهم لكي يعتبروا أنفسهم كياناً موحداً تجمعه هوية عميقة مشتركة هي الإنتماء إلى دولة الإمارات بدلا ًمن المواطنة المحدودة الناجمة عن الانتماء إلى إمارات صغيرة ومتفرقة.
ولقد أشار المغفور له إلى النجاح الذي تحقق بالاتحاد وما كانت عليه الأوضاع قبل قيامه وإخلاص الشعب له حتى وقف في وجه الصعوبات فقد قال رحمه الله : (لقد تجاوز شعبنا ما كان يواجهه من صعوبات وعقبات نتيجة لأوضاع التجزئة والتفكك والتفرقة والتخلف التي فرضت علينا قبل قيام الإتحاد، واستطاع شعبنا بفضل الله وعزم أبنائه وإخلاص قيادته أن يقيم تجربة اتحادية رائدة في الوطن العربي).
ولتعزيز هذه الهوية في نفوس أبناء الإمارات فقد أكد الدستور على عدد من المبادئ الأساسية التي تجعل الجميع متساوين أمامه وقد تحدث عن ذلك المغفور له الشيخ زايد حيث أعلن في خطابه في افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الأول للمجلس الوطني الاتحادي يوم الأحد بتاريخ 13 فبراير 1972: (أرسى الدستور عدداً من المبادئ الهامة التي تعبر عن مثل الشعب وقيمه وتطلعاته في إعادة بناء الحياة على أرضه الطيبة فنصّ على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والتضامن والتراحم واعتبار الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن).
وهكذا جسد الدستور مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية، ولبّى متطلبات قيام الدولة بتوفير الأمن والأمان لكل أفراد الشعب، كما أتاح الفرص أمام الجميع، فالكل متساو في الحقوق ومتساو أمام الواجبات، وما كان من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي إلا أن يبادروا بالرد على خطاب المغفور له، فقد أعتبر المجلس الوطني خطاب المغفور له في هذه المناسبة وثيقة قومية في تاريخ الشعب وجاء في رده على الخطاب في هذا المجال ما يؤكد على ذلك التلاحم مع القائد وتحمل المسؤولية لتعزيز المبادئ الأساسية للدستور وجاء في الرد : (يستشعر المجلس الأهمية البالغة للمبادئ التي أرساها الدستور في مجال الدعامات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية للاتحاد والتي تعبر عن مثل الشعب وقيمه وتطلعاته نحو بناء مجتمع الكرامة والرفاهية، كما يستشعر المجلس ذات الأهمية للمبادئ والأحكام التي قررها الدستور في مجال الحريات والحقوق والواجبات).
لقد أدرك المغفور له أن تأسيس الاتحاد يجب ان يرافقه بناء وتنمية تنفق لها الإمكانات الهائلة، ذلك أنه أساس المستقبل، بحيث تمضي عملية بناء المواطن من جهة، وتقوم مؤسسات الوطن مشيدة في ذلك بناء راسخاً يثبت أمام التحديات الكثيرة، سواء أكانت هذه التحديات تخص المواطن ام تخص الوطن، ذلك أن: (كل مجرب في الحياة يعرف أنه من السهل إشادة البناء المعماري أو الزراعي، الأمر لا يحتاج إلى أكثر من مهندسين ومواد بناء، لكن التعامل مع الأنفس يختلف تماماً فليس من السهل إقناع هذه الأنفس بين يوم وليلة، وحتى تصل إلى قناعات الناس تحتاج إلى وقت، كذلك ما يمكن ان يقتنع به شخص يمكن ان يرفضه آخر، في هذه الحالة تحتاج إلى نوع من التعديل والإلحاح والوقت، إن تحويل البشر من عادات إلى أخرى ليس بالتصور السهل).
لقد أدرك المغفور له بعمق إحساسه ان توافق كل أبناء الشعب على التغيير أمر ممكن، لكنه يحتاج إلى جهود مضاعفة، فتحقيق كل الرغبات والأهواء والأمزجة يأخذ وقتاً طويلاً، وطريقه الوحيد هو الصبر، والإقناع ليس بالكلام ووصف الإنجازات، وإنما بترجمتها شاخصة للعيان حتى يراجع المرء مواقفه وتصدق القلوب ما تراه الأعين.
لقد حقق انتماء أبناء هذه المنطقة لدولة الإمارات العربية المتحدة أموراً شتى، منها الشعور بالطمأنينة والأمان، إذ استطاعت الدولة ان تحقق هذا الشعور لدى المواطن والمقيم، وأقامت الدولة المؤسسات المجتمعية ذات النفع العام بالإضافة إلى الخدمات العامة التي قدمتها في مجال التعليم والصحة والمواصلات وغيرها، وانتظمت الحياة الاقتصادية بمجموعة من التشريعات والقوانين وفتح المجال أمام المبادرات الفردية والاجتماعية والمؤسساتية، وأقامت علاقات التعاون مع الدول الخليجية والعربية والإسلامية والدولية وبعد كل هذا حق لمواطن الإمارات ان يشعر بمصداقية انتمائه لدولة الإمارات التي باتت منارة يسطع ضوءها في كل اتجاه.
وكانت قضايا بناء المواطن تدور على عدة محاور رئيسية منها : توفير فرص التعليم، وفتح فرص العمل، وتشجيع الزراعة والصيد، وتوسيع قاعدة الخدمات العامة، وإقامة المساكن الشعبية. وكانت هذه القضايا تشغل الجزء الأكبر من عمل المجلس، وكان صداها يتردد في جوانب مختلفة من هذا العمل، ففي الردود التي كان يعدها المجلس على خطابات الافتتاح السنوية، وفي الموضوعات التي كان يناقشها، والتوصيات التي كان يتخذها، والتعليقات التي يبديها الأعضاء على الموازنة العامة، والحسابات الختامية، في كل ذلك كان المجلس يثير قضايا بناء المؤسسات الاتحادية وبناء المواطن، ويناضل من أجل إعادة بناء الحياة على ارض الإمارات وصنع الغد الأفضل لها.
وكان من سياسة المجلس التي أعلنها عام 1975 رداً على خطاب الافتتاح السنوي أنه ( يجب على مسيرتنا الوطنية المتقدمة على طريق النهضة أن تتجه إلى بناء المواطن، والارتفاع بمستوى الإنسان على هذه الأرض الطيبة التي قاست عهوداً من الظلم والاستعمار، سلبت المواطن كل حقوقه الطبيعية في حياة حرة كريمة، وخنقت كل حركات تقدمه، ولقد بات حقاً علينا للمواطن ان نعوضه عما فات، وأن لا ندخر وسعاً في سرعة إعداده لتحمل المسؤولية، وأخذ دوره الطليعي في بناء وطنه، وليواكب حياة عصره بكل ما ينطوي عليه ذلك من تطور وتقدم ورخاء).

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-133.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed