عنوان المقال : القيادة والبطولة

القيادة والبطولة


سواء على مستوى الأسرة أو العشيرة والقبيلة في المجتمعات التقليدية، أو في المجتمعات الحديثة والمتغيرة على صعيد السياسية والحكم، أو في مجال الأنشطة الاجتماعية، والمهنية، والرياضية المتعددة، نجد الشخصية القيادة التي تفرض نفسها، خلال قدراتها ومهاراتها المكتسبة، حيث يشهد الآخرون بتميزها في هذا المجال أو ذلك. ولكن هذا النوع من القيادات التي توجد في شتى الأوساط المجتمعية بصورة مألوفة، لا تشد الانتباه أو تلفت الأنظار كما تفعل شخصية ( القائد الملهم) أو (القائد التاريخي) أو (القائد الكارزمي) التي لا تتكرر في كل زمان ومكان، ولا تتأتى لكل القادة، بل تقتصر على نوع فريد منهم اتسمت شخصيته بخبرات وتجارب مكتسبة، إضافة إلى صفات روحية ووجدانية حباه بها الله تعالى. وذلك فضلا عن ظهور أصحابها في زمن معين، ليس مثل كل الأزمنة، وتحت ظروف الاجتماعية والسياسية خاصة تختلف عن بقية الظروف.
تستمد هذه القيادة غير العادية، وغير المتكررة، أهم صفاتها وخصائصها من مفهوم البطولة، كما تستمد قوتها وشهرتها من الظروف المحيطة بها، وتجدر الإشارة إلى ان البطولة ظاهرة إنسانية عامة وتوجد بين كل القبائل والشعوب والأمم، رغم اختلافها وفقاً للزمان والمكان، إلا أنها تحتفظ ببنية واحدة، أو متشابهة، تتحكم في صورة البطل الإنساني، كما أنها تصدر كردة فعل شعبي، بل إنساني تلقائي ووجداني لقهر، أو إحباط، أو ظلم حاق بالمجتمع. ومن هذا المنطلق فإن للبطولة وظائف سياسية، واجتماعية، ودينية، ونفسية هامة، فالقائد البطل يجسد كثيراً من المعاني، ويحقق عديداً من الأماني لأبناء شعبه وأمته، ولكل هذه الأسباب وجدت البطولة مكاناً مرموقاً في مشروع التحليل النفسي والأناسي (الانثروبولوجي) للذات العربية، ونجد هذا المضمون من خلال نظرة إلى الأبطال :
( فالأبطال نتاج الأنا الأعلى الذي هو أيضاً قيمٌ، ومُثل، ووجدان ديني، ونظرٌ مثالي، وقوانين أخلاقية، وضوابط اجتماعية، وفي ذلك كله ملاحقة التاريخ الروحي، والتاريخ الذي لم يتحقق، والإنسان المثالي، والإنسان الذي بقي حلماً أو رغبات حققت استعادة الكرامة متى انجرحت، والتوازن متى اضطرب عبر التاريخ، والتوتر الصراعي المستمر مع القاهرات المتمثلة في اللقمة والسلطة والطبيعة.
وإذا كانت شخصية (القائد البطل) في المجتمعات التقليدية تستمد مكوناتها من العناصر الفولكلورية ذات الطبيعة السحرية التي تجعل إنجازاته أقرب إلى الخوارق أو الكرامات، فإن شخصيته وإنجازات (القائد الكارزمي) في المجتمعات الحديثة والمتغيرة قد لا تعتمد على السحر، ولا تتخذ شكل الخوارق بنفس الصورة، إلا أنها تحتفظ بسمات وجدانية وروحية لا غنى عنها، وفي كلتا الحالتين نجد ان الجماهير تتقبل سلطة البطل بصور تلقائية وغير إكراهية حيث إنها لا تصدر عن قهر أو تسلط، ويبدو ان الصدق، والعقلانية والتجربة، والوضوح، والقدرة على الإقناع تنسج خيطاً من الإيحاء بربط القائد بشعبه، وبذلك تصبح (كلمته كلمتهم، وفعله فعلهم).
في ختام هذا العرض عن التراث والقيادة السياسية تجدر الإشارة إلى ان الأب، والشيخ، و(البطل الفولكلوري) أو (البطل الكارزمي) كلها عبارة عن أشكال مختلفة من الريادة والقيادة، إلا أنها تقليدية كانت أو حديثة تصدر – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – عن التراث الحضاري، وسوف تركز الدراسة الحالية على هذا الموضوع عند مناقشة الجذور الحضارية للقيادة السياسية، ومما يجعل هذا الربط أمراً بديهياً تلك الصلة الواضحة بين السياسية والتراث، والاهتمام القائد للقيادة السياسية بهذا الصلة الوثيقة التي تتضح من خلال :
( تمثل القيادة السياسية في دول الخليج العربي والجزيرة العربية امتداداً للواقع الاجتماعي والثقافي الذي يجسده ويعبر عنه التراث الشعبي، ولذلك فهي لا تستطيع أن تتنكر لهذا التراث أو تتجاوزه، بل على العكس من ذلك تهتدي به وتسعى لترويجه وبعثه والحفاظ عليه، ولا غرو حيث إنه يعزز مكانة هذه القيادة السياسية ودروها قديما وحديثاً، ويتفق هذا الطرح مع الدراسات الفولكلورية المعنية بوظائف التراث الشعبي في المجتمع، مثل دراسة وليم باسكوم W.Bascom التي أوضحت ان أهم هذه الوظائف تتمثل في تعزيز الواقع الاجتماعي والثقافي، ومن هنا فإن التراث احتل مكاناً مرموقاً في تكل المجتمعات).

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/zayed/showtopics-64.html
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله
http://www.alamuae.com/zayed