عنوان المقال : الفصل الثاني – الصيد والتدريب في - ثانياً : تدريب الصقور

الفصل الثاني – الصيد والتدريب في دولة الامارات - ثانياً : تدريب الصقور

برع اهل ابوظبي منذ قديم الزمان وحتى الآن .. في معرفة حسن آداب وتدريب وترويض الصقر ومعاملته، وتوارثوها جيلا بعد جيل، وأصبحت لهم وسائل خاصة بهم في التدريب تعتبر من أحسن الطرق بين مثيلاتها عند أصحاب الهواية والممارسين لهذه الرياضة في العالم.
وهذه الطريقة التي تحتاج إلى صبر وخبرة جيدة ودقة في المعاملة، تحول في النهاية هذا الجارح إلى طير مستأنس تراه مهذبا مطيعا لأوامر معلمه .. ينفذها في الفة وصداقة عميقة. ونحن في هذا الفصل سنقدم طرق تدريب الحر والشاهين .. وهما اللذان يفضل اهل البلاد تدريبهما والقنص بهاما، وقد حاولت ان أشرحها بطريقة مبسطة وسهلة حتى يستفيد منها من يريد ان يتعلم هذه الرياضة، وحتى يعرف الفرق بين هذه الطريقة وغيرها من كانت له معرفة سابقة لهذه الرياضة العريقة.
في حالات التدريب العادية يقوم المدرب بتعليم الحر أو شاهين كل موسم ولكن يستطيع المدرب الجيد صاحب الحنكة والتجربة الطويلة تدريب اثنين من الطيور في وقت واحدة، والمعروف ان الحر أو الشاهين يحتاجان في تدريبهما إلى وقت يتراوح ما بين (30-40 يوما) يستطيع بعدها ان يعرف صاحبه وسماع ندائه وتلبية أوامره.
ويبدأ المدرب عمله مع الطير الجارح لتأنيسه بأن يغمض عينه حتى لا يزعجه شكل الإنسان، وهناك طريقتان لذلك، اما ان يغمض عينيه (بالبرقع) (1) والطريقة الثانية هي (تخييط) عينيه من على الجفن.
يشرع المدرب في إعطائه غذاءه من اللحم الطري وهو ينادي عليه. ويلمسه بيده في حنان بالغ ورفق شديد .. ويظل هكذا يتناول وجبته من يد مدربه ويسمع صوته ويحس به دون ان يرى صورته، بعد ذلك تخف عنه حدة الانزعاج، ويبدأ في الاطمئنان لصاحبه، ويكون طوال هذا الوقت محمولا على (المنقلة) (2) حتى يتعود ذلك، وبعد الفراغ من تناول وجبته يوضع برفق على (الوكر) ليهضم طعامه في هدوء وحينما يتأكد المدرب ان طيره تعود على صوته وذهب عنه الخوف والرهبة حينما يلمسه.. وأنه يتناول طعامه من يده بأمان، يفتح عينيه ويزيل عنه (البرقع) بين كل وقت وآخر.
____________________________________
(1) غطاء لعين الصقر.
(2) الدرع الواقي للصقار.

عند ذلك يخرج المعلم ويجلس به بين الناس حتى يتعود سماع أصواتهم ويأنس لهم يوما بعد يوم ..
ويجب أن يحترس المدرب خلال معاملته للطير في الأيام الأولى من التعليم، فحينما يجده يفزع من الناس يبادر بوضع البرقع على عينيه بسرعة حتى لا يجفل إلى أن يتعود ويطمئن لهم تماما..
تستمر هذه الفترة حوالي أسبوعين، يكون بعدها الطير قد تعود على سماع صوت مدربه وهو يناديه لإعطائه العلف، وأن يلاحظ المدرب انه يتلفت إليه ويأنس إلى صوته حتى ولو كانت عيناه مغلقتين بالبرقع. ويجب أن يهتم المدرب بتوفير الطعام من اللحم الطري ويعطى طيره الكمية المناسبة بحيث تكفيه، كما يجب ان يشبعه في مواعيد تناول وجباته وعلى المدرب ان لا يعطى الطير طعامه إلا في نهاية التدريب اليومي، وبعد ان يكون قد نادى عليه وأسمعه صوته عدة مرات، ويجب على المدرب خلال الأسابيع الأولى من التعليم وخلال مباشرته واهتمامه بالطير الا يأتي بأي حركة ترعب الصقر سواء كان شاهينا أو حرا، وحينما يقبل المدرب ويكون طيره مربوطا على (الوكر) لابد له ان يريه قطعة اللحم وهي في يده – وهو بعيد عنه بمسافة عشر خطوات أو اكثر، حتى يشعر الطير ان مدربه قادم إليه لإعطائه الطعام، فاذا تأكد المدرب انه رأى اللحم في يديه يخفيه عنه، ويجعل خط سيره مباشرة ناحية الطير، وعندما يصل بالقرب منه ويكون على مسافة تقرب يده من الوكر، يأخذ قطعة صغيرة من اللحم لا تزيد عن سلامة أصبع، ويحاول ان يضعها على الوكر دون ان يجعل الطير يلمسه.
كما يجب ان يعود المدرب طيره على ذلك .. حتى يصبح كلما رأى إنسانا يسعى إليه لا يجفل منه أو ينزعج، لأنه عرف انما هو قادم إليه لإعطائه بعض الطعام (الغذاء). وهنا يتعود الطير ان يكون أليفا لأي إنسان في المجموعة سواء في الفترة التدريب أو بعد أن يكتمل تعليمه ويذهب في رحلات القنص.
لأنه إذا تعود الطير على ذلك وذهب بعيدا عن صاحبه وضل الطريق خلال عودته يستطيع أي إنسان يفهم في طبيعة الطير ان يقترب منه بهدوء وهو يداعبه ويقدم له يده وفيها قطعة من اللحم، هنا يقفز الطير عليها لتناول الطعام وبسهولة شديدة يمسك الرجل به ويرده إلى أصحابه إذا كان يعرفهم أو يحتفظ به للصيد، وفي بعض الأحيان يكون الطير مدربا تدريبا جيدا وعلى درجة عالية من الكفاءة والالفة حسب ما عوده صاحبه أو مدربه ويضل الطريق كما قلنا آنفا، ويقابله رجل لا يحمل لحما، وليس معه أي شيء يغري به الطير مثل التلواح مثلا..
يستطيع هذا الرجل (1) ان يمد يده الطير وهي فارغة تماما إلا من شيء يحميها من مخالبه ويقترب منه في هدوء، فسرعان ما يقفز الصقر على يده، ويقبض عليه الرجل، لأنه تعود أن لا يخاف من الناس ويعرف أن من يمد له يده .. انما لإعطائه الغذاء.
____________________________________
(1) حدث ونحن في الصحراء ان تخلص صقار من أحد طيوره المريضة وكان من نوع الحر فقبض عليه أحد العرب المقيمين في نفس المنطقة واستخدم غطاء رأسه لحماية يديه من مخالب الصقر .. وأحضره للمعسكر وكوفئ واطلق الصقر مرة ثانية.

بعد ذلك يبدأ المران من مسافة قصير حيث يربط الصقار طيره بخيط طويل من قدمه ويأخذه ويخرج به إلى الخلاء ويصطحب معه أحد زملائه من الصقارين أو أحد من أصدقائه من أصحاب الهواية، ويحمل الصديق الطير على يده، ويكون البرقع على عينه، وأحد طرفي الخيط في قدم الصقر والآخر بي أصابع الصقار الصديق.
ويذهب صاحب الصقر بعيدا عنهما بمسافة قصيرة تقارب خمسين مترا مثلا، ويبدأ في النداء بصوت عال على صقره بالأسم (1) الذي أعطي له، ويكرر النداء عدة مرات ويلوح بيده في الهواء بالتلواح مع تكرار النداء، وعندما يتأكد الرجل الذي يحمل الصقر على يده أن الطير قد سمع النداء، وأنه ينهض بقامته ويتلفت ناحية الصوت، يرفع عنه البرقع ويطلقه من على يده، وهنا يندفع الصقر ناحية صاحبه الذي يبادر بإعطائه العلف وهو ينادي عليه، وتكرر هذه العملية عدة أيام إلى أن يتأكد صاحب الصقر انه اكمل تدريب الطير وعلمه ان يحضر عليه من المسافات القصيرة بمجرد ان ينادي عليه وهو يحرك له التلواح في الهواء، وأنه يتناول وجبته من الغذاء وهو مسرور وقد ذهب عنه الانزعاج تماما من الناس.
____________________________________
(1) الصقر: يطلق عليه قوى السمع حديد البصر.

بعد ذلك تبدأ عملية التدريب الأخيرة وهي النداء على الطير من مسافة بعيدة، وفيها يصحب المدرب طيره معه إلى الفلا بعيدا عن المدينة، ولا ينسى المدرب ان تكون معه (المخلاة) (2) التي توضع فيها كل الأشياء التي يحتاجها في التدريب. ويترك المدرب الصقر وهو مغمض العينين بالبرقع مع أحد أقرانه من المدربين، ويذهب هو بعيدا عنهما بمسافة تقارب الكيلومتر.
____________________________________
(2) المخلاة: راجع صفحة 44.

ويبدأ الصقار في النداء على طيره كما ذكرنا بصوت عال حتى يصل صوته إلى اسماع الصقر، وخلال ندائه المتكرر يلوح عاليا بالتلواح وهو لا يكف عن النداء مطلقا وبنفس القوة، وهنا يخلع المدرب الزميل البرقع من على عين الصقر الذي يسارع مندفعا كالسهم في اتجاه صاحبه، وينقض في حركة هجومية خاطفة على التلواح ويبدأ معلمه في محاورته بأن يجذب الخيط المربوط بالتلواح في سرعة بعيدا عنه، ويعاود الطير الهجوم وهو يضرب التلواح بقوة، ويرتفع إلى أعلى قليلا ويعاود الانقضاض ثانية في قوة على الطير الوهمي، ويحاوره الصقار عدة مرات بأن يجذب عنه التلواح ويدور به أمام الصقر دون ان يمكنه منه، كل هذا وهو لا يكف عن النداء عليه، لانه كما قلنا ينقض الصقر على الطير الوهمي ويبدأ في الاستعداد للأكل، وعلى الفور يمد المدرب يده في رفق من تحت التلواح، ودون ان يشعر الصقر بذلك ويمد أصابعه من خلال الريش وبها قطعة من اللحم الطري، ويجعل الصقر يقضم منها ماشاء حتى يشبع وطوال تناول الصقر الوجبة لا يكف المدرب عن النداء، ويشجعه على تناول الطعام كما عوده منذ بداية التدريب، وفي هذه الحالة يجب على المدرب ان يجعل طيره يتناول وجبته كاملة على التلواح ولا يحمله على (المنقلة) أبدا إلا بعد أن يفرغ تماما من طعامه، حتى يتأكد انه كان يأكل لحما حيا حقيقيا لطير حي وليس لطير وهمي صنعه مدربه.
ويجب أيضا على المدرب ان يجعل اللحم يخرج من جناحي التلواح ويكون اللحم بارزا من بين أصابعه، وأن يكون مغطى بريش الجناحين، وان يترك الصقر يتناول مع اللحم قليلا من هذا الريش وذلك لفائدتين، الأولى كما قلنا زيادة في التمويه على الصقر بأن يتناول طيرا صغيرا حيا، والثانية وهي لا تقل أهمية عن الأولى، أن هذا الريش القليل الذي يتناوله مع وجبته من اللحم يفيده كثيرا في تنظيف معدته، فان بعد حوالي سبع ساعات تقريبا من تناوله العلف يقذف بالريش خارج معدته محمولا بالأوساخ والزوائد التي تناولها مع الطعام.
وعلى الصقار أن يتنبه جيدا وينظر في هذا الريش الذي تلخص منه الصقر، فإذا رأى فيه (رباية) يعرف أن الهضم عند طيره ليس طبيعيا، فيخفف عنه وجبة الطعام التالية، وإذا تكرر ذلك من الصقر يبدأ صاحبه في معالجته حتى يجد ان (الرباية) الأخيرة جافة وغير رطبة، وهذا معناه أن معدة الصقر شفيت وعاد الهضم منتظما وطبيعيا.
وليس من الضروري للصقر أن يتناول الريش في طعامه كل وجبه ولكن من الضروري ان يكون تناوله للريش على فترات متقاربة، لأنه إذا طالت المدة عن سابقتها تصاب معدته ببعض الإمراض التي قد يستغرق علاجها وقتا طويلا مما يعوق نشاط الصقر.
بعد أن ينتهي الصقر من تناول وجبته على التلواح في نشاط ودون وجل، ويضع مدربه له البرقع على عينيه ويحمله في رفق، ويربطه على المنجلة لاستمراء ما تناوله من طعام في هدوء، ويكرر المدرب هذا التمرين كل يوم مرتين، واحدة في الصباح الباكر والثانية قرب نهاية النهار، فإذا ألف الصقر وكان مجيبا أليفا يصبح صقرا مدربا تدريبا كاملا، ويستطيع صاحبه أن يطمئن له ويصحبه معه للصيد.
وهناك أشياء لابد لصاحب الصيد أو الصقار ان يحتفظ بها معه في ساحة القنص، فإلى جانب قطع اللحم الذي يحتفظ به في المخلاة لابد أن يأخذ معه بعض الحمام الحي وخيط طويل إلى جانب التلواح الذي لا يفارقه أبدا.
ذلك لأنه يحدث في رحلات القنص أشياء طارئه لابد لصاحب الصيد والصقار الانتباه لها جيدا. أحيانا يطلق الصقار صقره على إحدى الطرائد التي تشعر به وتهب منطلقة هاربة، وتكون قوية في طيرانها فتذهب بعيدا، والصقر ينطلق في أثرها لا يتركها تهرب منه، وتطول المسافة إلى ان يبعد الصقر كثيرا عن المكان الذي أنطلق منه والذي يقف وينتظره فيه صاحبه، وبالطبع يضل الصقر الطريق ولا يستطيع العودة إلى صاحبه. في هذه الحالة يذهب صاحب الصقر أو مدربه في اتجاه المكان الذي اختفى فيه صقره من نفس المنطقة، ويبدأ في البحث عنه، وبعد البحث والتفتيش بين الشجيرات الصغيرة التي تملأ الفلا يجد ان صقره قد اصطاد الطريدة وأكل منها وشبع، فيقترب منه في هدوء قبل ان يترك الصيده، هنا يأتي دور الحمامة الحية التي يحتفظ بها الصقار معه في المخلاة لمثل هذه الطوارئ، وغالبا يربط الصقار الخيط الطويل في إحدى قدمي الحمامة التي يطلقها في الهواء وهو ممسك بالطرف الآخر من الخيط. وفي أثناء ذلك ينادي على صقره بصوت عال تصل أسماعه إلى أذن الصقر، وينتبه الصقر ويرى الحمامة وهي تطير أمامه، فيشتاق لها ويترك طريدته ويطير خلف الحمامة ويضربها ويمسك بها، ويظل الصقار ينادي عليه ويسحب الخيط في رفق، وهو يكرر النداء، فيشعر الصقر ان مدربه يناديه لتناول غذائه، ويجذب الصقار الخيط إلى أن يكون الصقر قريبا من يده، وبهدوء شديد يربطه من قدمه، مستغلا انشغاله بالحمامة إلى أن يقبض عليه، ويغمض عينيه بالبرقع ويحمله على المنقلة، وهو يمسح بيده عليه ويسمعه مناداته حتى يعود الاطمئنان إليه.
في هذه الحالة يكون الصقر العائد إلى صاحبه أو مدربه صقرا رفيع المستوى من حيث التدريب، ويكون مدربه أحسن في خلق المودة والالفة بينهما، ويكون قد قضي أياما وليالي بذل فيها كل خبرته وحنكته في تعليم وتأديب هذا الجارح، ليحوله في النهاية إلى طير ودود، لأن من طبيعة غالبية الصقور أنها اذا صادت شيئا وكانت بعيدة عن صاحبها، وأكلت من صيدتها وشبعت، ورأت صاحبها قادما إليها، فإنها تترك صيدتها وصاحبها وتهرب.
وهناك نسبة بسيطة لا تزيد عن صقر أو أثنين من بين كل عشرة صقور لا تهرب اذا حدث معها الشيء الذي ذكرناه، بل أحيانا يستطيع صاحبها أن يقبض عليها دون أن يلجأ إلى سبيل الخداع والحيلة كما ذكرنا، بل انه يأخذها في لين ومودة ودون أن يظهر عليها أي لون من الانزعاج. وبعض هذه الصقور تحضر إلى صاحبها حينما تسمع نداءه عليها محبة فيه، وبعضها يحضر عند سماعه النداء ويترك الطريدة التي في يده، ولكن هذه الصقور عظيمة ونادرة الوجود.
وهناك أشياء أخرى تحدث في ساحة القنص ولا تكون في الحسبان مثال ذلك ان يطلق المدرب صقره خلف إحدى الطرائد القوية في الطيران، وفي أثناء مطاردة الصقر للطريدة في الجو يظهر له فجأة جارح كبير مثل العقاب (1) مثلا. وهذا الجارح يخافه الصقر، فيترك طريدته بكل قوته في اتجاه آخر بعيدا عن الاثنين، ويضل الطريق ويبعد كثيرا عن المكان الذي ترك فيه صاحبه ولا يعود، ومثل الحالة الأولى التي ذكرناها لشرود الصقر وعدم استطاعته العودة، يبادر صاحبه بالذهاب إلى المنطقة التي أختفى فيها طيره، ويأخذ في النداء عليه بأعلى صوته، ويرمي له بالتلواح عاليا، ويخرج الحمامة الحية ويربط طرف خيطها في فرع من الشجرات الوادي. وهكذا يدور البحث بالنداء العالي والتلواح والحمامة، ويظل الصقار في مكانه لا يغادره، حتى ولو أمسى عليه الليل ينام في نفس المكان، ويبدأ مع أول خيط للضوء في النداء وتكرار ما سبق. اذ يحدث كثيرا ان يكون الصقر الذي ضل طريقه، تعب من الطيران والمطاردة، فيرقد تحت ظل شجيرة ليأخذ قسطا من الراحة، وأحيانا لا يكون قد رأى التلواح في الهواء أو الحمامة وهي تطير عاليا، ولكنه يستطيع ان يسمع على البعد صوت مدربه ويكون صقرا مدربا تدريبا كاملا وتعود على هذا النداء، فيحضر إلى صقاره الذي يسرع بإعطائه الغذاء لا يقل وزنه عن درهم من اللحم الطري، لان الصقر تعود منذ التدريب ان يحضر على نداء مدربه لتناول وجبته.
ومن آداب معاملة الطير أنه اذا عاد صقر سواء كان حرا أو شاهينا إلى صاحبه بعد غيبة. ولم يقدم له غذاءه، يكون هذا سببا في عدم عودته مرة ثانية إلى صاحبه اذا ذهب بعيدا وضل الطريق.
ومن أهم الخصائص التي يجب أن يتحلى بها الصقار الماهر مراعاة دقة التدريب وتحليل مميزاته بالنسبة لحالة صقره ومعرفة الفرق بين كل صقر وآخر لان جميع الصقور المدربة تدريبا حسنا تصيد، ولكن هناك فرقا في طريقة كل صقر في اصطياده لطرائده، فهناك صقور تحب مهاجمة الطرائد في الجو، وتجيد مناورتها في أثناء التحليق والطيران، وتعرف كيف تجهد صيدتها في الجو، وتتحين الفرصة لاقتناصها. وهناك صقور تحب المهاجمة والمطاردة من أعلى إلى أسفل أي الانقضاض على الطريدة وهي على الأرض وتعرف كيف ترهبها وتفقدها مقاومتها إلى ان تستطيع الفوز بها. وهناك صقور تخشى مهاجمة الطرائد وهي على الأرض، وخاصة طير (الحبارى) لأن الصقر يخشى عض أرجلها القوية، أو ان تقذفه بسلاحها .. القوي اللزج الذي يسميه أهل البادية (طمل) فكل صقر يختلف عن الآخر في قدراته وإمكانياته، وهذه من الأشياء الضرورية التي يجب ان يكتشفها المدرب في صقره ويعرف الفرق بين كل واحد وآخر .. ومن خلال اكتشاف هذه القدرات عند الصقور، يستطيع الصقار الذكي أن يساعد طيوره ولا يجهدها في ساحة القنص.
والتدريب كلمة ليست معناها تعليم الجارح كيف يصيد، ثم يطلقه الصقار عن يده خلف الطرائد فيأتي بها، بل لها طرف آخر يجب ان يتحلى به المدرب الجيد، وهو مساعدة طيره على اقتناص هذه الطرائد، وذلك بأن يكون المدرب ملما الماما كافيا بطبيعة الطيور التي يجيد صقره اقتناصها، ومعرفة أماكن تواجدها وتجمعاتها، وأيضا الطرق التي تتخفى بها بعيدا عن عيون الصقر، فأصاحب الهواية والصقارين في منطقتنا لديهم الخبرة الكافية لتقصى آثار الطيور البرية، وتحديد عمر هذه الآثار، وهل هي قديمة كان أصاحبها موجودين منذ وقت طويل مضى؟ ام هي حديثه ما زال أصحابها يمرحون في نفس المنطقة؟ وعادة تكون هذه الآثار علامات أقدام الطيور على الأرض مثل الحبارى والكروان وما شابهها من الطيور البرية، فإذا كانت آثار الأقدام في الرمال واضحة جلية تفاصيلها تظهر بوضوح، متماسكة وغير منهارة، فمعنى ذلك أنها حديثة لم يمر عليه وقت طويل. أما إذا كانت هذه العلامات مطموسة ولعبت بمعالمها الرياح، فهذا معناه انها قديمة قد مر عليها وقت طويل. ولا يمكن الاعتماد علي هذه الآثار اذا كانت الرياح منتشرة في نفس المنطقة منذ وقت طويل. وهناك آثار أخرى يستدل على وجود هذه الطيور البرية في المنطقة التي يبحث فيها الصقار، وهي (ذرق) (1) الطيور، فإذا كانت متماسكة وصلبة فهي قديمة. وإذا كانت لينه وطريه فهي حديثه.
____________________________________
(1) فضلات الطيور.
ومن خلال مساعدة الصقار لطيره كما رأينا، يجنبه عدم الارتفاع في الجو عدة مرات ليبحث عن طريدته، أو لإجبارها على الظهور لمنازلته، وهذا ما يفعلونه في الغرب، بل يعرف مدربه متى يميط عنه البرقع في الوقت المناسب حتى لا تخور قواه في المطاردة، وبالتالي يحتفظ به مدخرا عزيمته لعدة مطاردات جيدة يستطيع الفوز في أغلبها، اما اذا كانت ساحة القنص مكان مرتفعا ومطلا على سهل منخفض والأرض مكشوفة، هنا يستطيع الصقار ان يعتمد على طيره في ان يبحث بنفسه عن طرائده، وخاصة اذا كانت الصيدة واضحة فوق الأرض فتستطيع عين الصقر الثاقبة ان تراها من بعد يصل إلى عدة كيلومترات. وأحيانا تلجأ الطيور البرية والحيوانات الصغيرة إلى إخفاء نفسها بعيدا عن الطيور الجارحة، ولكل واحدة طريقة في إيجاد مأمن في الأرض او وسط الشجيرات أو الحشائش الكثيفة وخاصة الأرانب والكروان والحبارى، في هذه الحالة لا يستطيع الصقر ان يعرف مكان اختبائها حتى ولو كانت على بعد أمتار قليلة منه، فيجب على الصقار المتمرس ان يستخدم خبرته في مساعدة صقره في البحث عن أماكن وملاجئ هذه الطرائد ويوجهه ناحيتها. والبحث عن هذه الملاجئ يحتاج إلى صبر وهمة وتدقيق، لأنه مهما كانت خبرته لا يستطيع ان يرى علامات التخفى إلا من مسافة قريبة لا تكثر عن مائة خطوة. ويجب على المدرب ان يهتم بنظافة صقره جيدا، بأن ينظف ريشه من أي عوائق أو أوساخ وأن يعتني دائما بنظافة منقاره، لأنه كثيرا ما يعلق به بعض اللحم عند تناوله الطعام.
فعلى المدرب ان يتقيظ لذلك. وأن يفحص باستمرار قدميه وأظافره. ويدقق النظر في جناحيه ويمسح بيده عليها ويلاحظ تكوين الجسم ولون الريش والعينيين وبريقهما. ويعتني بمظهر الطير ونظافته عموما. وأهم ما يجب على المدرب ان يلاحظه باستمرار هو أن تكون الأجنحة وريشهما سليمة، لان الطير بدونهما لا يستطيع الوصول إلى طريدته.
وشاعر البادية يقول:
الطـير لو بيطـير يومه كلـه                 في الليل ما يازم بغير أوفاعى
والطير اللي منطار ساعده ريشه          ولاف ماله حليكن ومناعي

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-37.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed