المركب (السفينة)
تختلف تلك المراكب والسفن التي نتحدث عنها من حيث الحجم والوظائف التي تؤديها، فمن
ناحية الحجم هناك (الشاشة) التي تستخدم في الصيد، والتي لا تقدر على حمل أكثر من
شخصين أو شخص واحد مع معدات الصيد وما يجود به الله عليه من زرق، وهي بذلك ليست
أكثر من مركب أو قارب صيد، وعلى الجانب الآخر هناك (البوم) الذي يستطيع حمل قرابة
سبعمائة طن من البضائع والمسافرين، والذي يستحق بجدارة اسم السفينة، وفي كلتا
الحالتين نجد ان المركب (السفينة) يشكل موضوعاً ثقافياً أساسياً في تراث الإمارات،
وفي التراث العربي الخليجي بوجه عام.
أما الجذور التاريخية للمركب، فإن سفن الأكاديين Akkadians وصلت إلى ماجان التي تضم
اجزاء من المناطق الواقعة في حدود دولة الإمارات حالياً منذ العقود الأولى للألفية
الثالثة قبل الميلاد. وقد تضمنت بعض الآثار والنقوش القديمة عبارات بمعنى (مراكب
ماجان) أو (صناع مراكب ماجان)، وليس بالضرورة ان يفهم من هذه العبارات ان تلك
المراكب أو السفن كانت تصنع في ماجان، ولربما المقصود بها السفن التي تبحر إلى
ماجان وتنقل بضائعها، بمعنى ان هناك سفناً بعينها، أو نوعاً معيناً من السفن ارتبط
بتلك المنطقة أو اشتهر بالتجارة معها ونقل البضائع منها وإليها.
وهناك عدة إشارات أثرية من اللقى والنقوش والرسوم تمدنا بمعلومات هامة عن سفن
الخليج، فبالنسبة لدولة الإمارات هناك دليل وجد في منطقة تل أبرق Tell Abraq يرجع
تاريخه إلى عصر الحديدي، وهناك إشارات مشابهة لوجود السفن والمراكب الخليجية في
البحرين وجزيرة فيلكا في الكويت يرجع تاريخها للألفية الثانية قبل الميلاد. وتوضح
المصادر التاريخية ارتباط هذه السفن والمراكب الخليجية بالنوع الذي عرف باسم (المركب
المخيط) The Sewn Boat ويشير هيللير Hellyer إلى أهمية الاكتشافات الأثرية في منطقة
تل أبرق Tell Abraq في دولة الإمارات بالنسبة للتاريخ البحري الخليجي ويذكر اته لا
يستبعد ان يكون أهل الخليج قد استخدموا (المركب المخيطة منذ فترة تمتد نحو ألف سنة
قبل الميلاد) بناء على تلك الاكتشافات.
يذكر دانيال بوتس Daniel Potts ان ما جعل اكتشافات تل أبرق نقلة كبيرة في مجال
المعلومات الخاصة بالتاريخ البحري، أنها تمثل أول وأقدم إشارة أثرية للمراكب ذات
الشراع العربي Lanteen Sail والذي لم يعرف في هذه المنطقة قبل فترة الساسانيين.
اشتهرت بعض الأقطار الخليجية مثل البحرين بصناعة السفن والمراكب الشراعية، وفي دولة
الإمارات العربية المتحدة توجد مناطق صناعة السفن وتصليحها وتجديدها في البطين
وجزيرة دلما في ابوظبي، وفي القرهود بدبي، وفي إمارة أم القيوين وإمارة عجمان، وما
تزال بعض إمارات الدولة تحافظ على مزاولة تلك الصناعة رغم محدوديتها وفقدانها
لأهميتها بعد انتشار وسائل النقل الحديثة، حيث نلاحظ وجود بعض السفن الصغيرة التي
تم بناؤها على الطراز القديم، والتي تنقل البضائع من وإلى الموانئ في المناطق
والأقطار المجاورة، ولكنها بدون شك لا ترقى إلى ما كان عليه الحال في الماضي عندما
كانت تلك السفن تبحر إلى زنجبار وممباسة ومقديشو وسفالة ولامو على الجانب الإفريقي
حاملة التمور، وخشب الكندل (الجندل) وزيت النارجيل، والبن والذرة ، والمواشي
والأغنام، أو عندما تسافر من وإلى الموانئ والمدن الساحلية على الجانب العربي
والآسيوي مثل بومباي وسيلان ومسقط والبحرين والبصرة حاملة المسافرين، والتمور
والأرز والتوابل، وخشب التيك والعطور.
استخدمت السفن والمراكب الشراعية التقليدية التي عرفتها منطقة الإمارات، والمنطقة
الخليجية بعامة في نقل البضائع والمسافرين ومن أسمائها وأنواعها: البقارة، والبغلة،
والبوم، والجالبوت، والبيتل، والسنبوك، والشوعي، والشاشة.
تتضح الأهمية القصوى لمراكب أهل الإمارات – والتي جعلت منها موضوعاً ثقافياً رئيساً
في مجتمع وتراث الإمارات – من خلال متابعة الأدوار التي كانت تؤديها في الحياة
الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومن حيث ارتباطها بشتى المجالات الهامة في :
1- الاقتصاد الإعاشي Subsistence Economy بصيد الأسماك الذي كان – وما زال – يعيش
عليه قطاع كبير من أهل الإمارات، والذي يحتاج لاستخدام المراكب على امتداد الساحل
وفي المياه العميقة، ويتضح ذلك بالملاحظة العامة لحياة الصيادين في مناطق الدولة
وبالدراسات. يذكر حمدي تمام أنه (رغم المساعدات الكبيرة التي تقدمها الدولة
للصيادين في كل مكان على الساحل الشرقي لاقتناء قوارب الصيد الحديثة إلا أن ذلك لم
يحد من استخدامهم الشاشة التي تعتبر صناعتها إحدى الحرف التقليدية التي عرفها سكان
السواحل منذ عشرات القرون، وهي صناعة (الشاشة) من سعف النخيل، والحبال، لأنه لا
مجال لاستخدام المسامير.
2- النهضة التجارية والاقتصادية التي عرفها مجتمع الإمارات في الماضي، والتي تمثلت
في صيد اللؤلؤ تم تسويقه محلياً وإقليمياً، واعتمد الغوص وتسويق اللؤلؤ على المراكب
والسفن الشراعية. وتجدر الإشارة هنا إلى ما أورده مانع سعيد العتيبة عن الأهمية
الاقتصادية والاجتماعية للؤلؤ في فترة ما قبل الاتحاد.
3- الملاحة ونقل البضائع والمسافرين إلى سواحل شرق وجنوب شرقي إفريقية حتى ميناء
سفالة على مشارف جنوب إفريقية، وسواحل شبه القارة الهندية وموانئ الخليج العربي
وغيرها. وبحلول القرن الخامس عشر الميلادي والقرون التالية كانت منطقة الإمارات
تمثل قمة المعرفة بأسرار البحار، ووسائل الملاحة، وأحوال المياه والرياح. ونذكر
رائد ممثلاً في وصول السفينة (سلطانه) إلى سواحل الولايات المتحدة الأمريكية عام
1840م. ولا شك ان بعض بحارة وملاحي سلطانة كانوا من أهل (عمان الساحل) و (عمان
الداخل)، ومن مستوطني جزيرة زنجبار من العرب والأفارقة.
4- الأمن والدفاع حيث قامت سفن أهل الإمارات بحماية السواحل، والدفاع عن المواطنين،
وتأمين سلامة أرواحهم وممتلكاتهم، وخير دليل تلكم القوة البحرية والأسطول العربي
الخليجي المشهور الذي أنشأه القواسم ووقفوا به في وجه المستعمر. وتشير المنشورات
الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة إلى استفادة القواسم من الخبرات والمعارف
البحرية الموجودة في المنطقة، والتي تمثل تراثاً بحرياً عريقاً، والى تمكنهم من
بناء أسطول بحري يمتلك أكثر من ستين سفينة كانوا قوامها نحو عشرين ألف بحار.
5- الاتصال والتأثير الثقافي المتبادل الذي حددت الدراسات الأثرية والتراثية
المنشورة حديثاً بعض معالمه وجذوره التاريخية، فلقد تأثرت منطقة الإمارات بالمؤثرات
الثقافية من بلاد فارس والسند والهند، وحضارات ما بين النهرين. ومن المعروف ان
أسلاف السكان الأصليين في الإمارات أسهموا بصورة مقدرة في الفتوحات الإسلامية في
المنطقة والأقطار الآسيوية، كما أقاموا الصلات التجارية والسياسية مع سكان سواحل
شرق إفريقية، ولقد تمكنوا بفضل تلك الصلات المتبادلة من نشر أهم معالم الحضارة
العربية الإسلامية في إفريقية، وتأثروا في المقابل ببعض معالم الثقافات الإفريقية
التي ما تزال عالقة في العديد من أوجه الثقافة الإماراتية، بل إن جزءاً من تلك
المؤثرات تأصل، وأصبح من مكونات تراث الإمارات. وفي الفترة الأخيرة كشفت نتائج
التنقيب في بعض الإمارات الدولة مثل عمليات التنقيب في منطقة مليحة بإمارة الشارقة
عن وجود صلات ومؤثرات من الحضارة اليونانية، فكانت تلك الصلات المبكرة، والمؤثرات
الثقافية المتبادلة التي نتجت عنها ثمرة الاتصال عن طريق السفن والشراعية خصوصاً.
6- الرياضات التراثية في سباقات المراكب الشراعية تعتبر مجالاً آخر من مجالات
استخدام المراكب في مجتمع الإمارات التقليدي والحديث المتغير، وتمثل تلك السباقات
جهداً متميزاً من جمعيات إحياء التراث، ومظهر رياضياً هاماً يربط أبناء الإمارات
بماضي الآباء والأجداد، وعاملاً من عوامل الجذب السياحي، وحلبة من حلبات التنافس
الرياضي محلياً وإقليمياً ودولياً.
اكتسبت المراكب أهمية قصوى وأصبحت موضوعاً ثقافياً رئيساً ورمزاً تراثياً في مجتمع
الإمارات، بل في المجتمعات البحرية والساحلية في المنطقة الخليجية بعامة لكل تلك
الاستخدامات والوظائف التي كانت تؤديها المراكب في شتى مجالات الحياة. وتردد ذكر
المراكب في الأمثال الشعبية، والقصص الشعبية، والرياضات التراثية، والعادات
والمعتقدات، والعمارة التقليدية وغير ذلك من مجالات التراث وأجناسه.
نستطيع القول في هذا العرض لوظائف المراكب واستخداماتها في مجتمع الإمارات التقليدي
: إنه بفضل الجمل والمركب كان الاتصال والتواصل داخلياً وخارجياً، فالجمل وسيلة ربط
الداخل بالساحل، يسّرت المراكب الاتصال بالشعوب والأقطار الأخرى، وأمكن التواصل بين
الحضارات التي نشأت في منطقة الخليج، والحضارات الأخرى في بلاد الشام والهند
واليونان وغيرها.