عنوان المقال : التراث والقيادة السياسية

التراث والقيادة السياسية


التراث والسياسة / مدخل عام
بعد ان تم تعريف التراث وتوضيح مفهومه وأهم ملامحه، يشير مدخل هذا الفصل في إيجاز إلى تعريف السياسة وتوضيح بعض معالمها ذات الصلة بموضوع هذه الدراسة، فالسياسة تعني أساساً بالحكم، وأما الحكم فهو إدارة شؤون الناس بعدل وحكمة، ورعاية مصالحهم، والسياسة علم وفن في الوقت ذاته. فهي علم لأنها تعمد على أصول وقواعد يتم تعليمها والاهتداء بها، سواء عرفناها من الأهل، والعشيرة والقبيلة، وفي الحياة العامة، أو تعلمنها في الجامعات والمعاهد والمؤسسات العليا حيث أصبحت تخضع للنظريات والمناهج والتحليل الدقيق. وهي فن لأنها في بعض جوانبها ملكة خصّ بها الله تعالى بعض الناس دون سواهم حيث أنها تعتمد على خصائص فطرية تتصل بالقدرة على الحوار والإقناع، والتفاعل المؤدي إلى فهم مشكلات المجتمع والسياسة، وبالتالي حلها أو التعامل معها وفقا لمقتضيات الحال. وفي كلتا الحالتين ان السياسة تتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإدارة شؤون الناس ورعاية مصالحهم، فلابد لها من ان تنبثق من التراث الاجتماعي، وترتبط بالجوانب الفكرية والحياتية. فالتراث يؤثر في تنشئة الأفراد، ويسهم في تشكيل شخصياتهم وسلوكهم في المجتمعات التقليدية حيث يسعى الفرد للتوافق مع الجماعة والانصهار في كيانها، وإثبات مكانته الاجتماعية والسياسية من خلالها، كما ان قيم المجتمعات العربية التقليدية والمتمثلة في الشجاعة والصبر والتضامن والكرم، والقدرة على التحمل وقوة العزيمة، والعدل والتسامح .. يتم بثها وتعزيزها وسط أفراد المجتمع من خلال التراث. وهذه القيم من أهم آثر الآباء التي يحرصون على نقلها إلى الأبناء والأحفاد.

توجيه عناصر التراث لخدمة الأعراض السياسية :
استفاد القادة السياسيون والاجتماعيون على النطاقين الشعبي والرسمي من عناصر التراث الشعبي واستخدموها في المجالات والمواقف السياسية المختلفة، وبما أن التراث الخاص بكل مجتمع يستطيع أن يجمع أفراد ذلك المجتمع بسهولة ويسر، وبصورة تلقائية، ويوحدهم في نطاق القضايا العامة التي تهمهم جميعاً، فلقد استخدم بنجاح تام في الاستنفار والمقاومة وحركات التحرر، فالتراث سلاح ذو حدين استخدم استخداماً إيجابياً لخدمة أغراض وطنية وإنسانية نبيلة، كما استخدم بصورة سالبة ومنفرة خلفت آثاراً مريرة، وجعلت بعض علماء الفولكلور يفضلون الابتعاد عن الاستخدام السياسي لعناصر التراث بعامة، والتراث الشعبي بخاصة.
لقد تم توظيف عناصر التراث بأشكال مختلفة، وبطرق متعددة في شتى أقطار العالم، في إفريقية، وفي الوطن العربي، وفي الولايات المتحدة، وفي أوروبا. استخدم في السلم والحرب، كما تم توظيفه لصد العدوان، ومن اجل إرساء دعائم الاستعمار، ولتحقيق الحرية الذاتية، لتكريس التبعية. لكل ذلك يبقى التراث عامة، والتراث الشعبي على وجه التحديد قضية سياسية هامة في كل زمان ومكان، وذلك لارتباطه بالجماهير الشعبية العريضة، ولمقدرته على ان يجمع أو يفرق.
الجدير بالاعتبار توظيف التراث من أجل الاستنفار والمقاومة، سواء كان المقاومة ضد الغزو العسكري أو الثقافي، أو لتأمين المواقف الصلبة في مواجهة العنصرية، أو لمواجهة أي تدخل سياسي وتدفق سكاني يهدد كيان الجماعة المعنية بالأمر. لعل هذه الوظيفة الهامة للتراث تصدر عن امتلاكه لآلية دفاعية وردت الإشارة إليها في تجارب الأمم المختلفة، وتوضح الطريقة التي تعمل بها تلك الآلية، والتي تؤهل التراث للقيام بدور هام في مواجهة الأخطار، فقد دلت الدراسات التراثية في عديد من الأقطار على ان (التراث الشعبي يمتلك آلية دفاعية Defense Mechanism تجعله قادراً على استنفار الشعوب وحشد طاقاتها، وتأمين تكاتفها لمواجهة الأخطار الخارجية، ولذلك استخدم التراث الشعبي استخداماً مؤثراً لصدّ الغزو بأشكاله المختلفة، عسكرياً كان أو سكانياً أو فكرياً. وبما أن المجتمع كيان حي مثل بقية الكائنات الحية الأخرى فهو يتأثر سلباً وينتفض لدخول أي جسم غريب عليه، وفي تلك الحال يسعى لحماية نفسه بالانكماش والاتجاه إلى داخله، وتجميع قواه استعداداً للدفاع، شأنه في ذلك شأن جميع الكائنات الحية.
تتعدد وتتنوع استخدامات التراث الشعبي في الاستنفار وخلال الصراعات في الحقب الزمنية المختلفة وبين العديد من الشعوب. فليس مصادفة ان تظهر وتنتشر بعض السير البطولية العربية في شتى أقطار الوطن العربي في فترة الحروب الصليبية، بل ان ذلك بوصفها آلية دفاعية قومية وملاذاً ثقافياً لشعب وجد كيانه مهدداً، فلجأت إلى تراثه محتمياً به، ومستخدماً عناصره في تجميع قواه. وفي أوروبا سبقت الإشارة إلى الأقطار الصغيرة مثل فنلندا وأيرلندا وما كان من لجوئهما إلى تراثهما، وجعله منطلقاً أساساً لصياغة وبلورة كيانهما السياسي والاجتماعي، حيث نلاحظ حرصهما الشديد على لغاتهما الوطنية وملاحمهما وأساطيرهما .. وأما القارة الإفريقية فنجد وسط الجماعات الإفريقية المسلمة وغير المسلمة، قديماً وحالياً استخدام التراث بواسطة حركة (الماو ماو) في كينيا لمقاومة ومحاربة الاستعمار البريطاني، حيث استخدمت الحركة بوصفها تنظيماً سرياً، قسم الولاء التقليدي المستمد من تراثها، كما استفادت من معتقداتها الدينية المتمثلة في جماعات الربع Peer Groups في جمع صفوفها ومحاربة الاستعمار البريطاني حرباً ضروساً، ولا يغيب عن البال استخدام شباب جنوب أفريقيا للأهازيج الشعبية في تظاهراته ضد التمييز العنصري.
ونجد بين الشعوب الإفريقية المسلمة ان التراث الشعبي المتجذّر في الطرق الصوفية، وفيما عرف باسم الإسلام الشعبي Popular Islam قد تم توظيفه بصورة فاعلة ضد الاستعمار الأوروبي، ففي السنغال قامت الطريقة التجانية بدور بارز في شن المقاومة الوطنية ضد الفرنسيين. وفي الصومال استفادت المقاومة الوطني بقيادة محمد عبدالله حسن من الطريقة القادرية في حشد وتنظيم الجهود الشعبية ضد الاستعمار الإيطالي، وأما في السودان فقد تمكنت حركة المهدية ذات الجذور الدينية من تكوين طائفة الأنصار، وتنظيمها بصورة مكنتها من الوقوف أمام حملات الغزو البريطاني.
إن التراث سلاح ذو حدّين، استخدمته الحكومات والأنظمة المختلفة لخدمة أغراضها الاستعمارية وبسط هيمنتها السياسية، كما تم توظيفه للترويج لبعض (الايديولوجيات) الفكرية والنازعات العنصرية، وأدرك الاستعمار القوة الكامنة في التراث بوصفه المدخل السليم لفهم العقلية الجمعية للشعوب التي يريد استعمارها، ولذلك جعلت حكومات الدول الاستعمارية من أولوياتها – إبان فترة بسط نفوذها السياسي – أعداد (كادر) إداري يجيد فهم تراث الشعوب التي تعيش في مناطق نفوذها في إطار الفهم العام لثقافتها، وذلك تمهيداً لكتابة التقارير والسجلات، بل الكتب الرائدة، عن سكانها، وقبائلها ، وشيوخها، وأعيانها، ولهجاتها، وعاداتها وتقاليدها، وأعرافها ونظمها الاجتماعية والسياسية، ومن خلال تلك الدراسات اللغوية والانثروبولوجية والفولكلورية التي قام بإعدادها ممثلو الحكومات الاستعمارية أو (الكادر) العلمي المساند لهم، تمكنت تلك الحكومات - لاسيما الحكومة البريطانية التي حرصت على هذا النهج – تمكنت من فهم شؤون البلاد والعباد فأفلحت في حكمهم والسيطرة عليهم.
من أشهر الاستخدامات السالبة، بل البغيضة، للتراث الشعبي توظيف النازية لبعض عناصره لغرس أفكارها وبثها، وكذلك استخدمته الصهيونية لنفس الغرض، كما وظفته الشيوعية في الترويج (لايديولوجيتها) السياسية وفلسفتها الاجتماعية،إذا حظي التراث الشعبي باهتمام بالغ من الحركات الاستعمارية والسياسية والفكرية، وذلك إدراكاً من موجهي تلك الحركات لخطورته وقدرته على الولوج إلى أعماق الوعي الجمعي، وتحريكه، وتسخيره لخدمة وتحقيق أغراض بعينها، فينبغي التعامل معه بحذر تام.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-58.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed