رؤية عميقة للتاريخ والزمن
لعل أهم ما يميز المغفور له الشيخ زايد – كما تطلعنا مواقفه وأقواله وأفعاله –
ذهنيته المتوقدة، ووعيه المستمر بالتاريخ، وإدراكه أهمية الزمن، فالرجل يمتلك رؤية
عميقة بسلاسل الأجيال الممتدة من الماضي إلى الحاضر، وهي كافية كي تجعله صاحب أهم
التطلعات نحو المستقبل. ويكفي ان نقف قليلاً لنتفحص بعض أقواله، إذ قال: (الآباء هم
الرعيل الأول الذي لولا جلدهم على خطوب الزمان وقساوة العيش لما كتب لجيلنا الوجود
على هذه الأرض التي تنعم اليوم بخيراتها).
إن نظرة متمعنة في كلام المغفور له تكشف لنا عن قدرة الرجل في تفهم الماضي ومعرفته
بما صادف آباؤه وأجداده من الذين سماهم بـ (الرعيل الأول) من خطوب الزمان على
امتداد تاريخ طويل، والخطوب كثيرة امتدت قروناً طويلة. كما وأنه يشعر بمعاناتهم من
قساوة العيش في بيئتهم الجغرافية الصعبة التي عاشوا فيها، فكان لهم جلدهم وتحملهم
المشاق، وكل ذلك كان بمثابة الزرع للسير نحو المستقبل الذي يحياه اليوم الرعيل
الثاني الذي أتى من بعدهم.
هذه الأرض الطيبة التي يعتز بها زايد عندما يذكرها دوماً في خطابه الرسمي والشعبي،
ويذكر خيراتها تتدفق بالعطاء على امتداد سنوات عهده في الخمسين سنة الثانية من
القرن العشرين كانت حافزاً قوياً للمغفور له من أجل التطلع نحو بناء مستقبل بلاده،
وهو يراها قد غدت إحدى أبرز الدول المتطورة سريعاً في العالم اليوم من نواح عدة لا
حصر لها.
وتتضح هذه الرؤية المستقبلية عند المغفور له الشيخ زايد لبناء الدولة في خطابه –
رحمه الله- فهو يقول : (إننا نط
ور مجتمعنا، ونبني الأجيال القادمة حتى تجد الطريق الذي تسير عليه، وتحاول تحقيق
المزيد من الأعمال، وتضيف رصيداً جديداً من الإنجازات. حتى لا تبدأ الأجيال القادمة
من لا شيء، ونحن إذا لم نفعل فقد لا يجد الجيل القادم الطريق الذي يواصل عليه مسيرة
التقدم، وواجبنا أن نضع الأساس لتقدم هذا البلد .. وهو ما نحاوله باستمرار. إن
العمل هو طبيعتنا ولدينا والحمد لله الإمكانيات).
إن الشعور بالمسؤولية التاريخية يذهب إلى أبعد من إنجازات وخدمات تخصّ الجيل الحالي
فقط، بل حيال الأجيال القادمة التي لابد أن تجد الطريق التي يمكنها أن تسير عليه،
لا أن تبدأ من نقطة الصفر، بل لتحقق المزيد من التطورات، وتضفي المزيد من الإنجازات.
لقد ترجم أقواله بتجربته الغنية، وما حققه خلال المرحلة الأولى يكفي لكي يوصف
بالريادة في مجال مشروعات التحديث فضلاً عن استقطابه سمة القيادة المبدعة.
لقد نجح المغفور له الشيخ زايد في إرساء أسس التقدم باعتماده على ركيزتين قويتين في
مشروعاته في التحديث، أولاهما : التخطيط والعمل والمتابعة والتنظيم والدينامية،
وثانيتهما : الإمكانيات والإنفاقات التي تتيح نجاح عمليات التطوير.