الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 204783
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » زايد والتراث » مفهوم الأبوة ومفهوم الشياخة
تاريخ الإضافة :: 12/04/2006   ||   عدد الزوار :: 559

مفهوم الأبوة ومفهوم الشياخة


موضوع القيادة في المجتمع العربي التقليدي يقودنا للرجوع إلى وحدات القرابة المتداخلة التي تشكل اللبنات الأساس في البناء الاجتماعي والسياسي، والتي يستعصي الفهم الصحيح للقيادة بدونها في ذلك المجتمع، وتبدأ تلك الوحدات بالأسرة الممتدة، وعلى رأسها ربّ الأسرة، ممثلاً في الأب أو الجد، وذلك لان الأسرة الممتدة غالباً ما تشتمل ثلاثة أجيال، ثم تتسع الدائرة وتنداح لتشمل الأفخاذ والعشائر ثم القبيلة. ولكل وحدة من تلك الوحدات المتداخلة شيخ هو القائد لجميع المنضوين تحت لواء الوحدة التي يرأسها، وله حقوق وعليه واجبات تجاه رؤسائه ومرؤوسه، أي تجاه شيوخه ورعاياه.
تكون هذه الوحدات المترابطة نظاماً هرمياً له خصائص ووظائف اجتماعية وسياسية، ولكل من شيوخه صلاحيات ووظائف محددة تتناسب مع موقعه في هذا النظام المتدرج. وإذا كان على كل شيخ عشيرة أو رب أسرة قيادة رعاياه وأبناء عشيرته، أو أفراد أسرته الخاضعين لسلطاته، فعليه كذلك الخضوع لقيادة شيخ القبيلة طوعاً واختياراً، والالتزام التام بفروض الولاء والاحترام تجاهه، وبنفس الصورة لا يتعمد الشيخ الأكبر تجاهل شيخ العشيرة سياسياً أو اجتماعياً، وذلك لان هذا النظام الهرمي المترابط يعتمد أساساً على الاحترام والاعتراف المتبادل، كما يعتمد على التعاضد والترابط الذي يؤدي إلى الذوبان الطوعي والسلمي في وحدات القرابة الكبرى، الأمر الذي يشكل جوهر البناء الاجتماعي السياسي.
يظهر التداخل الواضح بين مفهوم (الأبوة) ومفهوم (الشياخة)، والتدرج في هذه إلى تلك، وقد يحتاج الأمر لوقفة قصيرة تبين ان مفهوم (الأبوة) المقصود هنا يختلف تماماً عن مفهوم (الأبوية) الذي ورد في بعض الدراسات عن المجتمع العربي، وذلك من اجل إزالة أي لبس أو غموض يكتنف هذا الأمر، فمفهوم (الأبوة) Paternity المشار إليه في هذا الفصل يختلف تماماً من مفهوم (الأبوية) Patriarchy أو على وجه التحديد (الأبوية المستحدثة) Neopatriarchy الذي أشار إليه هشام شرابي في كتابه النظام الأبوي وإشكالية التخلف في المجتمع العربي، والذي يرد إليه تغيب المرأة عن مسرح العمل الاجتماعي، وغياب الديمقراطية، وبالتالي تخلف المجتمع العربي، كما يرد هشام شرابي أسباب هذا التخلف إلى الخلط الوضاح والازدواجية المغلوطة في مفهوم التراث ومفهوم الحداثة اللذين يمثلان المقولتين الرئيستين لواقع التخلف العربي ونظامه الأبوي المستحدث، فيشير هشام شرابي إلى ان:
(النظام القائم في المجتمع العرب اليوم ليس نظاماً تقليدياً بالمعنى التراثي، كما أنه ليس معاصراً بالمعنى الحداثوي، بل هو خليط غير متمازج من القديم والحديث، من التراثي والمعاصر. نظام غريب يختلف عن أي نظام آخر، يدعي هذا النظام الفريد من نوعه التراث والحداثة معاً، في حين أنه يبتعد عن الحداثة الصحيحة بُعده عن التراث الحقيقي.
وسوف يتضح عند المناقشة التفصيلية للصلة الوثيقة بين زايد والتراث، أن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان انحاز إلى التراث برؤية واضحة لا ضباب حولها، حيث انه جعل التراث مرتكزاً لانطلاقته السياسية والاجتماعية، ولكنه في الوقت ذاته جعل الحداثة نصب عينيه ومبتغاه، إذ أخذ منها ما يعود بالفائدة على أبناء شعبه، وبهذا الموقف الأصيل والمنبثق عن قناعة تامة بالتراث فهو يختلف اختلافاً جذرياً عمن جعل التراث شعاراً وقتياً وهامشياً، الأمر الذي مكنه من الابتعاد عن الازدواجية المغلوطة، البعيدة عن العدالة الاجتماعية والمؤدية إلى التخلف الذي وردت الإشارة إليه في الفقرة السابقة.
إذا حاولنا الربط بين التحديات التي واجهت المجتمعات التقليدية في الوطن العربي من جهة والقيادة الاجتماعية والسياسية المعتمدة على دور الأب ودور الشيخ، نلاحظ ما يلي :
أولاً : اقتضت الظروف الطبيعية والاجتماعية القاسية التي عاشت في كنفه تلك المجتمعات، أن تصبح الوحدات القرابية والاجتماعية المتداخلة وحدات إنتاجية وسكنية ومهنية في حال السلام، ووحدات دفاعية في حال الحرب.
ثانياً : في ظل الاقتصاد الإعاشي والبيئة شحيحة الموارد كان لابد من الحرص على العمل والسكن والتحرك الجماعي، كما هو الحال بالنسبة للمهن التقليدية كالرعي والغوص، في حال السلم.
ثالثاً : في حال الحرب أو الظروف الداعية للاستنفار كان لابد من اللجوء لكل الوحدات القرابية والاجتماعية.
رابعاً : في كل تلك الظروف، وفي حال الحرب والسلم على حدٍ سواء كان الاستنفار يتم عن طرق القيادات الاجتماعية والسياسية، وممثلة في الأب والشيخ، لمواجهة التحديات الطبيعية والاجتماعية والعسكرية، وذلك من خلال توظيف التراث الاجتماعي وتفعيل دور القيادة في النظام الاجتماعي والنظام السياسي.
بما ان هذه الدراسة تُعنى بدور الشيخ في المجتمع العربي التقليدي، والى حد ما في المجتمع المتغير في بعض البلاد العربية مثل أقطار الخليج العربي، حيث يمثل قمة القيادة السياسية، نشير في شيء من الإيجاز، إلى أهم وظائف الشيخ ومسؤولياته في المجتمع العربي التقليدي :
أ ) إعالة المحتاج.
ب) تفادي النزاع والاختلافات.
جـ) فض الاشتباك وحفظ الأمن والاستقرار.
د ) الحفاظ على وحدة القبيلة ونظامها الاجتماعي.
هـ) تولي مهام القيادة السياسية والقيادة العسكرية العليا.
و ) القيام بوظيفة (الأبوة الروحية) لجميع أفراد المجتمع.

وفي مقابل تلك المهام والمسؤوليات نجد أن أفراد القبيلة، أو الحلف القبلي، يدينون بالولاء التام لشيخ القبيلة ويدعمون جهوده الرامية إلى تحقيق رفاهية مجتمعه. وغالباً ما يأتي دعم أبناء القبيلة لقائدهم عن طريق زعماء العشائر ورؤساء الأسر العريقة، ولكنهم ينتهزون فرصة المناسبات الاجتماعية والسياسية والدينية فيؤكدون الوفاء والولاء لقيادتهم التقليدية بصورة مباشرة.

عودة »»