بنو ياس
ينسب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى قبيلة بني ياس وينتمي إلى أسرة
آل نهيان التي نتحدث عنها بعد تقديم عرض موجز وملامح عامة عن قبيلة بني ياس في
الوثائق التاريخية إلى القرن السادس عشر الميلادي. فقد ذكرها بالبي Balbi، وأشار
إليها ب.ج سلوت B.J.Slot بقوله : (ورد في مضمون ما كتبه بالبي اسم قبيلة بني ياس
عام 1580م ويبدو أنه ليس هناك أي مصدر قديم آخر في المصادر الأوروبية سوى نيبور قد
ذكر اسم (بني ياس)، ويشير نيبور إلى هذه القبيلة على أنها مستقلة، وأن المنطقة التي
تقيم فيها فقيرة جداً إلى درجة أنها لا تجذب جيرانها لغزوها.
يتضح أن المعومات التاريخية المؤثقة عن قبيلة بني ياس أو القبائل الأخرى في تلك
المنطقة كانت – وما تزال – شحيحة جداً خلال تلك الفترات المبكرة ماعدا بعض الإشارات
العابرة التي لا تعطينا أكثر من ذكر الاسم، ولربما بعض الانطباعات، ولكن منذ مطلع
القرن السابع عشر الميلادي بدأت ترد إلينا معلومات أوفى عن الوحدات السياسية
المنبثقة عن تحالفات قبلية، والتي بسطت نفوذها في منطقة الخليج العربي، ومن تلك
الوحدات تحالف بني ياس. فقد وردت سيرة بني ياس مقترنة بآثار قلعة وجدت بالقرب من
مدينة زايد في ابوظي، وتشير الدراسات التاريخية إلى ان تلك القلعة ارتبطت بأحداث
ومعارك دارت بين الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وبعض معارضيه، بمن فيهم عناصر من
قبيلة بني ياس، وان تلك المعارك حدثت قرابة عام 1633م. توضح تلك الأحداث ان
اليعاربة كانوا يهيمنون على هذه المنطقة، وأنهم بسطوا نفوذهم على أهلها باستخدام
قوتهم العسكرية، كما تدل على ان بني ياس كانوا يشكلون قوة لا يستهان بها فيما
أظهرته الوثائق العمانية.
تشير الدراسات التاريخية إلى ان الأحلاف والتجمعات العشائرية استفادت من الفراغ
الناتج عن هزيمة البرتغاليين ودحرهم من المنطقة على يد اليعاربة، غير ان اليعاربة
تمكّنوا إلى حد كبير من سد ذلك الفراغ بعد خروج البرتغاليين من المنطقة، وأثناء
وجودهم عندما اضمحل نفوذهم، ولكن سرعان ما استفحل الخلاف والنزاع حول الإمامة بين
اليعاربة، الأمر الذي شجع تلك الكيانات العشائرية والسياسية الجديدة من بناء دعائم
وجودها السياسي. إذاً بدأت تلك التحالفات العشائرية – ومنها تحالف بني ياس- تتكون
في القرن السابع عشر الميلادي، ثم أصبحت تنظيمات سياسية مستقرة في القرن الثامن عشر.
في إطار تتبعها للتاريخ السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، تقول عائشة السيار:
(إلى جانب حلف القواسم ظهر حلف بري تزعمه (بنو ياس) الذين عاشوا حياة البداوة في
أرض الظفرة في إقليم عمان فترة طويلة، وعلى أثر طرد البرتغاليين من عمان بني (بنو
ياس) قوة برية كبيرة تتألف من بني ياس وحلفائها من القبائل، ويتزعمهم (آل نهيان)
ومقرهم الظفرة المتاخمة لجزيرة ابوظبي. وقد امتد نفوذهم على طول الساحل من دبي حتى
خور العديد إلى الجنوب من قطر، وقد نجحوا سنة 1761م في بناء تنظيم مستقر في المنطقة.
إن الوثائق والمخطوطات المحلية المعتمدة على الروايات الشفهية، وملاحظات وتقارير
الأوروبيين، وكتابات الباحثين من عرب وأجانب، تمدنا بمعلومات قيمة عن بني ياس فيذكر
كاتب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة – والذي يرجع تاريخ مؤلفه إلى النص الأول من
القرن السابع عشر الميلادي – أن بني ياس كانوا يشكلون قوة لها أهميتها ولا يمكن
الاستهانة بها، وأن هذه القوة بسطت نفوذها في أرض الظفرة خلال تلك الفترة.
كان المواطن الأصلي لبني ياس في ليوا حيث انتشروا وبسطوا نفوذهم على أكثر من نصف
القرن التي كان يسكنها أهل تلك المنطقة، وفي تلك الفترة جمعوا بين الحياة الريفية
الزراعة وحياة الرعي والبداوة، فكانوا يعيشون في واحات النخيل مستفيدين من إنتاجها
من البلح والتمور بضعة أشهر، ثم يتنقلون مع مواشيهم بحثاً عن الماء والكلأ في
المناطق المجاورة بقية شهور العام عندما تشح المياه ويقل إنتاج الواحات، ومعنى ذلك
أنهم كانوا يعيشون على نمط الاقتصاد الإعاشي البسيط، قوامه الرعي والزراعة.
يبدو أن حياة الرعي والتنقل وراء الماء والكلأ كانت سبباً في انتقال بعض أفراد
القبيلة إلى ابوظبي، واستقرارهم هناك عام 1761م بعد أن اكتشفوا وجود المياه مصادفة.
وفي مدة حكم الشيخ شخبوط بين عامي 1793-1816م تمكنت آل بوفلاح من السيطرة على
المناطق الساحلية، وانتقل نشاطهم السياسي والعسكري إلى ابوظبي. وبحلول العقد الثالث
من القرن التاسع عشر الميلادي عام 1829م أشارت التقارير الواردة من الهند إلى ان
ابوظبي هي المدينة الرئيسة لقبيلة بني ياس حيث أصبحت المركز الإداري والسياسي،
ومكان إقامة الشيخ طحنون الحاكم حينئذ.
ومما لا شك فيه أن انتقال بني ياس إلى ابوظبي أتاح لهم ظروفاً معيشية أفضل، فبجانب
اعتمادهم على اقتصاد إعاشي قوامه الرعي والزراعة المحدودة، استفادوا من خيرات البحر،
في صيد الأسماك، وأهم من ذلك أن تلك النقلة مكنتهم من العمل في الغوص والبحث عن
اللؤلؤ، وبذلك أتاحت لهم نهضة اقتصادية لم تكن تسمح بها بيئتهم القديمة وظروفهم
المعيشية الماضية فأصبحوا ينعمون بخيرات البر والبحر، ويعملون في الرعي والزراعة
والصيد والتجارة والملاحة.