الانفتاح على العالم
كان عند المغفور له الشيخ زايد رغبة ملحة في الإفادة من الحضارة الحديثة في تطوير
وطنه، وبناء نهضة تواكب ما أبدعه إنسان العصر الحديث في شتى مظاهر الحياة التي
تتلاءم مع البيئة، وتحقق معيشة أفضل لأبناء الوطن، وقد أعانته رؤيته البعيدة على
استيعاب آثار الحضارة، ونقل أجمل ما فيها إلى بلاده، وهاذ هو سر رحلاته التي قام
بها إلى كثير من بلدان العالم للوقوف على تجارب الآخرين، حتى قبل أن يتولى حكم
إمارة أبوظبي. وقد أشار إلى ذلك أحد الباحثين بقوله : (كان زايد وهو حاكم للمنطقة
الشرقية يسافر إلى الخارج بهدف الانفتاح على العالم، ومعرفة ما يجري فيه، ويحاول
بإمكانيات محدودة تنفيذ ما شاهده في الدول المتحضرة في منطقته المحدودة، وقد ساعده
السفر المبكر إلى الخارج على تحقيق الكثير من الأحلام).
لم يكتف المغفور له بمتابعة أخبار التقدم وما يحدث في العالم من تطور دائم في جميع
أوجه الحياة، بل كان يفضل مشاهدته عن قرب من خلال رحلاته (فمن رأى ليس كمن سمع) على
حد ما أثر الحكمة العربية وعليه كانت رحلته الأولى عام 1953 إلى بريطانيا، ثم زار
بعد ذلك الولايات المتحدة، وسويسرا، ولبنان، والعراق، ومصر، وسوريا، والهند، وفرنسا،
وباكستان، وكان من نتيجة هذه الزيارات أن ازداد اقتناعاً بضرورة الإصلاح والتغيير
في بلاده، بعدما تأكد له وجود البون الشاسع بين تخلف وطنه ونهضة تلك الدول.
ولشد ما أعجبه في رحلاته تلك النماذج العمرانية والآثار التي تجمع بين الأصالة
والمعاصرة، كما تعكسه كلمته في حفل الاستقبال الذي أقامه مجلس بلدية لندن تكريماً
لسموه عام 1989، وقد جاء فيها : (إن مدينة لندن تمثل بشكل نموذجي كيف تستطيع الأمم
المحافظة على التقاليد والتراث، وهي متطلبات أساسية لرقي المجتمع ونموه بشكل صحيح،
وبنفس الوقت مواكبة التطورات العصرية ومستلزمات التقنية الضرورية لرفاهية المجتمع
وأمنه وبقائه).
ينظر الكثيرون من المفكرين العرب والأجانب إلى المغفور له الشيخ زايد أنه أحد
الزعماء البناة الذين أنجبهم القرن العشرون في هذا العالم .. فقد سجل تاريخاً ناصعاً
لامعاً .. وضيئاً مضيئاً بأعماله ومنجزاته وعظمة قيادته الحكيمة .. بمبادراته
ومواقفه ليس إزاء الأحداث وحسب، بل حول قضايا شعوب عديدة فضلاً عن الرؤية الثاقبة
التي تمتع بها، والحنكة السياسية التي تميز بأدائها في حياته الحافلة على المستوى
المحلي والمستوى الوطني والعربي والإقليمي والدولي. واتحاد الإمارات السبع يعدّ
واحداً من منجزاته التاريخية الكبرى، حيث تميزت بخصائصها الفريدة، واستطاع الرجل
الموحد لها أن يجعل منها دولة اتحادية على المستوى السياسي، ودولة تضامنية على
المستوى الاجتماعي، ودولة لها ثقلها الاقتصادي والسياسي المؤثر في المنطقة، بل
لتغدو دولة جاذبة بمدنها الحديثة، وما تنعم به من رخاء وتطور في كل جوانب الحياة.
لقد كان للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الفضل الكبير في رسم معالم الحياة
لمنطقة كانت بعيدة كل البعد عن الحياة الحضارية، وقد نجح المغفور له في توظيف
الموارد الاقتصادية لبلاده والشروع بثورة في الإعمار والبناء والاستثمارات والري
والزراعة والتجارة والخدمات والاتصالات والمواصلات ... ورغم كل الصعاب وانعدام
الاستقرار في المنطقة نجح المغفور له ببناء دولة مسالمة وحيوية وناضجة ومزدهرة لها
قدرتها على أن تحيا حياة آمنة ومستقرة، إذ كان حكيماً في إرساء جملة من القيم
والمبادئ الداعية للسلم بعيداً عن شبح الحروب فنأى ببلاده عن الصراعات والنزاعات،
بل دعا في مواقفه العديدة إلى استخدام العقل والحكمة في صنع القرارات !
كانت الزعامة لدى المغفور له الشيخ زايد إنسانية أكثر منها سياسية سلطوية، وكانت
قيمية وواقعية وليست حزبية وأيديولوجية .. وكان قيام الدولة الاتحادية التي أسسها
تعبيراً عن إرادة مجتمع وليس العكس.