التحول إلى الدستور الدائم وتوحيد التشريعات
جاء قرار المجلس الأعلى عام 1996 بتحويل الدستور المؤقت إلى دستور دائم بمثابة
إعلان على أن النظام السياسي في الإمارات قد استقر على الشكل الاتحادي، وقد حسم ذلك
الوضع المؤقت للاتحاد، واعتماد الصيغة الاتحادية كخيار نهائي وكوضع سياسي دائم في
الإمارات.
كما حققت الدولة الاتحادية بالإضافة إلى وضع الدستور الدائم للبلاد مجموعة من
التشريعات الاتحادية الواسعة التي لامست القضايا الجوهرية للمواطن في دولة الاتحاد
بحيث أصبح الأصل في التشريع في الإمارات هو التشريع الاتحادي وليس المحلي.
وبذلك تمكنت الحكومة الاتحادية من ربط الإمارات ربطاً واسعاً بالتشريعات والقوانين
الاتحادية التي شملت كافة المجالات الحياتية.
وقد أصدرت الدولة خلال السنوات الثلاث والثلاثين الماضية العديد من التشريعات التي
جاءت لتعزيز البنيان الاتحادي، من خلال تأسيس المؤسسات والهيئات الاتحادية وتحديد
اختصاصاتها ومجالات عملها المختلفة.
كما استطاعت الدولة الاتحادية عبر التشريعات من مدّ نفوذها والوصول إلى كل فرد
وتسهيل كل نشاط على أرض الإمارات، وأصبح الفرد عبر هذه القوانين أكثر ارتباطاً
بالاتحاد.
ويلاحظ في هذا السياق أن التشريعات الاجتماعية التي تنظم برامج الرعاية الاجتماعية
في الدولة الاتحادية هي الأكثر عدداً مقارنة بالقوانين والتشريعات الأخرى، وتمتاز
هذه القوانين بكونها الأكثر وضوحاً في أهدافها ومضامينها وبرامجها.
لقد قامت الدولة منذ ولادتها بتنظيم الحياة الاجتماعية، وتقديم مجموعة من الخدمات
الاجتماعية التي ساهمت مساهمة مباشرة في تطوير نوعية الحياة والارتقاء بمؤشرات
التنمية البشرية في الإمارات.
لقد حققت هذه القوانين الدمج الاجتماعي الذي تحقق منذ قيام الدولة الاتحادية،
فالأجهزة والوزارات الاتحادية كوزارة التربية والصحة والإسكان والعمل والشؤون
الاجتماعية هي الوزارات الأكثر حضوراً وربما الأكثر نشاطاً، وحتماً الأكثر ارتباطاً
بالأفراد، والتي لا نظير لها على الصعيد المحلي، وقد عملت كلها على تحقيق شعار دولة
الرفاهية الاجتماعية من خلال تقديم مجموعة من الخدمات التعليمية، والصحية،
والإسكانية، والإجتماعية.
وكانت الغاية من ذلك أن يتيح المغفور له الشيخ زايد لشعبه ان يجني ثمار التنمية
الناتجة عن قيام دولة الاتحاد وان تنعكس بوضوح في الخدمات والمكاسب المتعددة.
وفي افتتاح دور الانعقاد الأول للمجلس الوطني الاتحادي في الفصل التشريعي الخامس
للمجلس يوم الثلاثاء 21 ديسمبر 1982 ومع بداية مرحلة جديدة من العمل فقد طلب
المغفور له – بإذن الله – الشيخ زايد من الحكومة موافاة المجلس ببيانات شاملة عن
الإنجازات التي تم تحقيقها خلال العام في القطاعات المختلفة، وما تعتزم الحكومة
تنفيذه من مشروعات خلال العام المقبل).
وقد رد المجلس الوطني الاتحادي على الخطاب بقوله : إن المجلس سوف يتولى (دراسة
وتقييم هذه الإنجازات مع الوزراء المختصين بكل الموضوعية والصراحة ليتخذ فيها ما
يراه من توصيات تدعم خطط التنمية الشاملة وتدفع خطوات العمل).
وفي الخطاب الذي ألقاه المغفور له – بإذن الله – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في
افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي السابع للمجلس الوطني الاتحادي
يوم الثلاثاء 5 يناير 1988 تحدث سموه عن مسيرة الاتحاد بعد مرور ستة عشر عاماً على
قيامها وما تحقق فيها من إنجازات في كل مجال وقال : (استعطنا بعون الله أن نتغلب
على الطبيعة الصحراوية القاسية فتبدلت الصحراء من أرض قاحلة إلى أرض خضرة خيرة).
وقد رد المجلس على الخطاب بأن هذه الإنجازات التي كانت ثمرة المسيرة الاتحادية خلال
السنوات الماضية ليدرك يقيناً ان الطريق لم يكن سهلاً ميسراً أو مفروشاً بالورود
والرياحين وإنما كان محفوفاً بالعقبات الكأداء ومحاطاً بالكثير من الصعوبات
والتحديات وقال المجلس في رده : ( وفي هذا المجال يعبر المجلس عن ارتياحه ورضاه عما
قامت به الحكومة مشكورة تنفيذاً لتوجيهات سموكم).
وفي الخطاب الذي ألقاه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في
افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي السابع للمجلس الوطني
الاتحادي يوم الثلاثاء 27 ديسمبر 1988 قال سموه : (إن غايتنا الأساسية هي توفير
الحياة الكريمة للمواطنين باعتبارهم الثروة الحقيقية لحاضر هذا الوطن ومستقبله) وقد
رد المجلس على خطاب سموه مشيداً بالتعاون المثمر والصادق بينه وبين الحكومة وأكد
على أن تولي الحكومة القطاع الزراعي اهتماماً مناسباً فيما يتعلق بحمايته من
المنافسة الأجنبية.
إن هذا التأسيس الراسخ الذي قام به المغفور له الشيخ زايد لتعزيز الأجهزة الاتحادية
مع المحافظة على المجالات التي اختصت بها الأجهزة المحلية بحيث لا يطغى جانب على
آخر إلا في الحدود التي رسمها الدستور هو الذي منح هذه التجربة خصوصية تميزت بها،
ولفتت إليها أنظار الدارسين والباحثين للوقوف على عوامل نجاحها واستمرارها وتطورها.