عنوان المقال : الفصل الأول – أولاً : تاريخ الصيد وآدابه وحكم الشرع فيه

أولاً : تاريخ الصيد وآدابه وحكم الشرع فيه

استطاع أهل البداية منذ أيام جاهليتهم الأولى ترويض الطير ..
وأن يسخروه لمنفعتهم فسلطوا بعضه على بعض، وضربوا ضعيفه بقويه
وقنصوا غبيه بذكيه، وجنوا ثمرات ذلك متاع لهم ولمن يعولون ولم يكن
الصيد عند أهل الجاهلية وسيلة من وسائل الرزق فحسن وانما كان متعة من متع النفس، وضربا من ضروب الحرب أيام السلم.. وهم أشد ما يكونون حاجة للزرق والمتعة والتدريب الدائم على القتال لذلك أقبلوا عليه إقبالاً كبيرا.. وكان العرب تعلى من شأن القنص .. وتمدح الرجل بأكله من صيد يده وتعتبر ذلك آية على أنفته، وعلامة على زهادته بما في أيدي الناس وكان الصائد منهم يعود على أهل حيه بلحم صيده، ويجد في ذلك مجالاً من مجالات الفخر (1).
____________________________________
(1) الصيد عن العرب 23

وهذا ما يحدث حتى الآن في البادية .. فالقانص يوصف دائماً بيننا بالزهد وهو حينما يذهب لرحلة صيد يجد في ذلك مفاخرة بين أهله وعشيرته بل أنه يظل ينتظر يوم الرحيل بفارغ الصبر .. ويكون حماسه لهذه الرحلة مشهود له من الجميع .. وهو حينما يعود غانماً بالطرائد يجد في ذلك كثيراً من الزهد بين الرفاق وأهل العشيرة ..
وليس لمدع ان يقول ان رياضة الصيد بالصقور باب من ابواب الترف في الدول يلهو فيه بعض ملوكم وكبرائهم كما يلهو أرباب البطالة والغنى وصيد البر والبحر مما يدفع الملل عن النفوس ويورث من يعانيه صبرا ويعلمه التحايل على الخصم كأنه في ساحة حرب (1).
____________________________________
(1) البيزرة : 6

ولم يقتصر الصيد عند العرب على المحتاجين والفقراء وانما مارسه الملوك والأغنياء، وكان أبناء العرب من الملوك يفخرون بالصيد وأكل لحمه .. وكان العرب أول من مدرب الصقور وصاد بها ..
حيث اجمع الباحثون في كتب البيزرة على ان اول من صاد بالصقر ودربه هو ( الحارث بين معاوية بن ثور بن كنده ) (2) وسبب ذلك انه وقف في يوم عند صياد ينصب شبكة للعصافير، فأنقض صقر على عصفور علق في الشبكة وأخذ يأكله .. وما لبث ان علق جناحاه بها .. والحارث ينظر إليه ويعجب من فعله .. فأمر به .. فحمل إليه ووضع في بيت وأوكل به من يطعمه ويعلمه الصيد .. فصار يحمله على يده. وذات يوم وهو سائر رأى الصقر حمامة فطار عن يده إليها وأخذها وأكلها .. فأمر الحارث عند ذلك بتدريبه وتهذيبه والصيد به، وبينما هو يسير يوما لاحت له أرنب فطار
____________________________________
(2) حياة الحيوان الكبرى : 93
هو الحارث بن معاوية بن يعرب بن ثور بن مرقع بن معاوية بن كندة بن الحارث بن مرة بن أود بن زيد بن عمرو بن يسمع بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرف بن قحطان (ظنا) (ديوان أمرؤ القيس).

الصقر إليها وأخذها، فلما رآه يصيد الأرنب والطير ازداد به اعجابا وبعدها عرف العرب الصقر .. وانتشر بين الناس ومن أشهر من صاد بالصقور في فجر الإسلام .. حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وكان من النجدة على ما خصه الله عز وجل به، حتى قيل له أسد الله. وكان إسلامه عند منصرفة من صيد، وعلى يده صقر، وجاء في الحديث ان حمزة كان صاحب قنص، فرجع يوما من صيده فقالت له امرأة، كانت رأت ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى ابى جهل .. يا أبا عمارة .. لو رأيت ما صنع أبو الحكم اليوم بابن أخيك، فمضى على حاله، وهو معلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد فألقا أبا جهل فعلا رأسه بقوسه فشجه، ثم قال حمزة.. ديني دين محمد أشهد انه رسول الله صلى الله عليه وسلم .... (1).
____________________________________
(1) البيزرة : 6

لما جاء الإسلام برسالته الشاملة لشؤون العقيدة والحياة اخذ العرب يبنون حياتهم الجديدة على أسسه وتعاليمه، ويحكمون بشريعته في جميع ما يأتون وما يذرون ولم يكن بدعا ان يسألوا الرسول .. صلوات الله عليه من حلال الصيد وحرمته وأن يقفوا على رأى الإسلام من هذا الأمر الحيوي الهام وهم الذين جعلوا يتحرجون من كل ما كان في الجاهلية خشية ان يكون للإسلام منه موقف آخر .. غير ما ألفوه وما تعاملوا به فقد روى ان زيد الخير وعدى بن حاتم. سألا النبي صلوات الله عليه .. فقالوا .. انا نصيد بالكلاب والبزاة وقد حرم الله تعالى الميتة ... فماذا يحل لنا منها .. فنزل قوله تعالى : (يسألونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب) ... (2) وكان من ثمرة ما جاء به القرآن الكريم وما
____________________________________
(2) سورة المائدة

أورده الرسول العظيم وما دار حول ذلك من تفسير المفسرين واجتهاد المجتهدين تشريع كامل شامل عالج موضوع الصيد من جوانبه كلها .. فتناول الحيوانات الصائدة من حيث اباحة أكلها وحرمته ومن حيث وجوب تذكيتها وعدمه .. كما عرض للصائد من حيث حكم تسميته عند اطلاق الجارح وما إلى ذلك من التفصيلات والتفريعات التي أحاطت بعملية الصيد كلها سواء أكانت بالجارح أو بغيره من أدوات الصيد على وجه تبرز في دقة التشريع الإسلامي وروعته ..
وأما الحيوانات فقد أشار إليها سبحانه بقوله ... وما علمتم من الجوارح والمراد من (الجارح) من يجرح بنابه أو مخلبه فيكون مشتقا من الجرح. والمعتبر من الجوارح .. والعقاب والبازى، والصقر، والشاهين والكلب بجميع أنواع وألوانه ....
ولا يؤكل صيد الجوارح إلا إذا كانت معلمة .. وذلك أخذا من قوله جل شأنه...
وما علمتم من الجوارح مكلبين .. والمعنى (معلمين للاصطياد) أما الجوارح من الطير فآية تعلمها أن تسترسل إذا أرسلتها .. وان تجيبك إذا دعوتها .. ولا يشترط في حل صيدها الامتناع عن أكل الطريدة كما هو الشأن بالنسبة إلى الكلب وغيره ..
وقيل في تعليل ذلك أن تأديب سباع الطير إلى حد ترك الأكل متعذر.. ولأن آية التعلم تبدو في ترك ما هو عادة ثم ان الطير .. متوحش نفور لذا كانت إجابته عند الدعاء علامة كافية على تعليمه .. وأما الكلب فهو مألوف بطبعة .. يجيبك إذا دعوته لكنه معتاد على انتهاك فريسته والأكل منها .. لذا كان تركه للأكل آية تعلمه ... (1)
____________________________________
(1) الصيد عند العرب

أما الحيوانات المصيدة .. فمنها ما يحرم أكله ومنها ما يحل أكله .. فيحرم من الطير كل ذى مخلب يصطاد به ... كالصقر والبازى والشاهين والنسر والعقاب وغيرهم...
أما الذي له مخلب لا يصطاد به كالحمام فانه يحل أكله ويحرم أكل كل ذي ناب من سباع البهائم يسطو به على غيره .. كالأسد والنمر والذئب والدب والفيل والقرد والفهد والنمس (أبن آوى) والهرة اهلية كانت ام وحشية ..
أما الذي له ناب لا يسطو به على غيره ... كالجمل فانه يحل أكله ويشترط لحل الطريدة التي يقتلها الجارح في أثناء الصيد ان تجرح وعند ذلك يقوم جرحها .. مقام الذبح.
أما الطريدة التي تقع في يد الصائد حية فلا بد من تذكيتها فإذا ماتت قبل الذبح حرم أكلها وأحل وأطيب الزكاة وأحسنها ما جاء على وفق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
فإذا قتلتم فاحسنوا القتله، واذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.(1)
____________________________________
(1) رواه مسلم

أما الصائد نفسه فانه يجب ان يسمى عند إرسال الجارح فإن أرسله ولم يسم عامدا فالصيدة ميتة يحرم أكلها .. هذه بعض أحكام الصيد في الفقه الإسلامي.
أما نظرة الإسلام إلى الصيد فتقوم على انه وسيلة مشروعة من وسائل كسب العيش. (2)
____________________________________
(2) الصيد عند العرب

وكانت لدى العرب في الجاهلية آداب للصيد يتأدبون بها وتقاليد يرعونها ثم جاء الإسلام بدينه العظيم
فأضاف إلى هذه الآداب ما هو أكرم للإنسان الصائد وأرحم للحيوان المصيد .. غير أن العرب لم يقتصروا على ما ورثوه عن آبائهم وما أخذوه عن نبيهم من آداب الصيد .. وإنما نظروا إلى تقاليد الصيد وآدابه عند الأمم الأخرى .. وضموه إلى ما عندهم فكان لهم من ثمرة ذلك طائفة من الآداب .. بعضها جاهلي .. وبعضها إسلامي.
وكان من أقدم هذه الآداب الكف عن صيد الحيوانات التي تلجأ إليهم بسبب شدة الجوع أو حدة العطش أو شدة البرد. فكأنها عادت بهم .. وليس من المرؤة ان ينال عائد بسوء.
ومن آداب الصيد الكريمة عند العرب ان يكون سبيله الطراد والمنازلة والظفر بعد الطلب والجهد .. لذا يعان عند الصائدين المتادبين بآداب الصيد فعله (من عجز عن رمى الطير بسهامه وقصرت حيلته عند اصطيادها بشباكه فألقى في ملاقطها ومراعيها سهاما مخدرة ومهوسة حتى إذا تناولتها جرت فيها مجرى الدم .. وقطعتها عند الحراك. وطال بذلك تعذبيها فيضطرب بذلك ذو الجناح الاضطراب الشديد وينقلب ذو القوائم فتندق قوائمه وتترخص أعظمه فيكون قد قتل قتلا).
ومن آداب الصيد تهادى لحمه وبذله للطاعمين وجمع الصحاب والأتراب على قديره أو شوائه.. وقد كان الصائدون يفخرون بذلك .. فأمرؤ القيس وابو النجم العجلى والشمردل اليربوعي ذكروا هذا المعنى في شعرهم وأفتخروا به ..
وكان (الأشراف يتهادون القطعة اليسيرة من لحم الصيد لا قيمة لها) ويجدون في ذلك متع ومسرة ...
ومن آداب الصيد. ان تختار له الأيام القائمة التي لا مطر فيها وذلك أن الطرائد، أفره ما تكون في يوم الغيم ..
وان الطرائد أشغل ما تكون في هذا اليوم بطلب المرعى والمداومة عليه .. وفي اشتغال الطريدة فرصة للصياد والضوارى.
وقد كانت الملوك تقسم أيامها .. فتجعل يوم الغيم للصيد ومن آداب الصيد التي جاء بها الإسلام وأخذ المسلمون أنفسهم بها .. عدم تعذيب الطريدة والإحسان إليها ..
ومن آداب الصيد أيضا أن يتناول القانص قبل ركوبه إلى الصيد ما يصلح له من طعام خفيف وشراب مباح .. وألام يملأ معدته ليكون أخف حركة وأقدر على الصيد وأنشط له ..

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-33.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed