عنوان المقال : مقدمة - زايد والتراث

مدخل الدراسة وإطارها النظري والمنهجي


تبدأ هذه الدراسة بمدخل موجز عن التراث بعامة، وعن التراث والقيادة السياسية، ممثلة في صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بوجه خاص. وتناقش الصلة الوثيقة بين زايد والتراث. يتناول هذا التقدم منطلقات البحث، وإطاره النظري، ومنهاجه، ومادته العلمية، ويناقش التراث من منظور حضاري شامل يتضمن اللغة، والدين، والمكوِّن البيئي، والبعد التاريخي، والسلوك الاجتماعي، والإنجاز السياسي. تهتم الدراسة بالصلة المتبادلة بين التراث والسياسة، بل بين التراث والقيادة السياسية على وجه التحديد، وتركز على أمرين هامين : أولهما الجذور الحضارية التي شكلت شخصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان، والتي أثّرت في تكوين فكره السياسي، ونهجه في الحكم وفي التعامل مع الآخرين على جميع الأصعدة محلياً، وإقليمياً، ودولياً. وثانيهما : ما قدّمه – ولا زال يقدمه – سموه للتراث. وذلك من خلال دوره كأحد المبدعين أو " الحملة النشطين " للتراثي الشعبي. وذلك من خلال دعمه الشخصي والرسمي للتراث، ومدى انعكاس ذلك على مؤسسات دولة الإمارات العربية المتحدة ومواطنيها.

منطلقات الدراسة :
تنطلق هذه الدراسة من قناعة تامة بأن التراث قضية سياسية، بل قضية سياسية واجتماعية في المقام الأول، وذلك لأنه يشكل الشخصية الجمعية التي تمثل الهوية الحضارية للشعوب، فهو متكأ تلك الهوية ومرجعية التاريخ الوطني الذي تدور حوله وتتبلور من خلاله، كما انه المحرك الرئيسي للاستنفار والدفاع، والتحرر، والتضامن والوحدة، والتصدي للهيمنة بأشكالها المختلفة. وبالإمكان توظيف التراث توظيفاً سياسياً واعياً لخدمة الشعوب التي يصدر عنها في المجالات التنموية والاجتماعية المختلفة، أو لخدمة القضايا الإنسانية بوجه عام. وعلى الرغم من استخدامه السياسي السالب لخدمة " أيديولوجيات" معينة في الماضي، إلا أن توظيف التراث سياسياً يبقى أمراً واقعاً على مر الأجيال، والجانب الإيجابي من هذا الاستخدام يظل هدفاً مشروعاً، بل مطلوباً من السياسيين والمفكرين والمثقفين على حدّ سواء.
يمتلك التراث قدرة هائلة على الإسهام في تكوين أرضية صلبة للفكر السياسي المعاصر تنطلق من ثوابت الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل. ويتطلب ذلك الاستفادة من الموروث الحضاري لتحديد معالم الخطاب السياسي العربي المعاصر. ولقد نبّهت بعض الدراسات لضرورة الالتفات لهذا الأمر كما يتضح من الفقرات التالية :
" يشكل الموروث الحضاري العربي بكافة تجلياته الفكرية والفلسفية العميقة، منطلقاً أصيلاً لبناء الخطاب السياسي العربي العام، ليكون خطاباً ذا هوية حضارية واضحة المعالم والأصول، ومحددة الأبعاد والاتجاهات، وتتميز بقدراتها الخلاقة والمبدعة وحضورها العام، في عالم تتنوع فيه الرؤى، وتناقص فيه الأفكار، وتساوره تحديات".

أسباب الدراسة :
نشأ سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وترعرع في كنف التراث وعلى هدى قيمه وأعرافه وتقاليده، وصاغ معانيه أبياتاً من الشعر وأقوالاً مأثورة، فلقد درس وتخرج في مدرسة التراث، وجعله نبراساً لسلوكه، وهادياً لأفراد أسرته ومعاونيه، وأبناء مجتمعه، وأهم من هذا وذاك أن سموه ومن موقع مسؤوليته كرئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة وزعيم عربي مرموق، جعل التراث جزءاً هاماً من خطابه السياسي، والذي أصبح بحكم مكانته وتأثيره هو الخطاب السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولقد جعل سموه التراث متكأّ لمشروعه التنموي الريادي، ومن أجل إنجاح هذا المشروع أنشأ الدواوين والمؤسسات، والهيئات والجمعيات التي قامت بتفعيل التراث وتوظيف دوره في الحياة العامة، وبتلك الطريقة تم ربط التراث بالحاضر قدر ارتباطه بالماضي، ومن خلال هذه النهج أمكن الخروج بالتراث من مأزق الظلامية والردة والهزيمة، وكان النأي به عن دائرة التهميش والازدراء، وهكذا صار بالإمكان صياغة مشروع تراثي معاصر يجعل تنمية المجتمع وبناء الإنسان من أهم مقوماته. نلمس تفاصيل هذا البرنامج في شتى مرافق الحياة العامة حيث نجده في الحكم والإدارة، وفي التنمية العمرانية، وفي التربية والرياضة، وفي الإعلام والثقافة، وفي السياحة والتسوق، وفي التوعية البيئية.
عُرف عن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حرصه على هويته العربية الإسلامية والالتزام بقيم الآباء والأجداد. كما عُرف عنه كذلك حرص سموه على الاستفادة من تجارب الأمم التي حققت نهضه علمية وثقافية متقدمة، فقد عمل على نقل تجارب تلك الأمم وخبراتها إلى بلاده، وتسخيرها لخدمة المواطنين، وتمكن بذلك من تحقيق معدلات عالية من التنمية والرفاهية لعشبه وأبناء أمته. ومن خلال فلسفته السياسية ومشروعه التنموي نهج دروب التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. ويُضاف إلى ذلك انه سعى لمساعدة الشعوب الأخرى واحترام ثقافاتها، فبادلوه احتراماً باحترام. وبذلك نجح في جعل قيم التراث العربي الإسلامي مدخلاً للقيم الإنسانية النبيلة التي بشّر بها، وقام بدعمها قولاً وفعلاً، ولعل ما تقدّم يبرر أهمية هذه الدراسة وجدواها في مجال الدراسات الفلوكلورية والسياسية والاجتماعية.

فرضيات الدراسة :
ليس بالضرورة أن تطرح كل الدراسات – لا سيما الدراسات الاستطلاعية والاستكشافية حول موضوعات حديثة أو أفكار رائدة – فرضيات محددة تلتزم ببرهانها أو دحضها كما تفعل أطروحات الماجستير أو الدكتوراه، أو الأبحاث التي تحصر نفسها في إطار ضيق وفي موضوع محدد، ولكن هذه الدراسة تعرض موضوعاً شائكاً ومتداخلاً تتسع دائرته، وتتصف بالشمولية والتكاملية حيث إنها تربط بين السياسة والحكم والاجتماع والتراث. وما يهمنا أكثر من الفرضيات في هذه الدراسة هو تسليط المزيد من الأضواء على موضوع هام وهو الصلة الوثيقة بين السياسة والتراث، والتنبيه إلى الكيفية التي يتجسّد بها هذا الموضوع بصورة فريدة في شخصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان وعبر إنجازته، وذلك من خلال موضوع الدراسة وهو زايد والتراث. وإذا تمادينا في التزامنا بالفرضيات التزاماً صارماً، كما يفعل كُتّاب الأطروحات من طلبة الدراسات العليا، أو معدّو البحوث الأكاديمية فسوف تصبح تلك الفرضيات متطلباً خانقاً يقوّض ما نسعى لتحقيقه من رؤية تهدف إلى تناول الموضوع بالصورة التي وردت الإشارة إليها، وبذلك يتحول الحرص على توضيح فرضية أو فرضيات الدراسة من شرط علمي ايجابي إلى عنصر أكاديمي سالب. ولا يعني بالطبع إهمال الفرضيات إهمالاً تاماً أو التقليل من شأنها، حيث ان البحث العلمي لا يكتمل بدونها، وإذا قدر لنا ان نضع بعض الفرضيات العامة لهذه الدراسة، تحقيقاً للمنهجية العملية، فيمكن إيجازها في التالي :
أ ) أن الخلفيات الثقافية والاجتماعية لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أثرت في تكوينه اجتماعياً، وسياسياً، وإنسانياً، وأنها مهّدت لإنجازاته المشهود لها.
ب) ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وظّف التراث توظيفاً واعياً مكّنه من التواصل مع شعبه وأمته محلياً وإقليمياً.
ج) ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قام بدور مؤثر في نشر قيم التراث، وفي جعله واقعاً اجتماعياً، وشأناً سياسياً ملموساً في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنطلقاً للعمل الإنساني على النطاق الدولي.

الإطار النظري والمادة العلمية :
اتبعت هذه الدراسة أفكار ومناهج المدرسة الوظيفية التي سادت – وما تزال – دائرة الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية والفولكورية – كما هو معلوم – فمن أهم الخصائص العلمية للمدرسة الوظيفية التركيز على حقيقة هامة مفادها أن عناصر التراث، شأنها في ذلك شأن أية ظاهرة اجتماعية وثقافية، لا توجد في فراغ، بل ترتبط بسياق محدد تؤدي في إطاره وظيفة أو وظائف معلومة، وفضلاً عن ذلك فإن هذا التراث يبقى حياً وفاعلاً، ومؤثراً طالما أنه يستطيع أن يؤدي تلك الوظائف أو بعضها لأبناء مجتمعه أو لبعضهم.

استقلت الدراسة مادتها العلمية من عدة مصادر من أهمها :
أ ) الدراسات السابقة باللغتين العربية والإنجليزية، علماً بأن بعض تلك الدراسات اعتمدت على إجراء مقابلات مطوّلة مع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أي أنها اعتمدت على ما يمكن اعتباره عملاً ميدانياً.
ب) بعض المعلومات المتاحة في (الأرشفيات) الوطنية.
ج) الكلمات والمقابلات والخطب المنشورة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان التي وردت في المناسبات السياسية والاجتماعية المختلفة.
د ) الرصد الدقيق لما صدر من سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في وسائل الإعلام المختلفة، لا سيما الصحافة المحلية، وذلك لأن الصحافة هي نبض المجتمع.
استخدمت الدراسة الأسلوب الكيفي Qualitative Approach السائد في الدراسات الأنثروبولوجية والتراثية، بل في الدراسات الإنسانية بوجه عام، في جمع مادتها، ثم عملت على مناقشة هذه المادة وتحليلها، أملاً في التواصل إلى استنتاجات محددة تتصل بالفرضيات التي طرحتها، ولقد فضلت الدراسة هذا الأسلوب لملاءمته طبيعة موضوعها.
تقع هذه الدراسة في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، الفصلان الأول والثاني عن التراث، والفصلان الثالث والرابع عن الجذور والخلفيات والأصول، جذور مجتمع الإمارات وخلفيات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأصوله، والفصول الخامس والسادس والسابع عن سيرة الشيخ زايد بن سلطان، وصلته الوثيقة بالتراث، وتوظيفه له سياسياً.
في عرض موجز لمحتويات تلك الفصول، أشير إلى ان الفصل الأول يبدأ بتعريف التراث، ومفهومه في دولة الإمارات العربية المتحدة، والمواقف المتباينة منه على صعيد الوطن العربي، ونظرة مجتمع الإمارات إلى تراثه، كما يقدم رؤية معينة للتعامل مع التراث والنظر إليه. أما الفصل الثاني فيركز على الصلة بين التراث والقيادة السياسية بدءاً بتوجيه عناصر التراث لخدمة القضايا السياسية، مع إعطاء أمثلة من الوطن العربي وإفريقية وأوروبا والولايات المتحدة. ويتناول هذا الفصل كذلك مفهوم (البطولة) والقيادة (الكارزمية)، ومفهوم (الشياخة) في المجتمعات العربية التقليدية.
يتناول الفصل الثالث الخلفيات التاريخية والجذور التراثية، ممهداً لذلك بعرض موجز عن بيئة الإمارات العربية المتحدة بتركيز على ثنائية البر والبحر التي شكلت تاريخ وتراث الإمارات، ويستفيد هذا الفصل من الدراسات الأثرية والتاريخية ويركز على أهم الموضوعات الثقافية الرئيسية التي أثرت في حياة أهل الإمارات منذ آلاف السنوات موضحاً مدى هذا التأثير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي النظام السياسي والنظام الديني، وإذا كان الفصل الثالث يمهد لهذه الدراسة بتوضيح الجذور التراثية لمجتمع الإمارات، فالفصل الرابع يتناول تاريخ قبيلة بني ياس وتاريخ آل نهيان وفقاً للمعلومات المتاحة في الدراسات المنشورة، وذلك بالتركيز على دورهم السياسي والاجتماعي في منطقة الخليج بعامة، وفي مجتمع الإمارات بخاصة.
يتناول الفصل الخامس سيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بدءاً بميلاده وفترة طفولته وصباه، ثم يوضح أثر التنشئة الاجتماعية والتنشئة السياسية في حياته ومستقبله السياسي، وفي أهمية التعليم التقليدي في بناء شخصيته، كما يوضح أهمية البعد البيئي والبعد الديني والإنساني في تكوينه السياسي والروحي، ثم يتابع هذا الفصل سيرته في الحكم والسياسة، حاكماً لقرى العين وإمارة أبوظبي، فرئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة، ثم زعيماً عربياً ودولياً مرموماً. وبعد الإشارة الموجزة إلى بعض الإنجازات الهائلة التي تحققت في فترة زمنية قياسية جعلتها أقرب إلى الإعجاز، بتناول الفصل نظرة الناس إلى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
وأما الفصل السادس فيتناول الصلة الوثيقة بين صاحب السمو الشيخ زايد والتراث، حيث يبدأ بتوضيح أثر التراث في نشأته وتكوين شخصيته، وأسلوبه في الحياة وطريقته في الحكم، كما يوضح هذا الفصل القدرات الفنية والإبداعية لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مجال الشعر النبطي، ومعارفه الشعبية ومهاراته المكتسبة من خلال التداول والمعايشة والممارسة، والتي تمثل ثروة معرفية قيّمة، ويشير هذا الفصل إلى بعض أوجه الاهتمام الشخصي والدعم الرسمي التي يحظى بها التراث على يد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وبتوجيه منه.
يوضح الفصل السابع البعد الحضاري في تكوين شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مركزاً على العقيدة والتراث، وموضحاً كيف أسهما في تكوين الجانب الروحي والأخلاقي لشخصيته وبالتالي مدى تأثيرهما في سلوكه، وأسلوب حكمه، ورؤيته لنفسه، ونظرته إلى الآخرين. كما يتناول الفصل توظيف التراث واستخدامه سياسياً.
في خلاصة هذه الدراسة تتضح النظرة الفريدة والإيجابية إلى التراث في مجتمع الإمارات، تلك النظرة التي لم تجعل منه ركاماً لآثار الماضي، أو عصاباً يشيح بوجهه عن الحاضر ويتجه كلياً إلى الماضي، أو شأناً مقدساً حرياً بالتبجيل والتقديس بحق وبغير حق، بل جعلت منه مشروعاً حضارياً يتصف بالموضوعية ويهتم بالحاضر والمستقبل قدر اهتمامه بالماضي، ويسعى لتفعيل الماضي بوسائل وأساليب الحاضر، ووفقاً لرؤية الحياة العصرية، خدمة لأجيال المستقبل، وما جعل تجربة الإمارات ومشروعها الرائد في التعامل مع التراث جديرين بالاهتمام، أنهما انبثقا من رؤية واضحة للتراث، وحظيا باهتمام بالغ من قمة القيادة السياسية في الدولة.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-53.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed